eKtab
EN ع
بابنوس
اقرأ عينة مجانية

بابنوس

بقلم سميحة خريس

صفحة 1

شكر

- الشكر لوزارة الثقافة الأردنية لمنح الرواية حيزاً في مشروع التفرغ مما دعم أبحاثي وسفري.

- امتنان للكنـز المعرفي الـمُعاش الذي بُعث في خاطري بعد ما يقارب ثلاثين عاماً من دراستي علم "الأنثربولوجيا" على يد الدكتور "صاموئيل باسليوس" في جامعة القاهرة.

- امتنان لمجموعة الكتب والمراجع التي وَضَعت السودانَ على طاولتي.

- تقدير حقيقي للقفزة الإلكترونية ممثلة بـ"الإنترنت" الذي جعل العالم حجرة مكشوفة، وجاء بالعالم إلى ورقتي.

- وأخيراً؛ الشكر الجزيل لكل من، "سارة خازن الخزين"، و"ثريا ميرزا"، و"ست النفر"، والأستاذ "سيد أحمد" والشاعرة "روضة الحاج" الذين ساعدوني في تقصي هذا العالم الخفيّ وجعلوا هذا النص ممكناً، والشكر موصول للزميل "جعفر العقيلي" على دوره في المراجعة اللغوية للرواية.

صفحة 2

الرسالة

لكل مخلوق أم وأب، وخالق. لا شيء يُبعث من فراغ، حتى الفكرة في رأسي الأبيض المكلل بالشيب، تولد من أم تلدها. لسنا آلهة منقطعة عن جذورها، ولكن الرياح تذرونا بعيداً عنها غالباً، وتجذرنا في أماكن غريبة، تصير لنا أباً وأماً ووطناً.

مثلما شجرة الأبنوسة قوية مخاتلة، أبوها اللقاح؛ يسري دم أمها الشمس الحارة الساطعة في عروقها الخشبية. تنمو على ما نريق من ماء محبتنا فوق التراب، تزهو بأنفاسنا، وتزهر باللمس، تعطي والفأس تضرب جذعها، فإذا ماتت؛ بيعت منحوتة عبقرية للخواجات.

حينها أيضاً لا بد لها من أب وأم جديدين؛ نحات وإزميل.

نظام كوني شامل، إلا أني كثيراً ما أشعر -من دون منطق- أني خارجه.

يسمّونني "الحكّامة"، ويناديني الصغار الشُّفَّع بما ينادون به جداتهم: "حبوبة". فبياض ذوائبـي وثقل السنوات التي سبقتني وتبعتني يخولانني لأكون جدة الجميع، وإن فشل سكان الحِلة في تحديد عمري بالأرقام. أيضاً؛ لا تستطيع ذاكرتي الدقيقة، المفصلة، ولا حكمتي التي وهبني إياها القدير وربيتها على الخبرات ومرور الزمن أن تحدد عمري، كما لو أني ولدت هكذا منذ البدء؛ بشرية كهلة ضربت التجاعيد وجهها، شعر أبيض خشن أكرت مكوم فوق الرأس كما العمامة، وجسد نحيل بعصب شديد، لم تذهب أعباء الحياة ولا الوقت الذي يسرق العمر بقوته وبأسه.

لا التباس في كوني امرأة، ولست في عداد الإناث، فأنا حكّامة[1]؛ والحكّامة عادة مخلوق مغاير، فوق البشري، أعلى من المرأة قليلاً، تصطف قريباً من موقع الذكورة ولكنها تتجاوزه، وهي بعد كل تلك المواصفات، ليست ملاكاً، ولا خنثى، تجمع في كفيها فراشات ملونات، وتفيض على محيطها أمومة لا حدود لها، تحل الإشكالات العالقة بحسم الرجل وحكمة الأنثى، من دون سلطة غاشمة أو ثراء خادع فإن كلمتي غير قابلة للمراجعة أو المحاججة.

عرف أبـي ما سيكون من شأني منذ مولدي، قال إني جئت الحياة بعينين مفتوحتين ونظرة جسورة، فأسماني: "الرسالة". هيأني لدوري، أو فَرض علَيّ الدور؛ سيان، فها أنا ذا حكّامة. اسمي رائج في جبل مَرَّة، قلب دارفور الأخضر، حيث تسمّى البنات في بلدة الفاشر وسواها من نواحي دارفور الشاسعة باسم "الرسالة"، وقد لا يكنّ أهلاً له. لكن الاسم لبسني وبت جديرة به، ثم نسيه الناس واستبدلوا صفتي ومهامي الجسيمة به.

وضعتني أمي في زمن صعب تخلله محْلٌ شديد، يصيب المحل الفقراء بداية، وقد كنا كذلك، تثقل وطأة الفقر على أجسادنا الهزيلة وتتجاوز أرواحنا القادرة على فرح مجاني لا مبرر له. أبـي فقيه مجموعتنا الصغيرة الفقيرة عند سفح الجبل، "فكي"[2]على قدر ما أعطاه الله من علم القرآن، واحد من بين قلة من الرجال الذين يمتهنون عملاً، فهو معلم خلوة القرآن الذي لا يجد تلاميذُه ما يدفعونه له في زمن المحل. وككل المخلطين الذين تشابكت جذورهم، لا يمكن نسبنا إلى قبيلة بعينها عبر تتبع أرومة العائلة، لكننا نخترع لنا نسباً كيفما أردنا، حدث هذا في مجاعات سبقت مولدي وأخرى لحقت بـي، ولكن المرة التي وعيت فيها على مجاعة الرحيل مثلت انقلاباً في حياتنا، وحياتي تحديداً.

استفحل المحل عند السفح الفقير للجبل وفي الضواحي المتاخمة لبلدة الفاشر، حارت النفوس وخوت البطون، عصفت الطبيعة فرأينا جالوص بيوت الطين يتشقق عنا، والسقوف تنشلع تاركة إيانا في العراء، أرجف الخوف قلوبنا الحزينة، حملنا زاداً قليلاً ومصحفاً، ومسابحَ للذكر نكر حباتها بين أصابعنا متضرعين إلى الله، وسْحنا في البراري.

انتشرنا في الأرض تحت امتداد السماء الزرقاء وضربات سياط الشمس الموجعة، نبحث عن موقع نعيش فيه أو نعتاش بخيره، وما كنا نملك إلا ماشية قليلة، معرضة للوباء والموت بلا ماء ولا كلأ، بالكاد تسد عنـزاتنا رمق صغارنا بلبنها الشحيح، لم يكن لنا نصيب في السهول التي تُزرع بالدُّخن والذرة والسمسم، ولا تلك التي تغص بالتمباك، فما بالك بمزارع البطيخ الموسمية التي لا تحتمل مزيداً من الأنفار في غرب الفاشر.

طرد جبلُ مَرَّة الرافل بالخير فقراءَهُ، هججنا كي لا تتضرر مكاسب الأغنياء أو تقل حصصهم. لا يُطرد الفقير جهراً، لكن الحياة تضيق الخناق حوله حتى يختنق، وقد كان والدي وعائلته الصغيرة المكونة مني وأمي وأخ رضيع، ضمن مجموعة هجرت الجبل على خيره الكثير الذي لم يطلهم؛ هجت تبحث عن موقع في تلك البوادي الواسعة، مجموعة لم تحمل من انتسابها سوى بعض حكايات "الهدايّ"[3]الشاعر وقصص العجائز الحكّامات وهن يخترعن لنا أصلاً ونسباً.

صفحة 3

نفخر أننا من نسل "المساليت" العظام، القبيلة الإفريقية العربية التي تسد جموعها عين الشمس، أولئك الذين روضوا الجوع والقيظ والهبوب الذي يركب الرياح الموسمية عاصفاً مغبراً، وامتزجوا عناصرَ بشرية شتى؛ بألوان عديدة، وأرواح صلبة الشكيمة، ولكننا وبقدرية لا يد لنا فيها؛ فقراء، لا نملك أرضاً ولا أنعاماً تعيننا، ولا لوناً صريحاً يساعدنا على الانتساب، منا خضر تفصح وجوههم عن العروبة، ومنا زرق تخلطوا بإفريقية واضحة، ومنا من يفج سواد جلده كما قلب الأبنوسة.

مرت شهور ونحن نسعى في سكة طويلة، أربعون إنساناً نسير على أقدامنا الواهنة "كداري"[4]؛ مخففين عن أنعامنا وطأة الطريق والجوع والتعب، يرافقنا جمل وحماران وعنـزتان، يسيح عرقنا على امتداد ظهورنا ثم يجف في جفاف الهواء، فنحكه بأعواد خشبية اقتلعناها من أشجار ميتة صادفتنا، توحي أنعامنا القليلة أننا أثرياء وسط هذا اليباب الموحش الفقير، بينما يفضح عرقنا على الأجساد العارية فقرنا.

ابتعدنا عن جبل مَرَّة وبلدة الفاشر كثيراً، مررنا بصحارى تسكنها الأفاعي، سلكنا دروباً جافة خوفاً من الحيوانات المفترسة، وتوقفنا في جنبات الغابات، فعملت النسوة والفتيان في موسم جني الصمغ أُجَراء لدى نفر من البيض والجلابة الشماليين منتجي الصمغ، الدندارية، الذين جاءوا من المدن إداريين وتجاراً ينقلون الخشب والصمغ ويديرون مجموع العاملين، يشترطون على أولادنا ارتداء لباس من قماش الدمور الخشن يستر عوراتهم أثناء خدمتهم، ولا يكتفون بحبل الرهط [5]الذي نـزنر به خصور النساء، يظنون أنفسهم في منـزلة أعلى من منـزلتنا، ونحن عند الله سواسية، نغتابهم في جلسات الونسة ساخرين:

- ود أبو جلبا، حبل القيطان،[6]كان لقيته في دكان يقول ليك: إذا كان.. وكان لقيته في غابة يقول ليك: يابه.. وكان لقيته وحيدا، ينطيك وليدا.[7]

لأني ابنة مقرئ القرآن، فقد كنت وأمي نرتدي صداراً قماشياً يستر أثداءنا، كما يلف الرهط خصرينا وينهدل من لحاء الشجر والأقمشة على ركبنا، بينما اكتفت النسوة بحبل رقيق علقت فيه بعض صفقات الشجر والحجارة الملونة، أكسبنا رداؤنا هيبة خاصة أكدت للجمع اختلافنا، لكن هذا لم يُعْفيِنا من العمل مع مجموعة النسوة، عملنا في ظروف صعبة فمنحونا لقاء تعبنا مالاً زهيداً تصبرنا به في مواسم الهجيج والجفاف، تقرحت أكعاب أقدامنا، وتشققت أكفنا؛ لكننا ابتعنا دقيقاً وذرة بما وفرته أيدينا من نقد. واصلنا الترحال آملين، وعندما حاذينا مركز الولاية جنوباً، قرب مدينة نيالا، توقفنا قليلاً نناقش ما إذا كان علينا دخول المدينة لنتعيش بمهن رخيصة ونتفرق بين أحيائها ودروبها، أو الاستمرار في السعي وصولاً إلى مصير مختلف! خفنا من ضياع واحدنا عن الآخر في فوضى المدينة الكبيرة.

