صفحة 1
ذبابة على جرح الحياة
يكتب راجي بطحيش قصصه بكثافة شديدة، يصل بمشرطه إلى أغوار المناطق النفسية المتأزمة لشخصياته مهملاً تفاصيلها الخارجية، يأخذنا، والأصح يحاول أن يأخذنا، إلى غير المرئي من حياتنا، إلى تلك المناطق التي نحاول تجاهلها، خصوصاً ذلك الجانب البشع والقبيح من النفس البشرية وما يؤثر في صياغتها ! تنتهي قصصه بمفاجآت تبدو عادية ولكنها تصدم القارئ، توقفه وترغمه على التأمل، فصاحب الفيات مثلاً، الذي وصلته رسالة تدعوه للتحقيق، يقلق لليلتين، وعندما يذهب إلى مركز الشرطة، يجد العشرات من أصحاب (الفيات) مثله في مركز الشرطة، وبعد دقائق من وصوله يتم أخذ رقم محرك سيارته ويطلق سراحه، وتكون النهاية أن حواف الطريق مكللة بالبراءة، فمخاوف صاحب الفيات وقلقه من التحقيق تتبدد بسرعة، لأن البحث لم يكن عن جرائم ارتكبها هو بالذات بل عن رقم محرك سيارته· لقد ذهب التحقيق إلى ما هو تافه وسطحي وترك الجوهر، وهي تلك الجرائم التي كان قد ارتكبها (صاحب الفيات) ! تأتي قصص راجي عاصفة وسريعة وحبلى بالمفاجآت الصغيرة ولكنها حاسمة، كأنها غارة من المشاعر الحادة والصور التي تستمد عنفها من صمتها المتوتر· في قصة (الجائزة) تكون النهاية بانكسار المفتاح في قفل باب بيت الفائزة قبل سفرها للفندق، أما الفندق الذي يستقبلها لقضاء الليلتين (الجائزة) فقد كان خالياً إلا من رائحة غبار الستائر ! قصص راجي تحمل على أجنحتها الرقيقة ثقل الأسئلة الوجودية العميقة، تقرأها فتمسسك دهشة مراوغة، تحاول الإمساك بخيوطها· يترك الباب مفتوحاً لأسئلة ملتهبة فاغرة كجراح لا شفاء لها، أسئلة تأتي من ظلمة العقل الباطن ووضوحه في آن، وعادة هي اسئلة غير بريئة !وكأنه يكتب اللاوعي واللاظاهر من مسرحية الحياة، والتي هي في الواقع مركز ثقل الحياة ونواتها ! في قصة (البيت السابع) يحكي عن أشياء عادية تحدث في البيوت الستة الأولى، وفي البيت السابع يزحف الرجل الأبيض الأنيق إلى سرير الطفلة النائمة، ومنذ ذلك الحين لم تعد الأجوبة المعدة سلفاً تعني شيئاً!، ولعل هذه الجملة تفيد في معرفة عالم الكاتب، فهو معترض منذ البداية على الأجوبة المعدة سلفاً، ولهذا فكل شيء يثير لديه التساؤل أو يحاول إثارة سؤال عن معنى حتى لأكثر الأشياء بداهة وبساطة، وذلك أنه يطل على الحياة كمراقب غير بريء·
رائحة الجنس وآثاره واضحة تماما في القصص، ولكنه ليس الجنس الذي يأتي لإطفاء شهوة والفوز بمتعة، إنه تلك القوة الغامضة المحركة، ولعل أغربها في قصة حديقة الأرجوحة البرتقالية ! هبط الرجل مرتكزاً عى ركبتيه دون أن تلامسا الأرض، ثم حل حزام الغريب وحل أزراره ثم فتح له سحابه، وانزل من عليه بنطاله حتى أسفل ركبتيه ثم أنزل عنه سرواله الداخلي الذي كان كل ثانية يضيق ·· إلخ جنس مثلي في حديقة عامة يحتشد فيها أصناف متعددة من النماذج البشرية التي تبدو عادية جداً ! وفي قصة نوري نجد أن الشاب جار الطفل نوري كان يدعوه اليه في الغرفة ويداعبه في أجزاء عديدة من جسده، وفي المناطق الخلفية المنخفضة بالذات· في قصة نوري نرى أن تطور حياة نوري