صفحة 1
مقدمة الطبعة الثالثة
أنا وبدرية
لا أعلم ما قصة بدرية معي بالضبط، وما علاقتها بصيرورة حياتي، قد يكون الأمر متعلقاً بحولي، هذا المكان الساحر والفاتن، حولي مهد الطفولة والاكتشاف المدهش، وتفتق الوعي على الثقافة والشعر والموسيقى، حولي التي استضافت شجر السدر، وسيول المطر، وطيور الربيع السعيدة، وكل قصائد الحب التي بدأت من هناك.
كان العام 1986م، وكنت مسؤولاً عن الصفحة الثقافية في مجلة العامل، التي يصدرها الاتحاد العام لعمال الكويت، وفي تلك الفترة بالذات، حل مجلس الأمة الكويتي، وعلق العمل بالدستور، ووجدت نفسي أصيغ ردة فعلي بطريقة غريبة، إذ بدأت بكتابة بدرية، وبدأت أنشرها على حلقات في مجلة العامل، لم أكن أعرف ماذا سأكتب في الحلقة القادمة، ولكن النوستالجيا كانت تتدفق كسيول مطر حولي، وكأني كنت أكتب سيرة غضبي، وألمي لفقد حولي، أو فقد الكويت لا فرق، كنت أرى الكويت طفلة يتيمة الأبوين، تخليا عنها عندما بدأت تتفتح، لكن الناس الطيبين، الذين كنت أرى نماذجهم في حولي، احتضنوا بدرية، واعتبروا أنفسهم أهلها، كانت ابنتهم جميعاً، وخصوصاً العامل فلاح، وتلميذه الشاب فهد.
ولدهشتي أن عمال النفط، كانوا يتهافتون على المجلة ليتابعوا حلقات بدرية، وقال لي أحدهم: «عندما تصل رزم مجلة العامل، كنا نتخاطفها، ونترك العمل في أبراج انتاج النفط، ونستند بظهورنا إلى الآلات، ونقرأ حلقة بدرية متمنين إلا تنتهي، ونشعر بانتماء غريب لها»، وكانوا يتصلون بي ليسألوا: «ماذا سيحدث لبدرية في الحلقة القادمة»، فأجيبهم: «خلوها مفاجأة»، رغم أني لم أكن وقتها أعرف ماذا سأكتب في الحلقة القادمة.
وكان من أشد المتابعين لحلقات بدرية، القائد العمالي الوطني التقدمي، رئيس الاتحاد العام لعمال الكويت، المناضل المرحوم ناصر الفرج، وكان يجلس معي بعد قراءته لكل حلقة، يناقشني ويتحدث معي بشأن الثقافة والأدب والمسرح في الكويت، لكن بعد رحلته للعلاج في الخارج، استدعاني أحد القادة النقابيين، وعنفني على ما نشرته من حلقات، وأمر مدير التحرير بإيقاف نشر حلقات بدرية، فتوقفت عن الكتابة حتى عام 1989م، إذ كان المحرك لي والمحفز، هم العمال أنفسهم، وفي نفس هذا العام، أنهيت كتابة الرواية.
ولكن بعكس ردة فعل العمال، استقبل بعض الكتاب والنقاد والمثقفين، مخطوطة بدرية بالاستخفاف والاستصغار، وبأستذة متعالية، بل إن أحد النقاد قال لي بالحرف الواحد: «ارميها بالزبالة»، والبعض قال إنها ساذجة، والبعض قال: «جهد ضائع»، لكنها محاولة أولية، وكان الأجدى بالكاتب الالتزام بكتابة القصة القصيرة، التي نجح بها، والبعض قال لغتها بدائية.
لكني كنت مؤمناً ببدرية، إيماني بقدرة وطني على تجاوز محنته، فأعطيتها للأستاذ حسام بو مجاهد، مدير دار الفارابي بذلك الوقت، واقترضت من البنك تكاليف طباعتها، وانتظرت صدورها بصبر فارغ، وصدرت في العام 1989م، وشحنتها الدار لي جواً.
وفي أحد الصباحات فوجئت بمكالمة من رقابة وزارة الإعلام في مطار الكويت، وطلبوا مني مراجعتهم، وبالفعل ذهبت وقابلني موظف بالإعلام، مكلف بمراقبة المطبوعات القادمة من خارج الكويت، وخاصة في ظل تعطيل الدستور، وسن قوانين الرقابة المسبقة والمهينة، على الصحف والمطبوعات، وقانون حظر التجمعات، وغيرها من القوانين المقيدة للحريات، كان انقلاباً كارثياً على الدستور، والديموقراطية في الكويت.
وحقق معي الرقيب، وسألني أسئلة غريبة، مثل: «من تقصد بهذه الشخصية»؟ و«من هي بدرية»؟ و«ماذا قصدت في هذه الجملة»؟ ورغم أنه لم يكن من حق أو اختصاص الرقيب سؤالي، أو التحقيق معي إلا أني كنت أجيب بأن هذه رواية، أي خيال، هذا عمل إبداعي، وليس منشوراً سياسياً، لكنه طلب إحالة الكتاب إلى وزارة الإعلام، وهناك تم استدعائي من موظف قيادي، وتم التحقيق معي وتعنيفي بشدة، قائلاً في معرض صراخه علي: «نحن نعلم نواياك، ونعرف قصدك وأهدافك»، لم يسمح لي بالجلوس، فظللت واقفاً، ولم يسمح لي بشرح ماذا يعني الأدب، وكنت لا أعلم هل أنا في وزارة إعلام، أم في أمن الدولة.
ثم حولني إلى موظف أقل منه رتبة، وأبلغني أن الرواية ممنوعة من دخول الكويت، فسألت: «هل من الممكن أن أعرف سبب المنع»؟ فقال لي: «ممنوعة لأنها ضد المصلحة العامة»، فسألت: «هل لي أن أعرف ما هي المصلحة العامة، حتى لا أكرر خطأي»؟ قال: «نحن أدرى بالمصلحة العامة»، فطلبت كتاباً رسمياً بالمنع، فرفض إعطائي مثل هذا الكتاب، وطلب أن أعيد شحنة الرواية على حسابي الخاص، إلى أي جهة أرغب، فأرسلت جزءاً من الشحنة إلى الصديق الشاعر البحريني أحمد الشملان، وجزءاً آخر إلى الصديقين المصريين محمد الجندي ومحمود أمين العالم، صاحبَيْ دار الثقافة الجديدة.
وما هي إلا أيام، حتى انتشر خبر المنع، ولأن كل ممنوع مرغوب، بدأت عمليات تهريب الرواية، من البحرين والقاهرة ولندن وبيروت، ثم قام الاتحاد الوطني لطلبة الكويت، بتصويرها «فوتوكوبي»، فنسخت آلاف النسخ وزعت على الطلبة وأساتذة الجامعة، كما قام بعض موظفي الدولة وعمال النفط بتصويرها وتوزيعها بشكل واسع، ودرست لطلبة الأدب في جامعة الكويت، وأصبحت بدرية حديث الناس، ووصلتني رسائل من قراء عرب، يشيدون ببدرية، واتصل بي العديد من الكويتيين يشيدون بالرواية، وبعضهم قال ابكيتنا وحمستنا، وجعلت الدم يفور في عروقنا.
أنا وبدرية
لا أعلم ما قصة بدرية معي بالضبط، وما علاقتها بصيرورة حياتي، قد يكون الأمر متعلقاً بحولي، هذا المكان الساحر والفاتن، حولي مهد الطفولة والاكتشاف المدهش، وتفتق الوعي على الثقافة والشعر والموسيقى، حولي التي استضافت شجر السدر، وسيول المطر، وطيور الربيع السعيدة، وكل قصائد الحب التي بدأت من هناك.
كان العام 1986م، وكنت مسؤولاً عن الصفحة الثقافية في مجلة العامل، التي يصدرها الاتحاد العام لعمال الكويت، وفي تلك الفترة بالذات، حل مجلس الأمة الكويتي، وعلق العمل بالدستور، ووجدت نفسي أصيغ ردة فعلي بطريقة غريبة، إذ بدأت بكتابة بدرية، وبدأت أنشرها على حلقات في مجلة العامل، لم أكن أعرف ماذا سأكتب في الحلقة القادمة، ولكن النوستالجيا كانت تتدفق كسيول مطر حولي، وكأني كنت أكتب سيرة غضبي، وألمي لفقد حولي، أو فقد الكويت لا فرق، كنت أرى الكويت طفلة يتيمة الأبوين، تخليا عنها عندما بدأت تتفتح، لكن الناس الطيبين، الذين كنت أرى نماذجهم في حولي، احتضنوا بدرية، واعتبروا أنفسهم أهلها، كانت ابنتهم جميعاً، وخصوصاً العامل فلاح، وتلميذه الشاب فهد.