كنت طفلة تخاتل الصبا حينها، وقلت بحكمة أعجبت السامعين:

- نلقى حتة تلمنا كلنا، لو تفرقنا نهون.

استجابوا لي رغم أني مجرد طفلة شافعة ينادونني باسمي: "الرسالة". بقينا معاً يسكننا حلم في إيجاد بقعة نصير أسيادها وتصير لنا وطناً، وصلنا إلى واد رملي منقطع مخبأ في جيب عند انحدار الأرض، بدا لنا المكان أليفاً برمله الناعم النظيف، أصيبت أغنامنا وأنعامنا وصغارنا بلوثة بهجة، فتعفروا بالرمل متدحرجين، اختلط ثغاء وضحك ونهيق، لهذا؛ ظننا المكان مراحاً لحرية وادعة بلا شروط.

عثرنا على تجمع شجري في شمال المراح الرملي؛ سدرتين، وثلاثة لالوبات، وتبلدية واحدة ضخمة فتية، لم يمسس جذعها المكور العظيم فأس، مغلقة غير مجوفة، إضافة إلى عدد من الشجيرات الشوكية المتناثرة التي أقبلت عليها العنـزة جائعة، وحَشّها الحماران والبعير والأطفال.

أوحى لنا التجمع النباتي بقرب الماء في تلك الواحة الخفيضة، رمى كبارنا المتعبون هياكلهم المضطربة الراجفة على الرمال الدافئة الناعمة تحت ظل الشجر، وأطلقوا ألسنتهم في التمني، قالوا:

- نحفر؛ تطلع مويه.

اشتكوا أنهم ما عادوا يملكون عصباً قوياً، ولا كراعين قادرة على مزيد من المشي، وأن الرضَّع التصقوا بصدور أمهاتهم، وانتفخت بطونهم بهواء فارغ، وكلّت أيديهم، وتكدر بياض أعينهم اصفراراً.

استرخينا، فغفت النسوة والأطفال في ظلال الشجر. كعادتي؛ جالست الرجال في حلقة الانداية وهم يشربون في قرعة مشتركة سائل المريسة، ويتلذذون بالبصل الملتوت بالشطة، ويلعبون لعبة الخَرْبَقَة التي تعلموها من التجار الذين سافروا في الماضي إلى سوق وادي سوف في الجزائر، وعادوا بتلك اللعبة يجزون بها الوقت الضائع أساساً.

خطّوا بأصابعهم سبعة أسطر أفقية فوق الرمل، وسبعة تقطعها لتنشأ تسعٌ وأربعون حفرة بين الخطوط، صفّوا بعر الإبل ومثلها من الحجارة في الحفيرات، وسمّوا فيالقَ البعر والحجارة بالــ"الكلاب"، ثم أطلقوا الكلاب تفتك ببعضها بعضاً وفق كر وفر وحصار متوهّم وهم يتضاحكون، الناظر إليهم في لحظات الأنس والتجلي لا يقدّر أنهم هاربون من ماضٍ أليم، ينتظرهم غد موحش. أبـي الفكيه الجاد والوحيد الذي يرتدي ثوب العّراقي قصيراً بأردان، داعبهم ساخراً:

- مادين كراعينكم، مرتاحين، تقول في بيت!

متكئة على فخذ أبـي، قلتُ:

- ليه ما يبقى هنا بيت؟

صفحة 4

بين اقتراح ومزاح، وميل إلى الاستسهال بعد ركوب صعاب الماضي، اخترنا تلك الفسحة الرملية المستلقية بقعر جبل، والمغوية بفيء وظلال السدر واللالوب والتبلدي، اخترنا البقعة التي لا اسم لها، بيتاً ووطناً، قدّرنا أن انقطاعها ميزة تبعد عنا الطامعين، فراغ يعفينا من اتباع الحكام في المدن، والعسكر في الأرياف، والعُمد الذين يشاركون كلَّ مسِتقر نتاجه ولقمته الضئيلة. وبمزاج عال، وفرح وبهجة أسميناها "الخَرْبَقَة"؛ نسبة إلى اسم اللعبة التي كانت أول نشاطنا على أرض الوطن الجديد، من دون أن نقيس مدى قربها أو بعدها عن حواضر القرى والمدن.

نصبنا العصي وفروع الأشجار بهمة، ورمينا فوقها سعفاً وقطعاً من قماش الدمور لتصير بيوتاً مؤقتة قبل أن نجمع القش والخشب، ونبني القطاطي[8]، بعدها حددنا الملكيات والحصص بالتساوي وبلا مطامع.

سمعت صوت المكان الهادئ الفارغ، رجعاً مرتداً يهتز على مهل مثْل صدى حانٍ، همس لي الهواء أن هنا لي وطن. اتسعت الخَرْبَقَة وصارت حياً حقيقياً لقبيلة شكلناها بتكاثرنا عبر سنوات لا أستطيع عدها، فنساؤنا ولودات، ثم بمجيء آخرين، عمرنا وطناً، وطن على قدر جماعتنا الصغيرة، استبدلنا بقعة صغيرة منسية بالأرض الرحيبة، في ما بعد اكتشفنا كم هي قريبة إلى حاضرة نيالا، مُغْفَلة قربها. رأى معظمنا خطوط السكة الحديد التي تنتهي عند نيالا، وشاهدوا الكهرباء في المدينة، وارتاد بعض صبيتنا مدارسها أو مدارس مدينة الضعين. إلى شمالنا غابة يسكنها مزارعون من الضغين يتعاملون معنا بحذر خشية أن نشاركهم ظلال أشجارهم، وإلى الغرب آبار ماء، وأحياء متفرقة تشبه حينا وإن كانت أكثر رفاهية، تنتج تمر النخيل وترعى كثيراً من الغنم، وتهش أطفالنا إذا قادتهم حماقتهم إلى مساكنها.

أحببنا مكاننا الفقير، واكتفينا به فتوقفنا عن الترحال.

حل معظمنا وارتحل في سفر قصير، لكنهم دائماً عادوا إلى البقعة التي غفلت عنها عيون الحكام الإداريين في الفاشر ونيالا، كما هونتها عيون الرقابة؛ ولم يعرفها المسؤولون الحكوميون في عاصمتنا "الخرطوم"، تلك الواقعة في قلب الوطن الكبير البعيد.

تناست شرعةُ التطوير والتغيير خَرْبَقَتنا، فنجونا من محاصصة الضرائب على لقمة العيش الشحيحة، لم تُسِل بقعتُنا لعابَ أصحاب الأراضي المتغيبين في المدن، ولا الخواجات الحمر أصحاب الرؤوس الشقر والعيون الزرق، الذين يجوبون البراري بحثاً عن البترول والصمغ، ولا تجار الجلود ومهربـي العاج والأبنوس وريش النعام، ولا المهنيين الجلابة المقيمين في الحواضر حيث تُبنى البيوت من الطوب، ولا حتى حيوانات الغابات المفترسة المتسللة إلى الحواضر. لم يكن لدينا ما يغرى سوانا.

آخر العالم؛ حيث لا يرغب أحد في الوصول إلى الخَرْبَقَة، ولا نرغب نحن بوصول أحد إلينا، منحني المكان أنا بالتحديد حرية كي لا أشبه سواي، كما تكاثرت شجراتنا المعطاءة من دون ضوابط، ولا خصام على ملكية، فقرنا خصم يعاندنا ويشغل أيامنا ويغنينا عن خصام بعضنا بعضاً. هكذا ظلت الخَرْبَـقَة المعزولة محمية من الأطماع، بقعة لا تغري، ولا تستوقف إلا المارة التائهين الذين عادة ما يكونون بحاجة إلى الراحة وبعض خدماتنا، يقايضوننا بالقماش الذي بتنا نصنع منه أثواباً تستر عري نسائنا ورجالنا. اقترب الرجال والنساء من تعاليم الكتاب المقدس فستروا أجسادهم، بعضهم استجاب للقانون الذي يلزمهم بذلك، أخذنا الثياب من العابرين وسقيناهم ماءنا، سترنا عرينا تدريجياً. لم يعوزنا الماء في موسم المطر، نجمعه في حفيرة كبيرة يسبح فيها الصغار، نسمّيها "النيل" تفاؤلاً وتكبيراً لمقامها، وتشبيهاً ببحر النيل الكبير الذي يشق البلاد بعيداً ولا يوافينا، نخزن ماء المطر أيضاً في خزان التبلدية الكبيرة الذي فختناه في جذعها. برعنا في جَبْل طين الأرض قبل موسم المطر وتسابقنا لإقامة بيت الله من السعف والقش وخشب الغابة، أما مئذنته فكانت من طين الحفيرة، بإقامة الجامع أيْقَنَا أننا وطن كامل، حرصنا على حماية جدارن الجامع وطين مئذنته بملاط طيني نجدده كل عام قبل مطر الخريف، ترى الصغار والكبار يتقافزون حماسة كقرود "الككو" الصغيرة مبتهجين وهم يتسلقون المئذنة فاردين الطين الذي حملوه لتقويتها، يتلمسون بركاتها ويتركون بصمات أصابعهم فوق طينها تشهد عليهم.

صنعنا جنتنا الخَرْبَقَة، نسوسها بحكمة تتجاوز اللعبة على الرمل، حيث تميت كلاب البعر والحصى بعضها بعضاً، بينما نتساند في إنقاد بعضنا بعضاً.

لا يغري ماؤنا القليل وزرعنا المتواضع قبائل البقارة في النـزول إلى ديارنا مطولاً، فهؤلاء بقطعانهم الكثيرة يحتاجون مروجاً وأنهاراً، رحمنا فقرنا وضعفنا من النـزاعات التي تشتعل فتائلها في السهول القريبة والهضاب الأغنى منا نسبياً.

لكن "الشفيع" الذي غادر المكان طفلاً برفقة والده ود الأمين وأمه خدم الله الذاهبين إلى الحج في مكة العظيمة الجليلة، عاد رجلاً ثرياً بعد أعوام، وقد ترك والديه مجاورين لرسول الله، يلكن العربية بلكنة أهل الأرض المقدسة، ويدعي أنه حاصل على الثانوية العامة، ويعيب علينا انقطاعنا، ويندب عزلتنا، ويقول كلاماً يعني أننا خارج الكون، فقريتنا الصغيرة لا توجد على الخريطة! أيّ خريطة تضمن لنا الأمان الذي نعيش؟ لم يُعِر الناسُ انتقاداته آذاناً صاغية، حتى لو فعلوا؛ فإنهم يجهلون ما عليهم فعله لتغيير هذا الواقع، سخروا منه قائلين:

- دنياك ما دايرينّها[9]، لا بتحنن قلوب الوليدات، ولا تلقى بدربها الحق، الحرة فيها مرقت من أهلها، مثل الخادم مشت، والمسكين ما في كريم له تلفّت.