كله غير طبيعي، وإن كان هذا النمط العادي والمألوف في الظاهر منذ الطفولة المبكرة إلى الإبتدائية فالإعدادية، مرورا بالثانوية والجامعة والوظيفة حتى الموت، تبدأ حياة نوري باعتداء جنسي عليه، ثم يمر بمراحل عدة من الزيف والكذب واستبعاد الحقائق، فتبدو كل حياته مبنية على قاعدة هشة، اساسها غش وخداع وكذب وزيف، إلى أن يموت في الصحراء فتتقاسم جسده الوحوش ! ولعل عبثية الحياة تبرز في قصة (خطة مؤقتة) عن تلك الفتاة التي تقرر الانتحار وتقدم عدة أسباب مقنعة لطليقها بضرورة انتحارها، ولكنها في النهاية، رغم كل الأسباب المقنعة التي تبرر ما هي مقدمة عليه، فقد كانت السيجارة وقهوة الصباح بانتظارها ! فالحياة رغم ما تبدو عليه من تفاهة، ورغم ما فيها من هوان وذل، يفضل الإنسان الاستمرار فيها ! يغلب الطابع التأملي الفلسفي على هذه القصص، وتكمن فيها طاقة هائلة متفجرة من الأسئلة، التي لن تنتظر أجوبة بل وتفضي إلى أسئلة جديدة أكثر حدة، عندما تنتهي من قراءة هذه المجموعة القصصية تقف عارياً متأملاً عند حافة هاوية العدم كذبابة على جرح الحياة ·
سهيل كيوان
كاتب فلسطيني
صفحة 2
البيت السابع
كانت بيوت الحي مرتبة على شكل الإشارة التي يطلقونها دلالة على النصر····
في البيت الأول نظر الطفل الأصغر إلى أمّه ونظرت الأم إلى الطفل الأكبر··· كان الحرج يلعق خديها·· لم يكن لديها جواب على السؤال الذي طرح·· أو حتى إمكانية للنفاذ بجواب ما··· شعر الطفل الأوسط بالوحدة وبأنه كبر سبع سنين على الأقل···في البيت الثاني فتحت طفلة الثامنة أغلفة الهدية، التي تلقتها من خالها الذي يظهر أحيانا كوميض النور الساحر ويختفي تاركا رائحة لا تنسى··· أمّا الهدية فقد كانت دمية شقراء ممشوقة القوام بملابس داخلية من حرير ودانتيل نبيذي، وطلاء أظافر أسود وعيون تعرف الكثير···فـي البيـت الثالث تحرر رأس الجدة ولاح يسارا··· تحرر رأس الجـد ولاح يمينـا ··· عـلا صوت الشخير الهرم، أما الرضيـع فقـد عانـق الجرو اللطيـف علـى البساط الأحمر وتبادل معه القهقهات الحنونة، وكانت تلك أول مرة يضحك فيها ذلك اليوم···وفي البيت الرابع كان الجواب غير مقنعا ومتناقضا، ويحمل في طيّاته مساحات فاضحة من التضارب بين العلم والواقع وبين الدين، فلم تنم الطفلة مباشرة ليلتها بل تأملت المصباح البرتقالي والأخضر المتدلي من سقف اللايقين···في البيت الخامس كان صبي السادسة يحلّق في حقول خريفية ممتدة، ممسكا بيد وردية قوية وعظيمة تقوده إلى الأعلى حيث ابتسامةعذبة تغلف الأفق، شعر فضي، عيون آسرة، وكتفين عريضين ورائحة طمأنينة·· كانت الذراعان الورديتان تتحركان بسرية وغرابة بين الشجيرات البعيدة، وصبي السادسة يلملم كراته البلورية المتناثرة بين التراب···في البيت السادس فتح الباب، ودخلت البنت وأبوها بعد نزهة مسائية داهمها المطر الأول··· ذلك المطر الذي يأتي فجأة ليكثّف حلاوة المكان أو قحطه··· جلس الأب في غرفته يبكي عندما انتشل من بين أكوام الأيام الضائعة··· مدينة عشقه···في البيت السابع زحف الرجل الأبيض الأنيق نحو سرير الطفلة النائمة، ومنذ ذلك الحين لم تعد الأجوبة المعّدة سلفا·· تعني شيئا··
