صفحة 1
آجر... رحمكم الله
تخلّيت عن كل مهماتي واهتماماتي في ذلك اليوم الذي تكتلت فيه جحافل المغتصبين أمام قامتها البهية؛ لقد أغلقوا مجرى التنفس عندها، وكتموا صوتها، ونهشوا لحمها الطري الغض. يومها قررت الذهاب إلى أحضانها حتى أكفكف حزنها، وأمسح دمعة تصارع مقلتيها.
أنا تجاوزت العقد الخامس من الزمن الذي قضيته في ربوعها. سرت وقامتي مرفوعة، ثابت الخطوات من بين جموعهم المتراكمة أمام بواباتها العتيقة؛ تلك البوابات التي يعبر التاريخ من خلالها، كما عبر الأبطال العظماء. سرت على بلاطها الذي سار عليه الصلاّح والشهداء والعمّار والأولياء، والعلماء؛ مرت منه العيون والأفكار والأحلام، وزُرعت على جنباته الآمال العظام. هم يتكتّلون على درجاتها ويلتصقون على جدرانها كالبصاق المقزز. تلك الجدران التي تشي بهم إلى المرابطين فيها. هم يمنعون زهراتنا وفتيتنا وأعلامنا من المرور، وأنا من الذين لا يهتمون بوجودنا، إذ إننا عبرنا مرحلة الخطر عليهم كما يدعون.
لا بأس؛ دعهم يفكرون كما يشاؤون، أما وقد دخلت المدينة كما اعتدت دخولها، وسرت في ساحات الأقصى أتنشق الإيمان والنسيم العليل، وأرقب كل حركة من حركات المكان، هذا المكان الذي حفرت لمسته في صدري، ورضعت حبه ممزوجًا بحليب أمي، فأنا وهذا المكان في عناق أبدي.
كان على مسطبة الجنائز تابوت مسجّى فيه جثة امرأة قد توفيت في هذا الزمن الصعب. صلّينا عليها صلاة الجنازة. نظرت حولي لأرى الحضور؛ كان عددهم لا يتجاوز عدد أصابع اليدين، وكنت أصغرهم سنًّا.
بعد الانتهاء من الصلاة، توجهت أنظار الجميع نحوي. في البداية لم أدرك معنى تلك النظرات، ولكنني ما لبثت أن أدركتها. كانت نظراتهم تدعوني للمشاركة في حمل التابوت، وبصعوبة كبيرة استطعنا أنا وثلاثة آخرين من حمله. سرنا به من المسجد الأقصى باتجاه باب الأسباط. كان الحمل ثقيلاً جدًّا عليّ. بعد دقائق معدودات، أخذت أجول بناظري لعل بعضهم يأتي فيقول: "آجر آجرك الله"، إلا أنني لم أسمع أحدًا يقولها لي، أو لأي من الرجال الآخرين الذين يشتركون معي في حمل الميت.
سرنا ببطءٍ شديد وبسرعة لا تزيد عن سرعة سلحفاة هندية. أخذ خشب التابوت بثقله يضغط بشدة على كتفي حتى تقرّحت، وبدأ الدم يسيل وأنا ما زلت أئن من تحته، وكانت حالة زملائي لا تقل معاناة عن حالتي. اتفقنا أن ننزل التابوت لنستريح، ومن ثم نكمل طريقنا، وهذا ما حصل.
كان المشيعون رجالاً عجائز لا يستطيعون حمل أنفسهم على المشي، وكنا نحن الذين نحمل التابوت أقوى الموجودين، فعُدنا وحملنا التابوت من جديد لنكمل سيرنا نحو المقبرة. كانت المسافة التي تفصلنا عن المقبرة لا تزيد عن الألف ياردة، إلا إنني شعرت بأنها في الطرف الآخر من الكرة الأرضية. كنا نسير باتجاه المقبرة، إلا أنها كانت تبتعد عنا كلما اقتربنا منها! كنا ننزل التابوت كلما شعرنا بدفء الدم يبلل القميص من تحت خشب التابوت الثقيل.
