eKtab
EN ع
بكاء عمي
اقرأ عينة مجانية

بكاء عمي

بقلم إبراهيم محمد النملة

صفحة 1
رائحة إفطارنا
 
أنا وهو جسدان متناقضان···
 
بروز السنين في تجاعيد وجهه يصغره كثيراً أمام الكلمات التي ستقال عنه غداً!!!···
 
أتعجب منه··· له قدرة فريدة من الاستيلاء على بسمتي!!!···
 
خلف ظهره تباع البسمات بسعر زهيد وأمام وجهه يقل عرض البسمات حتى النفاذ!!!···
 
يأتي كل صباح، يمر من دارنا، يدس أنفه من فرجة الباب ويشم رائحة إفطارنا، وحينما يشبع من رائحة فطورنا يتمنى ان يلاحقنا جوع الأمس!!!···
 
يقول لكل من يصادفهم في عودته من دارنا أنه رجع بعدما أشبعنا، ويحكي لهم تفاصيل رائحة إفطارنا، يصدقه من يخافه ويستنكره من يعرف حقيقته، ولا يبال هو باستنكار الآخرين لكلامه يكفيه انه يصدق هو ما يقول!!!···
 
قالوا جيرانه:ـ
 
- انه لا ينام ليلاً حينما يرى النور الباهت يسطع من نافذة دارنا، يتوقع أن هناك شيء ما يحاك ضده، يقلب ظنونه ويرسم عقولنا في عقله!!!···
 
ونحن لا نعرف عنه سوى أسمه، ووسع باحة داره تجعل من المستحيل أن نشم طعامه···
 
نتركه وشزنه، نسمع خطواته كل صباح أمام سور دارنا ولا نبال به، نتركه به، نتركه يشم كل ما يريد ونعرف يقيناً زنه سيرحل يحمل من رائحة دارنا كلمات يقولها لكل من يخافه ومن يستنكره!!!···
 
لقد ملت منه السنون، عصفت به الأيام على كل جانب وعدندها، غُذي بطول عمر ونسى الموت!!!···
 
قالوا:ـ
 
- ليس للإنسان سوى عمله وكلمات تقال بعد رحيله··· فمن يفوز بقول الناس؟!!!···
 
لم يهتم كثيراً بتلك الأقاويل بل يؤولها إلى الضعف وقلة الحيلة ويمشي في الطرقات مختالاً فخوراً لا أنكر أن راحتي وسكون فكري في موته، تارة أتمنى أن يموت وتارة أتمنى أن لا يموت حتى يرى غسيل يديه في وجوه كل البشر ووجهي!!!···
صفحة 2
قال أنه لا يعرفني، استنكروا قوله، ووضع يده بين طي المصحف وأقسم!!!···
 
وقلت أنا أنه يعرفني ووضعت يدي بين طي المصحف وأقسمتُ!!!···
 
وبين قسمي وقسمه كانت جدي حاضراً في أذهان الناس ومكتوباً في نداءات الناس!!!···
 
قبل أن أولد أنا كن هو يعمل في مطار الرياض القديم، يغسل ملابس من لا يعرفون شمس نجد ويلمح بلاط خواتهم، لقد بكى أمام أبي وطلب منه أن يقسم أن لا يقول لأهل القرية التي تركها أنه يعمل بهذا وأن يستبدل أبي أجابته لسؤال أهل القرية حقيقته وبكى هو معرفة أهل القرية لحقيقته!
 
منذ صغره كان يمارس الكذب ليلبس ثوباً لا يتناسب مع تفاصيل جسده!!!···
 
أنه هو··· أعرفه جيداً من اشتهاءه للقمة أبي!!!···
 
وهذا أنا كتب علي الزمن أن أعيش وجهه وكلماته وأتحسب لخالقي بوجوده!!!···
 
كان أبني يلعب بلعبته أمامي··· لا أعرف لماذا جاء وجهه إلي وأنا أشاهد أبني··· همستُ بداخلي لأبني:ـ
 
- أنه يريد أن يحرمك هذه البسمة، وتغمره الفرحة حينما تضع يدك على جوفك تشتكي فراغه نظر إلي أبني وقال لي مبتسماً:ـ
 
- أبي أنظر إلى لعبتي··· وأضغط عليها من هنا وتسير لوحدها···
 
ضحك بصوت عال حينما ضغط على لعبته وسارت لوحدها حينها تمنيتُ أن أنسى وجهه وأعيش في لعبة صغيري!!!···
 
أمي تعرفه جيداً ولا تتذكر منه سوى الظلم!!!···
 
كانت تقول لي:ـ
 
- منذ صغره كان يريد كل شيء لوحده لقد خطف في يوم من الأيام تمرة أبيه لأنه اشتهاها!!!···
 
لقد سكنتُ معه وسكن معي··· وتعاهدنا أن لا يرى ابتسامتي وأن لا أقول له عن صلاح حالي!!
 