تمكن "الشفيع" المتعلم صاحب العلاقات الممتدة من الاتصال بالحكام الإداريين، وجاهد كي يسمى "عمدة الخَرْبَقَة"، ارتدى جلباباً مثل الأعيان وعمامة فاخرة ومركوباً من جلد الأفعى في قدميه، واكتفى. ماذا أضافت إليه تلك الأبهة وهذه الصفة الإدارية؟ عملاً إدارياً كسولاً في حجرة طينية فيها طاولة وكرسي ودولاب معدني مخلخل نخر الصدأ أطرافه ومفصلاته ورُصّت فيه ملفات يعلوها الغبار، يقضي نهاره كما "التنبل"، ينـزلق جسده على كرسيه، فاتحاً فاه شبه نائم، في يده منشة من ريش دجاج الوادي المنقّط يهش بها الذباب والبعوض، ويحرك الهواء المنقطع أمام وجهه. لم يفلح في رسمنا على الخريطة، ولا تمكن من إلحاق المكان بإدارة مدنية، ولا سمح له الأهالي بجني الضرائب على المحاصيل، ولا وجد في نفسه همة لكتابة تقارير ذات فائدة للإداريين في العاصمة، كما لم يلغ مجلس الجويدة الأكارم الذين يحكمون بين البسطاء في الخَرْبَقَة، ولا أثر في سلطاتي. ظل يطاطئ رأسه إذا تحدث معي؛ رغم أنه يغتابني معيباً علَيّ امتناعي عن التغني في قصيدي بالحرب والقتال أسوة بحكّامات البلاد المتفرقة، ويدينني في شأن اختيار هذا الموقع المنعزل السقيم، الذي أسقط القوم من حسابات العصر.

لا أعيره اهتماماً في ما يفتي ويحلل، ليس أني أحبس أهلي بعيداً عن الدنيا، ولا أني أخاف مواجهة الحياة، فأنا من المساليت الذين لا يخافون، واجهوا الفقر والريح والجفاف والجوع؛ فما انكسروا ولا انصاعوا، وتحدثوا برطانتهم وبالعربية معاً وما تلجلجوا. أما "الشفيع" فهو مجرد فتى لعبت به النقود والشهادات وأثواب القماش وهواء المراوح الكهربائية في المدن، وتخنثت كلماته بين لهجتنا ولهجة الصحراء العربية وبعض كلمات إنجليزية يرددها مثل ببغاء، وعاثت الشهوات الصغيرة خراباً في رأسه؛ فأوهمته بمكانة عالية، فإذا سيق وراء وهمه؛ لم يتبعه أهالي الخَرْبَقَة.

نعم، لدينا عمدة معتمد، ولكننا خارج العالم. هل أزعجني هذا؟ ربما؛ في اللحظة التي فرحنا بها في إيجاد وطن، كان همي مثل كل رجال الخَرْبَقَة أن نبتعد ونكتفي ونأمن، في خضم الخوف الذي يطال كل حبة تراب مستعدة للدفاع عن وجودها، وجدت لنفسي وأهلي سبيلاً مغايراً، ساعدتهم على التحول إلى حجارة على الأرض لا إلى كلابٍ مسعورة تطارد بعضها بعضاً، زيّنت لهم تحمُّلَ أوضاعهم التعيسة، جَمّلت المزايا التي يتيحها هذا الوضع لنا، لكني في أزمنة مختلفة، وأنا أرى أطفالنا يكبرون، أقع فريسة كآبة عابرة.

أيقظت رعايتي لـ"بابَنوس" و"آدمو" في أعماقي توقاً إلى العالم أكثر من الخوف منه، بت أخاف من حبسهما في واقع موجع قليل الإمكانيات لا أفق له. تمنيت لو أطلقت لروحي العنان فأعلّم الأولاد أن الأرض لهم وطن واحد لا الخَرْبَقَة الصغيرة، خفت شطط أفكاري ومفارقتها للواقع الذي يكبل بني البشر. يرضع الصغار حكاياتي وقصائدي وأغنياتي، يتربّون عليها؛ يشربون قليلاً مما أحفظ من كتاب الله، أوثق صلاتهم مع الحياة التي ترتعش على أوراق الشجر، أو تهمس في الريح، أو تتجلى في شعاع الشمس، علّمتهم رفقة الكون الكبير من موقعهم الصغير فيه، دربّتهم على الإصغاء لهديله وهسيسه قبل سماع ضجيجه العالي، لكني عجزت عن وصلهم بالحياة التي صنعها البشر على شاكلتهم خارجنا؛ حياة معقَّدة محكومة بنصوص وقوانين، محدودة ضيقة على اتساعها، حياة تميل إلى الآلات من دون سواعد الناس، هل كنت أحميهم؟ أم أجز أجنحتهم بسكين مخاوفي؟ يقض مضجعي الشعور بأني والرجال الذين اتخذنا القرار بالسكن في تلك البقعة قللنا من قدرات أبنائنا على الصمود في وجه حياة معقدة؛ حياة تنمو وتتشابك في المدن والحواضر البعيدة التي تُقام فيها المدارس والمستشفيات والشفخانات[10]والجامعات، وتُبنى فيها البيوت من الطوب، وتتخلل جدرانها أسلاك الكهرباء ومواسير المياه والحنفيات، وتؤثث بالمقاعد الوثيرة المنجدة، والمراوح التي تلاعب الهواء، والثلاجات التي تحفظ الطعام، والأفران الغازية لطهوه.

صفحة 5

وعيت موت شقيقي الرضيع إثر جوع عابر؛ أقل من المجاعة ولكنه مميت لأصحاب الأجساد الواهنة، حدث ذلك كما لو أن شيئاً لم يتغير من نظام الكون، أغمض الطفل الشافع عينيه وارتحل، دفنه أبـي وذرفت أمي دمعات حزينة؛ ولم يكن هناك نواح، فقد ذهب الصغير كما سنذهب كلنا، رأيناه بعد رحيله بأعوام يعتلي فرعاً أخضر في شجرة الموتى التي نبتت من العدم، وأراه كلما تطلعت إلى وجه طفل غاف، أسترجع مشهد شفتيه تمصمصان كما لو كانتا ترضعان الهواء، أو تنقلان إليّ رسالة عن صغار يجب ألاّ يموتوا.

حملت اسم "الرسالة" منذ ولادتي، كما حملت تبعات الاسم، في الطفولة لففت رأسي بعمامة صغيرة، وارتديت عراقيّة بيضاء كما الأولاد، كي أتمكن من الجلوس في الخلوة حيث يعلّم أبـي الصغار حفظ القرآن، وكنت أشطر الجالسين، وأقدرهم على الحفظ، ختمت حفظ القرآن في التاسعة، كما حكّمت بين أقراني، على صغر عمري، ثم بت أحُكّم بين الكبار، يقول لي أبـي الفكيه:

- أنتِ حكّامة الخَرْبَقَة القادمة بإذن الله.

لا أعرف متى لم يعد أحد يردد في حديثه عبارة "جاك الخير، جاك ود عثمان" -يقصدون أبي- ومتى استبدلوا بعبارتهم تلك جملةَ "جاك الخير، جات الرسالة بنت الفكي" ومن ثم "جت الحكّامة"، ما عادوا يتذكرون اسمي الأصلي "الرسالة"، وباتوا ينادونني: "الحكّامة".

أتحدث عن زمان ممتد طويل يختلط علَيّ؛ أراني طفلة مرة وكهلة مرات، زمان عرفنا فيه مجاعات كثيرة، وصار الموت رفيقنا، قضى والدايّ تباعاً في مجاعة لاحقة عن مجاعة الهجرة الأولى، دفنتهما مع جمع كثير في جبانة حددناها في الامتداد الصحراوي للمكان، شلنا[11]لهما الفاتحة بخشوع ومضينا، كثيراً ما باح أبـي برغبته في أن يُدفن في الفاشر على سفح جبل مرة، لكن الفاشر صارت بعيدة، وباتت الخَرْبَقَة وطناً.

حين حمل الرجال نعش العنقريب بحباله المجدولة التي توسد جسده قاصدين بقعة صحراوية قريبة، ثقل النعش وارتخت أقدامهم تحته وتعرقت صدروهم، فإذا بالنعش يستدير كما لو كان مشدوداً بمرس، فاستداروا؛ عندها أوشكت الجنازة أن تطير، أطلقوا أقدامهم تسابقه وأيديهم تتشبث به، وركضوا، وزغردت النسوة للجثمان المشتاق إلى الجنة، لكن الناس ورغم المعجزة؛ خلطوا في كلامهم، قال نفر منهم:

- الفكيه ده وليّ.

وقال الأكثرية:

- ساب لينا بته حكّامة.

ترسيمي حكّامة تقع بين الولية والمغنية والهداية وضاربة الدلوكة[12]أهم وأبقى عندهم من أسطورة الولي، وهم دائخون من الجوع والعطش، تمسكوا بأن كل إشارة سماوية لا بد لها من امتدادٍ على الأرض، وقد كُنت الامتداد الحي لمعجزة طيران نعش أبـي.

في المجاعة التي أفنت نصفنا على الأقل، كنت في أول بلوغي، بين الطفلة والأنثى، تغاضيت عن خسارتي الشخصية بأبـي وأمي، عالجت أوجاع عواطفي بعقلانية، أقنعت وجعي أن أبويّ لحقا ولدهما الميت راضيَيْن، ولله حكمة في ما أراد. وأشرت على أولاد الحلة الحيارى بالصمود وعدم المغادرة. في تلك الآونة توسل "الزين" الصوفي والد "سر الختم" الشاعر إلى الله أن يتدخل لإنقاذنا، راح يلتف حول جسده ويدور على قدميه حتى يقع أرضاً وهو ينشد:

- حي.. حي.

وكنت أتوسله أيضاً بالصلاة، وأسابق زمني ليظل معظمنا حياً. قلت لهم:

- لا تخافوا ولا تفارقوا داركم، خطر الجوع أخْيَر من خطر البعيد.