صفحة 3
الجائــــزة
وأخيرا فازت جوليا بالجائزة الثانية في المسابقة التي تنظمها الإذاعة الرسمية ···· وهي عباره عن ليلتين وسط الأسبوع في فندق عادي الحجم في المدينة غير المهمه···· ولم يكن لها خيار سوى اصطحاب أخيها الأصغر، الأطرش والأخرس··· أولا لأنها لا تستطيع تركه ليلتين وثلاثة أيام لوحده··· وثانيا لأن الدعوة زوجية ·····
وقد كانت الجائزة عبارة عن إقامة كاملة في الفندق مع فطور وعشاء وبرنامج ترفيهي لم تحدّد طبيعته·····كانت التحضيرات للخروج كثيفة ومثيرة للتعب؛ لأن جوليا لم تخرج بصحبة أخيها منذ زمن طويل····حيث كان الباب يقفل دائما من الداخل·····شملت التحضيرات كوي الملابس وعباءات الليل، وانتشال الغيارات الداخلية وقمصان النوم المصنوعة من الحرير والدانتيل، والتي كانت مخبأة في الرفوف المرتفعة جدا كجهاز لزواج لم يأتِ····وشملت التحضيرات أيضا المأكولات والمعلبات وحواضر البيت، من الجبنة البلدية والزعتر والزيتون والمكدوس والمربّى بالقراصيا ·····وعندما حان موعد اللحاق بالحافلة العمومية المتجهة إلى المدينة، غير المهمة، والتي تتوقف عادة في محطة مركز الإغاثة الإجتماعية قبالة الفندق ···· لم يقفل الباب من الخارج، وقد حاولت جوليا كل شيء··· قوتها·· وقوة أخيها··· والزيت والجليسيرين، والمفتاح الإنجليزي، ثم نادت جارها الفحل العاطل عن العمل، والذي طالما زارها في مناماتها السّرية المريبة···أقفل الباب في النهاية بعد أن استقر نصف المفتاح السفلي في داخله··أما الفندق فقد كان خاليا إلاّ من رائحة غبار الستائر·····
صفحة 4
نهاية الأسبوع
عاد الأصدقاء الأربعة بصمت من رحلة نهاية الأسبوع في المدينة الفسيفسائية، وقد امتلأت أبدانهم بمادة الكافيين، وضاقت صدورهم بغاز أول أكسيد الكربون الناتج عن احتراق أعشاب التبغ···
كانت الطريق إلى الأطراف نزولا تخسر من أهميتها كلما هرولت العربة··· أفق رمادي باهت وروائح تبن وأسمدة كيميائية···لم ينم ليث ··· وفي الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل هاتف مجد، وقال له إنه شعر بالوحدة في الرحلة، وإنه رأى الجميع سعداء متناغمين سويا، بينما هو منبوذ كالكلب الذليل المريض····لم ينم عدي في الليل، وفي الساعة الثالثة والنصف فجرا هاتف مجد وقال له إنه أحس بالكآبة وعدم الانتماء في تلك الرحلة، وشعر أنه شخص غير مرغوب فيه، وتمنى أن يقفز من سيارة الأجرة وتتحطم عظامه كي يستريح من الكابوس الذي وجد نفسه فيه، وسط ثلاثة طغاة يعاملونه كالأجرب التعيس···لم تنم شجن في الليل، وفي الساعة الخامسة والنصف صباحا هاتفت مجد لتقول له إن فكرة انضمامها لثلاثة رجال في رحلة نهاية الأسبوع كانت فاشلة··· فاشلة جدا··· لأن أنوثتها لم تحترم، ولأن التوتر الجنسي طغى على الموقف، وأنها وجدت نفسها وسط مؤامرة ذكورية خسيسة مذّلة، أنتهكت فيها أبسط قواعد التمدّن والأنفتاح، وأنها شعرت كالعاهرة الهرمة التي تطوف مع الهامشيين في شوارع المدن القذرة لتستجدي وهم نظرة حب···لم ينم مجد في الليل، فقد كانت الساعة السابعة صباحا مناسبة جدا لمهاتفة أسامة في نيويورك التي اليها كان قد هرب قبل هذا بعام ونصف العام···