ولدهشتي أن عمال النفط، كانوا يتهافتون على المجلة ليتابعوا حلقات بدرية، وقال لي أحدهم: «عندما تصل رزم مجلة العامل، كنا نتخاطفها، ونترك العمل في أبراج انتاج النفط، ونستند بظهورنا إلى الآلات، ونقرأ حلقة بدرية متمنين إلا تنتهي، ونشعر بانتماء غريب لها»، وكانوا يتصلون بي ليسألوا: «ماذا سيحدث لبدرية في الحلقة القادمة»، فأجيبهم: «خلوها مفاجأة»، رغم أني لم أكن وقتها أعرف ماذا سأكتب في الحلقة القادمة.
وكان من أشد المتابعين لحلقات بدرية، القائد العمالي الوطني التقدمي، رئيس الاتحاد العام لعمال الكويت، المناضل المرحوم ناصر الفرج، وكان يجلس معي بعد قراءته لكل حلقة، يناقشني ويتحدث معي بشأن الثقافة والأدب والمسرح في الكويت، لكن بعد رحلته للعلاج في الخارج، استدعاني أحد القادة النقابيين، وعنفني على ما نشرته من حلقات، وأمر مدير التحرير بإيقاف نشر حلقات بدرية، فتوقفت عن الكتابة حتى عام 1989م، إذ كان المحرك لي والمحفز، هم العمال أنفسهم، وفي نفس هذا العام، أنهيت كتابة الرواية.
ولكن بعكس ردة فعل العمال، استقبل بعض الكتاب والنقاد والمثقفين، مخطوطة بدرية بالاستخفاف والاستصغار، وبأستذة متعالية، بل إن أحد النقاد قال لي بالحرف الواحد: «ارميها بالزبالة»، والبعض قال إنها ساذجة، والبعض قال: «جهد ضائع»، لكنها محاولة أولية، وكان الأجدى بالكاتب الالتزام بكتابة القصة القصيرة، التي نجح بها، والبعض قال لغتها بدائية.
لكني كنت مؤمناً ببدرية، إيماني بقدرة وطني على تجاوز محنته، فأعطيتها للأستاذ حسام بو مجاهد، مدير دار الفارابي بذلك الوقت، واقترضت من البنك تكاليف طباعتها، وانتظرت صدورها بصبر فارغ، وصدرت في العام 1989م، وشحنتها الدار لي جواً.
وفي أحد الصباحات فوجئت بمكالمة من رقابة وزارة الإعلام في مطار الكويت، وطلبوا مني مراجعتهم، وبالفعل ذهبت وقابلني موظف بالإعلام، مكلف بمراقبة المطبوعات القادمة من خارج الكويت، وخاصة في ظل تعطيل الدستور، وسن قوانين الرقابة المسبقة والمهينة، على الصحف والمطبوعات، وقانون حظر التجمعات، وغيرها من القوانين المقيدة للحريات، كان انقلاباً كارثياً على الدستور، والديموقراطية في الكويت.
وحقق معي الرقيب، وسألني أسئلة غريبة، مثل: «من تقصد بهذه الشخصية»؟ و«من هي بدرية»؟ و«ماذا قصدت في هذه الجملة»؟ ورغم أنه لم يكن من حق أو اختصاص الرقيب سؤالي، أو التحقيق معي إلا أني كنت أجيب بأن هذه رواية، أي خيال، هذا عمل إبداعي، وليس منشوراً سياسياً، لكنه طلب إحالة الكتاب إلى وزارة الإعلام، وهناك تم استدعائي من موظف قيادي، وتم التحقيق معي وتعنيفي بشدة، قائلاً في معرض صراخه علي: «نحن نعلم نواياك، ونعرف قصدك وأهدافك»، لم يسمح لي بالجلوس، فظللت واقفاً، ولم يسمح لي بشرح ماذا يعني الأدب، وكنت لا أعلم هل أنا في وزارة إعلام، أم في أمن الدولة.
ثم حولني إلى موظف أقل منه رتبة، وأبلغني أن الرواية ممنوعة من دخول الكويت، فسألت: «هل من الممكن أن أعرف سبب المنع»؟ فقال لي: «ممنوعة لأنها ضد المصلحة العامة»، فسألت: «هل لي أن أعرف ما هي المصلحة العامة، حتى لا أكرر خطأي»؟ قال: «نحن أدرى بالمصلحة العامة»، فطلبت كتاباً رسمياً بالمنع، فرفض إعطائي مثل هذا الكتاب، وطلب أن أعيد شحنة الرواية على حسابي الخاص، إلى أي جهة أرغب، فأرسلت جزءاً من الشحنة إلى الصديق الشاعر البحريني أحمد الشملان، وجزءاً آخر إلى الصديقين المصريين محمد الجندي ومحمود أمين العالم، صاحبَيْ دار الثقافة الجديدة.
وما هي إلا أيام، حتى انتشر خبر المنع، ولأن كل ممنوع مرغوب، بدأت عمليات تهريب الرواية، من البحرين والقاهرة ولندن وبيروت، ثم قام الاتحاد الوطني لطلبة الكويت، بتصويرها «فوتوكوبي»، فنسخت آلاف النسخ وزعت على الطلبة وأساتذة الجامعة، كما قام بعض موظفي الدولة وعمال النفط بتصويرها وتوزيعها بشكل واسع، ودرست لطلبة الأدب في جامعة الكويت، وأصبحت بدرية حديث الناس، ووصلتني رسائل من قراء عرب، يشيدون ببدرية، واتصل بي العديد من الكويتيين يشيدون بالرواية، وبعضهم قال ابكيتنا وحمستنا، وجعلت الدم يفور في عروقنا.
صفحة 2
وكتب عنها العديد من النقاد العرب، في مصر وسوريا والجزائر، والسعودية والبحرين، وقطر، أتذكر منهم الدكتور على الراعي من مصر، في كتاب الرواية العربية، واعتبرها نموذجاً للرواية الكويتية، كما كتب محمد جمال باروت وعبد الرزاق عيد من سوريا، ولا أتذكر الآن الكتابات الكثيرة عن بدرية، كما بلغني من شخص فلسطيني مقيم في الكويت، أن إحدى فصائل المقاومة الفلسطينية، استخدمت الرواية للتثقيف السياسي والتاريخي لأعضائها.
وعرفت ككاتب عربي من خلال بدرية، ورغم أنها ممنوعة من التداول داخل الكويت، إلا أن أصدءها كانت واسعة، وفي الكويت تضاعف عدد النسخ الأصلية والمنسوخة، لتفوق عدد النسخ التي طبعتها دار الفارابي، وأحياناً كانت تصادر عند اكتشافها في المنافذ الجوية والبرية، وفي إحدى المرات، واثناء عودتي من خارج الكويت، قال لي رقيب وزارة الإعلام في مطار الكويت: «لقد قرأت رائعتك بدرية، وكنت أتمنى لو كنت في مناوبتي، يوم منعها، لكنت سمحت بدخولها»، فابتسمت لأن الرقابة أسدت لي خدمة كبيرة، ودعاية مجانية بمنع دخولها، وتيقنت أن الشعوب تكره القيد والمنع والحظر، خاصة إذا تعلق الأمر بحريات الرأي والتعبير، وأنه لا توجد قوة في العالم تستطيع تكميم فم الإنسان، ومنعه من الوصول إلى أي معلومة، وتزداد الصعوبة الآن، مع تقدم وسائل الإتصال، وتوافر المعلومات عبر الانترنت، فلم يبق أي مبرر لإدارات الرقابة في الحكومات العربية، فهناك أجهزة صغيرة، يمكن تلقيمها بمئات الكتب الالكترونية، أي يستطيع الإنسان أن يدخل إلى أي مطار، وهو يحمل في جيبه مكتبة لا كتاباً، كما أن الهواتف النقالة يمكن تحميلها بالكتب.
ربما تكون بدرية هي العمل الإبداعي الكويتي الأول، الذي يمنع في الكويت، حسب ظني، ودائماً الأول في كل شيء يحمل نكهة خاصة، وطبيعة البشر الفضولية، تجعلهم يبحثون عن المستور والمتواري والممنوع.
وتمر خمس سنوات على منع بدرية في الكويت، وأفاجأ باتصال من وزارة الإعلام، يطلب مني الحضور لاستلام كتاب إجازة رواية بدرية، وقيل لي لاحقاً إن إحدى الشخصيات الكويتية المهمة، قالت لمسؤول في وزارة الإعلام: «أليس عيباً أن رواية رفعت رأس بلدها في الخارج، وتمنع في بلدها»، وبعد أن نشر الخبر في الصحف، تلقيت العديد من المكالمات المهنئة، وحضر إلى بيتي العديد من الأشخاص، يحملون معهم نسخاً لبدرية، ويطلبون مني توقيعها، فقد كانوا يخفونها، كما يخفون منشوراً سياسياً.