وصلنا أخيرًا إلى خارج الحرم، وكان بانتظار الجنازة مجموعة من الشبان الذين مُنعوا من دخول الأقصى بسب أعمارهم التي لم تسمح لهم بالدخول حسب قانون القمع الصهيوني، ما إن لمحوا الجنازة حتى هرولوا تجاهنا، حملوا عنا التابوت وهم يقولون: "آجرْ.. آجرْ.. آجرْ.. رحمكم الله"، فقلت وأنا بالكاد أتنفس: "أجرنا وأجركم على الله".
صفحة 2
درجات باب العامود
كدت أتنازل عن عادتي التي اكتسبتها من أمي، تلك العادة التي شربتها يومًا بعد يوم مع عشقي المتوالي للتجوال في البلدة القديمة. أذكر كيف كنت أعد درجات باب العامود درجة درجة. حفظتها غيبًا. تعرفت إلى مزايا كل واحدة منها، حتى أنني عرفت أسماء بائعات الخضار اللواتي يأتين من القرى المحيطة بالمدينة، وحفظت أسمائهن عن ظهر قلب. لا تنتظروا مني البوح بأسمائهن، فأمي حذرتني من البوح. قالت لي، ولن أنسى مقولتها تلك أبدًا: "احذرْ يا بنيّ من البوح بأسماء من تحب".
كانت درجات باب العامود تستوعب كل القلوب والأسماء والعيون، ولكنها ضاقت تمامًا عن استيعاب بساطيرهم. لم تحتمل نجاستهم. اشمأزّت من رائحة حقدهم المتوارث.
كنت أسمّي كل درجة من الدرجات باسم البائعة التي تجلس عليها. كن يجلسن موزعات كفرقة عزف كلاسيكية، تُشكلن لوحة سريالية بألوان فاقت إبداعات (دالي). كن يوزعن رائحة الخضار والفاكهة على عشاق المدينة بنسق دقيق، ويتعاملن مع السماء والهواء وعصافير الدوري بانسجام رائع، إلا أن أصحاب العيون الرمادية الحاقدة لا يعجبهم هذا الانسجام، ولا ذلك العزف الجميل؛ أخذوا يسحقون ببساطير الحقد كل الألوان، لتمتزج ألوان اللوحة تحت نعالهم فتصير لونًا واحدًا هو اللون الأسود.
هالني ما رأيت صباح ذلك اليوم. سحقتني دموع البائعات، ومزّقني قهر الرجال. تركت البائعات أماكنهن، وتقوقعن مرتجفات في زاوية السور كمن يحتمي بحضن أمٍّ حنون، لا حول لهن ولا قوة. يومها قررت الكف عن التجوال في المدينة، وقررت وداع الدرجات وداعًا تملؤه الحسرة.
لملمت أعصابي، وحملت جميع متاعبي، وسرتُ، دون أن ألتفت خلفي، باتجاه حوش البسطامي. صعدت سلم البيت، واستلقيت على سريري المتواضع. كان الألم فظيعًا لأنني لا أعرف له موضعًا، فقد توزع على مساحات نفسي.
استيقظت في الصباح على صوت بائع الصحف معلنًا عن خبر جعلني أقفز عن السرير على أمل الحصول على صحيفة قبل نفادها. لقد رمم الخبر ما تهتك من نفسي المحطمة، وشفى قهري.
ارتديت ما كان في متناولي من ملابس، وهرولت مسرعًا إلى درجات باب العامود. تفقدتها درجة درجة، وبائعة بائعة، حتى وصلت إلى درجة كانت الصحيفة موضوعة فوقها بعناية وعليها حزمة ياسمين مقدسي، تلك هي درجة فاطمة.. الآن أستطيع البوح باسمها.
