صفحة 1
بقلم : نويل عبد الأحد
كان أول ما داهم نظري وأنا أفض غلاف المظروف الذي بعث به إلي الصديق الدكتور بسّام فرنجية، شعاعات تتوهج في تراقصها بداكن السواد، أو هكذا خُيِّل إليّ···
فالعين التي امتصت هذا الوهج المتناثر شظاياه، قد دغدغ ما كان نائماً فيها·· وفي دغدغتها تلك متعة لا أبهى ولا أجمل··
إن للعين رادارها الخاص الذي يعمل بشكل آلي·· في رصد كل ما هو جميل، كما هو الحال بالنسبة للأذن التي يلتقط رادارها حُسن الأصوات وجميل الغناء واللحن·· وهو رادار يختلف عن رادار اللمس أو الذوق··
من هذا المنطلق، شعرت للتو أن بسّام كان محقاً في أن تظهر رسائل كاتبيها إليه، بالحروف التي خطّتها أناملهم بها، خروجاً عن المألوف·· لا سيما وأن عين القارئ قد سئمت أحرف المطابع والكومبيوترات المتشابهة أشكالها·· وأنّ ظهور كتاب بخطوط يدوية، له نكهته وطزاجته، كما الخضار والفاكهة المقطوفة على التو ··
وصحيح أن أجمل خطوط هذه الرسائل، هي خطوط نزار قباني، فذلك أن نزار قد احترف مهنة التخطيط في مرحلة شبابه الأولى·· ولكن خطوط كل من الراحلين البياتي والراهب لهما، جمالية خاصة ومميزة، تُمتّع العين المدرّبة على اجتذاب كل ما هو جميل وحسن وغير عادي··
يقول نزار في رسالته 51/10/1 9 9 1
أنا ممتنّ لك جداً·· جداً·· لأنك حوّلتني من شاعر إلى خطّاط· ففجّرت بذلك بداياتي الطفولية في الرسم والخطّ·· ولعلك لا تعرف أنني كنتُ بين الخامسة عشرة والتاسعة عشرة خطاطاً·· أدرس الخطّ العربي على أصوله·· ولذلك فإنّ أقرب ديوان إلى قلبي هو (قصائد متوحشة) الذي كتبته كله بخط يدي·· فأعتبر كل قارئ أنني كتبتُ الديوان له وحده·· وكنتُ سعيداً بهذا الشعور الحميمي
والخط هو فن كباقي الفنون الأخرى·· وللفن بقاء وخلود·· والفنون جميع الفنون، تتحدّى الموت بديمومتها··· وفي هذا الشأن، أنشد محمود درويش في جداريته، مخاطباً الموت :
هزمتك يا موت الفنون جميعها
هزمتك يا موتُ الأغاني في بلاد الرافدين،
مسلّة المصري، مقبرة الفراعنة،
النقوش على حجارة معبدٍ هزمتْك
وانتصرتْ ،
وأفلت من كمائنك الخلود
صفحة 2
لكن الكلمة·· والكلمة وحدها، سيدة الفنون الأخرى، لا سيما ما ينطق به الشاعر الأصيل·· والمفكر التأمّلي، والمصلح الاجتماعي الحقيقي··
وكانت للكلمة المبدعة، ولا تزال، سحرها الجاذب، وفعلها الخلاّق في التحوّل··
أفلم يكن كلّ تغيير جذري في التاريخ، بفعل الكلمة··
أفلم تُرهب ولا تزال خفافيش الليل: المتسلّطين، والبطّاشين والأفّاكين؟؟ أفلم تقضّ مضاجع قامعي الفكر والحرية؟؟;
لقد لاحظ بسّام، عبر متابعته الجادة الطويلة، في الساحة الثقافية، افتقار المكتبة الغربية، وبصورة خاصة المكتبة الأميركية، إلى أعمال، أو، على الأقل، بعض أعمال شاعرين من أهم شعراء القرن المنصرم، واللّذين، أثّّرت أشعارهما، لا في الحركة الشعرية المعاصرة فقط، بل وفي بُنى ا لحياة الاجتماعية··
