eKtab
EN ع
بديع الزمان سعيد النورسي ملامح صورة وسيرة
اقرأ عينة مجانية

بديع الزمان سعيد النورسي ملامح صورة وسيرة

بقلم د. مأمون فريز جرار

صفحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
 
فأحمد الله تعالى أن يسّر لي جمع مادة هذا الكتاب بعد أن نشرت في جريدة الدستور في العامين 2006/2007م في زاوية بصائر في صفحة الفكر الإسلامي التي تصدر كل يوم جمعة . وقد أجريت بعض التعديلات على ما ورد في تلك المقالات جريا على عادة المؤلفين بتعديل ما يكتبونه بعد حين من كتابته طمعا في أن تكون الكتابة الجديدة أجود من السابقة.
 
ولعل هذا الكتاب يسهم في التعريف بالإمام المجدد الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله وبرسائل النور.
 
وقد كان كتاب ((سيرة ذاتية)) الذي هو الجزء التاسع من رسائل النور، عمدتي في استقاء المادة، واختيار ما رأيت أن أعرضه على الناس من سيرة الأستاذ النورسي رحمه الله، وقد صغت المادة المنتقاة بأسلوبي. ولا يغني ما كتبته عما ورد في سيرة ذاتية بل أرجو أن يغري بقراءتها .
 
أسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الكتاب، ويجعله في ميزان حسناتي، علماً ينتفع به الناس، ويدعون لي بالخير في ظهر الغيب.
 
والله المستعان على كل خير
 
شوال 1433هـ / أيلول 2012
 
مأمون فريز جرار
صفحة 2
بديع الزمان سعيد النورسي والدور التاريخي
 
الذين يصنعون التاريخ هم غير العاديين من الناس، هم المختلفون عن غيرهم في طريقة التفكير، وفي منهج الحياة، وفي النظر إلى الأشياء.
 
وقد يُدفع هؤلاء الصانعون للتاريخ إلى الطريق المختلف دفعاً ممن حولهم، أو تسوقهم الأقدار إلى الدور الذي يناسب قدراتهم ليحققوا رسالتهم في الحياة، ويكون لهم في مسيرة البشرية موقف مشهود، ودور مرصود.
 
خطر لي هذا الخاطر وأنا أقلب صفحات حياة رجل كان له أثر عظيم في تركيا الحديثة، وكان إماما أفاء الله تعالى عليه من العلم أثر كبير في صّد العلمانية المادية الجارفة التي سعت إلى اجتثاث الدين من جذور القلوب، وتغيير الظاهر والباطن ليكون على المنهج الأوروبي.
 
لقد حدث الانقلاب الذي قطع ماضي تركيا عن حاضرها، فتغيرت حروف الكتابة من العربية إلى اللاتينية، هذا التغيير أغلق أمام الأتراك بوابة التاريخ العثماني كله إلا إذا ترجم إلى لغتهم الحديثة المكتوبة باللاتينية .وتغيرت الأشكال، فحرم كل زي ذي علاقة بالإسلام، وشرعت القوانين التي تلاحق من يفعلون ذلك (الجرم) الذي يشير إلى ارتباطهم بالدين خارج حدود المساجد . بل إن الأذان الذي يصدح به المؤذنون في جنبات الأرض بالعربية صار يُرطن به بالتركية مترجماً!!.
 
في خضم هذه العاصفة الجارفة ظهر نجم مشرق يبدد بنوره ظلمة الليل الحالك، بل كان ظهوره قبل ذلك بعقود، فكان جهاده من أجل تغيير الواقع الإسلامي تعليماً ودعوة وحياة، ولم يكتب لآرائه أن تجد طريقها إلى الواقع في عهد الدولة العثمانية، ودخلت تلك الدولة التاريخ بعد إلغاء السلطنة والخلافة العثمانية، وجاء عهد المادية الطاغية، فكانت رسائل النور التي فتح الله تعالى بها على الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي أنواراً تبدد ظلمات المادية، وقوارب نجاة في بحرها الهائج.
 