لما أطلق سراح بدرية، كانت الطبعة قد نفدت منذ فترة، فأعاد الصديق محمد الجندي طباعتها في القاهرة، ونفدت بعد فترة قصيرة، وظل الطلب عليها لأكثر من ستة عشر عاماً، ولكنها كانت موجودة كسمعة فقط، حتى أن بعض الأجيال الجديدة من المثقفين، يقولون لي، إنهم سمعوا من آبائهم عن بدرية، فأدركت كم كبرت، وكم كبرت بدرية، وقبل سنوات قابلت أحد الشباب البحرينيين، وقال لي: «لي الشرف أنني كلفت بتوزيع بدرية، عندما كان عمري عشر سنين»، وما زلت في البحرين بالذات، التي لي فيها صداقات تاريخية حميمة، ما زلت أواجه في بعض الأماكن العامة، بعض من يسلم علي، ويخبرني بأنه قرأ بدرية قبل عشرين عاماً.
وكتب الصديق السوري محمد جمال باروت، في مجلة البيان التي تصدرها رابطة الأدباء في الكويت، دراسة عنوانها «إلى بدرية بعد إطلاق سراحها»، الطبعة الثانية لبدرية نفدت خلال أشهر قليلة، لكن رقابة الإعلام ظلت تصادرها في معرض الكويت للكتاب العربي، كلما أحضرتها دار الفارابي للمشاركة بها، رغم أن الوزارة سمحت بتداولها.
وعرفت ككاتب عربي من خلال بدرية، ورغم أنها ممنوعة من التداول داخل الكويت، إلا أن أصدءها كانت واسعة، وفي الكويت تضاعف عدد النسخ الأصلية والمنسوخة، لتفوق عدد النسخ التي طبعتها دار الفارابي، وأحياناً كانت تصادر عند اكتشافها في المنافذ الجوية والبرية، وفي إحدى المرات، واثناء عودتي من خارج الكويت، قال لي رقيب وزارة الإعلام في مطار الكويت: «لقد قرأت رائعتك بدرية، وكنت أتمنى لو كنت في مناوبتي، يوم منعها، لكنت سمحت بدخولها»، فابتسمت لأن الرقابة أسدت لي خدمة كبيرة، ودعاية مجانية بمنع دخولها، وتيقنت أن الشعوب تكره القيد والمنع والحظر، خاصة إذا تعلق الأمر بحريات الرأي والتعبير، وأنه لا توجد قوة في العالم تستطيع تكميم فم الإنسان، ومنعه من الوصول إلى أي معلومة، وتزداد الصعوبة الآن، مع تقدم وسائل الإتصال، وتوافر المعلومات عبر الانترنت، فلم يبق أي مبرر لإدارات الرقابة في الحكومات العربية، فهناك أجهزة صغيرة، يمكن تلقيمها بمئات الكتب الالكترونية، أي يستطيع الإنسان أن يدخل إلى أي مطار، وهو يحمل في جيبه مكتبة لا كتاباً، كما أن الهواتف النقالة يمكن تحميلها بالكتب.
ربما تكون بدرية هي العمل الإبداعي الكويتي الأول، الذي يمنع في الكويت، حسب ظني، ودائماً الأول في كل شيء يحمل نكهة خاصة، وطبيعة البشر الفضولية، تجعلهم يبحثون عن المستور والمتواري والممنوع.
وتمر خمس سنوات على منع بدرية في الكويت، وأفاجأ باتصال من وزارة الإعلام، يطلب مني الحضور لاستلام كتاب إجازة رواية بدرية، وقيل لي لاحقاً إن إحدى الشخصيات الكويتية المهمة، قالت لمسؤول في وزارة الإعلام: «أليس عيباً أن رواية رفعت رأس بلدها في الخارج، وتمنع في بلدها»، وبعد أن نشر الخبر في الصحف، تلقيت العديد من المكالمات المهنئة، وحضر إلى بيتي العديد من الأشخاص، يحملون معهم نسخاً لبدرية، ويطلبون مني توقيعها، فقد كانوا يخفونها، كما يخفون منشوراً سياسياً.
لما أطلق سراح بدرية، كانت الطبعة قد نفدت منذ فترة، فأعاد الصديق محمد الجندي طباعتها في القاهرة، ونفدت بعد فترة قصيرة، وظل الطلب عليها لأكثر من ستة عشر عاماً، ولكنها كانت موجودة كسمعة فقط، حتى أن بعض الأجيال الجديدة من المثقفين، يقولون لي، إنهم سمعوا من آبائهم عن بدرية، فأدركت كم كبرت، وكم كبرت بدرية، وقبل سنوات قابلت أحد الشباب البحرينيين، وقال لي: «لي الشرف أنني كلفت بتوزيع بدرية، عندما كان عمري عشر سنين»، وما زلت في البحرين بالذات، التي لي فيها صداقات تاريخية حميمة، ما زلت أواجه في بعض الأماكن العامة، بعض من يسلم علي، ويخبرني بأنه قرأ بدرية قبل عشرين عاماً.
وكتب الصديق السوري محمد جمال باروت، في مجلة البيان التي تصدرها رابطة الأدباء في الكويت، دراسة عنوانها «إلى بدرية بعد إطلاق سراحها»، الطبعة الثانية لبدرية نفدت خلال أشهر قليلة، لكن رقابة الإعلام ظلت تصادرها في معرض الكويت للكتاب العربي، كلما أحضرتها دار الفارابي للمشاركة بها، رغم أن الوزارة سمحت بتداولها.
صفحة 3
وفي تسعينيات القرن الماضي، طلب مني المخرج فؤاد الشطي كتابة سيناريو لبدرية، لأنه كان ينوي إخراجها كمسلسل تلفزيوني، وبالفعل أنجزت معظم الحلقات، ولكن العمل التلفزيوني لم ير النور قط.
وعندما صدرت الطبعة الثانية، رفعت إحدى العائلات الكويتية الكريمة، قضية علي لظنها أن بدرية تسجيل تاريخي، وليس عملاً إبداعياً يستند إلى فترة تاريخية، ووقائع عامة، بينما الشخوص هم وحي الخيال، لكن محامي هذه الأسرة هو صديق لي، فاتفق معي بأن أشير في الطبعة الثالثة وما يليها من طبعات، أن الرواية وشخوصها خيالية، أو أغير أسماء بعض المعالم، وبالتأكيد ليس لدي مانع، ولكن ما إن يطبع العمل، حتى يخلد بكل تفصيلاته، وأنا آسف لأن بعض القراء لا يفرقون بين القصة، وبين التسجيل التاريخي، ولذا فكثير من الناس يظنون أنني البطل في جميع رواياتي وقصصي، بمن فيهم أساتذة في الجامعة، ولدي الكثير من الحكايات المضحكة في هذا الصدد، والأمر الآخر الذي يقع فيه بعض القراء، هو التعميم، فمثلاً إن كتبت عن شخصية نسائية وقعت في الخطيئة، يقولون لي: «كيف تكتب أن الكويتيات فاسدات أخلاقياً»؟ فعلى هذا المقياس لا أستطيع أن أكتب عن شاب كويتي مدمن على المخدرات مثلاً، ورغم أن القصة الكويتية عريقة، وموغلة في القدم، أي منذ عشرينيات القرن الماضي، كما أن القراءة كانت عادة اجتماعية كويتية راسخة، إلا أن التراجع الذي منيت به الكويت على كل الأصعدة، خلق أجيالاً ذات أمية ثقافية وأدبية، لكن كل ذلك يعود مثل النسائم المنعشة، بعد أن نظن أنها لن تعود.
والآن عندما أقرأ بدرية، أتساءل: ما السحر الذي يكمن فيها، ويجعلها بهذا التأثير الشعوري العارم؟ وقد يكون الأمر مفهوماً بشكل أو بآخر لدى القارئ الكويتي، لكن ماذا عن النقاد العرب الكبار؟ عندما أقلب صفحاتها الآن، أجدني كنت قليل الخبرة، لكني كنت مفعماً بالأمل، وأجد في أصابع ذاك الشاب، التي كتبت بدرية، الكثير من الحب للوطن، والكثير من الإيمان بناس الوطن.
لماذا رغم بساطتها ما زالت تؤثر فيَّ حتى هذه اللحظة؟ لا أدري، لكن الأكيد أن بدرية هي جزء لا يتجزأ مني ومن حياتي، وأصبح الاسم جزءاً ملتصقاً بي كجلدي.
بدرية رواية صغيرة، لكنها مليئة بالفتنة والطاقة، وها هي تعود إلى الدار التي احتضنت ولادتها أول مرة، إلى دار الفارابي.
ملحوظة:
حاولت ألا أغير شيئاً في الرواية، أو في لغتها، لأنها كانت تعبر عن حقبة تاريخية معينة، رغم كل الإلحاح الذهني على إعادة الكتابة.