قد يكون سبب إهمال المترجمين، ترجمة بعض أعمالهما، أو التهرب من الإقدام على ترجمتها، إلى صعوبة ترجمة الشعر السهل، السلس، المكتوب بلغة يفهمها عامة الناس - لا الأقلية المثقفة - فمن المؤكد أن مثل هذه الترجمة، لن تستطع أن تحافظ على النبر الشعري، وموسيقاه، أو على الذائقة الفنية التي يتمتع بها قارئ أشعار هذين الراحلين الكبيرين···
وقد فطن نزار إلى هذه الناحية، وجهر بها، في رسالته لبسّام تاريخ 24/6/93 ·· ومما جاء فيها :
فالشعر، حالة ممتازة، لا يمكن نقلها إلى أية لغة أخرى، بغير تقديم تنازلات مخيفة·
وبالنسبة لي، أصبحت على يقين أن شعري غير قابل للترجمة·· لأنه شعر بسيط وفيه كثيرٌ من الطفولة· والطفولة لا تُترجم··
ويلتقي عبد الوهاب، إلى حد ما مع نزار، في هذه النقطة·· وقد دفعته حساسيته الشعرية، أن يطلب من بسّام إحلال كلمات لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، محل سابقاتها، ومع ذلك فإنه أقرّ بترجمة بسّام لشعره وأُعجب بها وأثنى عليها·· وهذا ما جاء في رسالته لبسّام تاريخ 2/10/98 :
إن عملك هذا لهو عمل رائع يستحق التهنئة والثناء والإعجاب
والحق يقال أن بسّام لم يجازف بانحيازه إلى اقتحام مصاعب ووعورة ترجمة الشعر السهل الممتنع لو أنه لم يكن واثقاً من مقدرته في الترجمة الإبداعية، وقد خبرت أنا، شخصياً مدى صعوبة ترجمة السهل الممتنع··
صفحة 3
وقد تحقّق لبسّام ما أراد: وهو إطلاق بعض أعمال هذين الشاعرين في كتابين، ضمّا مختارات مترجمة إلى الانكليزية من إبداعات الراحلين عبد الوهاب ونزار، بالإضافة إلى ترجمته الرائعة إلى الإنكليزية لرواية: الوباء، للراحل الكبير هاني الراهب··
وقد شهد له بترجماته الفذة كبار الأساتذةالجامعيين والضالعين في فنون الترجمة، نذكر منهم على سبيل المثال: البروفسور عرفان شهيد، والبروفسور هشام شرابي، والبروفسور إبراهيم إبراهيم، والبروفسور سليمان ساره وأخيراً وليس آخراً الناشر الشهير دونالد ايه هيردك Donald E. Herdeck
ورغم تمحور هذه ا لرسائل، كما ذكرت، حول هدف واحد وهو أن يرى أصحابها بعض إبداعاتهم وقد ترجمتْ ونُشرت بالانكليزية، فإنها لم تنكفئ ضمن تلك الحلقة الضيقة، بل تعدّتها إلى آفاق أخرى·· لا سيما أن فضاء المبدع لا حدود له·· وفنه يغلب كل شيء·· وأن ما ينهمر من قلمه من الكلمات، فإنها تستطيع مهما كانت هذه الكلمات بسيطة، أن تخلق نوعاً من العلاقة الودية مع قارئها··
وحده الفنان من يستطيع أن يؤالف بين المتناقضات، ويحيلها إلى عالم متّسق في انسجامه···;
أما رسائل الروائي الراحل هاني الراهب، فهي أيضاً قد حُصرت في موضوع واحد··· وقد حملت أسطرها، على قلة هذه الرسائل، من المرارة والأسى، ما تنوء عنه راسيات الجبال··;
وتُشير هذه الرسائل أيضاً إلى تحسّره على فقدان أمته لحرية الكلمة ومن أراد الخروج عن القاعدة، فمصيره الملاحقة والاضطهاد والتشرد·· ولكن الأديب الحر - وما أقل الأحرار - يضحّي بكل شيء، وفاءً منه لحرية الكلمة، والجهر بها، على حساب كل الأمور الأخرى··
ويحضرني في هذا الصدد مقطع من إحدى قصائد الصديق الكبير الشاعر كمال فوزي الشرابي، يتحسّر هو الآخر على حرية الكلمة ·· ويخاطبها منشداً بأعلى صوته :
يا حريّة!