صفحة 3
خبر عاجل
أَستيقظ قبل تثاؤب الشمس. أَتململ بين أفكاري المتدفقة وحيرتي وسريري العاري من وهج الأحلام. أَتناول كتابًا لا يزال قابعًا على يمين وسادتي. أُشعل فتيل رغبتي بقراءة ما تبقّى من رواية سكنت دفتي كتاب منذ عصر قياصرة الروس، ثم أغيب في حياة أخرى تاركًا وراء ظهري تلك المدن الغارقة بمستنقع الطغاة. أقرأ الصفحة الخامسة بعد المائة الثانية. تحدثني نفسي بميول كاتبها الاستسلامية، ولكن يستسلم لمن؟ بالطبع، لرغبات بناته الثلاث، فزوج ابنته البكر غالبًا ما يقضي وقته خارج البيت؛ في العمل، أو مع أصدقائه يتنافسون بلعب الورق، ولا يتبادلون الحديث إلا بين الحين والآخر. هي تقضي وقتًا بين تحضير طعام صغارها الذين تكثر طلباتهم يومًا بعد يوم، ومداعبة جهاز البحث عن القنوات التلفازية. لا يستقر رأيها على قناة بعينها. قنوات تصور أحداثًا غير مألوفة؛ بركان من الغضب. صراخ ودماء ورايات حمراء وسوداء وصفراء وبيضاء. أضواء بألوان مختلفة وخطب وأصوات متداخلة. أفواج وحشود تتجمع في الميادين. تستقر على محطة تعرض محاورة سياسية بين متحاورين اثنين ومذيعة حسناء بالغت بتزيين نفسها، حتى تخالها تجذب انتباه المشاهدين أكثر من جدال محاوريها العقيم.
اترك الكتاب جانبًا. أُجهز فنجان قهوة سادة، فأنا أحبها بدون سكر، وأنا أظن بأن السكر يذهب طعم القهوة، فللقهوة طقوس؛ آخذ رشفة، أتذوقها بلساني، وأقلّب أفكاري، وبعدها أحزم أمري. أرتدي بنطالي الجينز، وحذائي الرياضي.
أتأكد من عدم نسيان آلة التصوير التي تصاحبني بكل جولاتي في البلدة القديمة، فأنا في كل مرة أنزل إلى القدس أحمل معي سعادتي وتعاستي، حزني وفرحي، إرادتي ويأسي، مللي وشوقي. أحمل أعباء سنين من البؤس والخيبة، ولكنني أمشي على درجات الزمن الذي أراه متجليًا على قسمات الجدران التي عاصرت التاريخ. أسير بمحاذاة العيون القابضة على الدمع. لا تسمع أذناي سوى معزوفة تشدو بها أيام معدودات كنت قد عشتها في ظل أناس كالفراشات في رقتهم.
في هذه المرة سرت عبر أزقة تُركت عرضة للدخلاء. كانت أبواب البيوت مغلقة من الداخل، ويقف أمام بعضها رجال برائحة غريبة تشبه رائحة الخل، أيام كانت جدتي تضعه مع اللفت لصنع المخللات الذي تلونها باللون الليلكي، أما وجوه الغرباء فألوانها ليست ليلكية، إنما هي سوداء بلون الحقد المنبعث من عيونهم الرمادية.
صفحة 4
سرت عبر عقبة الشيخ حسن في طريقي إلى عقبة الميلوية. كان يربط بين العقبتين زقاق آخر تكوّن بعد بناء مدرسة الميلوية، لا يزيد طوله عن بضعة أمتار، وهناك قرب المسجد، وتحت القنطرة المظلمة، لفت نظري مدخل حوش معتم، تنبعث منه رائحة الرطوبة التي اعتاد عليها أنفي منذ نشأتي الأولى. دفعت الباب بهدوء لأرى إلى أين ينتهي هذا الحوش المعتم. كسرت العتمة بضوء هاتفي النقّال، وعبرت إلى نهاية الحوش.
حسبت أنني سأرى ساحة أو درجًا يؤدي إلى ساحة فيها بئر وشجرة نخيل تتوسط الساحة. هذا ما فكرت به، ولكن الحوش لم ينته إلى ما حسبت، بل وجدتني بين مجموعة من الأبواب التي تهرّأ لون دهانها، وأكل السوس أجزاء كثيرة منها.
