صفحة 1
{أفرأيتم اللات والعزى . ومناة الثالثة الأخرى }
{إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ ... }
القرآن: سورة النجم
{ وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) }
القرآن: سورة الضحى
إسمعْ!
اسمعْ النجوم في السماء ووشوشات الصخور على الأرض! الجبال تهمهم في الليل، فاسمع أنينها! صدى اللانهاية، حفيف الريح في الغصون، ورقرقة الماء الذي يتجمع قطرة قطرة في قاع البئر من دون أن يسيل أبداً، اسمع هدير الأمواج بزَبَدها الأبيض التي تعلو في البعيد. وهج الشمس يطهِّر الرمل. اسمع أصواتها!
كلّا، في البدء لم تكن الكلمة. في البدء كان هذا البحر من الرمل، هذه الحجارة وهذه الشمس المحرقة في السماء الزرقاء الخالية من الغيوم. كان هناك نَفَس كل المخلوقات العديمة النفْس. ثم جاءت الكلمة، بعد التراب، والرمل، والحصى، والماء، والأودية التي حفرها الماء. بعد الحية والحريش، والأشجار الكبيرة ذات الأوراق الشبيهة بالخناجر، ثم الدويبات التي تصلح قوتاً، والنمل والبواشق. أجل، بعد ذلك بكثير أيضاً، جاءت الكلمة من البشر، عندما خُلقوا. ومع ذلك، في البدء كانت الكلمة، لأن كل شيء بها ابتدأ. باسم اللَّه، بأسمائه الأشد نقاوة من كل النعوت. باللَّه الرحمن الرحيم الكائن منذ الأزل والذي لا نهاية له. الذي خَلَقَ ولم يُخْلَق، وُلدَ ولم يولَد، الذي يريد أن يُعترف به ككنز مخبوء، سيد الكون، الدَيَّان.
إلّا أنه كان للَّه بنات في زمن ما. هنا، تحت هذه السماء، تحت هذه الشمس، تحت هذا الضباب؛ على منحدر هذه القمة الصخرية، في آخر هذه الطريق وهذه الدروب. بنات اللَّه، اللات، والعُزى، ومناة. فأصغِ إليهن أيضاً! إسمعْ صوتهن.
{إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ ... }
القرآن: سورة النجم
{ وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) }
القرآن: سورة الضحى
إسمعْ!
اسمعْ النجوم في السماء ووشوشات الصخور على الأرض! الجبال تهمهم في الليل، فاسمع أنينها! صدى اللانهاية، حفيف الريح في الغصون، ورقرقة الماء الذي يتجمع قطرة قطرة في قاع البئر من دون أن يسيل أبداً، اسمع هدير الأمواج بزَبَدها الأبيض التي تعلو في البعيد. وهج الشمس يطهِّر الرمل. اسمع أصواتها!
كلّا، في البدء لم تكن الكلمة. في البدء كان هذا البحر من الرمل، هذه الحجارة وهذه الشمس المحرقة في السماء الزرقاء الخالية من الغيوم. كان هناك نَفَس كل المخلوقات العديمة النفْس. ثم جاءت الكلمة، بعد التراب، والرمل، والحصى، والماء، والأودية التي حفرها الماء. بعد الحية والحريش، والأشجار الكبيرة ذات الأوراق الشبيهة بالخناجر، ثم الدويبات التي تصلح قوتاً، والنمل والبواشق. أجل، بعد ذلك بكثير أيضاً، جاءت الكلمة من البشر، عندما خُلقوا. ومع ذلك، في البدء كانت الكلمة، لأن كل شيء بها ابتدأ. باسم اللَّه، بأسمائه الأشد نقاوة من كل النعوت. باللَّه الرحمن الرحيم الكائن منذ الأزل والذي لا نهاية له. الذي خَلَقَ ولم يُخْلَق، وُلدَ ولم يولَد، الذي يريد أن يُعترف به ككنز مخبوء، سيد الكون، الدَيَّان.
إلّا أنه كان للَّه بنات في زمن ما. هنا، تحت هذه السماء، تحت هذه الشمس، تحت هذا الضباب؛ على منحدر هذه القمة الصخرية، في آخر هذه الطريق وهذه الدروب. بنات اللَّه، اللات، والعُزى، ومناة. فأصغِ إليهن أيضاً! إسمعْ صوتهن.