وجهُ العُرب أمامك أسودْ
وجهي أسودْ
وطني أسودْ
خبزي أسودْ
حرفي أسود
حتى الدمع بعيني أسودْ ···
وقد شهد له بترجماته الفذة كبار الأساتذةالجامعيين والضالعين في فنون الترجمة، نذكر منهم على سبيل المثال: البروفسور عرفان شهيد، والبروفسور هشام شرابي، والبروفسور إبراهيم إبراهيم، والبروفسور سليمان ساره وأخيراً وليس آخراً الناشر الشهير دونالد ايه هيردك Donald E. Herdeck
ورغم تمحور هذه ا لرسائل، كما ذكرت، حول هدف واحد وهو أن يرى أصحابها بعض إبداعاتهم وقد ترجمتْ ونُشرت بالانكليزية، فإنها لم تنكفئ ضمن تلك الحلقة الضيقة، بل تعدّتها إلى آفاق أخرى·· لا سيما أن فضاء المبدع لا حدود له·· وفنه يغلب كل شيء·· وأن ما ينهمر من قلمه من الكلمات، فإنها تستطيع مهما كانت هذه الكلمات بسيطة، أن تخلق نوعاً من العلاقة الودية مع قارئها··
وحده الفنان من يستطيع أن يؤالف بين المتناقضات، ويحيلها إلى عالم متّسق في انسجامه···;
أما رسائل الروائي الراحل هاني الراهب، فهي أيضاً قد حُصرت في موضوع واحد··· وقد حملت أسطرها، على قلة هذه الرسائل، من المرارة والأسى، ما تنوء عنه راسيات الجبال··;
وتُشير هذه الرسائل أيضاً إلى تحسّره على فقدان أمته لحرية الكلمة ومن أراد الخروج عن القاعدة، فمصيره الملاحقة والاضطهاد والتشرد·· ولكن الأديب الحر - وما أقل الأحرار - يضحّي بكل شيء، وفاءً منه لحرية الكلمة، والجهر بها، على حساب كل الأمور الأخرى··
ويحضرني في هذا الصدد مقطع من إحدى قصائد الصديق الكبير الشاعر كمال فوزي الشرابي، يتحسّر هو الآخر على حرية الكلمة ·· ويخاطبها منشداً بأعلى صوته :
يا حريّة!
وجهُ العُرب أمامك أسودْ
وجهي أسودْ
وطني أسودْ
خبزي أسودْ
حرفي أسود
حتى الدمع بعيني أسودْ ···
صفحة 4
لم تُغر الراهب أية وظيفة مهما علا شأنها، كما لم تُغره كتابة البحوث والدراسات الأكاديمية، ولا الوظائف التدريسية، لأنه أراد خدمة الفن عبر موقعه، كروائي، يقدم لهم ولائم من أفكاره النابضة، ولكن ملاحقته من أعداء الكلمة، وتهديده بلقمة عيشه ولقمة أبنائه، حالت دون تحقيق ما أراد·· وقد جاء في رسالته تاريخ 24/12/88 ما يلي : -
إن اضطراري للعمل في جامعة الكويت سيجبرني على ترك الكتابة الروائية لألهث وراء كتابة البحوث ونشرها· وها هو ذا العام الثاني يمضي وأنا لم أخطّ سطراً واحداً في الجزء الثاني من (التلال)· ربما كان هذا برداً وسلاماً بالنسبة للقارئ العربي : لكني حزين حتى العظم ويائس حقاً، وأحياناً شقي بسبب ذلك
إن رسائل الفنانين سواء أكانوا شعراء أم رسامين أم نحاتين أم موسيقيين أم روائيين، أم غير ذلك، تكشف بصورة عامة، وبعفوية، جوانب عن حياتهم وكذلك جوانب هامة من شخصياتهم وطباعهم·· ولا يجب أن تؤثر أقنعتهم، أي عطاءاتهم الإبداعية التي يجودون بها على المعجبين بفنهم، على تلك الجوانب الأخرى من حيواتهم الخاصة أو شخصياتهم···
وقد يلحظ دارسو أعمال هؤلاء الثلاثة الراحلين، أن في رسائلهم لبسّام بعض هذه الدقائق التي تنم عن شخصياتهم، والتي قد تكون عاملاً مساعداً لهم وإنصافهم في التعريف عن بعض تلك الجوانب، في دراساتهم أو بحوثهم لاعتقادي أنّ من حق القارئ أن يحظى ولو بالشيء اليسير عن حياة الفنان الخاصة·· وفي رأيي المتواضع فهذه الرسائل، رغم تمحورها في الأساس حول موضوع واحد·· فإنها رسائل هامة ··