وليد الرجيب
29 يوليو 2010م
وعندما صدرت الطبعة الثانية، رفعت إحدى العائلات الكويتية الكريمة، قضية علي لظنها أن بدرية تسجيل تاريخي، وليس عملاً إبداعياً يستند إلى فترة تاريخية، ووقائع عامة، بينما الشخوص هم وحي الخيال، لكن محامي هذه الأسرة هو صديق لي، فاتفق معي بأن أشير في الطبعة الثالثة وما يليها من طبعات، أن الرواية وشخوصها خيالية، أو أغير أسماء بعض المعالم، وبالتأكيد ليس لدي مانع، ولكن ما إن يطبع العمل، حتى يخلد بكل تفصيلاته، وأنا آسف لأن بعض القراء لا يفرقون بين القصة، وبين التسجيل التاريخي، ولذا فكثير من الناس يظنون أنني البطل في جميع رواياتي وقصصي، بمن فيهم أساتذة في الجامعة، ولدي الكثير من الحكايات المضحكة في هذا الصدد، والأمر الآخر الذي يقع فيه بعض القراء، هو التعميم، فمثلاً إن كتبت عن شخصية نسائية وقعت في الخطيئة، يقولون لي: «كيف تكتب أن الكويتيات فاسدات أخلاقياً»؟ فعلى هذا المقياس لا أستطيع أن أكتب عن شاب كويتي مدمن على المخدرات مثلاً، ورغم أن القصة الكويتية عريقة، وموغلة في القدم، أي منذ عشرينيات القرن الماضي، كما أن القراءة كانت عادة اجتماعية كويتية راسخة، إلا أن التراجع الذي منيت به الكويت على كل الأصعدة، خلق أجيالاً ذات أمية ثقافية وأدبية، لكن كل ذلك يعود مثل النسائم المنعشة، بعد أن نظن أنها لن تعود.
والآن عندما أقرأ بدرية، أتساءل: ما السحر الذي يكمن فيها، ويجعلها بهذا التأثير الشعوري العارم؟ وقد يكون الأمر مفهوماً بشكل أو بآخر لدى القارئ الكويتي، لكن ماذا عن النقاد العرب الكبار؟ عندما أقلب صفحاتها الآن، أجدني كنت قليل الخبرة، لكني كنت مفعماً بالأمل، وأجد في أصابع ذاك الشاب، التي كتبت بدرية، الكثير من الحب للوطن، والكثير من الإيمان بناس الوطن.
لماذا رغم بساطتها ما زالت تؤثر فيَّ حتى هذه اللحظة؟ لا أدري، لكن الأكيد أن بدرية هي جزء لا يتجزأ مني ومن حياتي، وأصبح الاسم جزءاً ملتصقاً بي كجلدي.
بدرية رواية صغيرة، لكنها مليئة بالفتنة والطاقة، وها هي تعود إلى الدار التي احتضنت ولادتها أول مرة، إلى دار الفارابي.
ملحوظة:
حاولت ألا أغير شيئاً في الرواية، أو في لغتها، لأنها كانت تعبر عن حقبة تاريخية معينة، رغم كل الإلحاح الذهني على إعادة الكتابة.
وليد الرجيب
29 يوليو 2010م
صفحة 4
ضوء
بعد انتهاء بحثي وتحرياتي
بعد عودتي..
بعد اثنتي عشرة سنة.
أمسكت بقلمي وكتبت:...
ـ من عاش في حولّي في ذاك الزمان، لا بد وأن يشعر بشعوري.. فحولي المزيج من كل شيء.. مزيج من كل شيء.
حولّي المكان
جنوب مدينة الكويت.. حيث مياه الآبار العذبة، وأشجار السدر المثقلة بالنبق.. مرتع طيور الربيع ومنتجعاتها.. ممر لسيول الأمطار.. ومحطات لمستنقعات ما بعد المطر، الأراضي المنبسطة، المكسوة بالنوير والخبيز واخضرار يأخذ بالألباب.. السماء الزرقاء.. صافية نقية، أو يسبح الغيم فيها بجذل.. الظلال المنعشة في الصيف.. ودفء المواقد والحكايات في الشتاء..
بعد انتهاء بحثي وتحرياتي
بعد عودتي..
بعد اثنتي عشرة سنة.
أمسكت بقلمي وكتبت:...
ـ من عاش في حولّي في ذاك الزمان، لا بد وأن يشعر بشعوري.. فحولي المزيج من كل شيء.. مزيج من كل شيء.
حولّي المكان
جنوب مدينة الكويت.. حيث مياه الآبار العذبة، وأشجار السدر المثقلة بالنبق.. مرتع طيور الربيع ومنتجعاتها.. ممر لسيول الأمطار.. ومحطات لمستنقعات ما بعد المطر، الأراضي المنبسطة، المكسوة بالنوير والخبيز واخضرار يأخذ بالألباب.. السماء الزرقاء.. صافية نقية، أو يسبح الغيم فيها بجذل.. الظلال المنعشة في الصيف.. ودفء المواقد والحكايات في الشتاء..
صفحة 5
حولّي الزمان
عندما كان حسن الظن أكبر.. والمساحات بامتداد أكثر.. وغزو الآلات الصفراء التي تدك الأرض تحفر وتهدم لم يحن بعد.. زمان الحب المذبوح.. والشعر كجرح مفتوح.. زمان الخرافة والرهبة.. زمان الحواري المتعرجة.. والحوائط النصف نصف.. طين واسمنت.. زمان أخاذ..
حولّي بدرية
لبدرية دخل كبير في صنع أيامنا.. ولأحداث الأيام دخل كبير في صنع وعينا.. ولبدرية مكانة كبيرة في نفوسنا.. لم نستطع أن نفسر هذا العشق الكبير لها.. كنا نشترك في حبها دون غيرة أو منافسة ، وكانت تحبنا جميعاً.. صبياناً وبنات..
كل فتياتنا فيهن شيء من بدرية.. الشعر الفاحم، البشرة الحنطية الناعمة، الثغر الأنثوي، الغنج والدلال غاليا الثمن، الروح المحبة للحياة، والاستعداد للحب، والاستعداد لقتل المحبوب حباً، النظرات الولهى، الرموش، الحواجب.. كل فتاة كويتية هي بدرية.. بدرية هي حبنا الأول والأصيل..
(1)
قبل غروب الشمس خلف البيوت التي تقشر الاسمنت من على حوائطها فظهر الطين، تتحول الأعمدة الخشبية القادمة من المدينة، والمارة بحارتنا والذاهبة إلى جهة لا نعلمها، والتي تحمل أسلاكاً كهربائية، تتحول هذه الأعمدة إلى شيء رهيب وداكن وعال، عند هذه الساعة المحددة، تظهر قطعان الخراف والماعز وكأنها تعرف طريقها، فكلما اقتربت من أماكنها تسرع الخطو، ويثار الغبار ويختل انتظام القطيع، ويضطر «أبو مجبل» راعيها أن ينادي بأعلى صوته ويصفر لها فتعدل وجهتها، حتى تصل إلى بيوتها، ويتلكأ بعضها بالدخول ليأكل بقايا الأوراق والأكياس قرب الباب، ويلج بعضها بسرعة على أمل أن يجد الشعير ونوى التمر المنقوع في الماء.
عندما كان حسن الظن أكبر.. والمساحات بامتداد أكثر.. وغزو الآلات الصفراء التي تدك الأرض تحفر وتهدم لم يحن بعد.. زمان الحب المذبوح.. والشعر كجرح مفتوح.. زمان الخرافة والرهبة.. زمان الحواري المتعرجة.. والحوائط النصف نصف.. طين واسمنت.. زمان أخاذ..
حولّي بدرية
لبدرية دخل كبير في صنع أيامنا.. ولأحداث الأيام دخل كبير في صنع وعينا.. ولبدرية مكانة كبيرة في نفوسنا.. لم نستطع أن نفسر هذا العشق الكبير لها.. كنا نشترك في حبها دون غيرة أو منافسة ، وكانت تحبنا جميعاً.. صبياناً وبنات..
كل فتياتنا فيهن شيء من بدرية.. الشعر الفاحم، البشرة الحنطية الناعمة، الثغر الأنثوي، الغنج والدلال غاليا الثمن، الروح المحبة للحياة، والاستعداد للحب، والاستعداد لقتل المحبوب حباً، النظرات الولهى، الرموش، الحواجب.. كل فتاة كويتية هي بدرية.. بدرية هي حبنا الأول والأصيل..
(1)
قبل غروب الشمس خلف البيوت التي تقشر الاسمنت من على حوائطها فظهر الطين، تتحول الأعمدة الخشبية القادمة من المدينة، والمارة بحارتنا والذاهبة إلى جهة لا نعلمها، والتي تحمل أسلاكاً كهربائية، تتحول هذه الأعمدة إلى شيء رهيب وداكن وعال، عند هذه الساعة المحددة، تظهر قطعان الخراف والماعز وكأنها تعرف طريقها، فكلما اقتربت من أماكنها تسرع الخطو، ويثار الغبار ويختل انتظام القطيع، ويضطر «أبو مجبل» راعيها أن ينادي بأعلى صوته ويصفر لها فتعدل وجهتها، حتى تصل إلى بيوتها، ويتلكأ بعضها بالدخول ليأكل بقايا الأوراق والأكياس قرب الباب، ويلج بعضها بسرعة على أمل أن يجد الشعير ونوى التمر المنقوع في الماء.