سمعت خلف إحداها صوتًا مألوفًا، تبين أنه صوت (بابور كاز) يصدح بمعزوفة أعادتني إلى الوراء عشرات السنين. طرقت الباب طرقات خفيفة. لم أسمع ردًّا من الداخل، فأعدت الطرق عدة مرات بصوت أعلى، وكنت أصغي بين الطرقة والأخرى لعلي أسمع إجابة ما. زاد فضولي؛ قلت في نفسي: "سوف أحاول مرة أخيرة"، فطرقت الباب ثلاث طرقات بكف يدي. قربت أذني من الباب أكثر على أمل سماع إجابة على طرقي المستمر، إذ من غير المعقول أن لا يكون في الداخل أحد خصوصًا وأن (البابور) الذي لا يخفى علي صوت اشتعاله. عدت وطرقت مرة أخرى. خُيل إليَّ بأنني سمعت صوتًا ممزوجًا بقحة مع ضجيج (البابور).
دفعت الباب بأطراف أناملي، وتسللت بنظري لأرى صاحبة الصوت المتحشرج. قالت لي وهي مطمئنة: "شو السيرة جاي اليوم بدري؟". في البداية استغربت كلامها، وفيما بعد، تبيّنت أنها لم تقصدني بسؤالها، إنما تقصد حفيدها محمدًا الذي كان يأتي لخدمتها مرتين في اليوم، وأحيانًا ثلاث أو أربع مرات.
صفحة 5
كانت امرأة طاعنة بالسن. ربما عاصرت العثمانيين. لم أتبين ملامح لها، فقد غرقت ملامحها بين شقوق وتجاعيد سنين طويلة بطول القرن الماضي، وكان حفيدها محمد شابا فتيًّا يقدم المساعدة لجدته، وأحيانًا يدعو أقرانه لسماع بعضٍ من قصص الجدة العجوز. هي لم تفقد ولو قليلاً من ذاكرتها على الرغم من السنين. تحدثهم عن (السفر برلك)، و(وعد بلفور)، والتقسيم، ودير ياسين، وحزيران، و242، وتشرين، والليطاني و(سلامة الجليل)، و(أوسلو)، وكل الأسماء، تحدثهم عن كوابيسها، ومع كل خط من تجاعيد وجهها هناك حكاية تشبه أساطير ألف ليلة وليلة، واليوم دون كل الأيام، جاء محمد يبحث عن مكان يجلس فيه بجانب جدته.
يهمس في أذنها، فتبتسم ابتسامة عريضة، لا يظهر بفمها سوى سن أمامي واحد لا أدري كيف حافظت على بياضه ومتانته. عجبت كيف اختطف محمد ابتسامة بهذه الروعة من وجه غمرته المأساة؟! تشوقت لمعرفة السر قبل أن أغادر هذا القبو عائداً إلى منزلي. أقلب أفكاري. لم أهدأ حتى استقر قراري على العودة إلى زيارة هذه العجوز، وهذا ما فعلته بعد خمسة أيام.
فوجئت عند وصولي، فالحوش المعتم تغمره الإنارة، والأبواب القديمة بُدِّلت بجديدة، والقبو خالٍ من العجوز، و(البابور) بُدّل بتلفاز. رأيت القبو قد اتسع بعد إفراغه من كراكيبها، وزُيِّن بألوان وردية. ثلاثة من الشباب يجلسون أمام أجهزة حاسوب حديثة، يمررون أصابعهم فوق لوحة الحاسوب بلياقة، وينقلون أفكارهم على صفحات (الفيس بوك)، ويستمعون إلى بث مباشر على قناة الجزيرة؛ خبر عاجل كل دقيقة.
رحلت العجوز قبل يومين، رحلت دون تشييع، ومحمد يجلس على كرسي خشبي إلى طاولة عليها حاسوبه الشخصي، الذي يتنقل معه أينما ذهب.
جلست ساعة بكاملها، لم أجد منفذًا للحديث. كان يشغلهم أمر جلل. لم أشأ التطفل عليهم، فحملت نفسي، ولملمت بقايا حيرتي، وأخذت أبحث عن مواصفات حاسوب أشتريه...
صفحة 6
أبونا عيسى
أبونا عيسى، رجل عليه وقار السنين، قد عبثت خطوط الزمن بوجهه ويديه اللتين تقبضان بعزم على مقبض عصاه التي يتوكأ عليها بغدوه ورواحه. وجهه مشرق كإصباح بئر زيت؛ تلك القرية التي أخلص أبونا عيسى في حبها، فلم يغادرها إلا في رحلاته الإيمانية إلى القدس، يزور فيها كنيسة القيامة، ويؤدي واجباته الدينية، ويقفل راجعًا إلى خربة بئر زيت، كأنه قطع عهدًا أبديًّا مع تراب أرضه الأحمر.