وفي الختام لا يسعني إلا أن أثني على جهد الصديق الدكتور بسّام فرنجية، في تحدّيه الصعاب، وتصميمه على إطلاع القارئ الأميركي بترجماته الرائعة لإبداعات الراحلين هاني الراهب ونزار قباني وعبد الوهاب البياتي·· وأن عمله هذا جدير بالثناء الحار··
كما لا يسعني إلا أن أشكره أيضاً لتكرمه بالإفراج، أخيراً، عن هذه الرسائل، وقد عرفتُ عنها مصادفة، عبر محادثاتنا الهاتفية، نتبادلها معاً من وقت إلى آخر؛ وبعد أن أقنعته أن إبداعات الفنانين، لا سيما رسائلهم الخاصة، لا يجب أن تظل مطوية في عباب النسيان، وأنه من حق القارئ والدارس معاً، الاطلاع عليها بعد أن رحلوا عن دنيانا - وقد تزامن رحيلهم في أوقات متقاربة إلى حد ما··
فشكراً له ثانية وتهنئاتي الحارة على جهوده الخيّرة وخدماته في حقول المعرفة والأدب والشعر ···
نويل عبد الأحد
صفحة 5
د· بسام فرنجية
جامعة ييل / الولايات المتحدة الأمريكية
علاقات صداقة متنوعة ومتعددة ربطتني على مر السنين بكتاب وشعراء عرب من أجيال مختلفة· بعضها كان علاقات شخصية محضة، وبعضها كان علاقات حميمة رائعة· بعضها كان علاقات عمل يتعلق بمؤتمرات أدبية أو ندوات شعرية أو زيارات رسمية، وبعضها الآخر يتعلق بمشاريع ترجمة لبعض أعمال أولئك الكتاب إلى اللغة الإنكليزية· ومن بينهم أدباء ثلاثة كبار رحلوا عن دنيانا تباعاً في أعوام ثلاثة متعاقبة: نزار قباني ( 30 نيسان 1998) وعبد الوهاب البياتي (2 آب 1999) وهاني الراهب (7 شباط 2000)·
كنت حزين النفس لرحيل هؤلاء المبدعين الثلاثة وفراقهم، فقد أعاد موتهم إلي ذكرى تجربة الألم التي انتابتني إثر رحيل أدباء كبار آخرين أمثال جبرا إبراهيم جبرا وغسان كنفاني وخليل حاوي ومحمد مهدي الجواهري وغيرهم· فبفقدانهم خسرت الأمة العربية ثلاثة أصوات أخرى قومية جريئة ما انفكت تصرخ في وجه العجز في عالم صامت عجيب في عصر الهزيمة العربية الأسود هذا، وافتقدت الأمة ثلاثة مشاعل عربية متأججة تهدي التائهين والذين التبست عليهم الأشياء والأمور· كما خسر الأدب العربي رواداً كباراً وأركاناً راسخة في جذورها وقفت دائماً بقوة وصلابة في عمق التاريخ العربي الحديث والثقافة العربية المعاصرة· هؤلاء الثلاثة الراحلون كانوا مع من سبقوهم وسوف يبقون مع كتاب كبار آخرين أمثال محمود درويش وأدونيس وسميح القاسم ومحمد الماغوط وعبدالعزيز المقالح ومحمد بنيس وقاسم حداد وعبدالرحمن منيف وحنا مينه والياس خوري وحيدر حيدر وغيرهم من المنارات المضيئة فوق خارطة الأرض والأدب والأشياء في عالم عربي بات هزيلاً وهلامياً وغير واضح المعالم· أما على الصعيد الشخصي فقد خسرت أنا ثلاثة أصدقاء جريئين في كتاباتهم صادقين في علاقاتهم، ثابتين في عقيدتهم، وشديدي الحضور والتأثير في مجتمعنا العربي، لقد أخلصوا لرسالتهم فكانوا دائمي التحريض على التغيّر والتحوّل إلى ما هو أفضل وأسمى·
ووفاء للصداقة، فإني لا أزال أكتب المقالات عنهم بعد رحيلهم، وأحاضر في الجامعات لذكراهم، وأحرص على أن تظل كتبهم المترجمة متوفرة في الأسواق فإن نفدت سارعت إلى العمل على إعادة نشرها مع مقدمات جديدة· أما رسائلهم إلي فكنت أحتفظ بها كما أحتفظ عادة برسائل الأهل والأصدقاء· وأعتبرها رسائل شخصية ولا يحق لأحد الاطلاع عليها باستثناء من كتبت إليه أصلاً وذلك احتراماً للعلاقات الشخصية والخاصة والتي يجب أن تبقى سرية ومقدسة·
صفحة 6
