eKtab
EN ع
باسم الشعب ... وللشعب
اقرأ عينة مجانية

باسم الشعب ... وللشعب

بقلم غالب غانم

صفحة 1

مقدمة

تعتز «السفير» بأن تقدم هذه المجموعة من المقالات التي كتبها القاضي الكبير وصاحب القلم المرهف والتجربة الغنية الأستاذ غالب غانم، عن تجربته الغنية في رحاب القضاء.. وهي مقالات خص بها «السفير» بعد خروجه من موقع القاضي وان كان قد بقي بضميره وقلمه فيه.

هي هدية من «السفير» إلى المتشوقين إلى العدل في بلد ندر أن تحقق فيه أي نوع من العدل، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي- الاقتصادي، أو حتى على المستوى القضائي.

صفحة 2

أَحمل حقيبتي وأسلكُ طريقَ القضاء

يوم خَطَر ببالي، ذاتَ يوم من العام 1972، أن أكونَ واحداً من جمهور المتقدّمين الى مباراة معهد الدروس القـضائية بهدَف الانتماء الى القضاء، طرحتُ على نفسي أسئلةً شتّى كان الجواب على بَعضها يعزّز لديّ الرغبة والتصميم، والجواب على بعضها الآخر ينقلني الى دائرة الرَّهـبة والتردّد. وتذكّرتُ، بالمنـاسبة، بيتاً من الشعر لابن الرومي يَصف فيه موقفه من الدعوة الى سَفَرٍ وازَنَ بين منافعه ومَضارّه، ومِتَعِهِ ومشقّاته، ومعلومِهِ ومجهوله... وقال:

تَنَازعني رَغبٌ ورَهْبٌ كلاهما قويٌّ، وأعياني اطّلاعُ المَغَايِبِ

هذا ما تَنَازعني بالتمام. فلماذا أحملُ حقـيبتي وأسلك طريقاً وعراً وأودّع شقيقةَ الحريّة... مهنةَ المحاماة التي خطّـطتُ لِلّحاقِ بها وأنا بَعدُ في المرحلة الثانوية من حياتي الدراسـيّة ؟ وكيفَ أهجرُ عالم الخطابةِ القضائيـة التي أردتها ساحـةً للتعبير عن طبائعَ وميول لديّ ترجّحت بين الاعتداد بالشـجاعة والتمسُّك بالمنطق والتعلُّق باللغة العربيَّة... أجَل ! اللغـة العربية التي كانت ولا تزال في مقدمة الجياد التي أُراهِنُ علـى طاقاتها وطوالعها السَّاحرة كلّما أردتُ الخوضَ في علمٍ كعلم القانون، أو في فنٍّ كفنّ الأدب لا يستقيم، ولا يُؤتي ثمارَهُ اليانعِة وذات َ الأطياب، إلّا إذا أمَدَّتهُ لغَتُنا العصماءُ والحسناء بأسباب المناعة وبلطائِفِ الجمال.

صفحة 3

واسئلةٌ من ألوانٍ أخرى مُتباينة انهمرتْ عليّ، في صدارتها: هل القضاءُ وسيلةٌ أم غاية، أم الصورتان معاً... وهل آتي اليه لأنّ والدتي كانت تحدّثني عن هيبة القاضي وتُصنّفُهُ في أعالي اللوحةِ الاجتماعية المتعدّدة المواقع والأنسجة. ولأنَّ أبناء الأرياف، وانا منهم، يخصّون القاضي بإجلال لا تحظى به عادةً إلّا فئاتٌ قليلةٌ مختارة؟ وفي صدارةِ الأسئلة ايضاً، وهي هذه المرّة من النوع الشائك الداخل في صميم الموضوع، بل في صميم المشكِلة القضائية على إطلاقها: هل انّ القضاء مِتعةٌ أم مشقَّة؟ رخاءٌ وارتخاء أم تهيُّؤٌ مستديم لاتخاذ موقف ولِتَحمُّل الأصعبِ من المسؤوليات؟ وهل هو عطاءٌ حتى التفاني أم أخذٌ حتى تجاوز الخطوط، بأحمرها «وأصفَرِها وأخضرِها»؟ وَلْنَقُل اكثر: هل يأتي القاضي الى هذا المحراب لبلسمَةِ جراحِ النّاس الطيّبين، وللانتصار لصاحب الحق، ضعيفاً كان أو قويّاً... على ألّا يَنسى انّ اليتامي والأيامى والمظلومين وأبناء السّبيل والمكسورة شوكتهم والمأكول زادُهُم والمغلوبة إرادتهم والممتهنَة كراماتهم من قِبل أصحاب النَّهم والغطرسة والاستكبار، هم دائماً الأضعف والأجدر بالحماية!... أم أنّه يأتي للسَّعيِ الى صدارة أو ليستظلَّ قامةَ متصدّرين وليرضي ذوي نفوذ، سمّهم ما شئت... سياسيين كانوا أم غير سياسيين؟