لقد عاش بكل ما فيه، ولم يقل لي الصباح عن مساءه شيئاً!!!···
 
وعستُ أنا بكل همه وظلمه ولم أقل للآخرين عنه شيئاً···  تركتُ أمري لله سبحانه وتعالى وقرأت لنفسي من ايام الله الكثير وأستقرت نفسي في ضخم توجعاته ونظراته!!!···
صفحة 3
-1-
 
قالت لي جدتي في لحظة صفاء كل شيء···
 
بكت كثيراً عند مفارق الحروف، وتنهدت عند إلقاءها!!!···
 
وماتت···
 
ماتت قبل أن ترى النور، ماتت في أزقة الليل المظلمة، ماتت ولم تقل لي كل شيء في صراخ دموعها···
 
كانت تخاف أن تجرح شفافية الإنسانية ببوحها، فلطمت صوتها بالصمت وتركت دموعها تحكي وتحكي، وتحكي، تركت أحمالاً من الثقل لشوقها في قلبي ورحلت···
 
خرج جسدها من دارنا، ولن يعود مرة أخرى، فمن يأخذه الموت لا يرجعه أبداً!!!···
 
جحود أبنها يزعق في كل الفراغات التي خلفتها ورائها، لقد رحلت جدتي دون أن تصرخ من وجع جحود أبنها!!!···
 
والأن أنتهى كل شيء···
 
جدتي وماتت، أردفنا عليها التراب ليغمر جسدها الطاهر، فماذا سيفعل عمي؟!!!···
 
قالوا له أن أمك ماتت، تغيرت نغمات صوته، رطب جفاف رحيلها بدمعات سرعان ما مسحها أبنائه بكف زوجته وقال:ـ
 
- سأحضر لكم في أقرب رحلة···
 
دخلت غرفتها، وجدتها خالية من كل شيء عدا أنفاسها، بكيت على بساطها، وسجدتُ على سجادتها، تنفست بعمق رائحتها، وضممتُ يدي بين كفي ورثيتُ رحيلها!!!···
 
ماتت جدتي، ماتت وأنا متأكد أن هناك أشياء كثيرة لم تقلها في كل لحظات صفاءها!!!···
 
ندائي لها يناديها في غيابها، ليجاوبني صمت الأشياء وأبكيها···
 
كل شيء غدا في دارنا في غير موضعه، حتى نفسي نست جسدها!!!···
 
جدتي بكل الدموع التي ذرفتيها في وحدتك اشتقت لك···
 
وكانت أقرب رحلة بعدها دفنا جسدها وصلينا عليها صلاة الميتة بعد صلاة العصر، جاء يحمل كل شيء قد تركه في ملامحه، مد يده ليوافي عزاء أمه وقلبه مسافراً لأبنائه في مدينة جدة!!!
 
وقفتُ أمامه، بحلقتُ بوجهه الذي يكاد أن يسد نظراتي عن غيره، أمسكتُ به وصرختُ بوجهه لقد ماتت جدتي، لقد ماتت جدتي···
 
أزاحني عنه وكأنه خجل من وجوه المعزين، لم أطلق قبضي من ساعديه، تصب عرق جبينه، حاول أن يمسحها ولكن ضغط يدي على ساعده أعاقه عن طلك ليصرخ بوجهي···
 
- ماتت··· ماتت··· هذه هي أمي وليست أمك!!!···
 
تناثر حولنا كلمات الرحمة عليها، أرخيتُ قبضتي وتساقطتُ أرضاً، وتوسط هو المجلس في حيرة هل يبتسم مجاملة أم يحزن مجاملة!!!···
صفحة 4
-2-
 
 
 
وجوه كثيرة تعيش بجانبنا فترة من الزمن ثم تمحيها الأيام، ووجوه أخرى تلتصق بذاكرة الأيام وتكبر مع تواليها علينا، ووجه جدتي غرس ملامحه في ذاكرتنا التي لا تغيب بطيبتها وصلاتها··· جدتي أخذها الموت ولن يعيدها، ذلك ما أعرفه جيداً···
 