لقد عاش بديع الزمان سعيد النورسي ، بعد أن وقف في وجه المادية الطاغية ،حياة قاسية بالمقياس المادي، فلم يتبوأ موقعاً رسمياً في الدولة، وكان ذلك متاحاً له، ولم يعش في أمن في بلده، بل كان يُنفى من مكان إلى آخر، ولم يقض في مكان أكثر من عقد من السنوات بل دون ذلك ، وكان ينتقل من محاكمة إلى نفي، ومع ذلك كان يعيش حياة مطمئنة يتدبر فيها كتاب الله، ويتأمل الطبيعة وما فيها من تجليات آيات الله ، وكانت ثمرة تلك الحياة "رسائل النور" التي هي خلاصة حياته وفكره ..
صفحة 3
 
لمحات من حياة سعيد النورسي
 
1876 - 1960
 
لقد أتيح لي منذ سنوات أن أتصل بطلبة النور، أو لنقل تلاميذ رسائل النور التي ألفها الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي. ووقعت بين يدي بعض تلك الرسائل،لكن صلتي بها ومعرفتي بالأستاذ سعيد النورسي كانت محدودة. وقد أتيح لي في الصيف الماضي (عام 2005) حضور ندوة في مكتب رابطة الأدب الإسلامي في القاهرة حول الأستاذ سعيد النورسي، ودار فيها حوار بيني وبين الأستاذ إحسان قاسم الصالحي مترجم رسائل النور إلى العربية، وطلب مني الاطلاع على تلك الرسائل والكتابة حولها. وقد يسر الله تعالى لي أن أقدم قراءات من هذه الرسائل في إذاعة حياة أف أم، وها أنا أقدم للقراء الكرام في جريدة الدستور مقالات حول رسائل النور وكاتبها رحمه الله، عسى أن يكون فيها شيء من النفع بإذن الله.( كتبت المقالات بين شهر 11/2006 حتى 3/8/2007 )
 
لقد كتب حول الأستاذ سعيد النورسي وحياته وفكره كثير من الدراسات ولعل أوسع مرجع عن حياته هو الجزء التاسع من كليات رسائل النور الذي عنوانه «سيرة ذاتية» الذي أستمد منه مادة المقالات التي كونت هذا الكتاب .
 
وإذا وقفنا على هويته الشخصية فنقول: إنه سعيد بن ميرزا النورسي،ولقبه بديع الزمان،ونسبته إلى قرية نورس «بتسكين الراء» وهي قرية تابعة لناحية إسباريت بقضاء خيزان من أعمال ولاية بتليس في شرقي الأناضول.
 
كان والده ورعا يضرب به المثل، يحرص على الحلال في الطعام، حتى روي أنه كان إذا عاد بمواشيه من المرعى شد أفواهها لئلا تأكل من المزارع التي تمر بها. وأن أمه امرأة صالحة ، سئلت عن طريقة تربيتها لأولادها فأجابت أنها لم تترك التهجد طوال حياتها إلا في أيام العذر الشرعي ولم ترضع أولادها إلا وهي على طهر ووضوء.
 
لقد تجلت صفات مميزة لبديع الزمان منذ طفولته، من ذكاء حاد، وعزة نفس، فلم يكن يسأل أحدا شيئا أو يقبل ،وهو طالب علم، شيئا من الزكاة أو الصدقة التي كانت تعطى لطلبة العلم.
 
وقد تلقى في طفولته بشارة نبوية في رؤيا رآها:
 
رأى أن القيامة قد قامت،والكائنات بعثت من جديد،ففكر كيف يتمكن من زيارة الرسول $ ، وتذكر أن الرسول $ يقف على بداية الصراط الذي يمر عليه الخلق،فتوجه إليه ، ومر به عند الصراط الأنبياء والرسل الكرام فسلم عليهم واحداً واحدا وقبل أيديهم، ورأى النبي محمدا $ فقبل يده، وطلب منه العلم، فبشره الرسول $ أنه سيوهب علم القرآن ما لم يسأل أحدا شيئا.
صفحة 4
كان في أعماق سعيد النورسي دافع باطني يحركه من مكان إلى آخر للقاء الشيوخ وتلقي العلم، فلم يستقر في قرية أو ناحية بلدة، بل تجول في مدن مختلفة منذ صباه.
 
