صفحة 1
أَخُنتَ العهدَ أَم خانتكَ أمنيتِي
على العَتباتِ باكيةٌ جراحُ الفَقْدِ والذِّكرى
تُردِّدُ في عَباءةِ ليلِها وجَعًا
ترى في الفجرِ أُحجيةً
تقُضُّ الحزنَ تَعصِرُهُ
فتدمَعُ في لهيبِ الشَّوقِ أنَّاتي
أُسافرُ في فضاءِ اللهِ أَعبُرُ وَحْيَ قصَّتِنا
أُرتِّلُ ما تَبادَلْنا مِن النَّجوى
على شُبَّاكِنا الباكي
وأَقطِفُ سوسنَ الآمالِ
أَنفِضُه عبيرًا سافرَ الأَشواقِ
يلثُمُنا
أَرى وحدي أَفيضُ فأَختفي أَلـمًا
بلا قمرٍ يُوسِّدُ صرختي في الصدرِ
يحضُنُها بدِفءِ الحبِّ والمأْوى
عليٌّ أَيْنكَ الآنَا
عليَّ أَيْنني الآنَا
على أَطلالِ قصّتِنا
قَضَيتَ العمرَ ظمآنَا
صفحة 2
ولم أَعهدْكَ مرتحِلاً
يَرى في البُعدِ نِسيانَا
خريفِي خانَ أَضلاعِي
أَيَا مَن كنتَ نيسانَا
تَركْتَ الحُبَّ
للأَيامِ..
للنِّسيانِ..
للأَحزانِ..
تنهَشُها
مَواويلٌ سقتْني المُرَّ أَلوانَا
أَما عاهدْتَني يومًا
أَيا قلبي إِذا ما الموتُ أَعيانا
معًا في لحدِنا حبًّا نُسجَّى
والهوى يبقى لنا في اللَّحدِ عنوانا
أَترحلُ تارِكًا وجعي
على أَطرافِ عِلَّتِه تعالى الفجرُ نشوانا
أَخنْتَ العهدَ أَم خانَتْكَ أمنيتي؟
هي الأَطلالُ
يا ويحي تصوغُ الحزنَ أَكفانا
فلا موتٌ يبادرُني
صفحة 3
ولا عُمري به كانا
أَشِيخُ بِدمعتي شغَفًا
وأَصبُو في حكايانا
أَعِدْ للقلبِ بسمتَه
وهَيِّئْ مهدَكَ الورديَّ في الصحراءِ أَغصانا
سآتي رَغمَ أَنفاسي
أُعانقُ سُمَّ مَنفانا
وأُنهِي بُعدَنا رَغمًا
فـ بِي شوقٌ لِما كانا
صفحة 4
تعجّلَ دونَ انتباهٍ
عَدوتُ أُلاحقُ ظِلَّ الكتابةِ
أَرسمُ في الظِّلِ وَحيَ الكَلامِ
فأَرَّقَنِي ما تناسلَ فِكرًا وسالَ المدادُ
وفاضتْ معَ الرُّوحِ
نجوى الرحيلِ
كمَن سارَ في رملِ تلك الصَّحارى
لينهلَ مِن حَرِّ روحي سلامًا
تَضمَّخَ جرحًا رَواهُ القلق.
نَسجْتُ السُّلافَ لشارِبِ شَوقي
فأَدَمَى اشتعاليَ ضُوءُ السّرابِ
وأَعيى احتضارِيَ قتلُ الفلق.
سأُوقِدُ في الشِّعرِ
لحنَ الجنائزِ
وهمَ العجائزِ
وصفَ الأَرق.
وأَكتبُ فيكَ ابتداءَ المَلامحِ
أَنْ فارَقَتْني حُمَيَّا الشَّفق.
طُقوسي انسكابٌ بنجوى غرامٍ
صفحة 5
رأَت فيكَ ليلاً طويلَ التأَمُّلِ
يحتَلُّ روحَ النَّسيمِ ويَبكي على
طللٍ فيهِ جُنَّ الورق.