صفحة 5
صاحب الفيات
انطلق وسيم من عمله خلسة، باحثا عن مركز الشرطة في شارع طويل وقبيح في المدينة، التي كانت توقع عليه لعنتها بفارق عامين كل مرة من جديد·
أخذ يبحث مبلبلا مرتبكا عن المقر بعد أن كان قد تلقى رسالة عنيفة من الشرطة تدعوه فيها للحضور فوراً إلى مكاتبها، على أن يحضر سيارته (الفيات) الحديثة معه·دب الرعب في بدن وسيم بعد أن تسلم الرسالة، ولم ينم ليلتين متواصلتين بسببها، وخاصة أنه كان قد فقد أجزاء كبيرة ومهمة من تسلسل سجل ماضيه القريب وأصواته بعد أن تمزقت خيمة الحب التي كان ينام بداخلها·فقد نسي تماما كم من المال سرقاو كم من المال استداناو كم سكرتيرة ناكحوكم من بيت هدموكم امرأة ضاجعوكم رضيعا غير شرعي رمىوكم كرامة هدروكم رجلا قتل، وكم بائسة افترسوكم طفلا ضربوكم مجزرة ارتكب··كم أمة شرد··وجد وسيم المقر أخيرا ودخله، فقابله وجه موظف عادي حيادي التعابير، وسأله إذا ما كان من أصحاب الفيات، ووجهه إلى الدور الثاني، حيث قابلته شرطية هرمة سألته أيضا إن كان من أصحاب الفيات وأمرته أن يتبعها، وفي قاعة مهملة كان العشرات من أصحاب الفيات ينتظرون دورهم للمجهول· وبعد عشرين دقيقة جاء رجل طويل ذو ملامح شرقية جذابة، وطلب من وسيم ان يأخذه إلى موقع السيارة، ثم طلب منه أن يفتح غطاء المحرك، ولكنه اضطر بالنهاية لفتحه بنفسه من شدة ارتباك وسيم· سجل الرجل رقما منقوشا في أطراف الهيكل ثم قال لوسيم هذا كل شيء··· انطلق·كان اليوم جميلا جدا· مشمسا، ورقيقا بعد شتاء طويل جدا، وكانت حواف الطريق مكللة بالبراءة·
صفحة 6
بطّــــــــة
لـم تكـن هذه هي المرّة الأولى التي تلتقي فيها فاطمة الملقبـه ببطّـة بصاحـب العيـون الـزرق الشيطانيـة بعـد أن اصطـدم الموضـوع كله بنقطة تحول خطيرة، فقد كان يتوجب عليهـا أن تثبـت لنفسها، بشتى الوسائل، أن ما كان في البداية هو نفسـه ما يحـدث الان، وأنهـا لا تـزال مرغوبــة ومشتهـاة منـه، بالقـدر نفسه، وأن اللعـب والمكائـد وحـرب الأعصاب، التـي فرضهـا عليهـا بعـد أن أوصلها إلى نقطة اللاعودة، جميعها أوهام·· ولم يتغير شيء·· أي شيء، لا يزال يحلم فيها كل ليلة وينتصب عضوه كلما لمسها أو حتى شاهدها أمامه، ولا يزال يشعر بحرقة في عينيه كلما داهمت خاطره وهو منغمس في أعماله السريّة الهامة وأن نهاية الأسبوع مع زوجته تمر بخفة وطمأنينة لأنه يعرف أنه سيراها في بدايته··· وهذا كله صار يتطلب الفحص مرة ومرتين وألفاً·· وقدرة على اختراع المبررات أمامه لمشاهدته، ولكن هذه المرّات جميعها كانت تنتهي بإحباط لا مثيل له، وبكراهية للذات، وبرغبة متواصلة لتفحص الأمر مرة أخرى···