وكان ذا ذاكرة حافظة يحفظ ما يقرأه من مرة واحدة حتى حفظ عشرات الكتب من الأمهات التي جاوزت التسعين كتابا.
 
وقد رآه أحد شيوخه أهلا للبس زي العلماء وهو في الرابعة عشرة من عمره. كما تجلى علمه في مناظراته للعلماء الكبار ، على صغر سنه ، وتفوقه عليهم في مسائل دقيقة مما جرّ عليه الحسد وسبب الكيد له حتى من زملائه في طلب العلم.
 
وكان يجد في نفسه دافعا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مقتبل عمره ، ومن ذلك أنه تحدى احد زعماء العشائر «مصطفى باشا» وأمره بالاستقامة وترك الظلم والانحراف.
 
وقد تولد لديه وعي مبكر بضرورة تطوير الحياة في الدولة العثمانية، ونشر العلم، وقيام الدولة على أساس الشورى لا الاستبداد مما سبب له المتاعب.
 
سعيد النورسي والوعي المتميز
 
كثير من الناس، بل من أهل العلم من يعيش على هامش الحياة، أو يعيش لنفسه، همه ذاته والحصول على منزلة في الدنيا، وجمع شيء من متاعها. وذلك ما لم يكن من أهداف الأستاذ سعيد النورسي الذي أحس في أعماق نفسه بأن له في الحياة دوراً يُدفع إليه.
 
وها هو يجد خلافاً بين العشائر الكردية في بلاده فيسعى إلى الإصلاح وإزالة أسباب الخلاف، وها هو يتنبه إلى نقص في الحياة العلمية الإسلامية بترك العلوم الحديثة، والاكتفاء بالعلوم الدينية. وقد اقتنع منذ وقت مبكر في حياته أن أسلوب علم الكلام القديم قاصر عن رد الشبهات والشكوك التي تثار حول الدين في عصره، وأن من المهم الوقوف على العلوم الحديثة التي تكون بوابة من بوابات الإيمان.
 
فأخذ يطالع كتب العلوم الحديثة، من جغرافية ورياضيات وجيولوجيا وفيزياء، وكيمياء وفلك، بالإضافة إلى التاريخ والفلسفة، ومكنه ذلك من محاورة المتخصصين في هذه العلوم والتفوق عليهم.
صفحة 5
النورسي والأمل في المستقبل
 
الداعية الناجح هو الذي يضيء الشمعة في عتمة الظلمات. وهو الذي يرى نور الإيمان ينبثق من قلوب من وقفوا معادين معاندين، أو من قلوب ذرياتهم، وذلك ما كان من رسولنا محمد عليه وآله الصلاة والسلام حين جاءه ملك الجبال وعرض عليه أن يطبق الأخشبين ((الجبلين)) على أهل مكة فكان من جوابه أنه يرجو أن يخرج الله تعالى من أصلابهم من يؤمن بالله تعالى.
 
هذه الرؤية النبوية الثاقبة ينبغي أن تكون منظار الدعاة حين تشتد من حولهم الهجمات على دين الله، فهم جنود رسالة ربانية، وحملة نور إلهي، يسعون إلى أن يملأ العقول والقلوب، وأن تنبثق أشعته في دروب الحياة.
 
وهذا ما نجده لدى بديع الزمان سعيد النورسي الذي لقي في حياته الأهوال من المحاكمات الظالمة، والسجن والنفي والحصار، ومع ذلك كله لم تنطفئ شعلة الأمل في قلبه، لأن الأمل قرين الإيمان.
 