صفحة 6
وما إن يبتعد باقي القطيع، ويترسب الغبار المثار حتى نتجه إلى آثار أظلافها، فنضع إبهامنا في أفواهنا، ونضع أصغر أصبع على أثر أظلافها ونمتص، ثم نقسم بأن هذا أثر ظلف عنزة، وأن بها حليباً أكثر من غيرها، وأحيانا نتفل ونقول: « تف.. تيس، تيس» وبعد فترة من اللعب نلتفت إلى بعضنا: «شبعنا»، ثم نلعب لعبة عنيفة بانتظار أن تطل أمهاتنا وتناديننا للعشاء المكون من خبز ولبن رائب وتمر، ولا نكف عن اللعب خاصة عندما ينهض آباؤنا، إذ نمسك بنواة التمر، ونضع عليها عقدة النواة فتصبح كأنها رجل يلبس قبعة ونغني:
ـ «عنجريزي بوتيلة.. عساه يموت الليلة»..
علمتنا بدرية هذه اللعبة، كما علمتنا جميع الألعاب، وعندما سألناها:
ـ لماذا نتمنى أن يموت «العنجريزي»؟!.
قالت وهي ترسم على الرمل عروساً وعريساً:
ـ فهد شاهدهم في المكان الذي يعمل به.. يقول إن وجوههم حمراء، وعيونهم خضراء وشعرهم أصفر، ويمسكون عصي خيزرانية بأيديهم، وإنهم أتوا من مكان بعيد.. أبعد من الأماكن التي يسافر إليها أهلنا، ومع ذلك فهم يأمرون وينهون.
خربت مارسمته ونحن نتابع يديها ثم قالت:
ـ فهد لا يحبهم..وأنا لا أحبهم..
فرحنا نغني ونصفق:
ـ «عنجريزي بوتيلة.. عساه يموت الليلة»..
وبدرية ترقص بمرح بيننا..
هكذا كل ليلة نهرع إلى الحارة بعد العشاء، بانتظار الآخرين الذين يأتون تباعاً، وهم يكملون عشاءهم في الطريق، الذي يكون عادة لفة خبز بتمر، أو لفة خبز بجبن أو بصل، أو لفة خبز بدون شيء، وأحياناً يحملون بضع تمرات في جيوبهم، يتواردون واحداً تلو الآخر بانتظار بدرية التي سوف تعلمنا لعبة جديدة، أو لتحكي لنا حكايات لطيفة.
شهية كالفاكهة بدرية، عذبة الحديث، تظهر على وجنتيها غمازتان عندما تضحك، وعندما تضحك تطير قلوب الصبيان كعصافير الربيع، وتغرق الفتيات بغيرة لا محدودة، ويحاولن أن يفعلن مثلها، فيجدلن شعورهن جديلة واحدة طويلة إذا فعلت ذلك، ويجدلن شعورهن جديلتين طويلتين وينزلن شعورهن على جباههن إذا فعلت بدرية ذلك، ويقلدنها بالحديث، وإذا تحلق الصبيان حول بدرية يجلسن ويرسمن على الرمال، أو يعدن جدل أطراف شعورهن ساهمات غيورات من تفوقها عليهن.
كانت بدرية أكبرنا سناً، مرحة، جريئة، لا نذكر أنها خجلت غيرة مرة واحدة، عندما سألها أحدنا بعد أن لاحظ أن صدرها بدأ يتكور:
ـ «صدرك فيه حليب»؟..
يومها احمر وجهها، وضربت الفتيات أرجلهن على الأرض غيرة، وذهبن إلى بيوتهن مبكرات، وهناك تفحصن صدورهن عندما اختلين إلى أنفسهن.
لم نكن نعرف لبدرية أماً ولا أباً، فنحن نراها في كل البيوت، تتناول الغداء عند أحد البيوت، والعشاء في بيت آخر، وعندما يتأخر الوقت كانت تنام في أقرب بيت، ولما سألنا أهلنا:
ـ ابنة من بدرية؟!..
أجابوا وكأنهم لا يخفون سراً:
ـ ابنتنا جميعاً..
وحذرونا من أن نسألها نفس السؤال:
ـ «يمكن تزعل»..
ـ «عنجريزي بوتيلة.. عساه يموت الليلة»..
علمتنا بدرية هذه اللعبة، كما علمتنا جميع الألعاب، وعندما سألناها:
ـ لماذا نتمنى أن يموت «العنجريزي»؟!.
قالت وهي ترسم على الرمل عروساً وعريساً:
ـ فهد شاهدهم في المكان الذي يعمل به.. يقول إن وجوههم حمراء، وعيونهم خضراء وشعرهم أصفر، ويمسكون عصي خيزرانية بأيديهم، وإنهم أتوا من مكان بعيد.. أبعد من الأماكن التي يسافر إليها أهلنا، ومع ذلك فهم يأمرون وينهون.
خربت مارسمته ونحن نتابع يديها ثم قالت:
ـ فهد لا يحبهم..وأنا لا أحبهم..
فرحنا نغني ونصفق:
ـ «عنجريزي بوتيلة.. عساه يموت الليلة»..
وبدرية ترقص بمرح بيننا..
هكذا كل ليلة نهرع إلى الحارة بعد العشاء، بانتظار الآخرين الذين يأتون تباعاً، وهم يكملون عشاءهم في الطريق، الذي يكون عادة لفة خبز بتمر، أو لفة خبز بجبن أو بصل، أو لفة خبز بدون شيء، وأحياناً يحملون بضع تمرات في جيوبهم، يتواردون واحداً تلو الآخر بانتظار بدرية التي سوف تعلمنا لعبة جديدة، أو لتحكي لنا حكايات لطيفة.
شهية كالفاكهة بدرية، عذبة الحديث، تظهر على وجنتيها غمازتان عندما تضحك، وعندما تضحك تطير قلوب الصبيان كعصافير الربيع، وتغرق الفتيات بغيرة لا محدودة، ويحاولن أن يفعلن مثلها، فيجدلن شعورهن جديلة واحدة طويلة إذا فعلت ذلك، ويجدلن شعورهن جديلتين طويلتين وينزلن شعورهن على جباههن إذا فعلت بدرية ذلك، ويقلدنها بالحديث، وإذا تحلق الصبيان حول بدرية يجلسن ويرسمن على الرمال، أو يعدن جدل أطراف شعورهن ساهمات غيورات من تفوقها عليهن.
كانت بدرية أكبرنا سناً، مرحة، جريئة، لا نذكر أنها خجلت غيرة مرة واحدة، عندما سألها أحدنا بعد أن لاحظ أن صدرها بدأ يتكور:
ـ «صدرك فيه حليب»؟..
يومها احمر وجهها، وضربت الفتيات أرجلهن على الأرض غيرة، وذهبن إلى بيوتهن مبكرات، وهناك تفحصن صدورهن عندما اختلين إلى أنفسهن.
لم نكن نعرف لبدرية أماً ولا أباً، فنحن نراها في كل البيوت، تتناول الغداء عند أحد البيوت، والعشاء في بيت آخر، وعندما يتأخر الوقت كانت تنام في أقرب بيت، ولما سألنا أهلنا:
ـ ابنة من بدرية؟!..
أجابوا وكأنهم لا يخفون سراً:
ـ ابنتنا جميعاً..
وحذرونا من أن نسألها نفس السؤال:
ـ «يمكن تزعل»..
صفحة 7
ولذا لم نسألها وأصبح هذا الأمر ميزة من ميزات بدرية، التي لا يملكها أحد منا، وانتشينا بالغموض، وازداد هيامنا وتعلقنا بها، وحتى أهلنا يحبونها، فهي تساعد الجميع في الأفراح، فتمشط شعور البنات، وتكنس أفنية المنازل وترشها بالماء، وتوزع المرطبات والقهوة وتسخن الدفوف، وترقص، وتبعد الصبيان الفضوليين.. وعند المآتم أيضاً تقوم بالواجب فتواسي أهل الميت، وتقوم بجميع ما يحتاجه أهل البيت.
وكانت النساء يبعثنها لتأتي بالحاجات من الدكان، أو من جارة بعيدة، كما كانت الفتيات العاشقات يرسلن معها مناديلهن، أو رسائل غرامية مكتوبة أو شفوية إلى الشباب الذين يحبونهم، كما كانت ترتب مواعيد اللقاءات، وتصالح بين المحبين المتخاصمين، وكانت سبباً في تسهيل زيجات كثيرة في الحي، كما كانت تساعد الداية «ام شملان» عندما يأتي الطلق إحدى نساء الحي، ويحين وقت ولادتها، تغلي الماء وتمزق الخرق، وكانت أول من ينقل الخبر إلى الزوج – الذي يحرص على أن يبدو غير مكترث – كي تحظى بالبشارة.
كنا نجدها في كل مكان.. في البيوت، على الشاطئ، في الحارة، في أحلامنا، حتى أصبحت بدرية جزءاً منا، ملتصقين بها كحياتنا، ملتصقة بنا كجلودنا.
ـ أتت بدرية.. أتت بدرية..
اقتربت بثوبها الأحمر:
ـ ماذا تريدون أن تلعبوا؟.
