صفحة 1
هذا الاجتهاد المختلف
فيصل درّاج
هذه كتابة مبدعة وتجريب مجتهد في الكتابة الإبداعية·
كتابة مبدعة تحاول جنساً كتابياً وتُحْسنه، وتجريب مجتهد يروّض الجنس الصعب ويرفعه إلى أعلى· كأن محمود شقير، الذي بدأ الكتابة من عقود أربعة، يضع خبرته كلها في الموضوع الذي يكتبه، صاقلاً أدواته مطوّراً وسائله، ومنصرفاً إلى الجنس الكتابي الذي اختاره انصرافاً لا يعوزه الإخلاص أبداً·
تنطوي هذه القصص القصيرة جداً على منظور معين للكتابة وللعالم الذي تلامسه الكتابة من جهات مختلفة· تتكئ الكتابة، وكما أراد الجنس الذي تحاوله، على اقتصاد لغوي متقشف، يفصح ويوحي في آن، بل يوحي بأكثر مما يفصح عنه· وبسبب ذلك تتعيّن الكتابة بالكلمات والفواصل والنقاط، وتتعين أكثر بالفراغ القائم بين الكلمات وغيرها، وبالحوار بين مفردات حاضرة وأخرى غائبة·
تعلن كتابة محمود شقير، وقد ارتضت باقتصاد لغوي رهيف، عن طموح شاق إلى >الكتابة الخالصة، إذ القول يصنعه حوار الكلمات ولا يحتاج إلى صوت صريح، وإذ المعنى ما همست به السطور وأوحى به البياض القائم بينها· لكن محمود، رغم فتنة اللغة، يظل مع وضوحه المليء، يكشف ويحجب، دون أن يقترب من الغموض، أو أن ينجذب إلى شكلانية فاتنة تائهة المعنى·
تجتهد هذه القصص في تحويل العالم الواسع إلى وحدات كتابية صغيرة· والاجتهاد، بداهة، مسكون بالمفارقة، لأن اختزال الواسع إلى الصغير مشقة زائدة· بيد أن شقير يردّ على السؤال بطريقين متلازمين: يأتي الردّ الأول من الوحدة الكتابية الصغيرة التي يوسّعها البناء الداخلي الكتابي، إذ الفاصلة معنى والحرف تصريح والفراغ بين السطور قول وإيحاء في آن· وما طموح > الكتابة الخالصة إلا هذا الجهد الشاق في توظيف علاقات الكتابة كلها في بناء إبداعي، محدود الكلمات وواسع المعنى· ويأتي الرد الثاني من هندسة الوحدات الكتابية المتراصفة، التي يضيء بعضها بعضاً، منتهية إلى لوحة عريضة المساحة، تستنطق أحوالاً إنسانية مختلفة· ولعل الرجوع إلى عناوين القصص المتلاحقة، يكشف عن تبادلية الإضاءة بين الوحدات المختلفة التي تتحوّل، في النهاية، إلى لوحة واحدة، ترى إلى عالم الإنسان في احتمالاته المتعددة·
يبدأ محمود بهندسة الكلمات وبناء وحدة كتابية ضيقة، وما هي بالضيّقة، ويعطف الوحدة على غيرها، واصلاً إلى قصة شاسعة، تحكي اغتراب الإنسان في ثنائيات متلاحقة عناوينها: اللقاء والفراق، الحضور والغياب، الامتلاء والحرمان، التواصل والغربة، الظلم والعدالة، والفرح القليل وذاك الفرح المأمول المؤجّل الوصول· وفي هذه الثنائيات المتواترة، التي يكتسحها الاغتراب، يلتقي الفلسطيني بثنائياته المحتملة: الأمن والتهديد، الخوف والمقاومة، الموت والحياة، الإرهاب وإرادة التحدي التي لا تنتهي· يحضر الفلسطيني في قصص خاصة به، قوامها التحدي الظالم والمقاومة العادلة، ويحضر في القصص جميعاً، ذلك أن منظور القصص المفعم بالدفء والمحبة والإنسانية، التي لا تفارقها كآبة ملتبسة، ينطوي على تجربة إنسانية كثيفة شاسعة، هي صورة عن القدر الفلسطيني المخلوق من التراجيديا والبطولة·