ها هو يعود من إستانبول عام 1910 إلى بلده أو إلى شرقي الأناضول، فيقطع رحلة طويلة نحوها، ويمر شمالاً بمدينة تفليس في أرمينيا، وكان فيها في ذلك الوقت جنود روس ودار حوار بينه وبين أحد الجنود وقد رآه على تل اسمه تل الشيخ صنعان، وهو ينظر إلى الآفاق ويتأمل.
 
- فقال له الجندي الروسي، بم تُنعم النظر ؟
 
- قال: أخطط لمدرستي!
 
- قال: من أين أنت ؟
 
- قال: من بتليس ((وهي المدينة التي تتبعها قريته نورس)) .
 
- قال: ماذا تعني ؟
 
- فأجاب بديع الزمان النورسي جواب من ينظر بنور الحق إلى الغيب الآتي، وسلاحه الأمل، والثقة في مستقبل الإسلام والمسلمين.
صفحة 6
- قال: لقد بدأ ظهور ثلاثة أنوار متتابعة في آسيا، في العالم الإسلامي، وستظهر عندكم ثلاث ظلمات بعضها فوق بعض، سيمزق هذا الستار المستبد ويتقلص، وعندها آتي إلى هنا أنشئ مدرستي!!.
 
- كان كلام بديع الزمان النورسي مثار سخرية الجندي الروسي.
 
- فقال: هيهات! إنني أحار من فرط أملك.
 
- فأجابه الأستاذ النورسي جواب الواثق: وأنا أحار من عقلك، أيمكن أن تتوقع دوام هذا الشتاء ؟ إن لكل شتاء ربيعاً، ولكل ليل نهاراً.
 
كان المسلمون في هذا الوقت في حال ضياع وتمزق، ولذلك قال الجندي الروسي: لقد تفرق المسلمون شذر مذر!! فأجابه الأستاذ النورسي وهو يستحضر واقع المسلمين، ويخترق الواقع بنور الإيمان والأمل:
 
ذهبوا لكسب العلم. فها هو الهندي الذي هو ابن الإسلام الذكي يتلقى الدرس في المدرسة الإدارية السياسية للإنجليز.
 
وها هو القفقاسي والتركستاني اللذان هما ابنا الإسلام الشجاعان يتدربان في المدرسة الحربية للروس.
 
فيا هذا، إن هؤلاء الأبناء البررة النبلاء، بعدما ينالون شهاداتهم سيتولى كل منهم قارة من القارات، ويرفعون لواء أبيهم العادل، الإسلام العظيم، خفاقاً ليرفرف في آفاق الكمالات، معلنين سر الحكمة الأزلية المقدرة في بني البشر رغم كل شيء.
 
هكذا كانت نظرة الأستاذ النورسي في أشد لحظات الضعف والقسوة في مطلع القرن العشرين، والدولة العثمانية تتداعى، تنخرها الخلافات الداخلية، والثورات القومية، والكيد الاستعماري لقتل الرجل المريض.
 
والذي ينظر في واقع المسلمين بعد قرن من هذا الكلام يجد عمق نظرة الرجل، ومع استمرار الكيد لهذه الأمة في عصرنا فإن فيها من عناصر القوة ما يجعلنا نستمد منه النظرة المتفائلة في تحقق ما توقعه بإذن الله.
 
واستمع إلى هذه الكلمات الرائعة له وهو يخاطب المسلمين القادمين من رحم الغيب :
 
"ارفعوا هاماتكم وقولوا: لقد صدقت، وليكن هذا التصديق ديناً في أعناقكم.
 
إن معاصري هؤلاء وإن كانوا لا يعيرون سمعاً لأقوالي، لندعهم وشأنهم، إنني أتكلم معكم عبر أمواج الأثير الممتدة من الوديان السحيقة للماضي المسمى بالتاريخ إلى ذرى مستقبلكم الرفيع.
 