فتعالت أصواتنا وتقافزنا، واختلفنا وغضبنا من بعضنا، فالفتيان يردن لعبة «الثعلب فات»، وبعضنا يريد حكاية، وعددنا بعض الألعاب التي نحبها، ولكن بدرية قالت بطريقتها المشوقة، المملؤة سحراً وخيالاً:
ـ في هذه الليلة ينعس القمر ينعس.. فتأتي غيمة بيضاء فيبتسم نائماً، ثم تأتي غيمة صفراء فيتململ، ثم تأتي غيمة حمراء فينتشي، ثم تأتي غيمة سوداء فيصحو خائفاً ويدرك أنه كابوس وغيمة وتعدي، وأن الشمس في الصباح، ستبدد هذه الغيمة فيزهو بنوره مرة أخرى في ليالي العشاق والبحارة.
صمتت ونظرت في عيوننا ثم قالت ببطء قصدت به افزاعنا:
ـ أتريدون أن تلعبوا لعبة «الخروف المسلسل»؟.
تراجع بعضنا إلى الخلف وشهقت الفتيات فأردفت بدرية:
ـ أتريدون.. ها؟..
هززنا الرؤوس فعلمتنا وحفظنا واستمتعنا بما سنفعله فاختارت أقبحنا، وأمسكت طرف «دشداشته»، وبدأنا اللعب فأتى صوتها الشجي شجياً:
ـ « خروف مسلسل».
ونحن نرد بصوت واحد:
ـ «هّدوه».
ـ «تراه ياكم».
ـ «هدوه».
ـ «خرب هواكم».
ـ «هدوه»
ـ «في ريوله قراحة».
ـ «هدوه».
ـ «كبر البراحة».
ـ «هدوه».
ثم يترنم صوتها كنواح الأم الثكلى، يشق سكون الليل:
وكانت النساء يبعثنها لتأتي بالحاجات من الدكان، أو من جارة بعيدة، كما كانت الفتيات العاشقات يرسلن معها مناديلهن، أو رسائل غرامية مكتوبة أو شفوية إلى الشباب الذين يحبونهم، كما كانت ترتب مواعيد اللقاءات، وتصالح بين المحبين المتخاصمين، وكانت سبباً في تسهيل زيجات كثيرة في الحي، كما كانت تساعد الداية «ام شملان» عندما يأتي الطلق إحدى نساء الحي، ويحين وقت ولادتها، تغلي الماء وتمزق الخرق، وكانت أول من ينقل الخبر إلى الزوج – الذي يحرص على أن يبدو غير مكترث – كي تحظى بالبشارة.
كنا نجدها في كل مكان.. في البيوت، على الشاطئ، في الحارة، في أحلامنا، حتى أصبحت بدرية جزءاً منا، ملتصقين بها كحياتنا، ملتصقة بنا كجلودنا.
ـ أتت بدرية.. أتت بدرية..
اقتربت بثوبها الأحمر:
ـ ماذا تريدون أن تلعبوا؟.
فتعالت أصواتنا وتقافزنا، واختلفنا وغضبنا من بعضنا، فالفتيان يردن لعبة «الثعلب فات»، وبعضنا يريد حكاية، وعددنا بعض الألعاب التي نحبها، ولكن بدرية قالت بطريقتها المشوقة، المملؤة سحراً وخيالاً:
ـ في هذه الليلة ينعس القمر ينعس.. فتأتي غيمة بيضاء فيبتسم نائماً، ثم تأتي غيمة صفراء فيتململ، ثم تأتي غيمة حمراء فينتشي، ثم تأتي غيمة سوداء فيصحو خائفاً ويدرك أنه كابوس وغيمة وتعدي، وأن الشمس في الصباح، ستبدد هذه الغيمة فيزهو بنوره مرة أخرى في ليالي العشاق والبحارة.
صمتت ونظرت في عيوننا ثم قالت ببطء قصدت به افزاعنا:
ـ أتريدون أن تلعبوا لعبة «الخروف المسلسل»؟.
تراجع بعضنا إلى الخلف وشهقت الفتيات فأردفت بدرية:
ـ أتريدون.. ها؟..
هززنا الرؤوس فعلمتنا وحفظنا واستمتعنا بما سنفعله فاختارت أقبحنا، وأمسكت طرف «دشداشته»، وبدأنا اللعب فأتى صوتها الشجي شجياً:
ـ « خروف مسلسل».
ونحن نرد بصوت واحد:
ـ «هّدوه».
ـ «تراه ياكم».
ـ «هدوه».
ـ «خرب هواكم».
ـ «هدوه»
ـ «في ريوله قراحة».
ـ «هدوه».
ـ «كبر البراحة».
ـ «هدوه».
ثم يترنم صوتها كنواح الأم الثكلى، يشق سكون الليل:
صفحة 8
ـ «إذا جاتكم الغيمة البيضة شتقولون»؟.
فنرد مقلدين صوت الخراف:
ـ «مـا..ء».
ـ «وإذا جاتكم الغيمة الصفرا شتقولون»؟.
ـ «مـا..ء».
ـ «وإذا جاتكم الغيمة الحمرا شتقولون»؟.
ـ «مـا..ء».
ثم فتحت عينيها وحملقت فتراجعنا:
ـ «وإذا جاتكم الغيمة السودا.. شتقولون»؟.
فصحنا بفزع:
ـ «مـا..ء مـا..ء»..
ثم تركت دشداشة الصبي فانطلق نحونا، وركضنا هاربين وانتشرنا وبكت إحدي الفتيات فزعاً، وسقط أحدنا على وجهه فتعفر بالتراب ثم انطلق ثانية عندما اقترب منه الخروف المسلسل.
وبدرية تصيح كالأم:
ـ «اهربوا.. اهربوا..»
اقترب الخروف المسلسل من أضعفنا فقال:
ـ «ما ألعب.. بطلت..»
فتركه واتجه إلى أصغرنا سناً، وبطحه على الأرض وضربه، ثم اتجه إلى الفتيات فغطين وجوههن بأكفهن وألصقنها بالحائط وهن يصرخن، وبالت إحداهن على نفسها، ولكنه لم يستطع أن يقبض على الباقين منا، فقد اختبأنا خلف أشجار السدر، وعندما اقترب يبحث عنا وهو يشخر كالوحش، انقضضنا عليه، وأوسعناه ضرباً فبكى وانتهت اللعبة..
كان هذا قبل أن تختفي بدرية أول مرة..
فنرد مقلدين صوت الخراف:
ـ «مـا..ء».
ـ «وإذا جاتكم الغيمة الصفرا شتقولون»؟.
ـ «مـا..ء».
ـ «وإذا جاتكم الغيمة الحمرا شتقولون»؟.
ـ «مـا..ء».
ثم فتحت عينيها وحملقت فتراجعنا:
ـ «وإذا جاتكم الغيمة السودا.. شتقولون»؟.
فصحنا بفزع:
ـ «مـا..ء مـا..ء»..
ثم تركت دشداشة الصبي فانطلق نحونا، وركضنا هاربين وانتشرنا وبكت إحدي الفتيات فزعاً، وسقط أحدنا على وجهه فتعفر بالتراب ثم انطلق ثانية عندما اقترب منه الخروف المسلسل.
وبدرية تصيح كالأم:
ـ «اهربوا.. اهربوا..»
اقترب الخروف المسلسل من أضعفنا فقال:
ـ «ما ألعب.. بطلت..»
فتركه واتجه إلى أصغرنا سناً، وبطحه على الأرض وضربه، ثم اتجه إلى الفتيات فغطين وجوههن بأكفهن وألصقنها بالحائط وهن يصرخن، وبالت إحداهن على نفسها، ولكنه لم يستطع أن يقبض على الباقين منا، فقد اختبأنا خلف أشجار السدر، وعندما اقترب يبحث عنا وهو يشخر كالوحش، انقضضنا عليه، وأوسعناه ضرباً فبكى وانتهت اللعبة..
كان هذا قبل أن تختفي بدرية أول مرة..
صفحة 9
(2)
ارتفعت الأيادي في سوق الخضار المسقوف تحيي «بونشمي»، وترك بعض الباعة زبائنهم ينتظرون وانطلقوا يقبلونه ويصافحونه، واستغلينا فرصة غفلة الباعة، وملأنا جيوبنا بسرعة بالطماطم والخيار، وانفعل بعض الباعة فملأوا أكياساً من الطماطم والفجل والخيار، وسلموها لعيسى الذي كان يمشي بقربه، يعينه إذا تعثر ويبعد الحمالين عن طريقة، وسلمها هذا إلى الصبي الذي كان يمشي خلفهم، ولاحظ الناس أنه صبي جديد إضافة إلى الصبيان الذين يعملون في خدمة «بونشمي».
وباع الباعة خضارهم بسعر زهيد، ولم يجادلوا الزبائن عندما طلبوا سعراً أقل.
وكنا نتبعه ونقول له كما يقول الناس:
ـ الحمدلله على السلامة.