ومن الأسئلة التي كانت ملحّةً ولا تزال: هل القضاء سلطة أم فرعٌ لسلطة ؟ وهل كلُّ ما يُقالُ عن استقلاله وتميّزه وحرّيته وميدانه الخاص ومسارح فرسه الجموح هو أضغاثُ أحلام، وأوهام، أم أمانٍ وأحلام قابلة للتصديق والتحقيق؟

وكنتُ آنذاك، يومَ قَرَّ قراري على خوضِ غمراتِ القضاء، أتذكّر أنّي ابنُ ثقافاتٍ بَنَت للقضاء عِماراتِهِ العالية، ورسّخَت مبادئه الصخريّة والدهريّة، أي تلك التي لا يصحّ تجاوزها، ولا تزعزعها شكوكٌ وأرياح، وأزمنةٌ تقضي بسهولةٍ على الهشّ والمتهافِت. من هذه الثقافات الراسخة التي هي موضِعُ اعتزازي، الإرث الذي آل الينا عن الأسلاف العرب، وعن أئمّة المسلمين، وهو حافلٌ بأماثيلَ قضائية استحالت مدرسةً في ميدانها. فمن عَهدِ الخليفة عُمر حيث يقول لواليه:« آسِ بين الناس في وجهكَ وعدلكَ ومجلسك حتى لا يطمَحَ شريفٌ في حيفك ولا ييأسَ ضعيفٌ من عدلك..» الى عهدِ الإمام علي وفيه يقول لواليه: «ثم اخْتَر للحكم بين النّاس أفضَلَ رعيّتك في نفسك ممّن لا تضيقُ به الأمور... ولا يكتفي بأدنى فهمٍ دون اقصاه... وأَصْرمَهُمْ عند اتّضاح الحكم، ممّن لا يزدهيه إطراء، ولا يستميلُهُ إغراء...».

صفحة 4

هذا وقد حَفل التراث العربي بمآثر ومناقب قضائية قدّمت للخَلَف نماذج فذّهً في الذكاء وحسن التدبّر والواقعيّة والحكمِ العَدل... ممّا قد تكون لنا اليه عودة لاحقة كلّما فَرضَ المقام أو أتاح.
ومن الثقافات التي أَسهَمَتْ في شدّ إزري وفي إغناء حقيـبتي التي راحَت تُلِحّ عليّ لحسم الموقف المتأرجح ولتقـرير السَّفر الى هذا العالم المتكوّن من مجموعة مُتضادّات ... ذلك أنّه، في آن، صعبٌ وسهل، ضيقٌ وأفيح، مُقيّدٌ وحرّ ـ أجل، هو أيضـاً حرّ ـ، مقدّرٌ ومحلُّ تجريح، كلمةُ الشّعب والكلمةُ المفروضة على الشعب ... من هذه الثقافات تلك الهابة علينا من وراء البحار. من عهد ارسطو اليوناني وقولتِهِ إنّه من طبيعة الإنصاف أن يُقَوّم اعوجاج القانون حيث يُخطئ. ومن عهد سينيك (Sénéque) الروماني الذي كان يتوجّه الى نيرون ـ وهو أَظلمُ مَن ظلَم- بقوله إنّ العقوبة العادلة هي العقوبة المتوازنة لا المفرطة او المتهورة .حدث ذلك حينَ كان نيرون يستعدُّ لإحراق روما انتقاماً من نفسه لنفسه لأنّه لم يتمكّن من نظم بيتٍ واحدٍ من الشّعر، كما يقول التاريخ، أو كما تقول الأسطورة... ومن عهد مونتسكيو الفرنسي رائد نظرية فصل السلطات والخائف رغم ذلك من تعدّي السلطة القضائية على السلطة التشريعيّة، حين قال «ليس القاضي غير الفمِ الذي يلفظ كلمات القانون...».