ما حيلتي ؟ لقد استعجلت وشاءت الأقدار أن آتي إلى خضم الحياة في شتائها، أما أنتم فطوبى لكم ستأتون إليها في ربيع زاهر كالجنة، إن ما يزرع الآن ويستنبت من بذور النور ستتفتح أزاهير يانعة في أرضكم. نحن ننتظر منكم لقاء خدماتنا، إنكم إذا جئتم لتعبروا إلى سفوح الماضي عوجوا على قبورنا واغرسوا بعض هدايا ذلك الربيع على قمة القلعة".
صفحة 7
النورسي والرؤية الإيمانية
 
من أهم ما ينبغي أن يتحلى به الداعية أن يكون ذا نظرة واسعة وعميقة. واسعة سعة الكون، وعميقة عمق عالم الغيب، وأن يتسع قلبه لكل من آمن بالله ورسوله، وألا يقع فريسة للنظرة الضيقة التي تجعل المسلمين من أهل القبلة شيعا وأحزابا.
 
وقد أعجبتني كلمات وأنا اقرأ سيرة بديع الزمان سعيد النورسي أتمنى أن يضعها الدعاة إلى الله نصب أعينهم، وأن يجعلوها مرآة بل منظارا لنظرتهم.
 
تأسست عام 1909م جمعية في إستانبول تحت عنوان «جمعية الاتحاد المحمدي»، وها هو بديع الزمان يحدثنا عن هواجسه تجاهها: قال:
 
«طرق سمعي أن جمعية باسم الاتحاد المحمدي قد تأسست فتوجست خيفة شديدة من صدور حركات خاطئة من بعضهم تحت هذا الاسم المبارك».
 
وينتقد الأستاذ بديع الزمان بعض أهل زمانه الذين حولوا هذا الاسم إلى «شيء بسيط ويسير إذ حصروه في العبادة واتباع سنن مطهرة، فقطعوا علاقتهم بتلك الجمعية السياسية، فلا يتدخلون بعد في السياسة، فخشيت مرة أخرى حيث قلت: إن هذا الاسم هو حق المسلمين كافة،فلا يقبل تخصصا ولا تحديدا».
 
وقرر الأستاذ النورسي أن ينتسب إلى جمعية الاتحاد المحمدي، لكنه يعطينا لهذه الجمعية مفهوما رائعا أتمنى أن تتبناه الحركات الإسلامية.
 
قال رحمه الله:
 
"ولكن الاتحاد المحمدي الذي أعرفه وانضممت إليه هو الدائرة المرتبطة بسلسلة نورانية ممتدة من الشرق إلى الغرب، ومن الجنوب إلى الشمال.
 
فالذين ينضوون تحت رايته يتجاوز عددهم عن الثلاثمائة مليون في هذا العصر «وهو عدد المسلمين حين كتب كلامه».
 
- وإن جهة الوحدة والارتباط في هذا الاتحاد هو توحيد الله.
 
- قسمه وعهده هو الإيمان.
 
- والمنتسبون إليه جميع المؤمنين منذ الخليقة.
صفحة 8
- وسجل أعضائه هو اللوح المحفوظ.
 
- وناشر أفكاره جميع الكتب الإسلامية، والصحف اليومية التي تستهدف إعلاء كلمة الله، ومحال اجتماعاته ونواديه هي الجوامع والمساجد والتكايا والمدارس الدينية.
 
- ومركزه الحرمان الشريفان."
 
ويمضي رحمه الله يقدم تصوره لنظام هذه الجمعية فيقول: "فجمعية مثل هذه:
 
رئيسها هو فخر العالمين، سيدنا الرسول الكريم $ ،
 
ومسلكها ومنهجها: مجاهدة كل شخص نفسه، أي التخلق بأخلاق الرسول الكريم $، وإحياء السنة النبوية ومحبة الآخرين، وإسداء النصح لهم،ما لم ينشأ منه ضرر.
 
والنظام الداخلي لهذا الاتحاد: السنة النبوية.
 
وقانونه: «الأوامر الشرعية ونواهيها.
 