وهكذا بقيت هذه الرسائل مخبأة لسنوات طويلة في مظروف في أحد دروج مكتبي واعتقدت أنها ستكون رهينة ذلك الدُّرج أبداً إلى أن حدث أن ذكرتها عفوياً لصديق عزيز هو الأديب نويل عبد الأحد أثناء إحدى محادثاتنا الطويلة· وما أن سمع صديقي بوجود هذه الرسائل لدي حتى فوجئ بعدم التصريح عنها من قبل ولامني لعدم ذكري لها وبدأ على الفور يقنعني بضرورة الإفراج عنها وضرورة نشرها وإخراجها للناس· وعلى مدى شهور بعدها أقنعني الأخ نويل عبدالأحد بأن نشر مثل هذه الرسائل هو واجب ضروري وأمر مطلوب يمليه جوهر الوفاء لأولئك الكتاب الذين رحلوا عنا وهو في جوهره خدمة كبيرة للأدب العربي لأنها تساعد الدارسين على فهم حياة كاتبي هذه الرسائل فهماً أعمق خاصةً أن الرسائل الشخصية تحمل في ثناياها أفكاراً وأبعاداً تاريخية وسياسية وثقافية وأدبية غاية في الأهمية وهو ما لا تستطيع أعمال كاتبيها الفنية والإبداعية مهما عظمت أن تشير إليها أو تشملها·
وهكذا أقنعني الصديق الأديب نويل عبدالأحد على الموافقة على نشر هذه الرسائل والتي ما كان بنيتي أن أخرجها للنور· وإثر حديث لاحق معه بعد شهور امتدت يدي إلى دروج المكتب باحثة عن الرسائل ودون أن أفتحها أو أقرأها وضعتها في مغلف أنيق وسارعت إلى مكتب البريد وأرسلتها إليه كما هي· فرح بها نويل وسماها (بهجة الاكتشاف) لإحساسه أن القارئ سيشعر بعميق البهجة وهو يقرؤها بعد أن تمَّ اكتشافها ولأنها تحمل في كلماتها بعض آراء كاتبيها وفلسفتهم ومفاهيمهم في شؤون الحياة المتعددة والمتشابكة بعضها ببعض، وتعكس بالتالي شهاداتهم على عصرهم وتعاملهم مع هذا العصر وهو عصر خطير كانوا له بمثابة المصابيح المنيرة والمرايا العاكسة الصادقة وكانوا مثل نار أكولة، حارقة ومحترقة، مؤثرين فيه ومتفاعلين به·· لقد عاشوا فيه وماتوا فيه، ولم يبق منهم سوى أعمالهم الإبداعية·· أعمالهم الإبداعية العظيمة الكثيرة ورسائلهم القليلة التي كتبوها في حياتهم ومنها هذه المجموعة·
قباني والبياتي والراهب، أولئك الأدباء الذين رحلوا واحداً بَعْد آخر، في سنة إثر أخرى، كانوا كغيرهم من بعض الكتاب والشعراء العرب عوالم قائمة بذاتها، منفصلة كالأنهار العظيمة، متحدة كالبحار المتشابكة الهائجة، النابضة بالسحر والفكر والجمال· المشع في أرض ظلمة أرض البوار العربية وفي شتات الوطن العربي المتبعِّض· كانوا يتلاقون فيحدث اتحادهم هديراً مدوياً تتحد فيه أنهار العالم وتنفصل لكي تتحد من جديد وما بين انفصالها واتحادها كانت تخطّ تاريخاً ناصعاً وتنشد أغنية وتؤلف أشعاراً لوطن عربي واحد· واحد في قوميته وفي حلمه·
صفحة 7
كـــان عالمهــم صلبـاً ثابتاً رغم هلامية الأشياء حولهم، وكانوا حقـاً كبـاراً فـي زمـن الهزيمـة والعجـز وانهيـار الـرؤى· لقـد استوعبــوا الأحداث بعمق وأشاروا مع زملائهم العرب المبدعين الآخرين إلى الطريق المؤدية إلى الخلاص وخاطبوا الضمير العربي كغيرهم من مفكرين آخرين، أودعوا فيه وعياً محرراً من القيود ولم يكفوا عن مخاطبة الوجدان العربي ، حتى آخر لحظة من حياتهم وسقوطهم شهداء لمبدئهم· لقد بلغوا قمة التجارب الإنسانية فحولوها إلى تيارات تزخر بالثراء والتنوع وموسقوها ألحاناً عربية جديدة وجعلوا منها سمفونية عالمية ساحرة مشبعة بتراث عربي أصيل· كانت دهشة الأمريكيين، أساتذة وطلاباً ونقاداً كبيرة عندما قرؤوا الأعمال الأدبية المترجمة إلى اللغة الإنكليزية لهؤلاء الكتاب العرب المتميزين وتساءلوا بمرارة كيف لم يسبق لهم التعرف على روعة هذا الإنتاج من قبل؟