كان يجلس على ركبتيه، يعالج نبتاته برقةٍ اكتسبها من نسمات نيسان التي تهفهف على أشجار اللوز والرمان، وتداعب أغصان الصنوبر العالية. من هناك، من فوق رابيته، يطل علينا من البعيد البعيد بحر يافا بمائه الأزرق الصافي كالكريستال التشيكي الأزرق، والذي يبعثر ألوان الطيف بطريقته الفوضوية المحببة.
كان يجلس بين شجيرات الفول بنوعيه، ذات القرن الطويل وذات القرن القصير، وبين شجيرات البازيلاء الخضراء التي يشبه مذاقها العسل من شدة حلاوتها.
كانت لحيته البيضاء الناصعة، والتي تتدلى حتى منتصف صدره، تتثاءب بدلال كلما لامستها نسمة هواء مشاكسة. ابتسم لنا أبونا عيسى عندما حييناه. دمعت عيناه كجدول ماء يسير بين ظلال سنابل خضراء ملأى بالحبوب عندما عرف أننا من القدس وجئنا لزيارة ريفنا الجميل. دعانا لشرب الشاي، وأجلسنا على مقعد خشبي قديم يذكرني بمقاعد الدراسة الابتدائية. بدأ يحدثنا عن حبه لأرضه التي لا تزيد مساحتها عن عشر قامات طولاً وعرضًا. يصرّ على زراعتها في كل المواسم بالزيتون، والتفاح، والعنب، وبالبقول من فول، وحمص، وبازيلاء، كما زرع بعض شتلات من البندورة والخيار والكوسا. يقضي نهاره بين نبتاته، وتراب أرضه الأحمر. رفيقته العصا وكنّته التي لم تنجب له الأحفاد بسبب عقم الزوج. المرأة التي ارتسمت على محياها سعادة العمل بجانب حَماها الخوري الجليل، الذي يشفق عليها كما يشفق على تراب أرضه من عبث العابثين، ذئاب الأرض الطامعين، الذين يحاولون النيل من كل بقعة متروكة. أبونا عيسى لم يترك أرضه يومًا واحدًا، ولم تتركه أرضه. فيها كل ما يريد من محبة، وثراء، وبهجة، وراحة بال، وفيها أحلامه تنضج يومًا بعد يوم، وفيها عزيمته وقوته وحياته، وفيها للشمس معنى الحياة، وفيها يتعانق الأفق مع الغروب، وفيها تتسامر الطيور فوق الأفنان، وفيها أبونا عيسى يبتسم ابتسامة عريضة تتسع لكل الآمال، وفيها تتحطم كل الأطماع، وتختفي كل الجدران.
صفحة 7
عندما جلست مع (أبونا) عيسى شعرت لأول مرة في حياتي بأن الأحلام ممكن لها أن تتحقق، فماذا نريد من الحياة أكثر من زادنا اليومي، وجرعتنا في عشق الوطن، يتحول التراب إلى ماس ثمين بين أصابع المخلصين.
لم يحدثنا أبونا عيسى عن نفسه، ولم نسأله أبدًا. كان حديثه عن أرضه كأنه يتحدث عن معشوقته، فهي شريكته، ورفيقته، وملاذه.
سألنا عن أحوال القدس.. القدس حزينة، وحيدة، تتوق إلى تلك الأيام التي صنعت من ذكرياتها منارة انصهرت فوق خيوطها مشاعر الإيمان.
أُحضر الشاي بالنعناع الذي فاحت رائحته في المكان وامتزجت مع عبير أزهار اللوز والريحان ولسعة برد تداعب الجسد فيستسلم هانئًا بين أحضان الطبيعة الغناء. تناولت كوب الشاي وأنا ممتن لكرم الضيافة. نظرت إلى عيني (أبونا) عيسى فوجدتهما غارقتان في هم تنوء عن حملها جبال رام الله وتلالها. في البداية لم أشأ اقتحام خصوصيات الرجل، إلا إنني اندفعت بعد ذلك أسأله عن معنى تلك النظرة الحزينة التي تسكن بين مقلتيه. رفع نظره إليَّ مبتسمًا وقال:
- لقد فتقت جروحي يا بني.