ونرفع راحاتنا فوق رؤوسنا كما يفعل العسكر، وهو بالكاد يحرك شفتيه اللتين ظلتا مفتوحتين لاستيعاب مزيد من الهواء، الذي يدخله ويخرجه بسرعة، توحي بأن المسافة القصيرة التي قطعها من مسجد السوق قد أرهقته، حيث صلى الجمعة بعد أن تقدم إلى الصف الأمامي خلف الإمام مباشرة، الذي أصر أن يصلي «بونشمي» جالساً، وعلل بصوت مسموع من الجميع:
ـ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.. وأنت رجل مريض ومرهق من رحلتك.
وما إن انعطف «بونشمي» في سوق العطارين، حتى أشعل بعضهم بخوراً وقربه من أنفه، استنشق «بونشمي» وهو يدفع الدخان براحته تحت «غترته»، وناحية صدره ليبخر ملابسه، وانطلقت زغرودة قصيرة خجلة من امرأة جريئة، وقالت من خلف غطاء وجهها الأسود الشفاف وهي تشير بيدها الخشنة المحناة بحناء غامقة:
ـ الحمدلله على سلامتك يابونشمي.. يحفظك الله من كل شر.
التفت بونشمي ناحية الصوت النسائي، وكأن شيئاً لوى عنقه، اقتربت منه «روميه»، وغطت راحة يدها بطرف عباءتها، وصافحت أصابعه السمراء الطويلة، أطالت المصافحة وضغطت على كفه ضغطات خفيفه، ارتعش لها جسده، بينما كانت تدعو وترفع رأسها إلى السماء تارة، وكفها بغية أن يرى الحناء، وتعدل من وضع عباءتها تارة أخرى، كي يرى جزءاً مما خلف العباءة:
ـ الحمدلله الذي أرجعك إلينا سالماً غانماً.. عسى الله أن يبقيك لذويك ومحبيك.. ويطيل عمرك ويعافيك، ويحرسك من عيون أعدائك.
نظر إليها نظرة ذات معنى، ونظرت إليه نظرة عتاب، خلص كفه من أسر كفها، وغمغم بكلمات أشبه بالحشرجة:
ـ الله يسلمك.. الله يعافيك..
وأكمل طريقة وتركها تنظر إليه فترة، وهو يسير بتؤدة ونفوذ، وقد انحنى قليلاً بفعل الزمن ونحل وجهه الأسمر القاسي تحت لحيته البيضاء قصيرة الشعر، وشاربه المقصوص والمشذب بعناية فائقة.
**
ارتفعت الأيادي في سوق الخضار المسقوف تحيي «بونشمي»، وترك بعض الباعة زبائنهم ينتظرون وانطلقوا يقبلونه ويصافحونه، واستغلينا فرصة غفلة الباعة، وملأنا جيوبنا بسرعة بالطماطم والخيار، وانفعل بعض الباعة فملأوا أكياساً من الطماطم والفجل والخيار، وسلموها لعيسى الذي كان يمشي بقربه، يعينه إذا تعثر ويبعد الحمالين عن طريقة، وسلمها هذا إلى الصبي الذي كان يمشي خلفهم، ولاحظ الناس أنه صبي جديد إضافة إلى الصبيان الذين يعملون في خدمة «بونشمي».
وباع الباعة خضارهم بسعر زهيد، ولم يجادلوا الزبائن عندما طلبوا سعراً أقل.
وكنا نتبعه ونقول له كما يقول الناس:
ـ الحمدلله على السلامة.
ونرفع راحاتنا فوق رؤوسنا كما يفعل العسكر، وهو بالكاد يحرك شفتيه اللتين ظلتا مفتوحتين لاستيعاب مزيد من الهواء، الذي يدخله ويخرجه بسرعة، توحي بأن المسافة القصيرة التي قطعها من مسجد السوق قد أرهقته، حيث صلى الجمعة بعد أن تقدم إلى الصف الأمامي خلف الإمام مباشرة، الذي أصر أن يصلي «بونشمي» جالساً، وعلل بصوت مسموع من الجميع:
ـ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.. وأنت رجل مريض ومرهق من رحلتك.
وما إن انعطف «بونشمي» في سوق العطارين، حتى أشعل بعضهم بخوراً وقربه من أنفه، استنشق «بونشمي» وهو يدفع الدخان براحته تحت «غترته»، وناحية صدره ليبخر ملابسه، وانطلقت زغرودة قصيرة خجلة من امرأة جريئة، وقالت من خلف غطاء وجهها الأسود الشفاف وهي تشير بيدها الخشنة المحناة بحناء غامقة:
ـ الحمدلله على سلامتك يابونشمي.. يحفظك الله من كل شر.
التفت بونشمي ناحية الصوت النسائي، وكأن شيئاً لوى عنقه، اقتربت منه «روميه»، وغطت راحة يدها بطرف عباءتها، وصافحت أصابعه السمراء الطويلة، أطالت المصافحة وضغطت على كفه ضغطات خفيفه، ارتعش لها جسده، بينما كانت تدعو وترفع رأسها إلى السماء تارة، وكفها بغية أن يرى الحناء، وتعدل من وضع عباءتها تارة أخرى، كي يرى جزءاً مما خلف العباءة:
ـ الحمدلله الذي أرجعك إلينا سالماً غانماً.. عسى الله أن يبقيك لذويك ومحبيك.. ويطيل عمرك ويعافيك، ويحرسك من عيون أعدائك.
نظر إليها نظرة ذات معنى، ونظرت إليه نظرة عتاب، خلص كفه من أسر كفها، وغمغم بكلمات أشبه بالحشرجة:
ـ الله يسلمك.. الله يعافيك..
وأكمل طريقة وتركها تنظر إليه فترة، وهو يسير بتؤدة ونفوذ، وقد انحنى قليلاً بفعل الزمن ونحل وجهه الأسمر القاسي تحت لحيته البيضاء قصيرة الشعر، وشاربه المقصوص والمشذب بعناية فائقة.
**
صفحة 10
لم يكن «بونشمي» ليلاقي هذا الاستقبال وهذه الحفاوة لولا نفوذه وسطوته، فهو يملك معظم الدكاكين في السوق بما فيها سوق الخضار، وسوق السمك، وسوق العطارين، وسوق اللحم، وسوق الحلوى، ولديه بيوت كثيرة في أنحاء الكويت يؤجرها للناس، ولديه سفن خشبية، كما يسيطر على تجارة الأخشاب والذهب ويملك أراضي، فهو بحق شيخ البر والبحر كما يطلق عليه البعض، ويتناقل الناس أن له يداً في «شركة الجاز»، كذلك يستورد الإسمنت والمواد الكهربية.
ورحلته التي دامت ثلاثة أشهر إلى البصرة، كانت بهدف تحصيل ثمن بلح النخيل الذي يملكه هناك، ولزيادة مساحة بساتينه، وبالطبع لم يكوِّن هذه الثروة وحده، فهو غني ابن غني ابن غني.
همست النساء بأنه تزوج هناك من عراقية، وتميزت إحداهن بمعرفتها لأوصاف الزوجة، التي قالت إن أخت زوجة أخيها قالت لها:
ـ بونشمي تزوج بنت الرابعة عشرة، بيضاء كالحليب، ناعمة كالحرير، عيناها كعيني الغزال، وفمها كخاتم سليمان، وشعرها أسود كالليل يصل إلى تحت ردفيها.. ممتلئة مدللة بنت شيخ شيوخ العشائر.. «بضة غضة.. إذا وقع البرغوث على خدها قضه».
ورغم أن هذا الوصف يشبه وصف الخطّابات الزائف والمستهلك، والذي ينطبق على كل عروس يسأل عن أوصافها، إلا أن النساء عممنه وزدن عليه، ولكن المسألة ظلت في حيز التخمينات.
وتهامس الرجال حول الصبي الجديد الذي أحضره بونشمي معه من الزبير، لمحوه وقاسوا عمره وتفرسوا في ملامحه، وحسد البعض بونشمي.
ـ ألا يكفي الصبيان الذين يعملون لديه؟!
فرد أحد الرجال:
ـ «قط فلوسك في الشمس.. واقعد في الظل».. ما قيمة الفلوس إذا لم تمتع صاحبها؟.
ولكن لم يجرؤ أحد على التصريح بأي شيء أمامه.. أو أمام مساعده وكاتبه عيسى.
**
تبعناه وكلنا أمل أننا سنحصل على شيء ذي قيمة.. بضعة «آنات» ربما ، فقد طبع في أذهاننا أنه مصدر الخير، وذو اليد الندية كما يقال عنه، وقد وعينا ونحن نسمع أنه أقرض فلاناً مبلغاً من المال، وأن فلاناً كان على حافة الجوع فأنقذه «بونشمي» ورهن بيته.