إنه لمن الغرابة بمكان أن نرى شاعراً كبيراً كنزار قباني، وقد ملأت شهرته الآفاق لما ينوف على الخمسين سنة الماضية، لم يكن له كتاب شعري واحد مترجم إلى الإنكليزية، باستثناء بضعة قصائد متفرقة هنا وهناك مُنتقاة عشوائياً ضمن مختارات شعرية لرهط كبير من الشعراء وقد اختلط فيها الحابل بالنابل من غير ما تمييز بين كبير وصغير· إن أول كتاب شعري مستقل لبعض أعمال نزار قباني، حين قام بترجمته إلى الإنكليزية كاتب هذه السطور وقد تم نشره في عام 1993 وبدأ العالم الناطق بالإنكليزية يتعرف عليه، لأهميته· واستغربت كيف يمكن لكتابي هذا أن يكون الأول في الإنكليزية عن نزار قباني؟ ولطالما تساءلت أين هم أصدقاء قباني، أساتذة أكسفورد، وكان - رحمه الله - يحدثني عنهم ولماذا لم ينتجوا له كتاباً شعرياً واحداً باللغة الإنكليزية ؟
ويلحظ القارئ عبر رسائل الشاعر إليّ مدى قلقه وحرصه الشديدين على أن يخرج الكتاب المترجم بشكل متميز لأنه سيقدم عصارة تجربته الشعرية إلى القارئ الغربي· وحقيقة الأمر أنني كنت أنوي إصدار كتاب ضخم عنه بعد أن ترجمت له أكثر من 400 صفحة منتخبة من شعره في الحب والسياسة· وكنت قد عرضت أعماله هذه على بعض أصدقائي من الشعراء الأمريكيين فأعجبوا بها وأخبرته عن التفاصيل· ولكنه بدا قلقاً وحريصاً على أصدقائه من أكسفورد فأخبرني أنهم قرروا إلغاء كل الشعر السياسي المترجم له لأنه شعْر شتائم ولا يفيد القارئ الأمريكي كما قرر أيضاً إلغاء الكثير من قصائد الحب والتي اختيرت من دواوين كاملة، حتى يكون هناك تنوع وتوازن· ثم أعاد إلي المخطوطة بأقل من ثلث ما أرسلته إليه في الأصل بعد أن حذف الثلثين الآخرين خشية ألا يمثلان عالمه الشعري تمثيلاً ممتازاً· ورحت أبحث في الثلث المتبقي لعلني أستفيد من ملاحظات هذه النخبة الممتازة من أساتذة أكسفورد، فإذا بالنصوص قد تُركت كما هي، بدون تبديل· أي أنني لم أستفد ولو بكلمة واحدة مضافة هنا أو مشطوبة، أو مصححة أو مستبدلة·
صفحة 8
ودفعت بالثلث هذا إلى النشر، كما هو، وخرج الكتاب أنيقاً جميلاً بصفحاته وأعيد طبعه اكثر من مرة وحضر قباني إلى الولايات المتحدة لقراءة شعرية حضرها المئات وقام أثناءها بالتوقيع على كتابه المترجم وكان رحمه الله قد خط قصائد هذا الكتاب بيده الطيبة خصيصاً لهذه الطبعة ثنائية اللغة· وعرفت بعدها أن نزار قباني كان يرفض طوال حياته أن يمنح إذناً لأي مترجم آخر يرغب في ترجمة شعره إلى الإنكليزية، وأدركت حينئذ أن الرجل، رحمه الله، كان قد أكرمني حقيقة إذ كنت آنذاك الشخص الوحيد من خوّله نزار ترجمة شعره إلى الإنكليزية· أما بعض القصائد المترجمة في مختارات شعرية فكانت تصدر دون إذن منه، وكان يعتبرها كلها فاشلة، لكنه سمح للدكتورة سلمى الجيوسي من قبل بترجمة بعض قصائده وليس كتاباً كاملاً، إلا أنها استطاعت بعد صدور كتابي أن تحصل على موافقة منه لترجمة كتاب آخر له، وأصدرته·
وكذا الأمر، فإن عبد الوهاب البياتي، الذي راد حركة الشعر العربي الحديث منذ عام 1948 جنباً إلى جنب مع بدر شاكر السياب ونازك الملائكة لم يكن له كتاب شعري واحد مترجم إلى الإنكليزية حتى عام 1990، إلى أن قمت بترجمة كتاب ضخم اخترت قصائده من ثمانية دواوين له، وخرج الكتاب بحلة ممتازة وقوبل بحفاوة رائعة في الوسط الأمريكي· والبياتي - رحمه الله - كان بسيطاً وعفوياً ولم يعتمد على فرد أو مجموعة لمراجعة الترجمة لكنه اعتمد على ما يعرفه من الإنكليزية وعلى القاموس ليتأكد من بعض الكلمات وأرسل لي قائمة بمفردات يقترح عليّ بتغييرها لكنه كان يصر على أن يخرج الكتاب دون أن يحمل الصفحات الإنكليزية مقابل العربية كما كان مقرراً من قبل دار النشر بل أراد أن يكون النصف الأول من الكتاب بالإنكليزية وأن تكون النصوص العربية في النصف الأخير منه· وهذا اقتراح لم توافق عليه دار النشر· ولكنه كان متعاوناً حقاً، وكانت كل مراسلاته بالبريد السريع، وكان يشرح لي الصور الشعرية الصعبة التي أستفسر عنها، بإسهاب ووضوح كبيرين وكان رحمه الله يهاتفني من وقت لآخر· كان البياتي أكرم منْ تعاملت معهم من الأدباء العرب من حيث تقديم كتبه هدايا للناس·