يشتق محمود شقير، الذي كتب >خبز الآخرين قبل أكثر من ربع قرن، العالم الواسع من عوالم صغيرة، في معادلة يتعايش فيها الشعر والنثر في آن· يتراءى المنظور الشعري في >العالم الصغير الذي يضيء عوالم تتجاوزه، وفي >المشهد الضيق الذي يفتح أفقاً لا ضفاف له· ويتراءى النثر في الانشداد إلى تفاصيل النهار، وفي ذلك الانصراف المرهف إلى دقائق نائية، تُرى ولا تُرى· ولعل جدل الشعر والنثر معاً هو ما يمدّ >القصص القصيرة جداً بكثافة عالية تملي على القارئ قراءة مزدوجة: قراءة محدودة لحظة القراءة المباشرة، وقراءة أكثر اتساعاً ورحابة تبدأ حين تنتهي القراءة الأولى·
تنظر قصص محمود شقير إلى القارئ باحترام كبير، تعترف به وتثق بقدراته· ولذلك، فإنها لا تعطيه المعنى كاملاً، تضع أمامه قسطاً من المعنى وتترك له أن يرى ما تبقى، محوّلة القراءة إلى حوار ومصيّرة الكتابة إلى فعل مشترك، يحققه الكاتب والقارئ معاً، بعيداً عن كتابة تلقينية، تسحب اعترافها بالقارئ، قبل أن تتوجّه إليه·
هذا نص جدير بالإعجاب، لا لأن كاتبه صرف فيه جهداً جميلاً، بل لأنه تصرف بماضيه الكتابي بشكل أكثر جمالاً· وبهذا المعنى، يعطي محمود شقير درساً في قلق الكتابة المبدعة، وفي أخلاقية الاجتهاد، التي تأمر المبدع أن يلتفت إلى الكيف أولاً، وأن يرى إلى ما كتبه غيره، قبل أن يبدأ بالكتابة·
(مقدمة المجموعة القصصية "مرور خاطف")
صفحة 2
لا أحد
يعود إلى المدينة بعد غياب ممض، ليس ثمة من أحد، حتى الكلاب الضالة والقطط لم تكن هناك· دخل المقهى المضاء، ثمة فناجين قهوة لم يفرغ أصحابها من احتسائها بعد·
صعد إلى الشقة المجاورة، بابها مفتوح، وثمة فردة حذاء عند الباب، تجول في أنحاء الشقة: عطر المرأة يفوح من زجاجة مفتوحة أمام المرآة، فتش خزانة الملابس لعل عشيق المرأة يختفي هناك، فلم يجد أحداً· بحث عن المرأة في المطبخ، تحت السرير، وفوق السطوح دون جدوى· تنقل من شقة إلى أخرى، فلم يعثر على أحد في المدينة كلها· افتقد الشرطي الذي اعتاد أن يحرس بناية البنك فلم يجده، بحث عن المخبر المسكين الذي لا يمل من مراقبة الخلق، بحث عنه ليدخنا سيجارة على الأقل، وليسأله عن حال المدينة بعد هذا الغياب، فلم يعثر عليه·
في الصباح، عثر الناس على رجل فوق الرصيف ظل يبكي حزناً حتى الموت·
صفحة 3
حب
لم يقل لها مرة واحدة: أحبك، فهو يكتفي بالنظر في عينيها، وبين الحين والآخر يمد أصابعه بحنو، يسوّي خصلات شعرها التي تبعثرها ريح المساء دون استئذان·
لم تقل له مرة واحدة: أحبك، فهي تكتفي بالسير صامتة إلى جواره، وفي الصباح التالي تأتي وحيدة تلملم آثار خطواتهما خوفاً من قسوة المارة، ثم تعود وعلى رأسها سلة كبيرة، لا يدري أحد ماذا خبأت فيها·
صفحة 4
تمثال
على صدرها أسند رأسه المتعب، وهناك بكى دون توقف وهي تسرّح أصابعها الرقيقة في شعر رأسه الأليف·
في الصباح، تحلق الناس عند قارعة الطريق، تلمسوا أبدانهم الهشة، وهم يرون بمحاذاة أشجار الكينيا، تمثالاً من لحم ودم، لرجل وامرأة، رأسه فوق صدرها، يدها الحانية على شعره الساكن، تماماً، في الموقع الذي يلتقي فيه الأحبة كل مساء·
صفحة 5
قلب
في الأيام الأولى التي سبقت لحظة البرق، كانت تأتي إلى مبنى اللقاء وقد خلفت قلبها في البيت مثل قرود الحكايات القديمة·
في الأيام التالية التي أعقبت لحظة البرق، صار قلبها يسبقها، يتراكض أمامها مثل أرنب أليف، يصعد درجات المبنى بأذنين طويلتين وأنف مرتجف أحمر دقيق، ثم يغفو طويلاً في حضن رجل ينتظر وصولها في لهفة كل مساء·
صفحة 6
وحدة
بعد منتصف الليل بقليل، أيقظه لسع الهواء البارد، اتجه نحو النافذة وهو يؤنب نفسه، لأنه لم يفطن إلى إغلاقها قبل النوم·