قالت لي جدتي في مساء لم ينتظر موتها:ـ
 
- لقد حضر لزيارتي بعد صلاة العشاء، لم يطق الجلوس على فراشي، لقد قضى دقائق زيارته العجلى واقفاً، قلت له:ـ
 
- أجلس يا بني ريح جسدك···
 
رد علي بعدما تغيرت سحنته قليلاً:ـ
 
- لا سأذهب إلى أولادي فهم ينتظروني، لقد ابتعت لهم خبزاً وهو معي في سيارتي ولا أريد أن أتأخر عليهم وخرج···
 
سمعت كلماته الأخيرة وعيني ترقب تباعد ظهره عني، صفق خلفه الباب وجلست خلف بابي لوحدي حتى غلبني النوم على فراشي ولم أتناول عشائي، فداري ليس بها قطعة خبز واحدة!!!·
 
لقد تكبر أبني على رؤيتي كثيراً، لم يطق المدينة التي تشاركني فيها زوجته النظرات!!!···
 
سافر إلى مدينة جدة، تركت دموعي تمتزج بدعائي له بالمغرفة!!!···
 
لم تكن زيارته لي سوى نتفاً من الوقت الكبير الذي يفرشه نهار صيف نجد···
 
ألتفت إلي وأكملت:ـ
 
>لقد كانت زيارته لي يا بني كما هو الدواء المر الذي يدفع الوجع المر<
 
وأنا - ابتسمت بألم - عودت نفسي أن لا أنتظره أن يأتي حتى لا يقحمني الإحباط!!!
 
هو لم يكن كذلك ولكنه تغير كثيراً···
 
كنت فيما سبق زتوسد رمشه وأتلحف دفء كفوفه، كان لا يغيب عني وإن سافر أجد صوته يبعثر تجمع سواد غيابه، والأن سافر، سافر بعيداً عن داري وهجرت ذاكرته بقائي على سطح الأرض!!!···
صفحة 5
-3-
 
عمي لم يلحق جسد جدتي حينما خرجنا به محولاً على الأعناق إلى مثواها!!!···
 
لم يقبل جبينها في رقدتها إلتي لن تصحو منها، لقد ماتت جدتي كما تموت امرأة بعيدة لا يعرفها!!
 
لا يعبرني المساء دون أن تأتي جدتي بذكره، لم تمل جدتي من جحودة، كان الأمل به لا يزال يتنفس في صدرها، قالت لي:ـ
 
- تسعة أشهر في جوفي، يقاسمني لقمتي، ويسرق أنفاسي، وسنتان لم يفارق كتفي، تتلمس يده وجهي ويلهث بكاءً تحت صدري، لقد رزقه الله أولاداً في زمن يختلف كثيراً عن زمني ويعاني فيه أوصالاً متقطعة وغير مكتملة مما كنت أعاني منه·
 
الأن يا بني يكتب عليه حتي الوالدين عند الله تعالى لأنه ذاق طعم الأبوة وعاش وجودها!!!···
 
وقلب الأم لا يعرف سوى السماح والله يسامحه···
 
تلك هي جدتي، سيرة قديمة لحياة قديمة، ترفض أحلامنا وتعيش على بقايا ذكرياتها، لا ترى في نهارات أيامنا حياتها، ودائماً تسكب وجع الذكرى في أسماعنا!!!···
 
تدرك بذاتها أن السنين قد تعدت جسدها وتختم كل حديث لها بمقولة >يا لله حسن الخاتمة< وإذا رأت ما لا يتوافق مع تصوراتها تقول >هذه هي نهاية الدنيا<
 
أحب جدتي وأحب تذمرها من حياتنا···
صفحة 6
-4-
 
جدتي تعشق المذياع، تضعه تحت أذنها لتنساب آيات القرآن الكريم إلى قلبها مباشرة - دائماً تزف أمنيتها لي وعيناها معلقتنا على السماء بحفظ القرآن كاملاً - تترك المذياع بعدما يرتفع صوت الآذان شامخاً ومعتلياً كل صوت وتكبر بطهارتها على سجادتها، تشع بياضاً وهي تحاول أن ترفع صوتها بعد قراءة الفاتحة متذكرة ما أنساب لسمعها من المذياع!!!···
 