هناكَ التقينا كأَنَّ طُيوفًا
تَمزّقَ فيها انبثاقُ الغسق.
وعَيني رَوتْكَ بدمعٍ تَجلَّى
فإِذ بالنَّدى يستفيقُ بجرحٍ
تَداعت على نَايِهِ النادِباتُ
وأَثْرى عيونِيَ عِطرُ الحَبَق.
تُهدهِدُ في الرُّوحِ بعضَ الحروفِ
لِتكتبَ أُمنيةً في رُباها استراحَ الزَّمانُ
مِن الذِّكرياتِ
ومِن غايةِ الحربِ حيثُ المُحاربُ
أَدمَى الغُبارَ بِريحِ التَّعب.
سأَنهلُ عطرًا
يُسافرُ فينا يتيمَ اللِّقاءِ
جريحَ التأَمُّلِ
فوقَ الهِضابِ
كأَنَّكَ وحيٌ أَضلَّ الطريقَ
فغابَ كشمسٍ قَضتْ في السُّباتِ
صفحة 6
لتمحُوَ ليلِي؟
وصَفًا صدَق.
تَخلَّيْتَ عنِّي
وعنكَ ومِنِّي
ومنكَ الفؤادُ استظلَّ فَرَق.
لياليكَ بَعدي احتضارٌ
تَأَجَّلَ فيهِ الرحيلُ
لِتَرحلَ في النَّبضِ روحُ الوِفاقِ
لأَرضِ الغرَق.
سَكَبْتَ الوَريدَ بِوردِ الحنينِ
فأَثمرَ فيكَ الغيابُ كأَنِّي
لِلَحدِكَ مَهدٌ سقاكَ الغرامَ
بيومِ الفراقِ
فكنتَ كَمَن سارَ يَبغي الهُوَينى
تَعجَّلَ دونَ انتباهٍ
وأَفنَى حنينيَ
هَزَّ الغصونَ
بأَرضِ التَّعَب.
سأَكتبُ ليليَ جرحَ الرَّصيفِ
المُباغِتَ للشوقِ حتى يَرى
في انتصارِكَ كسرًا
أَضَرَّ الجفونَ وأَعيى المساءَ
بلا أُمنيات.
صفحة 7
الدَّمعُ يَروي لهيبًا
أَقولُ قَولاً ولِي في البُعدِ ما يُبْكِي
لَيتَ السَّناءَ وليتَ الحُزنَ يُقْصِينَا
قَدْ فَارَقَتْنِي بِصَمتٍ جلَّ مُرتَحِلاً
أَدْمَى الحَياةَ بمَا جَادَتْ مَآقِيَنا
خَانَتْكِ دُنيا بما تَروي فلا تَهَبِي
أَنتِ الحياةُ وأَنتِ الذكرُ يُحْيِينَا
قَدْ طَافَتِ الرُّوحُ تَسمُو فِي أَعِنَّتِها
تُهْدِي السَّلامُ لِمَنْ بالذِّكِرِ دَاعِيْنَا
اللَّحْدُ رَوْضُكِ فِي صَبْرٍ يُحَدِّثُنَا
إِنَّ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللهِ يُرْضِيْنَا
صَبْرًا عَلى وَجِعٍ قَدْ بَاتَ يَنْثُرُنَا
أَنَّ السَعَادةَ بَعْد الصَبْرِ تُسْقِيْنَا
فَاللهُ هَيَّأَ للأَرواحِ ما صَبَرتْ
خُلدُ الجِنانِ لِمَنْ كَانُوا رَيَاحِيْنَا
رَبِي إلَيكَ رَجاءُ القلبِ مُبْتَهِلٌ
وَالدَّمعُ يَرْوِي لَهِيْبًا مَاضِيًا فِيْنَا
صفحة 8
خُطَىً حائرةٌ فوقَ الثَّرى