لقد تغيّر الرجل تدريجيا بعد أن سحرها عبدة لجسده بعد نفور طويل، وبعد أن جعلها تدمن رائحته الطفولية الغريبة الساحرة وتقدس نظراته الأبوية الحاضنة الباسمة الزرقاء····· صار بخيلا··· يعطيها يده لتلامسها وكأنها مفتاح لكنز ·· يلثمها من أسفل أذنها بسرعه، فيشعل براكين رغبتها فيه، وينسحب ليصير لوح جليد دبلوماسي···وجدت فاطمة الملقبّه ببطة سيارة أجرة في ميدان روكسي، وانطلقت بها العربة متجاوزة عمارات العبور ومدينة نصر، ثم كوبري ستة اكتوبر مرورا بغمرة والعباسية ورمسيس، ووصلت أخيرا إلى ميدان التحرير، الذي كان يشهد مظاهرة لطلاب الجامعة الأمريكية··· اخترقت شارع قصر النيل المزدحم بشبان ببناطيل ضيقة ووصلت إلى المكان ···وهو مقهى عتيق اسمه منيرفا، يعبق بالمؤثرات الاستعمارية الانكليزية والفرنسية··· وبأيام أجمل مرّت على هذه المنطقة الوسطى···مرّر صاحب العيون الزرق الشيطانية أصابعه الناعمة الوردية داخل تعرجات شعرها بتسريحته الجديدة···· فتحولت إلى قطعة حلوى مذاقها الأولي لذيذ، ومذاقاتها الأساسية مرّة··· مرّة جدا·
صفحة 7
رسالة من امرأة الغبار···
حبيبي ···
رأيتك أمس في المنام ···كنت صامتا طوال الوقت ·· لم تقل شيئا ···لا أعرف الآن إذا كان الأشخاص يتكلمون عندما نراهم في مناماتنا، وكيف تكون نبرة صوتهم··· ما أعرفه أن ذكورتك كانت حاضرة وطاغية هناك··· لقد أغريتني وأنا نائمة، شعرت بالرغبة الشديدة ··· لقد نهضت سعيدة جميله، عيوني تشع ألقا وكأنك كنت بداخلي طيلة الفجر ·· بصمات جلدك البني علي··· لا أريد أن أغتسل ··· حتى لا يتلاشى غبار هذا اللقاء···رجولتك الحاضرة في ابتسامتك القلقة··· خجلك··· جسدك الأسطوري الرقيق الثائر··· كنت صامتا طوال الوقت ولكن رائحة أنفاسك الكحولية التبغية الندية بقيت على مصبات عنقي وأسفل خاصرتي، وعند تحولات نهدّي···أشعلت أمس شمعة عند تمثال بتول ··· بحثت عنك في شاشة التلفاز أسيرا·· سائرا إلى المجهول··· جثة هامدة قرب صمّام ماء منفجر··جريح مشوه في إحدى المستشفيات المحاصرة أو في قبو بناية محروقة···رأيتك أمس في المنام··· تبادلنا الحب··· أشعر بهذا الآن وبقوة في كل مساماتي ··موت وشبق··· شبق وموتأيام بخيلة كانت آنذاك ··· بخيلة وقليلةسرعان ما انتقمت منا وأكثر····أخذت حقها بالكامل وأكثر···صرنا ندفع ثمن أيام لم نعشها··· لم يعطنا مصيرنا فرصة كي نعشها··بدايات مدينة··· محاولات رحلات ··· سهر·· أضواء·· ومجون···البحر لأول مرة···البحر لآخر مرة···دور سينما··· مقاه ··· مقاه كثيره غربية وشرقية نخبوية ورجولية··· أولاد يمرحون أمام قبب وأكواخ الحاضرة العظيمة البعيدة القريبة، التي لا يمكن لمسها··· أشياء كثيرة حاولنا أن نلمسها ولم نقدر··· أشياء قريبة··قريبة جدا··· العجز·· العجز·· العجز يتكدس ويؤدي إلى الفناء····يسير الموت نحو جسدك، يزحف الشبق نحو فمي··· يجمع الليل بينهما···عندما ظهرت في سقف غرفتي بالأمس ··· أغريتني، نعم أغرتني فحولتك··· كنت صامتا·وكنت أتقلّب بحزن··· الأيام بخيلة لئيمة أعطتنا فضلات الآخرين، حاسبتنا على كشف خاطىء··· كانت الفرصة ضئيلة، جدا بداية ونهاية أسرع···معك كان كل شيء رائعاً ولكنه ناقص··· قلقك الكبير وعجزك ·· الحرية الكامنة داخلك والمصلوبة في ساحتك··· لم يكتمل أي شيء···عشقت جسدك ولكنني لم ألامسه بحق···ضاق المكان بشهوتنا كما ضاق فينا ···لامست في الأمس كتفيك وأسفل بطنك