ماتت جدتي··· ولم أفي بوعدي لها بشراء الحناء لها!!!···
 
وسافر عمي ليلة انتهاء أيام العزاء، لم يسأل عنا، لم يشعر بفراق أمه في قلوبنا، ولم يعش فراغات دارنا من بعدها···
 
أذكر وجه عمي في أيام العزاء، كان ينهكه التعب، لقد قضى ساعات العزاء ساهماً، يرحل به التفكير عن الموجودين، ويتربص بحركاته الارتباك!!!···
 
وحينما انتهت أيام العزاء ترك تفكيره وقلقه وسافر إلى جدة إلى حيث أبنائه وزوجته!!!···
 
هي جدتي ولها حكايت كثيرة···
 
تشتكي وجع رأسها وتنظر دائماً إلينا···
 
تنفرج أسارير وجهها حينما ترانا، وتنشد قصائدها القديمة التي نحفظها جيداً···
 
تعتب على أحدنا وتمزج عتابها بالدعاء له بالصحة والسعادة والتوفيق···
 
هي جدتي ولها حكايات كثيرة···
 
زارنا الموت ذات مساء وقبل صلاة المغرب وأخذ في سفر أبي روح أبي بحادث سيارة···
 
ترطب دارنا بالدموع، غيمه من الحزن الأسود شملت دارنا وكل الدور التي حولنا···
 
حتى ذلك الأشيب القادمة من تراب الصحراء توسط مجلسنا ورثي رحيل أبي بقصيدة شعر أبكت كل المعزيين ولم تبكيني أنا!!!···
 
كنت حينها صغيراً أتفهم الموت ولا أدرك أنه قد أستوطن في جسد أبي···
 
كنت أرقب كل مساء بعد صلاة العشاء وجه أبي الذي لم يأتي، تنتشر أجساد المصلين في ساحات حارتنا وتختفي داخل البيوت الأسمنتية ولا يأتي أبي لأظل أنا أنتظر مجيء أبي حتى يترسب النوم في عيني واجده هناك في حلمي يضمني ويبتسم، أبي يلبس الثوب الأبيض في نومي، وفي إفاقتي أجد بياض ثوبه في ألسنة من أقابلهم···
 
مات أبي وخافت جدتي علينا من الموت فاحتضنتنا جميعاً حلولها···
 
فالموت - كما تقول جدتي - لا ينسي الدار الذي دخل منه!!!···
صفحة 7
- 5 -
 
قالت لي جدتي في ضحى صيف عابر حينما ارتشفت معها قهوتها:ـ
 
- لقد حلمتُ أن أبوك قد جاءني بالحلم ووقف عند الباب، رفض أن يدخل وكأنه ينتظر مجيء أحد قلت له:ـ
 
- أدخل لماذا تقف عند الباب هكذا؟!!!···
 
لمحني بطرف عينه وقال:ـ
 
- لا أنا أنتظر أخوتي···
 
انتهى حلمي يا بني وأنتظر في قدوم الأيام موت أحد إخواته···
 
فلم يصدق حلمي وعاشوا أعمامك سبعة عشر سنة من بعد حلمي···
 
ليست كل الأحلام صادقة يا بني··· والموت بطبيعة الحال لا ينتظر صدق حلمي!!!···
 
مع كل رشفة من فنجان القهوة كنت أسمع لحديث جدتي التي كانت تقول لي:ـ
 
- الموت قادميا بني، لا يعيقه سوى الخالق الباري، سنرحل كلنا وتبقى أعمالنا سندأ لنا في الدنيا والآخرة···
 
أنتصف الضحى ودخلت جدتي داخل الدار وبقيت أنا أقلب أوجه أعمامي أمام خيالي!!!···
 
خرجت من دارنا ووجدت الموت في صحف اليوم يحي كل حكاياته في صفحات العزاء وأبتسم قبل أن أركب سيارتي حينما طرق ببالي أن هناك أجساداً تغادرنا وأجساد أخرى تأكل من مغادرة تلك الأجساد، أنها الحياة أعيشها كما هي على صدى حكايات جدتي الكثيرة!!!···
 
راحت جدتي وراحت كل حكاياتها··· لا أخفي سراً إذا قلت أن في حكايات جدتي صورة حقيقة لوجودي بالحياة كنت ألجأ إليها حينما تقف الحياة في وجهي وكنت أجد في حديثها الذي دائماً تصيغه على شكل أمثلة وحكايات مفرجاً لقدوم يوم جديد···
 