إِني كتبتُ ولَمْ أَزنْ أشعَاري
ونزفتُ دمعًا مشعلَ الأَوتارِ
حَرْفِي كَلَيْلِ البؤسِ متَّشحًا رَوى
ما فاضَ مِن أَلمي ومِن أَفكاري
ليلٌ طويلٌ سَرْمَدِيٌّ هَزَّني
بفراقِ روحٍ أَثقلَتْ أَوزاري
عيني ستبكيْ ما بكتْ خنساءُ في
صخرٍ سأَبكي رِقَّةَ الأَزهارِ
يا أُختُ فيمَ تَعجَّلتْ أَيدي الرَّدى؟
هلْ ضقتِ في الدُّنيا كما الأَمطارِ
عينايَ لا تغفو بِبُعدكِ لحظةً
أَنتِ الجمالُ بسدرةِ الأَنوارِ
قد فاحَ منكِ عبيرُ صمتٍ راحلٍ
نبكيهِ ، يبكي لُجَّةَ الأَسفارِ
سَفرٌ بعيدٌ مُوحشٌ وا حَسْرتي
في الهجرِ تَرسو قِبلتي ومزاري
عقَّتْ يدايَ حروفَ قلبٍ مُتعبٍ
ناجاكِ لَحْدُ الموتِ في إِبصاري
صفحة 9
واللهِ يا قمرًا سبتهُ مرارةٌ
لا زلتِ نوَّارًا بساحِ الدَّارِ
لا الموتُ يُطفئُ حبَّها في مُقلَتي
لا الدَّمعُ يَروي شهقةَ الأَسرارِ
كُونيْ ملاكًا في رحابِ إِلهِنَا
فلكمْ ذكرتُكِ في رُبَى الأَشعارِ
للهِ درُكِ يا أُخيَّةُ عشْقنا
لا موتُ يُبْعدُ في الهوى إِعْصَارِي
أَسْقَيتُ لحدَكِ ذكرياتٍ مِن دَمي
فهَمَى على وجعِ الغيابِ مراري
يا لونَ قَلبِي في الرَّحيلِ أَلا استترْ
لا لونَ يُشْفِي مَوْتَهَا بنَهاري
وسَأَسْتقِيلُ مِنَ الزَّمانِ وأَتَّقِيْ
بالذِّكْرياتِ حَنينَها بِمَزَارِي
كُسِرتْ مرايَا العِشْقِ في شَفتِي ومَا
كُسِرَ الجمالُ بنضْرَةِ الأَزهَارِ
فلكمْ تَمَنيتُ الوصَالَ بأَرضِها
واليأْسُ يُشْعِلُ زهرةَ الأَعْمَارِ
لا لَن يبيدَ الذِّكرُ في ذكرِ المُنَى
يا واحَتِي ومَدَامَتِي ومَزَارِي
نامِي بِحِفظِ اللهِ إِنِّيَ أَكتَسيْ
في البُعدِ ذِكرى مِن لهيبِ الدَّارِ
صفحة 10
يا حسرةً هَتكَتْ دُمُوعِيَ في الرُّبي
فتفتَّحَ النُّورُ العَقيقُ جِواري
قُومِي سناءُ فإِنَّ قلبيَ ذَاهلٌ
مِمَّا رأَى من وحشتي وفِراري
ناحتْ عَلى الورقِ المصفَّدِ أَنَّتي
وهَمَى اليراعُ لساكنِ الأَغَوَارِ
جُوديْ عليَّ بطيفِ رُوحِكِ إِنَّنيْ
مُشتاقةٌ روَّتْ ظَلامَ الغَارِ
إِكِليلُ مَنْ رَحلتْ تهيَّأَ بَاسِماً
وَإذا بلحْدِك جَنَّةُ الأَخيارِ
إِنَّ الودَاعَ مَرارةٌ وتأَوُّهٌ
وأَرى بذكرِكِ سلوتِي ودِيَارِي