لم أكن المرأة نفسها في شبابـي ولا في طفولتي، أعرف أن كل امرأة كُنْتُها انطوت في أعماقي مثل جنين يفسح الزمان والمكان لآخر ينسل منه، وإن قرأت في عيني "بابَنوس"، ابنتي من صلب غيري، أنها تستبعد كوني شابة في زمن بعيد، عرفتني عجوزاً تجهد لرفع كتفيها وقد شاب شعر رأسها وركبتها الحكمة فأثقلت خطاها. لا تستطيع الصغيرة تخيل شبابـي، عندما كنت شبيهة بغزلان البر النفورة، جميلة وعصيّة، وكان أبـي قد قرأ فاتحتي لأصير زوجة "ود الأمين" الذي ابتاع لي هدية العرس؛ عيش ودرة وبصل وقروش ودخان، لكنه لم يحرك وجداني، كنت أتلفت حائرة بحثاً عن رجل، شباب مجموعتنا الصغيرة بأجسادهم الممشوقة وقاماتهم الطويلة بدوا مثل غابة لا أجد فيها شجرتي المثمرة، أحببتهم كلهم بنسب متفاوتة، لكن ود الأمين لم يدخل قلبـي.

بعد وفاة أبـي جاءني ود الأمين شارطاً أن أخلي عني ضرب الدلوكة والغناء في الأفراح والأمسيات، وأتناسي قول شعر الدوبيت الشعبـي، وأكتفي بتعليم الصبية آيات كتاب الله. ضحكت فلم يفهم. عن نفسي أميل للمهمة الجادة في تحفيظ القرآن للصبية، لكني لو سمحت حينها للرجل أن يلوي مسار طبيعتي، لما صرت الحكّامة التي أنا عليها، لهذا رددت عليه مهره من دخان وبصل وذرة وقروش، وأعلنت أني لن أتزوج. أصيب ود الأمين بصدمة لوقت قصير، تجاوزها سريعاً فحمل هداياه للبنت الخجولة "خدم الله"، وهي التي ولدت "الشفيع"، عمدتنا العائد من الاغتراب.

خليت عني توق الأنثى إلى ذكر، وتصرفت بصبر وحكمة وزهد.

يجف نيلنا المتواضع أحياناً؛ يصير مستنقعاً يسكنه البعوض والضفادع، إذا جعنا اقتتنا بلحاء أشجار الغابة القريبة، نقشرها ونمضغها خادعين بطوننا، أو نجففها ونسحنها ونـزقها في أفواه الصغار، ننتظر فرج الله الذي وُعِدْت به، ويصدّقونني لأن المطر ينهمر بعد وعدي بأيام؛ يشق الأرض الطينية الجافة ويرويها ويعبئ بحيرة النيل من جديد، ساقياً ظمأ حبوب الدُّخن التي نثروها في سفح الخَرْبَقَة. الله كريم، تتحول الأرض العقيم إلى فردوس أخضر يطلع زهراً كثيراً وعشباً منادياً أطياراً ملونات صادحات، يتواصل انهمار ماء السماء، وتتفتق رشاشات صغيرة فاتنة من رمل الأرض، ترتفع عالياً ويطال رذاذها الراقصين حولها في حبور، الله كريم، الله جميل.

صفحة 6

صرت الحكّامة بلا منازع في هذا الجمع، وقلت القصيد لأوافقهم على منصبـي الذي حددوه، ثم استمرأت الأمر، وتلذذت بنسج الكلام وعقده وحله، ونغمات القصيد ورجعه وصداه، بت أستمتع بعذب الحروف حين تتجلى من انحناءاتها روح المعنى في جمل بديعية، الشعر وحده قادر على إيقاظ روحي الشفافة وربطها بروح العالم، شعرت كما لو أن داخلي صوتاً حريرياً يتسلق الحروف ويكشف جمالها للعيون، وأن ناظريّ صارا أقدر على رؤية ومضات الحياة وألوانها، كما تدرب سمعي على التقاط أنفاس الدنيا وموسيقاها المذهلة، يمكنني سماع صوصوة قمري لم يفتح منقاره ولا أصدر صوتاً بعد، أسمع زقزقته المحبوسة في الصوت، في الصدر، في الوجود، كما أشعر برفة جناحه قبل أن يطير. وجدت مثل إحساسي بالكلمات في قصيد الولد "السر"؛ الشاعر البوهيمي الذي يسمع توبيخي إذا أكثر من المسكّرات فيعتذر مدركاً كم أحبه.

أنا صوفية في بقعة مضيئة داخلي، أكثر من "الزين" والد الشاعر "السر"، الذي يظلل الناس بحلقات الذكر، ويسليهم بالدوران، نلتقي جزئياً على حفظ آيات القرآن، ولكن تأويل ما أفهمه من الكتاب مختلف عما يفهمه.

أنا ابنة الحياة بلا منازع. مع ذلك؛ وبعيداً عن ظروف المكان ومكانتي الرفيعة ومحبة الناس المحيطة بـي، وهجوم المجاعات وانحباس المطر وهطوله؛ أحس بفراغ مخيف في أعماقي، كما لو كنت حقاً خارج منطق الحياة، بشرية لا أب ولا أم لي، أتذكرهما بالخير بين الناس، وغالباً ما أنساهما كما ينساهما كل الناس، فقد مضى زمن طويل طويل؛ أضعتهما في الذاكرة، لا أتذكر كيف كانت ملامح وجهيهما، ولا أي تفاصيل تعينني على معرفتهما بين جموع الناس مثلاً، لهذا أحاول تعويض تلك الهوة الخفية، بإسباغ أمومتي على العالم المحيط، واصطياد مودته الخبيئة، أقول لنفسي: أمي الحكمة، وأبـي القدر، وأنا أم الجميع.

مرت فوقي رياح الزمن وعركتني، هدأت غزالتي التي تكاد تطير في البرية، وتوقرت، صرت حكّامة أقرب إلى الكياسة وإن مارست اللهو الجميل، أشدو بكلمات الأغاني في الأفراح مادحة العروسين، يهز قرع دلوكتي أردافَ البنات ويدفع بصدورهن إلى الأمام وأقدامهن تتراجع في تواتر راعش في رقصة الترترة، أظل أنا الحكّامة الحكيمة، قد أصير نغماً خالصاً، ولكن المرأة في داخلي نائية عصية.

يمس تعب الناس قلبـي بحزن أجاهد في الامتناع عن التعبير عنه، أقول إن مداواته أَولى من ذرف الدمع تأثراً، ويخيل إلي أن كل وجع يشبه تماماً حالة المرأة في المخاض، وصياحها يقطع نياط القلوب، ولكن وراء الوجع صيحة طفل جديد، واستمرار للحياة. هكذا أحاول إخراج المتوجعين من أحزانهم.

أرمم بتعاطفي العملي معهم أوجاع روحي، "ست النفر" على بساطتها وسذاجتها تعرف ذلك عني؛ حتى لو لم تفصح. لقد تلقفتها طفلة، هي ابنتي عملياً، كانت شافعة صغيرة في التاسعة من عمرها حين ماتت أمها "تركية" ربيبتي الأولى، كانت رحمها الله تتشبث بصغيرتها كالمجنونة، تمنع عنها أي يد حتى يدي، بموتها انتقلت البنت إلى حضني.

تصاب "ست النفر" بحالات مس تصرعها وتتركها هامدة واهنة لأيام، عالجتها واحتضنت خوفها بالرقي وآيات الله، فكبرت بين ذراعَي ابنة أذود عنها بشراسة إذا لزم الأمر، أمنعها من المشاركة بلعبة "دنقري" التي تبدو لي فجة قميئة مخالفة لشرع القرآن، ولكني أترك لها مساحة كي تكبر مستقلة، تحملتُ اختلافها وقلة حيلتها، لم تغضبني بفهمها البليد، ووجدت لها في تنمية مهارات النسوة درباً يخفف انـزعاجي من عجزها عن التعلم كما الأطفال، تلك الغربة، وذلك القصور الذهني الطفيف؛ تتحمل مسؤوليته أمها الخائفة المرعوبة "تركية".

في شبابـي، وصل "ديقو" صياد النمور إلى الديرة، يحمل على ناقته بنتاً مغبرة نحيلة ببطن بارز، ظن كثيرون أنها خرساء، قال صائد النمور الغريب إن لها اسماً غريباً لم يعد يذكره، واسماً هيناً يمكننا مناداتها به؛ "تركية". قدرت السبب وراء اسمها، فقد كانت البنت بيضاء كأنها من الخواجات الذين نراهم يرافقون الصيادين وتجار الأبنوس والعاج، أو في باحات الكنائس في الفاشر ونيالا.

"تركية"، أُمّ "ست النفر" وجَدّة "بابَنوس"، لها شعر يميل إلى شقرة غريبة ملتبسة، كأن التراب يغطيه، بشرتها باهتة، أنفها عريض وشفتاها مكتنـزتان، وهذا كل ما تبقى من أصلها الإفريقي، مزيج فريد بين دم أبيض وآخر زنجي. في البداية لم أصدّق أن رجلاً مثل "ديقو" يحمل على ناقته بنتاً في العاشرة أو الحادية عشرة لشهور عديدة، يقول إن أمها حَمّلته البنتَ أمانة ليعيدها، يأتي بها قاطعاً نصف الدنيا من أوروبا البعيدة، ويجتاز مصر والسودان محاولاً الوصول بها إلى نيالا لإعادتها إلى أهلها من دون أن يعرف لهم اسماً ولا صفة واضحة، خاصة وهو لا يملك دلالة أو عنواناً أو اسماً يهتدي به، يصل صائد النمور وتاجر العاج بالبنت إلى ديارنا حبلى، ويتركها فلا يقايض بها ولا يطالب بمكسب، ويرضى بمشورتي بترك البنت في عهدتي، وعدم تعريضها لمخاطر المدينة الكبيرة نيالا، بدا الرجل مكتفياً بما قام به، ممتناً لعرضي، سارع "ديقو" إلى مغادرتنا كمن يفر من فعلة نكراء؛ واضحة جلية في بطنها المنفوخ أمامها.

رجحت أن "ديقو" هو الفاعل، خاصة بعد أن وُلدت "ست النفر" خلاسية مخلطة بين بياض أمها وزرقة أبيها.