فهل للحياة الآن وقفة أخرى معى بعدما ماتت جدتي؟!!!
صفحة 8
- 6 -
 
ليلة أول أيام عيد الفطر المبارك قالت لي جدتي بشيء من الألم والحسرة:ـ
 
- أجلس بجانبي يا بني، أريد أن اتحدث إليك قليلاً، فما بصدري لا أستطيع أن أستحمله··
 
نظرت إليها بألم نابعاً من ملامحها وقلت لها:ـ
 
- ماذا لديك يا جدتي؟!!!···
 
رفعت بطرف أصابعها قماش جلابيتها وقالت:ـ
 
- هذه هي جلابية العيد!!!···
 
في كلماتها القليلة عرفت منها الكلمات الكثيرة التي لم تنطقها··· قلت لها لأطفيء توهج عبرتها:
 
- لا عليك يا جدتي سأبتاع لك جلابية جديدة تشرقين بها مع إشراقة شمس العيد·
 
سحبتني من يدي وأودعتني صدرها وبكت مر الدموع، تركتني كما أنا على صدرها وإن كنت أشعر بأن في لسانها كلاماً كثيراً أخاف ان تستنطقه فيجرح قلبها، علقت نظري على وجهها، لم تنظر إلي وإنما سافرت عينها إلى مدى بعيداً لتقول لي:ـ
 
- كان هنا في صباح أمس وقال لي:ـ
 
- أعذريني يا أمي إذا لم أتي إليك هذا المساء!!!···
 
- خيراً يا بني عسى المانع خيراً إن شاء الله؟!!!
 
بفرح اكتسبته من تعابير وجهه قال:ـ
 
- كل الخير يا أمي ولكني سأذهب مع أبنائي وزوجتي لشراء ملابس العيد!!!
 
لحظتها يا بني وبدون شعور مني نظرت إلى فستاني اللاصق بجسدي منذ أشهر كثيرة، قرأ ما أرمي إليه بدون شعور مني حينما رأى نظراتي تنساب على جلابيتي القديمة وقال:ـ
 
- أمي أنت كبيرة في السن وليس لك فرح الأطفال بالملابس الجديدة، ثم انتِ يا أمي ستقضين أيام العيد هنا في دارك لن تخرجي وأبنائي سيخرجون للتهنئة والملاهي!!!···
 
تعذبتُ جداً بنظرتي إليه، أنه أبني قطعة مني ولكن تلك القطعة أضحت بالنسبة لي كقطعة جلد يابسة!!!···
 
تركني وخرج وحمدتُ الله زن خرج قبل أن تصرخ دمعتي على خدي···
 
وصرخت دمعة جدتي على خدها!!!···
 
مددتُ يدي ومسحتُ دمعتها الثقيلة وقلت لها:ـ
 
- لا عليك يا جدتي ستجدين العيد في جلابيتك الجديدة، وسنسافر إلى المنطقة الشرقية كلنا أنا وأنت وأمي وأخواني وسنقضي كل أيام العيد هناك···
 
سحبتُ رأسي من صدرها واستقمت واقفاً وقبل أن أخرج لأبتاع جلابية جديدة لجدتي همستُ لنفسي بصوت خافت سمعته جدتي على ما أظن وأدفت على همسي كلمات من دعاء···
 
{··· سيتزوجون أبنائه وسيخلفون حينها وبعد ذلك من سيبتاع لعمي ثوب العيد؟!!!···}
 
أغلقتُ الباب خلفي، وسللتُ يدي إلى جيب ثوبي لأعد نقودي لعلها توفي بجلابية جدتي وبوعدي لها برحلة للمنطقة الشرقية!!!···
 
تلك هي هكاية جدتي التي ماتت منذ سنتين K وذلك هو أنا!!!···
 
أجلتُ زواجي لأسافر إلى جدة أزور عمي في المستشفى الذي فقد كل أبنائه خلف باب سريره في العناية المركزة!!!···
صفحة 9
بيت واحد
 
قال لي:ـ
 
دعك من تسارع الأيام الماضية··· واستثمر بواقيها!!!
 