صفحة 2
بلاد العرب السعيدة والتعيسة
اليوم، بعد مرور كل ذلك الوقت، بعد الكثير من السنين، بات في وسعك أن تستسلم للحلم. لقد مرّ الكثير من الأيام، والشهور، والفصول. وسالت دماء، وسفحت، كان هناك السلام، وكانت حروب، وعرفت من ضروب. الحب، نهش جلدك وأحرقه مثل قميص من نار. وحالات يأس سوداء. وعرفت الموت، الانفصال، على الأخص وهو أشد إيلاماً من الموت.لم يكن الإنسان موجوداً؛ أو بالأحرى كان موجوداً على مستوى اللَّه. منه انبثق، ومنه استمد الحياة. وذاب فيه، ولم يعد موجوداً. لكن اللَّه كان قد سئم البقاء وحيداً وجباراً، سئم غضبه وحبه. وأراد أن يُعرف. فخلق العوالم، الكون أولاً، ثم خلق الإنسان، كانت الملائكة والشيطان، الخير والشر، إلى جانبه؛ وحين خلق الأرض والسماوات، خلق أيضاً الملائكة والشيطان، والجن والجنيات، لكنه أعطى الإنسان يتمتع بسعادة لامتناهية، كان الرجل والامرأة مخلوقين مختلفين. كانا بريئين، عاريين، وخالدين. ولو لم يصفيا للشيطان ويأكلا الثمرة المحرقة، لبقيا هناك حتى الآن، ولما سقطا، رغماً عنهما، حزينيْن، يائسين، في ذلك الجحيم. هذا الفردوس، هذه البلاد الواسعة كالبحر والمضطربة بأمواج من الرمل الأحمر.
أبسط الخريطة وانظر! ابسط البحار، والقارات، والجبال، والأنهر. استعرض البلدان. وليرو الماء الدافق، من دون توقف، ولا عكر المغامرة الإنسانية. أَرد الكرة الأرضية على محورها، من الشرق نحو الغرب.
سترى. في نصف الكرة الشمالي، بين بحرين ضيقين، فوق بحر ثالث معلق كغسيل، جاف تماماً، متصلب بعد انسحاب الماء، تحيطه من الغرب براكين منطفئة، تعلوها صخورها الغرانيتية، الشاخصة نحو الشرق كأنها صمت، عدم، غياب، تنتشر حولها حجارتها، ورمالها، وجفافها، ورياحها العاصفة، كما تنتشر كثبانها، موجة بعد موجة، ستراها، شبه الجزيرة العربية تلك. فوق اليمن، تحت سيناء، على يسار الخليج ويمين البحر الأحمر. وعلى حواشيها، سترى الجبال التي يتدنى ارتفاعها شيئاً فشيئاً باتجاه الشمال، فاصلة بين البحر واليابسة بستارها الحجري. وفي قلب واد بعيد عن الأنظار، وسط تلك الجبال، مدينة. إنها مكة.
أجل إنها هنا، إنها هذه النقطة السوداء على المنحدرات العارية لهذه الجبال التي تحرقها الشمس طوال النهار ويلفها الليل ببرد جليدي. قبل أن يخلق اللَّه الأرض، خلق غباراً أخضر أمسى الماء الذي راح يجري. ولما كان يخاف اللَّه، فقد أخذ ينتفخ ويفيض، وأول يابسة ارتفعت فوق الماء كان اسمها «أُم القُرى»، أي أم الأراضي. في وسطها يوجد صدر، أو ربما قطعة من ثدي. قال اللَّه «كن»، ومنذ أن تلامس الكاف والنون ظهرت ملكة المدن، متكئة على الجبال المحيطة بها. في جوار مكعّب ضخم أسود اللون، جاثم بين بيوت مبنية بلبْنٍ من الصلصال، توجد بئر اسمها زمزم. ماء هذه البئر آت من الجَنّة، لكنه عَكِر وحامز، وحتى على قدر من الحموضة، ولا مثيل لمذاقه. الماء في هذه البقعة المحرومة من المطر هو النعمة الكبرى، إلّا أن الريح تهب مرة أو مرتين بالسنة وتدفع بكتل من الغيوم إلى الجبال، وتلتمع بروق وتمطر السماء بغزارة لا يعود المرء معها يرى أبعد من أنفه. وينحدر المطر من سطوح البيوت، ولا تكتفي السيول بغسل الحجارة، بل تشقّ لها طريقاً، وتتدفّق على المنحدرات الصخرية، وتغرق في الوحول الطرق والبهائم والناس. وكذلك المعبد القائم في وسط المدينة منذ زمن بعيد جداً. الماء يجتاح الكعبة، التي هي من صنع الجد إبراهيم، الذي بناها بعرق جبينه، كما تماثيل الآلهة الموجودة فيها. حينذاك تتبادل الأصنام الأحاديث. وحين تهدأ العاصفة وتنسحب المياه المتدفقة من المعبد، وتستعيد الشوارع وباحات البيوت مظهرها العادي، وحين يستأنف الناس أعمالهم وتعود الحيوانات إلى كنف أصحابها، يمر في السماء في ظلمة المكعب الكبير، شهاب، ويهز التراب هزيم أصم، وفجأة يمتلئ صمت الكعبة بوشوشات. فقبل أن تسمع صوت اللَّه وترضخ لكلمته، إسمع هذه الوشوشات. إسمع ما تقوله اللات والعُزى ومناة.