لسِتّ النفر وأمها تركية تاريخ حافل محمل بالأسرار، أسرار يصعب الخوض فيها، لأن "تركية" لم تكن تجيد الكلام، وكانت لها رطانتها الغامضة التي لا تشبه أحداً، تحدث فيها ابنتها فقط، وقد قضت أعوامها التسع بيننا رابطة الطفلة على صدرها بخرقة كبيرة أولاً، ثم ممسكة بذراعها ملتصقة بها كيفما تحركت. حتى بيت الخلاء لم تدخله أيّ منهما بمفردها، رغم لطفنا وصبرنا تعاملتْ "تركية" معنا بحذر وذعر كأننا سنختطف صغيرتها، لم تندمج؛ ورحلت "تركية" بأسرارها التي لم تسلمها لنا ولا باحت بها بعدها ابنتُها، مع ذلك منحتني الصغيرة "ست النفر" هدنة مع الدنيا في وقت ما، ربيتها وفرحت بها، وتعهدت ضعفها حتى قويت، ثم زوجتها، لم أكن راضية تماماً. ولكنها بدت لي تختار شيئاً لأول مرة، وافقتها؛ وفرحتْ حين أنجبت "بابَنوس"، كأني صرت جدة للمرة الأولى، لست شريرة، إلا أني تمنيت، وفرحت سراً لأن زوجها رحل ولم يعد، في كل مرة يظهر بها أخاف أن يصطحبها معه بعيداً في حياته الشاقة، لكنه اختفى منذ أعوام، تركنا في سلام أسري رائق، أنا وربيباتي الحبيبات.

أرى صباي المندثر في بريق وشقاوة عيني "باسالم"، وحده يقدّر أني ما زلت صبية، أنا نفسي لا أعرف بداياتي، كأني وُجدت هكذا؛ نخلة عجوز مثقلة بالثمر، أضيف إلى لحائي كل يوم لحاءً جديداً، فتصير حكمتي ثخينة، وظلي وارفاً، وطعم بلَحي محيراً، يوقف المشتهيَ الجائعَ على مسافة بين التوق لتذوقه، والشبع من رؤيته.

ينطبق الأمر تماماً على "باسالم"، منذ عرفته وقف على مسافة مني، في عينيه يتلألأ توق لم يمت ولم يَخْبُ، ولم يُعلن كذلك، أقصى ما يفعله إخباري بين جد وهزل أنه قال قصيدة في منامه يصفني ويمتدحني، ثم نسيها عندما استيقظ، فأضحك؛ ويضحك الجالسون متهمين إياه بالكذب.

في فعاله عزوفٌ، إدراكاً لهول المسافة بيننا، تلك المسافة لم أصنعها أنا، ولا ابتدعها هو، ولكنه حين جاءنا يمانياً نحيلاً قصيراً، هائماً يبحث عن حاضرة نيالا، طامعاً بفتح دكانه فيها، ثم مغيراً وجهته إلى بقعتنا وقد أرهقته رياح شهر أمشير، لم يجد لدينا دكاناً. فكر أن العمل في تلك الزاوية المنسية من العالم سيكفيه ويعفيه من منافسة تجار المدينة، وسيسمح له بمراقبتي من بعيد؛ وقد فتنه قوامي الفتي المشدود بالثوب العاجي، وعقد لسانه انطلاق لساني.

صفحة 7

عند وصوله إلينا وجدني الحكّامة التي تكبره عمراً، والتي ردت رجال القبيلة وأعلنت عزوفها عن الزواج، ولم تشارك في ألعاب ملامسة الجسد أو الاختباء في الغابة القريبة مع رجل، الحكّامة التي يمتثل الكبار والصغار لاقتراحاتها وأوامرها. جاء لنا "باسالم" بأمتار من القماش يحملها على حمار كما تاجر من الجلابة، كان حاكم الخرطوم النميري قد أمر بأن يرتدي أبناء الغرب والجنوب ما يستر عوراتهم، بعضنا سبق أوامره لواعز ديني كما فعلتُ وأبـي وأمي، وبعضنا تسربل بالثياب امتثالاً لعصر يسوق المدنية إلينا عنوة.

أقبل أهل الخَرْبَقَة على بضاعة "باسالم"، وخاطوا ثياباً في الضعين القريبة، بعد وصوله بسنوات فارقنا عرينا إلى الأبد، وربطنا حشمتنا بتعاليم ديننا، تغيرت الدنيا، ولم يَطَلْنَا من المدنية إلا ثيابنا.

جلس "باسالم" على عتبة الحوش لسنوات يراقبني أهز رأسي رافضة قول شعر يحرض على الحرب كما الحكّامات، يسمعني أعالج خلافات العمدة الذي سمح لـ"بخيت" بزراعة قصيل الدخن على جزء من أرض مخصصة لآخر، أو أوازن بين أهمية مرور الأبالة من الطرف الجنوبـي للسهل أو امهالهم حتى يهطل المطر، أو أقرر إن كان الولد الذي أرسلته النسوة إلى نيالا لابتياع حاجاتهن يغشهن، وإن كان على مقرئ القرآن تقاضي أكثر من حزمة من اللحم المقدد، وكيس من شراب الأبريه الأبيض لقاء تعليمه أولاد الخَرْبَقَة.

لم يكن "باسالم" قادراً على تجاوز المسافة الفاصلة بيننا؛ فأنا كبيرةُ مساليت الخَرْبَقَة، وقومي يحقرون الخواجات بألوانهم الميتة، ويسخرون من العرب الجلابة، وهو وافد عربـي فقير.

ولأني من حكمت بمنحه مربعاً صغيراً من أرض لا يدّعي أحد ملكيتها، ليقيم عليها دكانه، فإنه يشعر بامتنان نحوي، رفضت قوالب الصابون وخيشة السكّر التي حاول إهداءها لي بمجرد افتتاح الدكان، فظلت المسافة عالقة بيننا، قامت على تعامل تجاري دقيق؛ لم أرْتَضِ ولو لمرة أيّ مجاملة حينما يقوم اليماني برحلاته المكوكية لجلب بضاعته من الفاشر أو نيالا؛ أدفع ثمن مشترياتي بانتظام، ولا أترك مجالاً لمنة أو إكرامية صغيرة بيننا تختصر المسافة. وأدت مشاعري النفيسة تلك بكل كبرياء، أصف أيّ امرأة تفعل فعلتي بالخرقاء، ولكنني لست مجرد امرأة. أنا الحكّامة.

في زمن بعيد جداً، زمن مر بالمرأة العزباء "الرسالة" التي كنتها، سقط قلبـي في صدري توجساً واشتياقاً وخجلاً، وسهرت أراقب النجوم كما لو كنت بنتاً صغيرة، بشرة "باسالم" السمراء التي لوحتها الشمس، لم تمنع احمرار وجهه حتى منابت شعره وهو يحدثني، تفور دمانا، فيغض بصره بصورة لا يخطئها حدس المرأة، ولكني لم أكن امرأة عادية يحق له اشتهاؤها ولا يحق لها أن تشتهي، وكان غريباً وجلاً منكسراً، يقرأ ويكتب لكنه لم يحفظ القرآن مثلي، في هذه النقطة كنت أكثر ثراءً منه؛ على قلة مالي وتدفق السيولة بين يديه في ما بعد، لكن الغنى لا يقاس بالقروش التي تعمر الجيوب.

بعد سنوات من الصمت على نبض القلب، وحين صارت المسافة بيننا برزخاً يستحيل قطعه، جاءني لأعينه على إيجاد زوجة يأنس لها في غربته؛ فرغم إحاطتنا به ما زال يعد نفسه غريباً، ويتذكر بقعة في اليمن يسمّيها "يافع"، يعتقد أنها جنة الله التي سقطت على الأرض، ولم أكن أجادله رغم سخريتي الباطنية، فإذا كانت "يافع" تلك جنة؛ لماذا فارقها؟

سرنا معاً إلى بيت اليتيمة "ثومة"، أتعاطف مع البنات اليتيمات، لم تصدّق "أم ثومة" أن رجلاً "أحمر" يرغب بابنتها العجفاء جامعة الحطب بلثتها العريضة وأسنانها البارزة، فما بالك أن يكون اليماني الثري نسبياً، صاحب الدكان! لهذا وجدتْ زيارتنا تستحق إطلاق زغاريدها، ومن ثم؛ تم زواج "باسالم" الوافد العربـي اليماني بـ"ثومة" السودانية المسليتية، صار بعضاً من الحلة، صاحب دكانها الوحيد، ووالد الأبناء الذين يساعدون والدهم قبل أن يكبروا ويلتحقوا بالمدارس وبجامعي الصمغ وبالتجار الهائمين على وجوههم، كانوا مثل رجال الجلابة يميلون إلى العمل بأيديهم وقد جعلوا "باسالم" جداً لأحفاد كثر أسهو عن أسمائهم. ولده البكر "أبَّكر" صار مرافقاً للصغار الذاهبين إلى المدرسة، أوصيه بالعودة قبل المغيب، كما أوصي الصغار أن يحكموا الإمساك بأكُفّ بعضهم بعضاً ويسيروا في قاطرة إذا تأخروا وغشيت عيونهم مع هبوط الليل.

تغضبني شراسة ربيبتي الثانية "حَوّا"، وأنا قليلاً ما أغضب. جاء بها "ماديو" زوج "ست النفر" في زيارته الأخيرة؛ حبلى تكاد تموت لفرط هزالها، وما إن رحل عنا حتى تكور بطنها سريعاً وبرز واشياً بحالها. رغم عارها المجهر كانت روحها عدائية، تمردت على اقتراح العمدة بإنشاء قطية خاصة لها تقدم فيها جسدها ضيافة للعابرين، فرحتُ بتمردها انتصاراً للدين على التقاليد، لم تسمح "حَوّا" لرجل بالاقتراب منها، ولا أجابت عن الاستفسارات الدقيقة، ولا شفت فضول أي من أهل الخَرْبَقَة. قدرتُ أنها اغْتُصبت، ولم أفه بكلمة، ولكني ضممتها إلى حوش بيتي، مانعة المحيطين بنا من التعليق والثرثرة، تصرفنا كأن ما يجري طبيعي.

وضعتْ "حَوّا" صغيرها في معاناة، تمزق فرجها وزعقت مثل ممسوسة، وتواصل زعيقها إذ رأت وليدها، بدت زرقة عينيه غريبة مرعبة وسط وجهه المغضن الأسود، ملامح غير مسبوقة مزجت بين لون حدقات عيون الرجال البيض وسواد جلدتنا. لكنه طفل على أيّ حال، إذا تعب من البكاء أسدل عينيه على الصورة نفسها التي رأيت فيها أخي في نومته الأخيرة. غضبت من الأم الصغيرة التي نفرت وامتنعت عن إلقامه ثدييها، أسميته "آدمو"، كثير من صغار الحلة يحملون اسم آدم، أردت تدليل "آدمو" الصغير الذي يموت على مهل باكياً، وظننت أني أملك القدرة على ليّ مصيره وتغيير قدره إلى ما قدر الله؛ وكنت أداته.