وسيوفه: البراهين القاطعة، حيث إن الظهور على المدنيين المثقفين إنما هو بالإقناع وليس بالضغط والإجبار،وإن تحري الحقيقة لا يكون إلا بالمحبة، بينما الخصومة تكون إزاء الوحشية والتعصب.
 
أما أهدافهم ومقاصدهم فهي إعلاء كلمة الله".
 
إن تصورا لرابطة أو جمعية أو جماعة بهذا الإشراق، وبهذه السعة، يجعل أنصارها والمنتسبين إليها أخوة متحابين تجمع المسلمين كلهم، فتكون لهم طليعة، ولا تتحول إلى طائفة، فهي كالقطار الذي يقود «المقطورات» ولا ينفصل عنها.
 
ذلك تصوره رحمه الله لما ينبغي أن تكون عليه العلاقات بين المسلمين، وعسى أن يكون لكلماته صدى لدى الدعاة الذين يتعصب بعضهم لرأيه، ويعادي إخوانه في الدعوة، بل إنك لتجد من بعض الدعاة إسفافا في الحوار، وتدنيا في أسلوب الخطاب تعجب أن يصدر عن دعاة وطلبة علم يقولون إنهم على منهج سلف هذه الأمة.
 
وإذا كانت الأمة المسلمة مأمورة بجدال أهل الكتاب بالتي هي أحسن فهل يصح أن يجادل بعضها بعضا بالتي هي أسوا؟.
صفحة 9
سعيد النورسي مجاهدا
 
كان الأستاذ النورسي قريبا من سن الأربعين حين قامت الحرب العالمية الأولى، ودخلتها الدولة العثمانية متحالفة مع ألمانيا. وقد كان من آثارها هجوم روسيا على شرقي الدولة العثمانية واحتلال شرقي الأناضول في الشهر العاشر سنة 1914م.
 
وكان الأستاذ سعيد النورسي قد انخرط في الجيش العثماني واعظاً سنة 1914م. وشارك في الجهاد، وتم دفع الروس في الشهر الأول سنة 1915م بعد أن استشهد ستون ألف جندي عثماني، وعاد الروس لاحتلال المنطقة مرة أخرى في الشهر الأول من عام 1916م.
 
وحين نقف على جهاد الأستاذ سعيد النورسي نجد قوة إيمانه، وقلة مبالاته بمخاطر الحرب. فقد كان يرافقه في الجهاد تلميذه الملاّ حبيب، ومن المواقف التي يذكرها أن الروس كانوا يمطرونهم بالقذائف: قذيفتين أو ثلاثا كل دقيقة. وكانت بعض القذائف تمر من فوق رأسيهما. وتراجع الجنود ونزلوا الخنادق، فقال النورسي لتلميذه ممتحنا لشجاعته: ما تقول يا ملا حبيب؟ أنا لن أختبئ من قنابل هؤلاء الكفار؟.
 
فكان جواب تلميذه: وأنا كذلك لن أتخلف عنك ولن أفارقك.
 
ووقفت قذيفة بالقرب منهما فقال: هيا نتقدم إلى الأمام، إن قذائف الكفار لا تقتلنا، نحن لن نتدنى إلى الفرار أو التخلف.
 
وقد مر الأستاذ النورسي بتجربة زادت يقينه، وزادت شجاعته. ففي معركة (بتليس) أصابت ملابسه ثلاث طلقات في مواضع قاتلة لكنها لم تصب الجسد ومرت من الثياب.
 
وكان الأستاذ النورسي قد شكل من تلاميذه فرقة للأنصار المتطوعين، وقاتلوا في جبهة القفقاس، وأسهم في الدفاع عن مدينة وان وإنقاذ أهلها النازحين عنها في وجه التقدم الروسي في المرة الثانية سنة 1916م. ولم ينس الأستاذ النورسي العلم وهو في جبهة القتال، فقد ألف في هذه المرحلة كتاب: «إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز» وهو تفسير يتناول إعجاز النظم في القرآن الكريم،(في سورة الفاتحة والآيات الثلات والثلاثين من سورة البقرة ) وكان يمليه في الجبهة على تلميذه الملاّ حبيب.
 