أما أجمل الأدباء العرب ممن تعاملوا معي في شؤون الترجمة فكان الروائي حنا مينه، وقد ترجمت له رواية (الشمس في يوم غائم) وقال لي منذ البداية :
يا أخي لا ترسل لي شيئاً ولا أرسل لك شيئاً ، فأنا بالكاد أعرف العربية، وأنت أستاذ جامعي، فهل تريدني أن أصحح لك إنكليزيتك؟ أرسل لي نسخة من الرواية بعد نشرها في الإنكليزية وهذا يكفيني وأكون ممتناً لك وهكذا كان وبالمثل كان الشاعر قاسم حداد· كانت ثقة قاسم حداد بقدرتي على الترجمة لا حدود لها، إذ كان يعتبر أن ترجمتي لشعره هي نهائية وغير قابلة للطعن فيها· وأن ما أترجمه له كان يطبع مباشرة دون حتى مراجعة من أحد· وبالمثل كان حيدر حيدر رائعاً· أما الروائي عبد الرحمن منيف فكان غاية في الروعة وكان قد قدم لي موافقته الطيبة سلفاً مترفعاً عن التدخل في أمور الترجمة ومشاكلها وأمورها المعقدة· وأشعر بالأسف العميق كوني لم أكمل ترجمة العمل الأدبي الذي وعدت بإنجازه لانشغالي بكثير من الأعمال المتراكمة والمشتتة ولم تترك لي حتى الآن من الوقت لأفي بالعهد· لقد كانت هذه النخبة من الأدباء الذين تعاملت معهم على مستوى عظيم من الرفعة والسمو والكبرياء والجمال·
صفحة 9
ثم جاء البياتي إلى الولايات المتحدة الأمريكية للاحتفال بصدور كتابه المترجم بعنوان (حب وموت ونفي) في احتفال رائع في جامعة جورج تاون وكنت أستاذاً فيها آنذاك قبل أن أنتقل الى جامعة ييل· ووقع البيّاتي في تلك الأمسية على مئات النسخ من الكتاب الذي لاقى تغطية مدهشة من وسائل الإعلام الأمريكي، ويلاحظ القارئ من خلال الرسائل المتبادلة معه مدى حرصه واهتمامه الهائل بصدور الطبعة الإنكليزية لكتابه إذ كان يدرك أنها ستكون المرجع لترجمات أخرى تتبعها بلغات أجنبية أخرى· وهذا ما حدث فعلاً·
ثم حضر هاني الراهب إلى جامعة جورج تاون عام 1992 ليحاضر عن الرواية العربية· ولم يكن لهاني الراهب أية ترجمات بالإنكليزية، وهو مؤلف رواية (الوباء) التي تعد من أعظم روايات العالم في القرن العشرين، إنها حقاً ملحمة روائية تضاهي في روعتها وعمقها وأبعادها أعظم ما قدمه لنا الأدب العالمي· لم يصدر للراهب عمل كامل مترجماً إلى الإنكليزية باستثناء بعض فصول من رواية (الوباء) كنت ترجمتها ونشرتها في مجلات باللغة الإنكليزية· لكن الراهب لم يعش ليرى (الوباء) منشورة بكاملها في كتاب ولا أنا أكملت ترجمتها· ولم يلق هذا الإنسان الطيب وتعيس الحظ فرصاً طيبة كتلك التي أتيحت لغيره من الأدباء من ذوي الحظوظ في الدنيا· لقد عاش حياة بائسة، يلهث وراء لقمة العيش، ولم يحي الحياة التي يستحقها، بل كانت حياته رواية مأساوية فإن موته ودفنه كانا أشد مأساوية· حتى جنازته وظروف دفنه تبعث على البكاء· عاش هاني الراهب تعيساً ومات تعيساً دون أن يقول وداعاً لأحد بعد أن رمقنا بنظرة ساخرة وغير آسف على فراقنا·