هرعت إلى بيت "باسالم"، وجررنا الأتان النفساء؛ وقد كانت بلا اسم حينها، ينادونها الحمارة، جررنا الحمارة إلى حوشنا، فظلت تعقص وتقاومنا متقهقرة إلى الخلف، وحين ثبتنا قدميها في جدار البوص وربطناها بالحبال، عافرت تحاول الرجوع إلى الخلف، فضحكنا كثيراً إذ انتظمت حركتها في ما يشبه ترترة العروس التي تتحدى عريسها وتثير رغباته بالابتعاد المنتظم ثم تستسلم، عندها جئنا بثمرة القرع المجوفة وملأناها بحليب الأتان وسقينا "آدمو". سمّينا البهيمة المعطاءة: "ترترة".

لم تلن "حَوّا" ولم تستكن ولا شُفيت من عفاريتها إلا وقد تخطى الولد عامين من عمره ملتصقاً بضرع البهيمة، اقتربت منها حذرة، ناولتها جسده الضئيل وهو مغمض العينين نائم، فضمته إلى صدرها وبكت بهدوء لا يتناسب وعنفها، تنفستُ الصعداء فقد أنقذتُ اليتيم من موت محقق، وصار لي ابن يكبر إلى جانب ابنتي "بابَنوس".

أنا أم بلا رحم يلد، حمّلتني تلك الأمومة هماً وعبئاً، أن ترى الصغار يكبرون يعني التفكير بمكانهم تحت الشمس، أن تختار مصيرك ومكانك بحرية لا يمنحك الحق في اختيار مكان سواك، لم تكن تلك أفكاري مسبقاً. كنت واثقة وأنا أختار وطن أهلي، ولم أعد كذلك مع صغار الحلة. تعلمني الحياة درساً جديداً، في لحظات وحدتي حين أسلم رأسي للنوم، تومض فيه فكرة مريعة، أني وحيدة غريبة، لا أعرف من أنا! كيف إذاً أجرؤ على تقدم الآخرين وإرشادهم دروبهم؟ لعلّي أخطأت بسبب زهوي وكبريائي الزائفين، فمن أنا حتى أسوس العالم على هذا النحو؟ أصغر الأشياء أكثر أهمية مني، يمكن لنملة تدب في التراب أن تترك أثراً أعمق من أثري، يمكن لحمض ثمرة القنقليز أن يصنع يومي، ولا أصنع أنا أمراً يقولب حياتي، الأشياء تضغطنا على قالبها، ولسنا نحن "البني آدميين" أصحاب العقل وحَمَلة الأمانة الإلهية الذين نصنع الحياة، ولكننا نكابر ونصوغ أوهامنا عن أنفسنا بكبرياء مفرط.

أسأل نفسي مرات، هل تستحق تلك المكاسب التي توفرها المدينة أن نخضع للتنظيمات الإدارية التي تصادر أرواحنا الحرة؟ حيث يجري تصنيفنا إلى زرق وخضر وحمر، ونصير تابعين لمن يرحّلنا أو يستبقينا، خاضعين لقوانين كتبها آخرون، وبدلاً من استنبات أراضينا الفقيرة المحدودة، نصير خدماً في بيوت الإداريين الجلابة، أو على أحسن وجه موظفين لراحتهم وإنجاز أعمالهم. هل تستحق لقمة الطعام الثابتة المضمونة ذلك الموقع من الحياة؟ وهل نستطيع بعزلتنا الآمنة اتقاء غضبة الحياة والموت حقاً؟ وهل يمكننا بإمكانياتنا المحدودة جعل خَرْبَقَتنا جنة البشر على الأرض؟

قناعتي أننّا أهل الخَرْبَقَة؛ نعيش لعبة الدنيا على هوانا، نغير نظامها، ونسوسها حتى لو حملتنا بمجاعاتها وفقرها على درب الموت. الحصى الصغيرة والبعران التي نسمّيها كلاباً فتفترس بعضها في اللعبة؛ هي خَرْبَقَة الدنيا خارجنا. خَرْبَقَتنا مختلفة تماماً؛ إنها خَرْبَقَة التنعم بالاستقلال، أن تكون عارياً يعني أن القماش لا يشتريك، إننا قوم الصبر على الجوع، وهدهدة المحبة والوفاق، خَرْبَقَتنا هي اعتكاف الحمائم في أوكار بعيدة عن الصقور الكاسرة، إنها ما تبقى من أرواح المساليت فينا. وليذهب "الشفيع" وطموحه العريض إلى الجحيم.

أصنف نفسي في موقع الأثرياء في زمن الرخاء، يهديني الفقراء ذرة وملحاً لقاء تعليم أولادهم، وتجود حاكورتي الصغيرة بالدُّخن والقمح أحياناً والباميا وقثاء العجور الشهي، وتدر شطور عنـزاتي اللبن، ماذا يريد الجسد أكثر من هذا؟ رزق معقول حماني من الفاقة، كنت أرجع وفرة رزقي لمباركة إلهية أُسبغت علَيّ لاحتضاني المرأتين؛ "ست النفر" و"حَوّا"، وولديهما اليتيمين، "بابَنوس" و"آدمو"، ورعايتي جارتَنا الكفيفة "زينب"، صارت ربيبتاي منتجتَين، بائعتين محبوبتين، وإن مال الناس إلى وداعة "ست النفر" وصمتها، وعطفوا على مرضها، بينما تعاملوا بصعوبة مع "حَوّا"؛ عواسة الكسرة، وست الشاي، صاحبة اللسان السليط. أداري طيف وجه شقيقي الميت، وأعالج ترددي ومخاوفي على الصغار بشق طريق لهم للالتحاق بمدارس المدينة، مشوار طويل يقطعونه للتزود بعلوم الدنيا، مُرْتَدِين كما أولاد العرب جلابيات وفساتين وقمصاناً، لكنهم يعودون كل يوم مع غياب الشمس إلى حضن الخَرْبَقَة وأمانها، يتحررون من ثيابهم إذا شاءوا، فلا أغالي في تقريعهم، أزين للبنات منهم التحلي بالثياب، وأتعهدهم كما الزرع، أجالسهم أكثر مما أجالس الكبار، يقايضونني بحفظ جزء "عَمَّ" من القرآن مقابل حكاية عنترة أو تاجوج، ويحفظ كبارهم سورة البقرة لقاء أمسية أضرب فيها طبل الدلوكة الصغير، وأغني ويرقصون، أطلق العنان للشعر والنفس والتمني حين نتخيل معاً عالماً جميلاً نحبه ويحبنا.

صفحة 8

في مهرجان الخيالة عندما نجمع المحاصيل، أو في أمسيات المصارعة، والشباب يتعاركون أرضاً كما العجول النـزقة، لاعبين مثيرين الأغبرة ضاحكين، تترجرج دقات الدلوكة عالية ومنخفضة بطيئة وسريعة، وأغني لهم واحداً واحداً، بأسمائهم:

- آخر الزمان؛ لكين أولادنا غير. ياحلاته، حليل الولد "شديد" شجاع وما تلفت. الزمان شحيح؛ لكين حليل الولد "محجوب"، جواد؛ يده مدت وما تخفت. والرجال نوخت؛ لكين حليل "سيف" راكب الأصيلة بعين الشمس يسابق. وقت الفقر والدوخ والنوح؛ حليل "عثمان" كريم اسمه في خشوم الناس تردد. حليل "آدمو" ود قلبـي اللي للفعل فعال وما تردد.

يسخن إيقاع الدلوكة مع الاصطفاف لرقصة الجراري، وينقلب صوتي نداءً سماوياً حين يصطف الفتيان وهم يهمرون ويكرون ويتقافزون وأنا أغني:

- الشوقة الشوقة ياقلبـي، أنا قلبـي حريق فوقها؛ أنا قلبـي، الجراري بشوقها؛ أنا قلبـي حريق فوقها؛ أنا قلبـي.

يهمر الفتيان وتتلوى البنات كما الثعابين الكنيزة رافعات أردافهن؛ مزحلقات رقابهن يمنة ويسرة بخفة وبطء شديد، فإذا خرج فتى متحمس من صفه وضرب الهواء بأصابعه المهتزة مشبلاً[13]، اقتربت واحدة منه تتطعج؛ تكافئه بإلقاء رأسها نحوه واسترجاعه سريعاً، بالكاد تلمس مسائد شعرها المجدلة صدر الشبال، ترتفع الحماسة ويسحب الفتية أنفاسهم ويطلقونها وهم يهمهمون، ويدقون الأرض بأقدامهم في ضربات تتناغم مع دقاتي، وصوتي يردد عالياً:

- القمر طلع، البرق شلع، البت الجميلة السمحة لي.

لا أحملهم عبء معتقدي، ولا أسفعهم به، ولا أحوله قيداً، أقترب على مهل من فكرتي، ألجأ لصلاتي، وأتركهم ينطلقون وراء الشابات في الغابة البعيدة، والفتيات مدنقرات[14]يتظاهرن بالبحث عن إبرة ضاعت، يتبع كل واحد منهم طريدته ويعلو ضحكهم، فأبتسم وأصر أسناني كما لو أني أوبخهم، أهز رأسي وأمشي لقطيتي تاركة لهم فسحة من الحياة بلا قيود ولا أثقال، واثقة أن زماناً قادماً سيخفف غلواء شغفهم بالجسد وألعابه ووحشيته، وسيربطهم بكتاب الله على نحو مفعم بالرضا. لا أتعجل.

ليس لدي أقارب من لحمي ودمي، ولا أحفاد من صلبـي، فصلبـي لم يعرف ماء الرجل، إلا في النظرات الغامضة التي تبادلتها و"باسالم" في شبابنا، وصارت حبل ود وصداقة واهتمام متين عجيب لا ينقطع في كهولتنا وشيخوختنا. مرت ليال كثيرة وأنا أكبح الإحساس المميت بالوحدة والغربة، لم يكن نجاحي تاماً، فما زلت رغم فيض المحبة حولي ومنـزلتي الرفيعة أسترجع حقيقة أني وحيدة غريبة. كما عالجت تلك الفراغات الإنسانية المتأتية من انقطاع النسل مرات عديدة في حياتي حين جعلت أهل الخَرْبَقَة أهلي. وتبنيت "تركية" ونسلها "ست النفر" وصولاً إلى "بابَنوس"، ثم "حَوّا" وولدها "آدمو". هؤلاء عائلتي، ولكني وحيدة في أعماقي. كلما جلست إلى عنقريبي[15]أفك خيوط مشكلة معقدة، وأعقد حبال المودة والصلح بين المتخاصمين؛ رممتُ بعضاً من خرابـي، وكلما داعبت مزاجي ليقول شعراً؛ حققتُ تلذذاً، ومسحتُ جراح الروح والعقل، وكتمت صرخات الجسد المولولة في مسامي تحت وطأة الحرمان الوحشي الذي يستيقظ والناس نيام، أعالج ندوب ناسي كلما جمعت العيون والقلوب حولي، أو قرأت أشعاري؛ أنظر إلى "باسالم"، فيظن الجالسون أني أنتظر هزة رأسه التي تعزز قولي، وتوافقني، في الواقع؛ كنت أسأل نفسي، كيف لهذا الرجل الغريب القفز مجتازاً المسافة الفاصلة بيننا وأنا أجعل من نفسي حكيمة زماني؟ ولو أنه فعلها يوماً لكان درب حياتي قد اختلف تماماً.