في حومةِ هذه الأسئلة، التي ستتلوها لاحقاً اسئـلة أخرى، وأجوبة ... أقدمت، وانتميتُ الى القضاء. وهآنذا أَبرحُهُ متقاعداً بسُنَّة العمر لا بارادة متابعة النّضال، بعد ثمانية وثلاثين عاماً ملأى بخمائر التجربة، وبالحصائل وباليد الفارغةِ أحياناً، وبالآمال والخيبات....

(16/7/2011)

صفحة 5

مِن معهدِ القيم إلى عشقِ العدالة

هآنذا على امتدادِ سنواتٍ ثلاث، صُبحَ مساء، وصَيفَ شتاء، في معهد الدروس القضائية مع كوكبة من الرفاق الذين - على ما يجمعني بهم من علامات واشواق – لا أستطيع أن أضبطَ الأسباب التي دفعتهم الى اختيار ما اخترتُهُ. ومن المعروف انّ معهدنا هذا الذي رأى النور عام 1961 متقدّماً في الزمن على سائر أشقائه في العالم العربي، كان واحداً من مُنجزات العهد الشهابي الذي رسم الخطواتِ الأرسخ في اتجاه الدولة المؤسسة لا الدولة/الإقطاع والانتفاع.ورغم انّ صاحبَ العهد كان مهتمّاً بالتأسيس، حاول بعضهم شدّهُ الى التَّسييس وإعادتَهُ الى الدوائر الضيّقة. فكان صراعٌ بين ذهنيتين لا يزال طابَعُهُ مرسوماً أمام أعين المراقب الموضوعي، حتى أيامنا.

ولعلَّ الموقف من القضاء شكَّلَ وجهاً من وجوه هذا الصراع. فإلى أيّ وِجهةٍ يتوجّه القضاة المتخرّجون من المعهد؟ أيسيرون في الخطّ الذي رسمه لهم أسلافٌ كبار تولّوا تنشئتهم وتدريبهم وأفاضوا في الكلام على القيم القضائية وأُولاها الاستقلال وروحُ الشجاعة ونظافةُ الكفّ التي لا يُغريها مالُ الدنيا. ام يسقطون في الشّباك الكثيرة المنصوبة لهم، وأُولاها الاستسلام والانزياحُ عن الصّراط المستقيم ومحاكاةُ المجتمع في معايِبِه وثغراته وأمراضه بديلاً مِن لعب دور المُبلسِم والرافض والمتصدّي والمصلح؟

صفحة 6

إنّ حالَ القضاء اللبناني، في تلك الغضون، كانت حالاً صحيّة على العموم. أقول على العموم. لأنّ الاطلاق، في القضائيات والدنيويات، يُوشِكُ ان يُزعزع اليقين بصحّة ما ندعو اليه.وأقول على العموم لأنه ما مِن شجرة، في أيّ بستان، كائنةً ما كانت نضارتُها وخُصُوبتُها، الّا ويُصيبُ بعض قُطوفِها وَهَنٌ أو ذبول أو... اهتراء. ولا نحسَبَنَّ كلَّ القضاة، في كلّ دول العالم، مِثقالاً واحداً أو ميزاناً واحداً وذَهباً خالصاً. والبيئةُ القضائية الصالحة، والقضاء الصّالح، يُوجَدان حيث تطغى قاعدةُ الصّلاح طغيانَهَا البَيّن على الشواذ الذي إن ضَؤُلَ وتقلّص قلنا إن الأمر واقعي وإن كان غير مستحبّ، وإن تنامى قلنا إنّ العِلّةَ ضاربَةٌ في جذور الشجرة، لا في القَليل من غصونها وثمارها وحَسب.