- آسف يا سيدي لم أقصد إزعاجك.
- لا، بالعكس يا بني، أنت لم تزعجن بحديثك، بل رؤيتك جعلتني أتذكر القدس والأيام الخوالي، وأعدتني إلى مرحلة من حياتي ظننتها طُويت إلى الأبد. كنت ساذجًا عندما اعتقدت بأن الزمن كفيل بأن ينسيني تلك المرحلة.. ولكن، لا بأس في ذلك، فإن الذكريات مهما كانت، هي دليل حي على وجودنا. أنا سعيد جدًّا بوجودك هنا، فإنني أشمُّ رائحة القدس تفوح من أنفاسك.
قام أبونا عيسى عن مقعده الخشبي متوكئًا على عصاه. سار ببطء نحو زاوية الأرض الشرقية، فاستغلت الكنّة ذهابه بأن قالت:
- أبونا عيسى رجل فاضل، لكنه قاسى الكثير في حياته خصوصًا عندما تعرضت أرضه للمصادرة من قبل الاحتلال قبل سنوات ما جعله يترك الكنيسة الأرثوذكسية في القدس لإنقاذ أرضه، فقد كان على خطوات قليلة من رئاسة الكنيسة، إلا إنه آثر إنقاذ الأرض وتخليصها من براثن الاحتلال على منصبه، ذلك المنصب الذي يسعى إليه كل رجل دين في الكنيسة.
صفحة 8
صرخ أبونا عيسى مناديًا لنا بالحضور إليه:
- انظروا إلى تلك الزهرة التي اكتسبت اللون الأبيض، لقد زرعتها قبل أسبوعين، وها هي قد أزهرت فما أطيب رائحتها! وما أجمل لونها الذي يميل قليلاً إلى لون السكر!
أبونا عيسى سعيد بزهرته. ظهرت عليه نشوة الانتصار. أبعد التراب عنها، وصنع حوضًا صغيرًا صبَّ فيه الماء بيد ترتجف من فعل الزمن، ثم تناول يدي برفق وأخذ يسير بي بعيدًا عن الآخرين. شعرت بدفء قلبه من خلال كفه الضخم. همس قائلاً:
- ما يؤلمني يا بني أن الزمن يمر سريعًا، والعمر يتناقص ولا يزيد. في داخله صراع بين الحياة والموت، والحرية والاستبداد، وجمال الأرض وقبح الاستيطان.
أضاف يقول:
- ها أنا اقترب شيئًا فشيئًا من نهايتي- هذا أمر الله-، وقلقي يتزايد لأنني لا أعرف من سيروي الأزهار بعد رحيلي الأبدي.
صفحة 9
الأستاذ رؤوف
يجلس الأستاذ رؤوف كعادته إلى طاولته في المكتبة. يضع على عينيه نظارة بإطار شفاف تختفي بين معالم وجهه، ويستعين بها كلما همَّ بالبحث عن معاني المفردات في (لسان العرب).
لا أعرف كيف أبادره بالكلام، فهو متجهم، عابس، ذو نظرة حادة تضفي على وجهه الوقار والهيبة. كلما قررت التوجه إليه بالكلام، وجدتني أتقدم خطوة وأتراجع خطوات، ثم أقرر تأجيل الحديث معه إلى يوم آخر، عندما يكون مزاجه صافيًا.
أنتظر فرصتي بفارغ الصبر.
أرقبه من بعيد، وكلما أطلتُ الانتظار زاد ترددي. أنظر إلى وجهه المستدير، وعينيه المحاطتين بالسواد، ورأسه المشتعل شيبًا، حتى لون بشرته القمحية يبث في نفسي الرهبة بالبوح. إنه يطيل النظر إلى شاشة حاسوبه الشخصي. يخيّل إلي أنه صار جزءًا من الزاوية التي يجلس فيها كل يوم.