وأصابع رجليك··· قبلت بشراهة حافة أذنك وارتشفت لهيب صدرك بشعيراته القليلة ···لامست وجهك وقلق عينيك···أنت الحرية الممعنة المنزوعة، وقد نمت في الفجر معها··نعيش في النوم أضعاف ما نعيش في اليقظةالبهجة باتت موغلة في القدم ···أبحث عنك في قوافل الذّل···أنا الآن أعرف شكل بدنك ··· رجليك ··· يديك··· استدارة رأسك·· شموخ عنقك···قد أتعرف على شيء منك في بقايا مسرح مدّمر أو مدرسة أطفال···امنحني جسدك قبل أن يتفتت··
صار النوم أهم····
صفحة 8
حديقة الأرجوحة البرتقالية
جلس أيمن على المقعد الخشبي المكلل برائحة البول في الحديقة المركزية القديمة، التي كانت قد اهترأت ورممت ألف مرّة من دون أن تختفي منها رائحة المخلفات الإنسانية المتنوعة، وقد ظلت مرتعا وملجا للعديدين من ذوي الاحتياجات المتميزة· وقد تذكر أيمن، بوحي من الروائح الحيّة، أنه لم يعش منذ أشهر عدة لحظة واحدة -قد تكون ثانية أو أكثر- من المتعة الحقيقية أو الاستمتاع ··· أو السعادة ··· أو النشوة أو الرضى أو الراحة المتناهية··· لحظة من تلك التي تداهم المرء فجأة حتى في أحلك أيامه، وحتى إذا كانت حياته عبارة عن ركام من الزبالة التي لم يزلها أحد منذ دهر··· تلك اللحظات الواقعية الخالية من الوهم، المليئة بذاتها، المنتشية بنبضها الخاص وضغطها الجوي ورائحتها··· أي عندما تتشقق جدران دهاليز الرأس من الحب أو من مسببات أخرى محسوسة···
وفي الحديقة كانت مقاعد خشبية كثيرة وبرائحة البول ذاته أيضا···في مقعد واحد تبادل الحبيبان قبلة شرهة غير رومانسية إطلاقا، أنذرت ببداية ليلة طويلة جدا من الطوف على بحيرة الشهوة الصافية، التي لا يشوبها أي عشق···وفي المقعد الآخر وضعت امرأة رأسها على كتف رفيقها العريض، ووضعت امرأة شقراء جدا رأسها على فخذي رفيقها، وقد لامست أطراف رأسها العليا مناطق حرجة في نهاية فخذيه··وكانت الساعة العاشرة إلا ربعاً مساء····/وكان أشخاص آخرون/أب وأم وخمسة أطفال يلهون بين المقاعد المختلفة عند الأراجيح والزحاليق المهلهلة، التي تذّكر بعهد كانت الدنيا فيه ساذجة وحادة معا ···/وكان أطفال آخرون دون أب وأم/وفي مقعد واحد طويل··· طويل، جلس العشرات من الشيوخ صامتين إلا من توسلات كلابهم الصغيرة، وأصوات تحطيم المكسرات المحّمرة···وعند الجزء الأعلى من الحديقة، أطلق الصديقان صرخة ملتبسة المعاني، ثم قفزا داخل بركة الماء شبه الفارغة سكارى إما بسبب الإفراط بشرب الكحول، أو بتأثير مركبات كيميائية فعّالة أخرى···وبين الشجيرات الضئيلة خلف المقعد بقرب الأرجوحة البرتقالية، هبط الرجل مرتكزا عل ركبتيه دون أن تلامسا بحق الأرض، ثم حرّر حزام الغريب وحلّ أزراره، ثم فتح له سحابه وأنزل من عليه بنطاله حتى أسفل ركبتيه، ثم أنزل عنه سرواله الأسود الداخلي الذي كان كل ثانية يضيق····خرج الصديقان من بركة الماء الأخضر بعد أن امتصت ثيابهما معظم ما تبقّى فيها···ابتسم أيمن عميقا··· وليس فجأة ولا حتى بسرعة، بعد أن لعق الكلب الأشقر الساحر حواف قدميه·····
صفحة 9
الحــــــــــر
تثاقلت ليال في الشارع الذي كان عند نهاية السبعينيات··· أهم··