أظنّ أنّ أحداً لن يَفهم من كلامي أنني من المتساهلين في مواجهة الفساد والتكاسل والخطأ والانحياز والنفعيّة والاعتباط والقساوة والخوف وتسخير العام خدمةً للخاص ونقل الحق من صاحبه المستحقّ الى مُغتصبِهِ الذي حاول ويحاول، خَلَلَ العصور جميعاً، أن يأكل زاده وزاد سواه مُتلّطياً بالتضليل والتشويه والمحاباة. والأدهى من ذلك، مُتَلّطياً بالقضاء. أردتُ ان اقول إنّ أفضلَ قضاء هو من كان الغالبُ الأكثري من قضاته صالحاً. ولو كان الجميع صالحين، مئة بالمئة، لصرنا في جمهوريّة أفلاطون، أو في مدينةِ الفارابي الفاضلة، وهما الجمهورية والمدينة المرسومتان على لوحِ المثال الكبير، وفي الظنون والأحلام، وعلى ورقٍ إذا تلمّسناهُ لا يُلمَس، وإذا ذهبنا الى الورّاقين نودُّ شراءه، حتى ولوكان خالياً من النظريات، لما اهتدينا الى دكاكينهم ومخابئهم.

أَلَيسَت هذه هي حال العدالةِ المطلقة أيضاً، عنيتُ عدالة الأرض المطلقة، والمستحيلة.! أستعيد، لتبيانِ ما أدلُّ عليه، حَدَثاً مُعبّراً شهده قصر العدل في بيروت، في الثاني من نيسان عام 1946. آنذاك، أقام القضاة حفلةَ وداع لزميلهم الاستاذ سليم حيدر بمناسبة تعيينه في السلك الخارجي. وقد تعاقب على الكلام، آنذاك، قضاةٌ أفذاذ، هم الرئيس الاول الفرد تابت، والرؤساء فارس نصّار وصبحي المحمصاني ومسعود حنين. أكابرُ القوم وأكابر العدالة في ذلك التاريخ، في الحقبة الزمنيّة التي سبقت إلغاء المحاكم المختلطة اللبنانية الفرنسية، بقليل، علماً بان هذه المحاكم أُلغيت بقانون صدر في اليوم الأخير من العام 1946.

صفحة 7

وكان نجم الاحتفال، سليم حيدر، من المتكلّمين، لكنّ شعراً. ففي قصيدة واقعة في ثمانية وستين بيتاً، عنوانها «العدالة»، نقرأ في المطلع، ثم في المتن، هذه الأبيات:

عَشِقناها، وإن كانت عَذابا

وأيُّ مَثَالةٍ ليست غِلابا....

عَشِقناها ممرّدةً خَلوقاً

ترى الأطماعَ زائلةً، هَبَابا

فتاةً حلوةً عَفّاً وضاءً

طُوالاً بَضَّةً لدناً كعابا

محصَّفةً محكَّمةً جَنَاناً

مُمنّعَةً مُمتّعةً شبابا...

العدالة هي الجمال المتمرّد الخَلوق المتعفِّف الزاهي المحصّنُ النّضِر... وإن عشق العدالة / المرأة لا يؤخَذُ إلّا غِلاباً وعَذاباً. هذا هو بعض مدلول الأبيات. فهل العدالة موجودةٌ، بصفاتها قبلَ أن نتحدّث عن عشقها. وهل هي في كنفِ الجمهورية المثالية والمدينة الفاضلة ؟ قد يكون هذا السؤال هيّناً إذا طُرِح على القضاة المتدرّجين. كان هيّناً علينا لأنّنا دخلنا القضاء وفي مسارح خيالنا أكداسٌ بل أطيافٌ من المثاليّات. ولأنّنا دخلنا اليه بفرحٍ ساعَدَنا على ردم بعض الهوّة بين الممكن والمستحيل، وبين الذي يمكن القبضُ عليه، والفالِتِ أو الهاربِ أو الأثيري.
وكانت السنواتُ الثلاث في معهد القضاء الذي أمَّهُ آنذاك زملاء عرب آمنوا بتفوّق لبنان، وبحثوا عن ضالّتهم المنشودة في مؤسسة كان لبنان سبّاقاً إليها...كانت مطبوعةً باقصى درجات الجدّية، وملأى بالجنى الأوّل، ومنفتحة على ثقافات العالم القانونية، وحَمّالةَ آمال... ومفتاحاً، من حيث المبدأ، للدخول الى أخدار المعشوقةِ الحسناء... أخدار العدالة... فما هي العدالة، بل أين هي؟