عاد إلى سريره ثم توقف حينما انتبه إلى أن القطة ليست على السرير، ولا في ركن الغرفة أو تحت المائدة الهرمة·
اتجه نحو النافذة من جديد وانتظر، وحينما أدركه اليأس انزوى في سريره وهو يتمتم: كم مرة حذرتها من الخروج ليلاً! قال ذلك وهو يسعل، قاله وكأنه يقصد امرأة·
صفحة 7
صمت
تجلس في ركن الغرفة والصمت الكثيف يثير في قلبها الأحزان، تتفقد كالعادة كل شيء من حولها، ترنو إلى الحائط حيث صور الأبناء الذين مضوا وفي أحضانهم صبايا ضاحكات في ثياب الزفاف، لا تطيل التحديق في الصور لأن الصبايا ماكرات·
تتأمل نباتات الزينة في زوايا الغرفة وعند أعلى الجدار، تعتريها رغبة في البكاء، لأن نباتات الزينة في غرفتها لا تبادلها الكلام·
تحدق في الكرسي ذي القوائم النحيلة العارية، فلا يروق لها منظره، إذ يبدو كما لو أنه يغافلها كي ينطلق خارج البيت متسكعاً في الطرقات، تتحرك في حذر نحو الباب، تتأكد من إغلاقه جيداً، ثم تقترب من الكرسي الذي بدا الآن مثل طفل خبيث، يكبت ضحكة لن تلبث أن تنفجر·
تدير له ظهرها وتبتعد، تسمع فجأة صوت ارتطام جسم ما بالأرض، تنتفض مجفلة وجلة، ثم تدرك بعد وقت أن ورقة من نبتة المدّاد في أعلى الجدار ألقت بنفسها من حالق، لأنها، كما يبدو، لم تطق كل هذا الصمت، كل هذا الوقت في أعلى الجدار·
صفحة 8
اشتباك
إنه آذار، مطر دافئ وشمس حنون، وها هي ذي ساعة صحو لذيذة· تدعي البنت أنها خارجة لجمع الفطر من تلة الربيع، فلا تعترض الأم التي لا تكف عن قراءة التعاويذ·
يأتي إلى الموعد من الجهة المقابلة فتى وسيم، تركض أمامه ثلاث عنزات وجدي رضيع، وعلى التلة يجلسان، يفرش تحتها معطفه الخَلَق، يقدم لها ضمة من زهر الحقول لعلها تكف عن الخجل·
يتلهيان بمتابعة الحلزونة التي تزحف بالقرب منهما، وعلى ظهرها صدفتها الوحيدة، يتساءلان عن الجهة التي ترحل إليها، فيعروهما قلق خفيف·
تخرج من بيت بعيد، جنازة الرجل الذي عاش مائة وعشرة أعوام، يهطل المطر الدافئ من جديد، تتسارع خطى الجنازة، تختبئ الحلزونة داخل الصدفة، أما البنت التي أشعلها المطر، فقد استلقت فوق معطف الفتى مثل أرض عطشى رحيبة·
صفحة 9
افتقاد
هي تدري، منذ أن أهداها تلك الحكاية التي تتحدث عن عاشق غاب، أنها ستفتقده ذات مساء، ستبحث عنه في البيت، في الطرقات، في كل الأمكنة التي اعتادا على ارتيادها، دون أن تعثر على جواب·
هو يدري، أنه سيفتقدها ذات صباح، ولن يستطيع البحث عنها، لأنه سيكون محروماً من ارتياد الأمكنة أو قطع المسافات·
مرة، جاءها خبر غامض، خرجت تركض مثل مهرة حتى وصلت بيته البعيد، لم تجرؤ على الدخول، فقد كان البيت مسكوناً بالصمت، وعلى جدرانه تتكاثف الظلمات·
صفحة 10
عهد
ثمة لوحة على الجدار: زجاجة وبضع حبات من التفاح، وعلى الشريط أغنية: أحن إلى خبز أمي· وفي الخارج مطر ينقر زجاج النوافذ·
أمامه كأس من النبيذ، تنمو في صدره بلاد بعيدة: سور عتيق يغسله المطر، نوافذ خشبية مرنخة، قباب ومآذن وصلبان، تمر مصفحة في عرض الشارع، يتراشق من تحت عجلاتها رذاذ كثيف، تدوي أجراس الكنائس حزينة: إنه يوم الأحد، ينسرب عبر باب زجاجي، يحتسي نبيذ اللطرون، ويحلم بسماء صافية وشوارع لا تعكر صفوها المصفحات·
توقف المطر، غابت الصورة، عاد يحدق في اللوحة الصامتة، ذابت الأغنية· كم هو بعيد عن تلك البلاد! عبّ كأس النبيذ دفعة واحدة، خرج إلى الشارع يرقب اندياح الماء كالذكريات، ثم مال على صفصافة في القلب، وكتب على جذعها عهداً·