استمعت إلى كلمات وحينما فرغ من جملته تلك حملت جسدي ورحلت···
 
بعيداً عن ضجيج الطفولة التي تدار في فناء داري علقت وجهي على مرآة الحمام، تفحصت ملامحي جيداً، وأحنيت رأسي قليلاً، لم تكن السنين قد أثمرت أيامها في وجهي، رفعت يدي ولامست دقني الخالي من الشعر وهمست >خمسة وثلاثون عاماً لا تقرب البياض إلى شعري ولا التجاعيد إلى وجهي<···
 
سحبت نظرتي ببطء عن وجهي العالق ف يالمرأة وسحبت نفساً عميقاً، سجنته بصدري ثواني ثم أخرجته منتشياً بشبابي···
 
في فناء الدار كانوا أطفالي يمارسون الفرح على البلاط الرخامي اللامع، حويتهم جميعاً بنظرة وحمدت الله كثيراً، وقبل أن تزفني خطواتي خارج الدار حاولت أن أمسك بصغيرهم ولكنه فلت من قبضتي فأرسلت له قبلة وابتسامة عبر الهواء وأغلقت باب الدار خلفي بإتقان!!!···
 
كان هو في نفس مكانه، وكزنه كان ينتظر عودتي، أردفت عليه السلام وجاوبني بالرد كانت نظراته تقيس مدى طولي، جلست أمامه أحمل قدرة عجيبة للانصياع إلى كلماته···
 
قال لي:ـ
 
- ليس في عمر الإنسان ما يمنع أن يتأصل فيه الفرح حتى لو تداركه الألم، فالألم ليس له قدرة على القوة أمام راحة البال···
 
لا أقول في نفسي إنني قد فهمت كل ما قاله أو ما يريده···
 
كلماته تنساب بهدوء عقلي في نزوة أجدها قد تفاقمت في داخلي، لم أفهم··· وتلك هي الحقيقة، ولكني أجد متعة كبيرة في انصياعي لكلماته···
 
أخذت كل كلماته في مسمعي، شعرت بفرحة غارمة وخوف أراه ينظر إلي من بعيد···
 
رجعت إلى داري، تلاشى الفرح في فناء الفناء وانتشرت البراءة في وجوه أطفالي الذين تلحفوا أغطيتهم وتوسدوا أحلامهم لصباح مدرسي قادم عدا طفلي الصغير ذو العامين والذي يطبق أجفانه مع أجفاننا···
صفحة 10
حينما فتحت الباب وجدته يلهو محاولاً الصعود على المنضدة العريضة ووجدت وجه زوجتي الذي أشرق بابتسامة استقبالي···
 
وقفت حائراً أجتر كلماته التي قذف بها للتو في مسمعي وأرسم صورتها مع أبني الذي لم يفلح في الصعود على المنضدة···
 
جلست بجانبها، تناولت قدحاً من الشاي المغربي الأخضر الذي تجيد عمله، قدحان ومن ثم سحبت نفسي إلى مكتبي في الدور العلوي···
 
الحياة القادمة التي رسمتها في خيالي تعجزني كثيراً أمام احتمال رؤية وجهها!!!···
 
ابتسامتها التي فتحت لي باب الدار أجدها تتمدد في داخلي، وضعت رأسي بين يدي، دمعة حاسرة انتظرتها كثيراً انسابت على خدي، تردد عنيف ألغى كل كلماته التي سمعتها لتجف نزوتي التي خضعت إليها أمامه!!!···
 
لم أمارس ليلي كالليالي الماضية فقد كانت ليلة مختلفة أتخمت بها بكلمات ترضي أحلامي وتعصي واقعي!!!···
 
في الصباح··· ارتطمت نظراتي بوجهها، كان أطفالي قد غادروا الدار إلى المدرسة مع السائق الأجنبي، غسلت وجهي ونزلت إلى الدور الأرضي بعدما غيرت ملابسي···
 
قالت لي:ـ
 
- تحتاج شيئاً؟!!!···
 
نظرت إليها من خلف ترسبات النوم في عيني وتذكرت على الفور كلماته التي قادت عقلي إلى صباح أخر مختلف عن صباحي هذا، أومأت برأسي نافياً حاجتي لشيء، تركتني وصعدت السلم إلى الدور العلوي حيث تنطبق جفنان صغيري ذو العامين··· ولم أراها!!!···
 
لم أكمل إفطاري، شربت قدح من الشاي وشرعت في مغادرة الدار··· فحينما يأتي الفرح لروح وحيدة لا أعتقد إنها ستشعر به!!!···
 
وكان هي··· يرسم الوقت في انتظار مجيئي···
 
بادرني بسؤاله:ـ
 
- ما بلك؟··· تبدو حزينا؟!!!···