يأتي إلى المكتبة وبيده حقيبة سوداء فيها حاسوبه، وبعض أقلام، ودفاتر. يتناول كتابًا يبحث بين صفحاته. يتركه ويتناول آخر، وعندما يجد ضالته ترتسم على وجهه علامات الارتياح، فتخرج من بين شفتيه ابتسامة رقيقة تدل على فرحة غامرة. قررت انتظار فرصة كتلك التي يصل فيها إلى الابتسام.
انتظرت ابتسامة الأستاذ رؤوف لحظة بلحظة. ثماني ساعات انتظرته في ذلك اليوم. لم يطرأ تغييرًا على وجهه، بل كانت نظراته أحدّ من السيف. كدت أفقد رغبتي بمكالمته. يئست تمامًا من نيل فرصتي. سألت أمين المكتبة أن يُقدمني له، ورجوته بذلك، فقال لي:
- اذهب وتحدث معه بما تريد، فهو رجل لطيف.
هممت بفعل ذلك. تقدمت بخطى بطيئة باتجاه طاولته التي تتكدس عليها المراجع، إلا أنني عدلت عن نيتي عندما رأيت تقطيب حاجبيه، فعدت إلى مقعدي في الطرف الآخر من المكتبة، حاملاً خيبتي، ولكن اليأس تحول فجأة إلى إصرار من نوع ما.
أخذت قراري لمحادثة الأستاذ في اليوم التالي. عندما سألت نفسي عن السبب الحقيقي الذي يمنعني من التوجه مباشرة نحو الأستاذ ومحادثته، هل يعود السبب إلى حيائي من شخص الأستاذ؟ أم هو خوفي من ردي خائبًا؟ أم الاثنين معًا؟
صفحة 10
في اليوم التالي، حملت نفسي، وجمعت كل ذرة من شجاعتي، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم توجهت بخطى ثابتة نحو طاولة الأستاذ. وقفت أمامه مباشرة، لكن لساني انعقد، ونسيت كل المفردات. قلت في نفسي: الآن عرفت الإجابة عن أسئلتي. لكن الذي أنقذني من هذا الموقف المحرج هو الأستاذ رؤوف نفسه عندما سأل عن حاجتي،.فسألته بحياء:
- هل لي بخمس دقائق من وقتك الثمين يا أستاذ؟
قال:
- تفضل، قل ما عندك.
- أنا محمود عبد الله. عمري ثمانية عشر عامًا. تركت الدراسة قبل خمس سنوات بعد استشهاد والدي في الانتفاضة. خرجت باحثًا عن عمل أكسب منه بعض المال لمساعدة أمي بتربية أخواتي الثلاث، وهذا الأمر لم يرق لأمي ولا لي، فقد كانت رغبة والدي قبل استشهاده أن يراني محاميًا قدّ الدنيا، لذلك فإنني جئت إلى حضرتك لكي تساعدني في دروسي، فلا مدرسة تقبل بي بعد أن تركت التعليم لمدة طويلة.
رماني بنظرة لم أدرك مراميها، ثم قال:
- وهل تملك تكاليف هذا الأمر؟ إن أجرة الساعة الواحدة عشرون دولارًا.
- أليس كثيرًا يا أستاذ؟
- هذا هو الثمن، فإن لم تستطع توفيره فلا داعي للدروس.
قال ذلك، ثم انكفأ على قراءة كتاب يسكن بين يديه.
سرت هائمًا، متألمًا، ساخطًا، مستغربًا؛ فهو على عكس ما وصفه الجميع! تُرى ماذا حصل للناس؟ أصابتني أوجاع في كافة أنحاء جسدي من رأسي إلى أسفل قدمي. شعرت بالتمزق في كل خلايا جسدي. اعتصر الألم قلبي، وأصاب الفزع عقلي. أين تواضعه الذي وصفه الناس لي؟ هل يمكن أن يكون الإنسان متكبرًا ومتواضعًا؟ بخيلاً وكريمًا؟ قاسيًا ولطيفًا؟ عالمًا وجاهلاً؟ أسئلة حيرتني لم تُسكن نفسي، بل أججت ثورة عارمة على المجتمع، فلماذا أنا بالذات الذي يتعرض للانتكاسات المرة تلو المرة؟ أين عدالة السماء؟ أين الرحمة؟