كان الجو حارا···الحر الذي لم يعد ينبىء بأي شيء جيد لهذا المكان الذي يموت ببطء··الحر الشديد القاتل يؤكد كم هي عظيمة تلك اللعنة التي حلت قبل عامين ولن تنتهي···· لأن المكان يحتضر من داخله ···أمّا ليال فقد عادت من عملها في عيادة طبيب الأسنان، الذي يداعبها ويبخّر دمائها بضعفي قيمة راتبها·· الوحدة·· التعوّد عليها ··· الفرح·· الخوف منه··· الفرار إلى الغرفة بعطر العرق والغبار···كان الجو رطبا··· والهواء مشبعاً بالدنس·· سار جميل وقد سكنته الحيرة والذهول من شدّة غرابة المنام الذي داهمه··· فأخيرا هاتفته صديقته العتيقة بصوت جريح· اعترفت بالهزيمة، وبدأت تستعرض تدريجيا مدى استحالة حياتها دون وجوده، وأن كل شيء صار بلا طعم، وأنها فقدت الزخم ونكهة الأشياء وأبعادها الأخرى، وأن هويتها الحقيقية تتلاشى ولم تعد تشعر بجسدها وتبعيته لها، وأن الليل طويل والاعتراف بهذا قاس··· وأن الحياة تكاد تتوقف بل هي تتدحرج هكذا في طرق جبلية وعرة ··· ولكن المكالمة تشوشت عندما دخلت امرأة شبقة وصارت تضحك بصوت عال وتقبلّه بشراهة في شفتيه، وتلثم عنقه بحيوانية مثيرة، وتلعق أسفل أذنه وتزرع فيها شهوة مميتة··· أما يدها اليسرى فقد كانت تضغط على ما يستتر متصلبا تحت ملابسه الداخلية والخارجية أيضا··· انتهت المكالمة···كان الجو سمجا··· ونسيم الرصاص المتأكسد تلقائيا يداعب مسامات بشرة سهاد، التي أتت لتشتري شريطا فارغاً تسجل عليه موسيقى الفيلم الدنماركي الرائع، ليرافقها في ذهابها الصباحي المتفائل إلى عملها، مخترقة البيوت المدمرة والمناطق الصناعيةالرمادية القبيحة، بغازاتها الساّمة وحوامضها التي تذيب الحلق وتحرق العيون، وقد علمت أثناء شرائها للشريط أن والد صديقة العمر التي قاطعتها مأساويا قبلها بعام ··· قد مات··· وأن صديقة العمر نفسها قد ماتت بعده بأسبوعين بعد أن داهمها سرطان في الدماغ لم يمهلها أكثر من شهرين بعد اكتشافه···أمّا الشريط وكل شيء في الحانوت فقد كان مزيفا···وفي التقاطع الخماسي حدث انفجار···· ووجدت يد جميل عند زاوية بيع الذرة المسلوقة···
صفحة 10
عادة محببة
جلس الرجل أمام مفكرة من أرقام هواتف بعد أن كان قد
وصل إلى حافة التفكك····ليتصل بأصدقائه····كي يعرف ما الذي يجري···من سافر··· من عاد·· من تزوّج··· من أصبح أبا··· من أصبح عبدا···من فتح البوابات··· من لم يغلقها···من صار عنيفا···من صار غنيّا···من تعفنت جثته داخل شقة····من ضاجع زوجة جاره···· من هربت مع طليق صديقتها····من سافر··· من بنى بيتا··· من هدم ماضيا···من يضرب زوجته··· من اعترف بميوله···من خرج إلى تقاعد مبكر جدا جدا···من يرسم الخريف···· من كبر عن الألم···من أصبح قوادا···من أصبح حلاً وسطاً···من حاول الانتحار···من انتحر فعلا····من غاب··· من الذي يقف فوق الجسر··· من الذي يتأمل نهر الوجوه··· من الذي صار كتلة موت···شعر بالهلع عندما أعلمه صوت السيدة الشريرة أن الرقم الأوّل الذي طلبه مفصول عن الخدمة···ولكي يهدأ قرر أن يلجأ إلى عادته المحببة···بدأ يداعب أجزاء من النصف السفلي لجسده···