(23/7/2011)

صفحة 8

بين المَنَاعة والرضوخ

بدأتُ أتلمَّس صورةَ القاضي العادل، على الصعيدين النظري والعملي، قبل ان تُوكَلَ اليّ مهمّة محدّدة، أو ذاتُ شأن، وحتى قبل بلوغ المرحلة التي كنت أنتظرها بشغف وأعتبرها «اليوم الكبير»، أي مرحلة الانتماء الى القضاء الأصيل .وصَدَفَ ذات مرَّةَ أن طلب مسؤولو المعهد من قضاته ان يختار أيّّ واحدٍ منهم موضوعاً على هواه، ويعالجُهُ ويعرضُهُ للمناقشة. ولقد قادني هواي الى الخوض في مسألة شائكة تستدعي معالجتها مراساً طويلاً ومواكبةً ميدانية معقّدة وشجاعةً تُطيح بالرأي الحكيم وتجلس على أريكته التي وضعها المتنبي في المقام الأوّل يومَ قال:

الرأيُ قبلَ شجاعةِ الشجعانِ هو أوّلٌ وهي المحلُّ الثاني

وإذ قدّرت أنّ العدالة لا تستقيم إلّا اذا رفض القاضي الانصياع لكلّ ألوان الضغوط والإغراءات والتنازلات والتراخي أمام مباهج الدنيا الغَرور وأمام كلّ بَرقٍ خُلَّب... وإلا إذا تنشّأ على مَنَاعةٍ لا يخترقها مخترِق ولا تصطكّ رجلاها أمام أوّل ريح بل أمام أوّل نسيم غير عليل... قرّرت أن أعطي لموضوعي عنواناً بَرَّاقاً لا يخلو من التَحدّي ومن بعض التهوّر، وهو: «القاضي اللبناني بين المَنَاعةِ والرضوخ».

صفحة 9

ما من شكّ في أن المسحةَ الأدبيّة مَسحتْ هذا العنوان. وليس هذا بغريبٍ على قلمي الذي كان، ولا يزال، يبحث عن الرحابات والآفاق الواسعة كلّما صَحَّ له ان يجاوز الأسوار واللغات الخشبيّة ليجاور النضارة والحرّية والهروبَ الجميل. ولا نَنسيَنَّ أنّ المسحة الأدبية إيّاها تنسجم مع غاية الموضوع وهي المكاشفة الوجدانيّة الخالصة، ومع وسيلته وهي الشجاعة.

ولعلّهُ من حسن الحظّ، ومن قبيل التحفّظ الملازم للعمل القضائي، أنّ البحث لم يبارح جدران غرف المعهد، ولم يخرج الى الملأ. حتى أنه لم يُطبَعْ على الآلة الكاتبة، ولم يُوزّعْ على الرفاق كما أذكر. ولم يبقَ منه، لجهة الوجود المادي، غيرُ أوراقٍ مخطوطة مالت الى الاصفرار، إمّا بفعل الزمن، وإمّا لأنها ترتجف كلّما رازَت الكلمات والمعاني التي تحملها.... فما هو فحواها؟ وما مدى صحّة ما انتهت اليه؟