في ساعات قيامي بدور الحكّامة، أنسى كل ما يخصني: اسمي القديم "الرسالة"، أنوثتي المتوارية وراء ثوب الدمور الواسع بلونه العاجي، رغباتي وأحلامي، عطشي وجوعي، وحدتي، والفجوة المقيمة في فؤادي؛ أصير عقلاً صرفاً، حتى ما يبدو مني من نـزق عاطفي، أو ملامسة ومداواة لجراح الناس، كأوجاع "السر" الشاعر العاشق، كل هذه أمور أديرها بثبات عقلي منطقي، لهذا حظيت بالتبجيل، وتوافق الجميع على عائلتي المصطنعة التي تحظي بمكانتي تقديراً ورعاية، في ظروف أخرى كانت "ست النفر" أو "حَوّا" بشريتين يسهل نفيهما وإقصاؤهما ومحاسبتهما بحكمٍ قيميّ مهين، أما تحت جناحيّ؛ فلهما مثل ما لي، تُعامَلان عند الآخرين بما أعاملهما به.

مع ذلك:

- شيطان شعري ما غراني، عركتني التجارب والزمن وراني، اللي عيونه لقدام ما بكون وراني.

يرفع أهل الخَرْبَقَة من مكانتي، يتبعون شوري أكثر من أحكام مجلس الجودية، ويستجيبون لقوانيني أكثر من قوانين "الشفيع"؛ العمدة الذي كشف بقعتنا نسبياً للإداريين، وحاول رشوتي بلقب "الأميرة" الذي ترسم به الإداراتُ الحكومية ولاءَ الحكّامات في التجمعات النائية، لم يغرني اللقب، وما أردته ثوباً يسبغ علَيّ ارتباطاً بمن يحكمني. لا يحكمني غير الله، ومهما تغير علينا الزمان، أظل حكّامة الخَرْبَقَة، لا حاكمتها، أعلم الناس تصريف الحياة قائلة:

- أوصيكم على البيت الكبير؛ اشروه، على ضيف الهجوع؛ عَشُّوه، على الولد اليتيم؛ رَبَّوه، على الجار إن وقع؛ شيلوه، على السيف السنين؛ اسعوه، على الفايت الحدود؛ واسوه.

أُثقل على نفسي بحكمة ينتظرها الآخرون، وقد خلعت الأنثى من أعماقي بقسوة كماشة تسحب مسماراً، كما لو كانت ضرساً نخرها السوس فشلعتها محتملة ألمهَا، كما خلعها الناس مني بلا وعي. ما تبقى لي من الأنوثة إلا حكمتها وكشفها وفيض تحنانها، استعضت عن رجفة القلب، ورعشة الجسد، بتلمس الأشياء من حولي، بمتابعتها حتى أصل إلى أمها وأبيها، بمسح دمعة الأشياء حين تبكي، بتضميد جروح البشر التي لا تُرى؛ وإن كانت نازفة. اتسعت حلتنا، وصارت وطناً حقيقياً، ومر فيها من مر، وزاد سكانها، وتمازجوا عرباً وزنوجاً ومساكين وطامعين، فقد كنا على طريق العابرين شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، محطة استراحة ومستقر. عندما شاب شعر رأسي، سلمت أني لست المرجع الوحيد لتلك المجموعة، تسللت على مهل من كرسي الحكّامة متشاغلة بدوري في تربية "بابَنوس" و"آدمو"، ومتابعة مصالح الزراعة التي تطعمني خبزاً، شجعت الرجال الذين شاركوني المشوار الصعب على استعادة أدوارهم بروية، حولت جلسات الانداية أو التعطل الصباحية للرجال حول القرعة الطافحة بخمرة المريسة إلى جماعات تحكيم مبجلة، ومن دون إدارة ظهري نهائياً، أردد بينهم بحبور ومحبة أم:

- عسانا دايماً، تامين ولامين وما ناقصين.

كلما حملنا جنازة إلى الجبانة[16]، أو مررت بشجرة الموتى عند حد خزان الماء، فكرت أني سأترك الوطن يوماً بلا حكّامة، أو شرعة تسوسه، فقد خذلتني "بابَنوس" و"ست النفر" من قبلها، وما أرادت إحداهما أو استطاعت ارتداء ثوب الحكّامة والقيام بالدور الصعب، ولا انصعت أنا إلى تقمص دوري كأميرة تسوس قومها وفق تراتبية تعين لها المرافقات والنائبات، بل اعتكفت في خَرْبَقَتي أديرها كما يلهمني ربـي، لهذا أردت إحياء مبدأ الجودية، حين يتجمع الأجاويد من كبار الناس لحل المشكلة، بخاصة أننا لا نتبع إدارة يمكننا الارتكان إليها إذا ما طرأ خلاف بيننا، أو قانون يحكم على الظالم والمظلوم؛ إلا ما تعارفنا عليه أخلاقياً، وما فاهت به شفاهي من حكمة. استحسن رجالنا من الجودية الكرام اتّباع مثل هذا الإجراء الذي يكبر الكبير ويحترمه، ويعزز دورهم، فلجأوا إلى قانون "دالي"، وهو قانون قديم وضعه سلطان الفور العتيق "دالي". إذا ما سرق أحدهم؛ غرموه بست بقرات إذا كان من البقارة، أو مائة بعير إذا كان من الأبالة، أو ما يعادل ثمنها، وإلا الحبس. قاموا بتخصيص قطية للحبس عينوا عليها الفتى "شديد" حارساً. في أكثر الأحوال تكون تلك القوانين مجرد قوانين غير معمول بها، فليس في حلتنا بقارة ولا أبالة، ولا ماشية كثيرة ولا نقد وفير، كلنا ضعاف الحال بالكاد نكفي يومنا، هكذا؛ ما إن يُحبس السارق، حتى يعود رجال الجودية لي، فلا أردهم، وأقول مرحبة متصدية للأمر:

صفحة 9

- حبابكم عشرة.

أقضي بينهم، فأقدّر الفدية التي يتوجب على أهل المخطئ دفعها، وأزن الجرم بملابساته وبحال السارق والمسروق، لأنطق بالحكم الذي لا يرده أحد، حتى لو كان جمع الفدية للسارق من كل بيت في الحلة.

أترك مشاكل الضرب والشكل بين الأشقياء للأجاويد يحكمون وفق قانون دالي بتغريم الضارب بثوب من الدمور إذا جرح المضروب، ونصف ثوب إذا لم يكن هناك جرح. أما خلافات الكبار ونـزاعات الحصص الزراعية؛ بعد أن صرنا مزارعين، وحصص الماء خارج موسم المطر، فترتبط كلها بتقديراتي الخاصة، وهي في جلها أمور عسيرة أسوسها بالرحمة دون العدالة في زمن المجاعة. هو زمن تُنتزع منه العدالة أساساً.

لا يمكنني إحصاء عدد المجاعات التي مرت على الخَرْبَقَة، فالمطر ينقطع كأنه لم يزر تلك الأرض بتاتاً، ويجوس الموت بيننا عادياً ويومياً، فأنسى جوعي كي أعالج جوع الآخرين، أتفقد "زينب" الضريرة يومياً في قطيتها الفقيرة، أدعي أن عنـزتها حلبت هذا الصباح لبناً وفيراً، تمد يدها الهزيلة وتمسك بالقرعة الطافحة، أسقيها بنفسي وأنا أتحدث عن شقاوة العنـزة. ماتت عنـزتها منذ أعوام، وأظن "زينب" تعرف؛ لكنها غير متأكدة. فكيف لها تفريق عنـزتها من عنـزتي! أمدها ببعض الذرة وأضع طبق العصيدة أمامها وأمضي مشيَّعة بدعواتها في رطانة حانية، فـ"زينب" لا تجيد العربية، ومنذ فقدت عائلتها وبصرها باتت مسؤولية بيتي.

أتنقل بهمة في المجاعات العابرة بحثاً عن الجوعى والصغار وجثث المسنين في قطاطيهم، أمنع الأمهات الخائفات من هجر المكان برضّعهن وصغارهن هرباً إلى المدن البعيدة، أنبه إلى مخاطر الطريق الطويلة المزروعة جوعاً وبؤساً، والتي يقتتل العالم على جنباتها في معارك لا تعنينا، حيث ينتشر عسكر الحكومة، والأشقياء المسلحون من عصابات "الجنجويد"[17]، ولا يخلو الأمر من حوادث انتقام متفرقة تعبر الصحاري والغابات الجنوبية إلينا، إذا ما التقى صدفة واحد من قبائل المسيرية بجنوبيٍّ من قبائل الدينكا.

عندما نجوع؛ يرتضي الجميع قراراتي بجمع كل ما لدينا من خزين، وإعادة توزيعه بالمقادير التي أحددها، عندها لا أحسب حساباً قانونياً حول من يملك ومن لا يملك، نصير كلنا أبناء الجوع، ولنا حق في الطعام المجاني مهما قل، نمارس قوانين خَرْبَقَتنا الرحيمة. ثم في لحظة غير مرصودة ولا متوقَّعة؛ تنفتح السماء وتُسقط ماءها، عندها نرقص ونغني، نشبع قبل أن نأكل، يُشبعنا شعورنا بالأمان، وتظل مهمتي عسيرة في ترتيب الأمور حتى جني النبات، وإعادة المحاصصة بين من تبقى من أهل الخَرْبَقَة.

زرعت النسوة السفح دخناً، لكن بعد جنيه قص الشبان جذور نباتاتهم ليمنعوا الرعاة البقارة من دخول أراضيهم بحثاً عن طعام لمواشيهم، أستدعي أولادَنا ونسوتَنا موبخة؛ أصدر أمراً قاطعاً بالتوقف عن تلك الألاعيب، لا يسلم الشبان بسهولة، ويكثرون النقاش، فيشكون من العرب البقارة الذين يحتقرونهم لسواد بشرتهم، ويسمونهم أهل "التكل"،[18]ساخرين من زراعتهم ومهنهم، غير متورعين عن مشاركتهم نتاج عرقهم، أعلّمهم أن الأرض ملك للجائع والمحتاج، وذلك التوافق والتناغم لا يكون على وجهها لولا أننا نتساند.