كان الراهب أكاديمياً ويعرف عن دراية تامة مشاق الترجمة وصعوبة نشر الأدب العربي في الغرب، وكان الوحيد من بين كل الأدباء الذين ترجمت لهم بعض أعمالهم، يقدر كل التقدير مهام المترجم والمسؤوليات الملقاة على كاهله وقسوة هذا العمل وكان الوحيد من بين كل من ترجمت لهم من عرض علي بعض المال لمساعدتي على القيام بالترجمة، وليخفف عني عبء مصاريف الطباعة والنسخ والتنقيح، لكني رفضت أن آخذ منه شيئاً· كما كان الوحيد من بينهم القادر على إسعاف المترجم في ترجمة عبارة صعبة أو معقدة أو في استبدال كلمة بأخرى أو جملة بجملة، فقد كان الراهب دكتوراً في الأدب الإنكليزي قبل كل شيء·
ويبقى السؤال : لماذا بقيت بعض أعمال مبدعين كبار كنزار والبياتي والراهب مهملة، ولم تترجم إلى الانكليزية إلا مؤخراً·
صفحة 10
السبب بسيط ومعقد في آن معاً: الترجمة تحتاج إلى ممول ومترجم وناشر وإداري يتولى مهام المتابعة والتنسيق أي تحتاج إلى فريق عمل أو مؤسسة أو هيأة وإلا فإنها صعبة الإنجاز · فإن لم تتوافر هذه العوامل مجتمعة يغدو المترجم هو المسؤول الأول والأخير عن تحقيق وتنفيذ المشروع من أوله إلى آخره· وعليه أن يمضي أشهراً طويلة يعمل فيها ساعات طويلة يوماً في إثر يوم ويمضي الليالي ساهراً يصارع نصاً أدبياً للسيطرة عليه، بلا دخل مادي من أحد، عمله كله مجاني وأشبه ما يكون بالعبودية الاختيارية· فلو أمضى المترجم وقته المهدور هذا في العمل كسائق تاكسي أو حارس في بنك أو كخادم في مطعم لجوزي مقابل عمله هذه بآلاف الدولارات·
وبعد أن ينهي المترجم عمله الشاق هذا يرسله عادة للمؤلف للاطلاع عليه إما من باب اللياقة أو للاستفادة من بعض آرائه· وهنا تبدأ مرحلة جديدة : مرحلة الانعتاق من بين يدي المؤلف إن صحّت تسميتي لها والتي قد تعرقل في أحايين كثيرة عمل المترجم بدلاً من أن تسهله· فإذا ما انتهت مهمة (الانعتاق) واسترجاع العمل من بين يدي المؤلف سالماً أو شبه سالم، تأتي مسألة البحث عن ناشر وهذه مهمة أخرى شاقة وعسيرة· فالمؤلف عادة لا يساعد في هذا الأمر بل يلقي بكامل المهمة على عاتق المترجم والذي عليه بعد كل ذلك العذاب أن يجد ناشراً· فيما يظل المؤلف، يلح على المترجم ويحضه على إيجاد ناشر وبسرعة·
أما الناشر الأمريكي فإنه لا يعرف عن الأدب العربي شيئاً ولا يريد أن يعرف، ولم يسمع بأسماء الكتاب العرب وهو لا يميز بين نجيب محفوظ وعنترة بن شداد لذلك يتوجب على المترجم بعد معاناته من مشاق الترجمة ومن مشاق (الانعتاق) أن يعاني من جديد بالبحث عن سوق يبيع فيها بضاعته والتي لا يريدها الناشرون في أمريكا· عليه أن يدخل الآن في عملية دعائية شرسة للترويج عن بضاعته· فبعد أن يرسل العمل لأكثر من دار نشر تأتي الردود عادة بالاعتذار بحجة أن مثل هذا العمل لا يتناسب مع ذوق القارئ الأمريكي أو أن العمل لا يتماشى ومواضيع الكتب التي تنشرها الدار، إلى آخر ما هنالك من أسباب وأعذار· فإن وافقت دار نشر ما من حيث المبدأ على قبول النظر في أمر العمل وليس على أساس وجوب نشره فإنها تطلب من المترجم أن يكتب صفحات مركزة عن حياة صاحب العمل وأهمية الكتاب، كما تطلب إليه أن يقوم بتزويد الدار الناشرة برسائل توصية من أساتذة معروفين توجه مباشرة للدار من كاتبيها وتؤكد أهمية الكاتب والكتاب وترشح العمل بشكل قوي للنشر· وهذه العملية تتطلب دوماً قيام تصوير العمل المترجم على ورق ممتاز الجودة وإرساله إلى الأساتذة والقراء بالبريد السريع ثم التأكد من وصوله إليهم عبر الهاتف والفاكسات، الى غير ما هنالك من خسائر مادية وساعات كثيرة من الجهد المهدور·