خلصتُ في تلك الأوراق الى الدلالة ـ أقول الدلالة وقد لا يكون ما قلتُهُ صحيحاً بالكامل ـ على عِلَلٍ نخرت جسم القضاء اللبناني آنذاك، غيرِ بعيدةٍ عمّا كان يشوب القضاء في الأزمنة القديمة، أيّام ألواح روما وشريعةِ حمورابي وقانون بوخوريوس المصري... وأيّام محاكم الظلام في العصر العثماني... وصولاً الى الأحدثِ فالأحدث... والى الشرق والغرب، وعند الأمم المتقدّمة والأقلّ تقدّماً. ومن هذه العلل، كما قلتُ يومها، رضوخُ بعضِ القضاء لبعض السياسة، وبعضِه لبعض المال، وبعضِه لبعض العلائق الخاصّة، من ضروبٍ شَتّى متمثّلة بمراضاة الخواطر ومسايرة ذوي القربى وأصحاب الدالّة. ولكنني نفيت أن يكون خاضعاً لمرضِ الطائفيّة، فنزّهتُهُ بالكامل لهذه الجهة، ولا أزال، ولله الحمد!

صفحة 10

إنّ القاضي الذي كان على مشارف التخرّج، مدفوعاً بزخم الفتوّة ومثاليّة الموقف وجَرَاءة النقد... ومدفوعاً على الأخصّ بهاجس العدالة التي رسم لها في ذهنه صورة قد يعجز هو نفسه عن جمع كلّ خطوطها وألوانها.... هذا القاضي لا يزال حتى اليوم يطرح السؤال الجوهري: ما هي العدالة؟ ومن أيّ عالم تأتي ومن أيّة شرانق تنسج نسيجها؟ وما حظوظها من المقاومة ومن اجتناب السقوط في الهاوية، طالما انّ المسألة تعلّقت، لدى طرحها الأوّل، بالقاضي ـ القاضي اللبناني خصوصاً ـ بين المناعة والرضوخ؟

قَبْلَ مقاربة هذه الشجون ـ مقاربة لا أكثر لأنّ بعضها يتوالد من بعضها الآخر، من دون أن يبلغ مراتب الحسم ـ أسجّل هذا الاستدراك لأقول إنّ الشجاعة المفرطة قد تُسيء أحياناً الى الأمانة والدقة. وإنني، بعد تراكم الخبرات القضائية والاجتماعية في مساري وفي العالم الذي انتميت اليه، صرتُ على يقين بأنّ كلّ تعميم ينطوي على مقدارٍ من الخطأ ويُسيء الى موضوعية صاحبه، والى المعنيين بالموضوع المطروح. لذلك، وعلى أنّ في ما انتهيت اليه جزءاً من الحق، فقد يكون فيه جزء من التَعدّي على الحق، وعلى أصحابه.

ومهما يكن الأمر، فللعدالة مفاهيم تصدّر بعضها أعلى سلّم القيم، ومثالُها ما جاء في القرآن الكريم: «... وإذ قُلتُمْ فاعدِلوا ولو كانَ ذا قُربى» (الأنعام -152)، وفي شرائع السماء على العموم. ولها مُنظّروها من الفلاسفة والمفكّرين، وأحياناً الشعراء.فهي، خارجاً عن القوة، تكون عاجزة، والقوة خارجاً عنها تكون ظالمة ... كما جاء في قولةٍ شهيرة لباسكال. وأَعْدَلُ ما في الحياة الحُبّ برأي الشاعر بول أليوار P.Eluard الذي اعتبر أنّ «ضفافَ الحبّ هي ضفاف العدالة».

وثمّة مسألة أكثر تعقيداً طُِرحت منذ ساحقِ الأزمان، ولا تزال شِعابُها تتجدّد وتتوالد، هي علاقة العدالة بالقانون. فهل القانون هو وجه العدالة المشوّه كما قال جورج كورتالين G.Courteline (فرنسا ـ أوائل القرن العشرين)؟ وهل القانون، في نهاية المطاف، هو أداة العدالة المُثلى؟ وهلّ كلّ ما حَصَّلناه من مواسم قانونيّة، من شأنِهِ تقوية المناعة والمجابهة لدى القاضي، أم أنه يُسهم في توسيع دائرة الرضوخ حيثُ تُصاغُ نصوص قانونية على مَقاس أشخاص أو يُفسَّر بعضها الآخر على مقاس آخرين؟

(6/8/2011)