ومما يرويه الأستاذ النورسي في سيرته ؛ ذلك المنهج المتسامح الذي اتبعه في مواجهة فرق الأرمن التي كانت تقتل أطفال المسلمين. وقد وقع تحت سيطرته آلاف من أطفال الأرمن، ورأى أن عدالة الإسلام تمنع من قتلهم، فأطلق سراحهم، وردهم إلى عوائلهم خلف الحدود الروسية. وكان من أثر هذا التسامح أن كفّ الأرمن عن قتل الأطفال المسلمين من باب المعاملة بالمثل.
 
وقد دافع الأستاذ سعيد النورسي ومن معه عن بتليس، ولكن كانت القوة الروسية كبيرة،فانسحب الوالي وقائد الجيش وأهل بتليس منها، وظل هو مع عدد من المتطوعين لإنقاذ من عجزوا عن الهجرة، ولكنهم وقعوا في مواجهة جنود الروس، ودارت معركة استشهد فيها عدد كبير ممن معه، ولم ينج إلا هو وأربعة من طلابه اخترقوا صفوف العدو. وأصيب بجراح إثر وقوع عدة قنابل حوله، فجرحت يده، وانكسرت ساقه، وبقي في الماء والطين أربعا وثلاثين ساعة منتظرا الموت ومحاصرا من الجنود الروس .
صفحة 10
سعيد النورسي أسيراً
 
حين وجد الأستاذ سعيد النورسي نفسه مصاباً، والجند الروس من حوله، طلب ممن معه من تلاميذه أن ينسحبوا، وقال: "اتركوني وشأني، فإني لا أسامحكم ، اسعوا لإنقاذ أنفسكم."
 
ولم يتخل عنه أصحابه الذين كانوا معه، وقالوا: لنستشهد ونحن في خدمتك . وظلوا معه حتى وقعوا في أسر الروس، في ظروف طبيعية صعبة جداً، من برد شديد، وثلج كثيف، وكان الأمر في الشهر ا لثالث سنة 1916م ليلة سقوط بتليس.
 
وفي الأسر كان مجموعة من الضباط العثمانيين، وكانوا جميعاً في قاعة واحدة ، فكان النورسي يلقي فيهم دروساً إيمانية تثبتهم في الأسر، ومنعه الروس من إلقاء الدروس حيناً ثم سمحوا له بها.
 
وكان الأستاذ سعيد النورسي عزيزاً أبياً في أسره، لم يعط الدّنيَّة من نفسه، وقد مرت به حادثة تستحق أن تسجل، لأنها تمثل عزة المؤمن في مواجهة صلف الأعداء.
 
زار معسكر الاعتقال القائد العام لجبهة القفقاس، خال القيصر: نيقولا نيقولا فيتش، ولما مر من أمام الأسرى وقفوا له، وعندما مر من أمام الأستاذ سعيد النورسي لم يتحرك ولم يقف له ، فعاد مرة أخرى فكان كذلك، ، وفعل ذلك مرة ثالثة، ودار بينهما الحوار التالي من خلال مترجم:
 
- قال القائد: ألم تعرفني؟
 
- قال الأستاذ النورسي بلى، عرفتك، وذكر اسمه ومنصبه.
 
- قال القائد: فلم تقصدت إهانتي بعدم القيام لي؟
 
- فأجاب الأستاذ النورسي: أنا لم أقصد الإهانة، بل فعلت ما تأمرني به عقيدتي .
 
- فاستفسر القائد عما تأمره به عقيدته.
 
- فقال: إنني عالم مسلم أحمل في قلبي الإيمان، فالذي يحمل في قلبه الإيمان أفضل ممن لا يحمله. فلو أنني قمت احتراماً لك لكنت إذن قليل الاحترام لعقيدتي، ولهذا لم أقم.
 
- كان هذا الكلام كبيراً لم يستطيع القائد احتماله.