أخفف مخاوفهم من نقص المياه، بل أفسر المجاعات الطارئة في مواسم المحل على أنها بعضٌ من توازن الطبيعة وعدلها وحكمتها، والإنسان وحده من يخل بذلك التوازن الدقيق. يستجيبون غالباً، ويظل هناك نفر عصاة من الشباب النـزقين الأنفين الذين أحبهم على شقاوتهم، خائفين أن يطالهم العطش إذا فرطوا بما لديهم، يعمدون إلى إغلاق الآبار دون العطاشى المارين، فليس لكل البشر القدرة نفسها على التعاطف والعطاء. ما أصعب دور الحكّامة.

الموازنة بين الحكمة والعدالة والهوى، أمر أختبره كل يوم بصورة مضنية.

تاريخ العالم حافل بالأسرار، أعرف التاريخ البعيد لمجمل الحياة؛ وأتأمله كما لو كان يدور حولي في اللحظة الراهنة، وأمط شفتيّ علامة جهل حين أُسأل عن الجديد، كأن أدعي أن اسم الحاكم الحالي في الخرطوم غاب عن ذهني، وماذا يهم إن كان محمد علي أو غوردون أو المهدي أو النميري أو البشير؟ لا يمكنني تفسير أرتال رجال الأمن الذين يتدفقون على المدن القريبة، ولا علاقة الجنجويد بالعسكر، ولماذا يتحالف الطرفان على المزارعين في القرى والمدن القريبة، ولماذا تحرق مساكن الفقراء ويتم إرعابهم وطردهم؛ وتدخل قطعان الأبقار تقتات بما زرع الهاربون! نبدو بعيدين عن جنون العالم.

يستحسن أن يظن أهل الحلة أحياناً أني لا أعرف، لست كاملة؛ فأنا من البشر، مع أني أعرف الكثير، أعرف المك نمر، والمهدي الأول والثاني، وحتى تشرشل والملكة الأولى الإنجليزية إليزابيث، كما أعرف أن الحالية الشمطاء تحمل أيضاً اسم إليزابيث! أعرف الكثير عن مصر والسعودية وتشاد وليبيا وفلسطين التي سرقتها "إسرائيل"، وأعرف بلاد الخواجات إنجلترا، يمكنني تصور الخريطة التي ترتسم عليها كل هذه البلاد، ولا وجود فيها لاسم حلتنا الخَرْبَقَة.

تعلمتْ "بابَنوس" رسمَ خطوط منحنية لهذا العالم على الورق، ترسم النيل الحقيقي خطوطاً رفيعة تلتقي بخطين يقتربان ويندمجان في خط كبير في الوسط، كما لو كان شجرة جرداء مقلوبة، علّمها تلك المهارةَ "أبَّكر" ابن "باسالم" البكر وأستاذة المدرسة "فاطمة"، وإن ظلت "بابَنوس" تنسى رسم نيلنا؛ حفيرتنا التي حفرناها بأيدينا، أشياء صغيرة لا تهمها، لكنها تعني لي العالم. أما "أبَّكر" فإنه يعرف الكثير؛ أشياء تعلمها في المدارس والسفر وخفيت عني، المعرفة بالأخبار والحكايات والمعلومات سهلة ممكنة، ولكن معظم ما أعرفه عن أسرار الحياة؛ يخفى عن الجميع.

هل علمتني معرفتي وحكمتي الزهو بعقلي وبما أنا عليه؟ لا أظن، لكنهما أثقلا كاهلي. لم ينحنِ كتفاي عبثاً، مع تقدم العمر وكلما تهدل جسدي منكفئاً على ضعفه ووهنه، نهضت روحي منتصبة.

أتابع الشبان الواهمين بامتلاك يومهم وأمسهم، وأقصى ما يذهبون إليه غدهم، أراهم خفافاً كفراشات تتهادى، أرواحهم متوثبة؛ جاهزين لصراع أيامهم بكبر وثقة مطلقين، بل إنهم يختلقون صراعهم ويستجلبون عدوهم جلباً. بينما الحكمة التي أثقلت رأسي، تهوّن علَيّ استعداء العالم وعداوته والصراع معه، أبداً لا يكون ناظري في الفيل وساعدي يطعن ظله. رائقة أداوي ضربات الحياة وجراحها، لا تعنيني آثار مخالبها على جسدي، بصبر أم تفلّي ابنتها، أخلع أشواك الدنيا.

يمكنني بصبري إذابة العالم كله في كأس شراب"الحلو مر" اللذيذ وشربه، لهذا أنسى وأتناسى، أغفر وأرحم وأفهم، أمنح وأعطي وأتعفف، أتغاضى عن هفوات البشر، حتى جرائمهم، أشفق على ضعفهم، وأزهد في القوة والمجد والمال. أنا الصلبة الصارمة الجافة اليابسة، أصير لينة هينة مطواعة، أتنحى كي يمر الآخرون بهبوبهم وعصفهم وضوئهم وضوضائهم.

صفحة 10

بابَنوس

لم أعرف الأشقاء، فقد نشفت أمي بعدي مثل حطبة، ما عادت أنثى تَعِدُ بالبنين والبنات، مجرد خشبة بنية رمادية باهتة، تنفع في إسناد خابية الماء، أو حمل الحطب من الغابة المجاورة. تقرفص ساعات تعوس العجين، ثم تمسده بحركة سريعة فوق الصاج المقلوب على تنور النار؛ تصنع الرقاق الهش اللذيذ، ثم تبيعه في الحلة وخارجها، كما تبيع خدماتها، تنتقل من بيت إلى بيت، يهيئون لها تنورهم وحفرتهم وصاجهم، وتنجز هي عجينها ورقاقها.

تتسلط أمي الكيسة الهادئة على "حَوّا" الزرقا المتنمرة! كما لو كانت امرأة مغايرة، "حَوّا" التي لا يقدر عليها أحد؛ تملك أمي زجرها بنظرات تأنيب موبخة، لكنّ عينيّ أمي ليستا دائماً حاضرتين.

تجلس أمي "ست النفر" لساعات طويلة صامتة ساهمة، ترتد إلى زمن بعيد، تنفصل عما حولها؛ صماء بكماء، ثم تنتبه وتنظر إلينا بحياد كأنها لم تختفِ من المكان لفترة طويلة، تقول بهدوء:

- أسوي ليكم كباية كركديه؟

تنهض لإعداد مشروب الكركديه حتى لو لم يجبها أحد. تشارك في مجمل نشاطات النهار، والمطبخ مملكتها بلا منازع، لكنها لم تعد تصلح للإنجاب بعد إنجابـي، ذاك ماض بعيد كأنه لم يكن، وأنا وحيدتها، درتها الفريدة التي لا تمنحها عطفها، ما عرفت العطف إلا في لمسات الجدة الحبوبة الحكّامة.

لم أحْظَ بالأشقاء، شبيهة بشجرة الموتى، وحيدة على حد الماء عند انعراج الحفير، ولأني لا أعرف كيف يكون للمرء أخ أو أخت، فإن كلمات الحكّامة تبدو غريبة، حين تشير للولد الصغير قائلة:

- آدمو أخوك.

كيف يكون أخي؟ ليس بيننا صلة دم، لا يجمعني به جد ولا أب ولا أم، وهو نفسه وحيد كما لو كان حصاة في العراء، لولا خوفي سخط الحكّامة وأشياء أخرى في صدري، لكنت أسميته في لحظات الغضب والمماحكة كما يسمّيه أهل الحلة سراً، "جنا حرام"[19]. لكني لا أفعل، أشفق عليه من الهمس الخفي، وأحزن عندما أتصور رحيله وحيداً إذا كبر وشاخ، لن يجد له أهلاً واقفين عند الشجرة ينتظرون روحه على حد الماء، وحدها أمه "حَوّا" ستكون في انتظاره.

"آدمو" منقطع إلا من أمه "حَوّا" السليطة الصعبة، كأنه هبط من السماء، أو بزغ كالجني من العدم بعينيه الملونتين بين اخضرار عشب ندي، وزرقة السماء عند العصر. ألوان لا تشبه السواد في عيون البشر على تلك البسيطة، مع ذلك كحل الله عينيه برموش يبدو معها غامضاً مخيفاً فاتناً.

لا أعرف كيف تكون الأخوّة، حين يأتي الجميع من ماء واحد، ثم يكبرون في بيت واحد، رغم أني كبرت معه، ولكن الأمر مختلف. هو أيضاً لا يعرف طبيعة أن يكون له أخت أو أخ، حتى لو سمع طوال عمره أني مثل أخته، مثل أخته! أي أني لست أخته.

أفزع حين يتمدد قربـي في الفلاة، تورمت ذراعه النحيلة بانبعاجات رشيقة يلامس ذراعي الطويلة، ينقلب؛ فأشعر بتورمات أخرى يحاول إخفاءها، وأحس اشتداد عجيزته وصلابتها.

ركضنا معاً وراء عنـزة عتوت[20]رعناء أمسكنا بها تقرض أوراق شجرة العرديب في حوش ود "باسالم". لم يكن يُسمح لنا بالابتعاد أكثر مما تبتعد العنـزات إلا برفقة الكبار، فهناك عند سفح الجبل الذي كان مباحاً سابقاً؛ مُنع الأطفال والنسوة من التوغل. الجسورات يغامرن حاملات الحطب من الغابة البعيدة. هناك تختبئ حكايات مرعبة، لا يريد أيٌّ منا سماعها أو اختبارها.

أفلتت العنـزة منا، تراهَنّا أينا أسرع في الإمساك بها، جرينا، وحين تمكَّنّا كِلانا من إمساك رأسها وتثبيت بدنها الذي فرفط بيننا وهي تماعي بحشرجة ووجل، ضرب كوعه اليابس نهدي الجديد؛ فنفرت، وأطلقت صيحة ألم، ثم أمسكت عن البوح، لم أشْتُمه لحظتها، فقد تبلبل حسي، وأصابني بله مؤقت. ولكني في ما بعد ابتدعت أسباباً أخرى تبرر السباب، وفهم هو أن ألماً أصابني؛ أخجل البوح به.

عدنا إلى القطية نتشاتم ونتراجم بالحجارة، تماماً كما كنا نفعل مع أقراننا الصغار حين يحاصرونه وراء القطية؛ يتفحصون خضرة عينيه مغازلين وساخرين، أو يمسكون بخاصرته، يدفعونه متضاحكين ليواجه جدار القطية. يلتصقون به ضاغطين جسده بجسد أكبرهم، عندها أتناول الحجارة الصغيرة وأرجمهم شاتمة، فيفلت من بين أيديهم، ويزوغ من بينهم مراوغاً جارياً لينضم إليّ، نرجم الفتية وهم يتصايحون:

- أخته الكبيرة جت.

يفر الصبية المعتدون عن الشمال وعن اليمين، يعرفون أني أرعاه وأحميه بشراسة تشبه شراسة أمه الغائبة في الأسواق تبيع.