**
نذكر من الأعياد وبالأخص عيد الأضحى أن الأهالي كانوا يشتركون في مائدة تحتوي طبخ بيوت الحي، تمتد خلف مسجد «حولي» من أوله إلى آخره، بينما تمتد مائدة بونشمي وحده من آخر المسجد وحتى «البحرة»، التي سميت كذلك لأنها تسيل حافرة مجرى واسعاً كالبحر في موسم الأمطار، ونعتقد أنه لولا «حوطة بوعيسى» المليئة بشجر السدر، والتي كانت تحد البحرة من الشرق، لامتدت مائدة بونشمي إلى مالانهاية، فقد كان صبيانه ينتظرون أهالي الحي ليفرشوا مائدتهم، ثم يبدأون بفرش مائدة أضعاف طول الأولى، وكنا نأكل حتى نتخم ولا نكتفي بالصحن الذي أمامنا، ولكننا كنا نتنقل إلى أطباق كثيرة بعد أن يقوم الرجال لنتذوق أصناف الطعام التي بذلت النسوة مجهوداً ضخماً فيه، فمن تنظيف لحم الخراف التي ذبحت إلى تقطيعها وطبخها.
ونذكر قبل ذلك ذبح الأضاحي.. فحيثما نرى «ضاوي» وهو يحمل سكاكينه وساطوره الحاد نتبعه على الفور.. وحتى الخراف ما إن تشاهده حتى تحاول الهرب، وكأنها تعلم أنه قادم لذبحها، فتفر من بين يديه، ونجدها فرصة لملاحقتها والقفز عليها وإمساكها من فروها المجعد، ثم نجرجرها من آذانها وقرونها، بينما يصيح علينا الكهول بلحاهم البيضاء:
ـ «شوي شوي يا عيال بالهون على البهايم»..
ويحملها ضاوي بين يديه السوداوين الضخمتين، كأنها قطط صغيرة، ثم ينزع عنه البالطو الطويل الكاكي من مخلفات الحرب العالمية، ويقلبها دون مشقة ويلوي أعناقها بعد أن يبرك على أرجلها فيشل حركتها، ويبسمل بعد أن يتأكد أنه باتجاه القبلة وسرعان ما ينطلق الدم من حنجرة الخروف المفتوحة إلى مسافة بعيدة. وبعد أن يعلق الذبيحة ويفتح بطنها.. يتذوق كبدها الساخن النيء، يترك الرجال ليكملوا سلخ الخروف، ويتجه لذبح خروف آخر وقد ازدادت عيناه احمراراً، وتلوثت ملابسه ويداه بالدم.
غالباً ما يضحي أهل البيت في حولي بخروف واحد أو اثنين حسب حالتهم، ولكن بونشمي يجمع أضاحيه في زريبة مؤقتة من التنك، وقد تتكون من عشرة إلى خمسة عشر خروفاً، وأحياناً يفاجئنا فيضحي بجمل أو اثنين، وهنا تكون المتعة والدهشة الحقيقية لنا.
كنا نتسابق إلى بونشمي لنبارك بالعيد، حرصاً على العيدية الكبيرة، التي يوزعها عيسى علينا بعد أن يأذن له بونشمي:
ـ أعطهم يا عيسى، يستاهلون.
**
ولكن عيسى هذه المرة لم يعطنا غير ضربات خفيفة على مؤخراتنا بالخيزرانة التي يحملها بيده كي يبعدنا عن بونشمي، ناهراً إيانا دون أن يرفع صوته:
ـ «ياللّا.. ابعدوا.. من هنا.. هيا»..
فركضنا باتجاهات مختلفة، ثم تجمعنا مرة أخرى..
ورحلته التي دامت ثلاثة أشهر إلى البصرة، كانت بهدف تحصيل ثمن بلح النخيل الذي يملكه هناك، ولزيادة مساحة بساتينه، وبالطبع لم يكوِّن هذه الثروة وحده، فهو غني ابن غني ابن غني.
همست النساء بأنه تزوج هناك من عراقية، وتميزت إحداهن بمعرفتها لأوصاف الزوجة، التي قالت إن أخت زوجة أخيها قالت لها:
ـ بونشمي تزوج بنت الرابعة عشرة، بيضاء كالحليب، ناعمة كالحرير، عيناها كعيني الغزال، وفمها كخاتم سليمان، وشعرها أسود كالليل يصل إلى تحت ردفيها.. ممتلئة مدللة بنت شيخ شيوخ العشائر.. «بضة غضة.. إذا وقع البرغوث على خدها قضه».
ورغم أن هذا الوصف يشبه وصف الخطّابات الزائف والمستهلك، والذي ينطبق على كل عروس يسأل عن أوصافها، إلا أن النساء عممنه وزدن عليه، ولكن المسألة ظلت في حيز التخمينات.
وتهامس الرجال حول الصبي الجديد الذي أحضره بونشمي معه من الزبير، لمحوه وقاسوا عمره وتفرسوا في ملامحه، وحسد البعض بونشمي.
ـ ألا يكفي الصبيان الذين يعملون لديه؟!
فرد أحد الرجال:
ـ «قط فلوسك في الشمس.. واقعد في الظل».. ما قيمة الفلوس إذا لم تمتع صاحبها؟.
ولكن لم يجرؤ أحد على التصريح بأي شيء أمامه.. أو أمام مساعده وكاتبه عيسى.
**
تبعناه وكلنا أمل أننا سنحصل على شيء ذي قيمة.. بضعة «آنات» ربما ، فقد طبع في أذهاننا أنه مصدر الخير، وذو اليد الندية كما يقال عنه، وقد وعينا ونحن نسمع أنه أقرض فلاناً مبلغاً من المال، وأن فلاناً كان على حافة الجوع فأنقذه «بونشمي» ورهن بيته.
**
نذكر من الأعياد وبالأخص عيد الأضحى أن الأهالي كانوا يشتركون في مائدة تحتوي طبخ بيوت الحي، تمتد خلف مسجد «حولي» من أوله إلى آخره، بينما تمتد مائدة بونشمي وحده من آخر المسجد وحتى «البحرة»، التي سميت كذلك لأنها تسيل حافرة مجرى واسعاً كالبحر في موسم الأمطار، ونعتقد أنه لولا «حوطة بوعيسى» المليئة بشجر السدر، والتي كانت تحد البحرة من الشرق، لامتدت مائدة بونشمي إلى مالانهاية، فقد كان صبيانه ينتظرون أهالي الحي ليفرشوا مائدتهم، ثم يبدأون بفرش مائدة أضعاف طول الأولى، وكنا نأكل حتى نتخم ولا نكتفي بالصحن الذي أمامنا، ولكننا كنا نتنقل إلى أطباق كثيرة بعد أن يقوم الرجال لنتذوق أصناف الطعام التي بذلت النسوة مجهوداً ضخماً فيه، فمن تنظيف لحم الخراف التي ذبحت إلى تقطيعها وطبخها.
ونذكر قبل ذلك ذبح الأضاحي.. فحيثما نرى «ضاوي» وهو يحمل سكاكينه وساطوره الحاد نتبعه على الفور.. وحتى الخراف ما إن تشاهده حتى تحاول الهرب، وكأنها تعلم أنه قادم لذبحها، فتفر من بين يديه، ونجدها فرصة لملاحقتها والقفز عليها وإمساكها من فروها المجعد، ثم نجرجرها من آذانها وقرونها، بينما يصيح علينا الكهول بلحاهم البيضاء:
ـ «شوي شوي يا عيال بالهون على البهايم»..
ويحملها ضاوي بين يديه السوداوين الضخمتين، كأنها قطط صغيرة، ثم ينزع عنه البالطو الطويل الكاكي من مخلفات الحرب العالمية، ويقلبها دون مشقة ويلوي أعناقها بعد أن يبرك على أرجلها فيشل حركتها، ويبسمل بعد أن يتأكد أنه باتجاه القبلة وسرعان ما ينطلق الدم من حنجرة الخروف المفتوحة إلى مسافة بعيدة. وبعد أن يعلق الذبيحة ويفتح بطنها.. يتذوق كبدها الساخن النيء، يترك الرجال ليكملوا سلخ الخروف، ويتجه لذبح خروف آخر وقد ازدادت عيناه احمراراً، وتلوثت ملابسه ويداه بالدم.
غالباً ما يضحي أهل البيت في حولي بخروف واحد أو اثنين حسب حالتهم، ولكن بونشمي يجمع أضاحيه في زريبة مؤقتة من التنك، وقد تتكون من عشرة إلى خمسة عشر خروفاً، وأحياناً يفاجئنا فيضحي بجمل أو اثنين، وهنا تكون المتعة والدهشة الحقيقية لنا.
كنا نتسابق إلى بونشمي لنبارك بالعيد، حرصاً على العيدية الكبيرة، التي يوزعها عيسى علينا بعد أن يأذن له بونشمي:
ـ أعطهم يا عيسى، يستاهلون.
**
ولكن عيسى هذه المرة لم يعطنا غير ضربات خفيفة على مؤخراتنا بالخيزرانة التي يحملها بيده كي يبعدنا عن بونشمي، ناهراً إيانا دون أن يرفع صوته:
ـ «ياللّا.. ابعدوا.. من هنا.. هيا»..
فركضنا باتجاهات مختلفة، ثم تجمعنا مرة أخرى..