صفحة 3
اللات
لقد جاؤوا بي من الطائف ووضعوني هنا. الطائف هو المكان الأكثر جاذبية، والأكثر ازدهاراً وسحراً بين جميع الأماكن الجميلة في الحجاز. صحيح أن يثرب واحة غنية بالماء والإبل، وواقعة، مثل مكة، على طريق القوافل، وصحيح أن خيبر مشهورة بتمورها وقلعتها، لكنني لست لأبادل الطائف بالأولى ولا بالثانية. هذه المدينة هي كل طفولتي وصباي؛ يمكن اعتبار أني لا أزال فتيّة؛ الإلهات لا تشيخ على كل حال، بل تبقى دائماً في سن تجعلها أهلاً للتكريم، والعبادة، والحب، والحمد، لكن لست أدري لماذا يبدو لي أنني هناك كنت أجمل، وأقدس، وأكثر سعادة بكثير. كان يأتي كثير من الناس. كنت ضاحكة ومرحة. وقبل أن يضع التجار عند قدميّ أحجاراً كريمة، وعنبراً، وزمرداً، وياقوتاً، وفضة، وذهباً، وقبل أن يضحّوا لي بحيوان ويلفوا بالحرير جسدي العاري، كانوا يحكون لي ما جرى لهم. كانوا يتحدثون عن الأماكن البعيدة التي زاروها، عن المدن الشمالية التي تفوح منها رائحة الكمون والقرفة، والمدن الجنوبية العابقة بعطر الورد، وعن عرائس الماء، وعن الجن الذين يشويهم قيظ الصحراء، والعمالقة المقيمين في أعالي الجبال وإبلهم الطيعة. لكن، فضلاً عن عبادي المخلصين وعبيدي الذين كانوا يقدمون لي الأضاحي، كان في خدمتي بنات هوى، وكنّ يضاجعن أمامي الغرباء الآتين من بلدان بعيدة. كن يمسحن أجسادهن بزيت الزيتون ويعرضن أمام عيني عوراتهن الوقحة.جاءني مرة بدوي تعب، كان غريب السحنة ذا لحية نحاسية، وكانت الشهوة تلمع في عينيه؛ فأخرج من عبِّهِ علبة ورفع غطاءها بعد أن جثا أمامي، ثم انصرف. رأيت في العلبة قضيباً، منكمشاً تماماً، كان يبدو حزيناً، متألماً، متقززاً من الحياة، لكنه انتعش بين أصابعي وانتصب، فربضت عليه. وحين كان في داخلي أحسست للحظة بأني معلقة بين الحياة والموت.
ولكنت أريد أن لا تتوقف حميَّة جسدي أبداً. لا شك في أنه كان الهدية الأثمن من بين جميع ما قُدِّم لي، وأكثرها متعة، فخبأته؛ كان لا يفارقني متى كنت وحدي، وباتَ جزءاً من جسدي، وقد جعلت منه الخدن الأثير لعضوي التناسلي، فلم يفارقني حتى نقلي إلى هنا وتزويجي بهبل.
وفي يوم من الأيام أُخرجت من هيكلي في الطائف وطُرحت في إحدى زوايا هذا المكعّب المظلم الواطئ السقف. هناك كنت سعيدة، وكان تحت يدي هديتي الحجرية، وكنت أتمتع باحترام عبادي. أما هنا، في جوار هُبل، فالناس يجهلونني وأعلم أن عباده لا يأبهون لي كثيراً. لهبل، على أي حال، زوجة أخرى: العُزى. في الصيف، يأخذني هبل بين ذراعيه لأنه يجد على بشرتي برودة الطائف ويستطيع أن يرى على وجهي ضوء القمر الذي وهبته في أزمنة قديمة لنساء ذلك البلد البعيد المسمى سوريا؛ لكنه في الشتاء يعانق العُزى، محظية قريش، التي ليست سوى قطعة من خشب، إلّا أنها ساطعة ومتوقدة كشمس الصحراء.
الطائف جنة خضراء، وهنا جهنم محرقة ومظلمة. على أنني قد أَكدب إن قلت إنني لم أتعود على مكان إقامتي الجديد، بعد مغادرتي ذاك الوادي الأخضر المسمى بستان الحجاز. ما عساي أتوقع غير هذا من ذرية إبراهيم! يبدو لي أنهم يعبدونني ويسجدون أمامي. فأنا في نظرهم مِعْبَرٌ، أشبه بجسر بين هذا العالم والعالم الآخر؛ واسطة للوصول إلى اللَّه. لكن هذا ليس سوى ظاهر الأمر. فأنا في الواقع أعرف أن عبد المطلب، المكلّف بالمحافظة على ثقة الحجاج الوافدين لأجل تكريمي، قد حاد عني منذ زمن طويل، وبات حتى يحتقرني ويناصبني العداء. أنا متيقنة من ذلك. ولو لم يمنعه حضور الحجاج، لكان سار على خطى إبراهيم، ووجد إلهاً جديداً، إلهاً واحداً، واحتمى به. يوماً ما سيضع نفسه بين يديه. فهو يدرك أنه إذا كان بقرب اللَّه، الذي يرى ويسمع كل شيء، لن تعود به حاجة إلينا. سيقول في نفسه إن اللَّه ليس أبانا وإننا لسنا بناته. لكن الآية لم تنزل من السماء بعد. «إن الجن ـ الذين خلقهم هو ـ والكافرين جعلوا للَّه شركاء. وفي غيهم، اخترعوا له أبناءً وبنات»: الذي سيقول هذا لم يكن قد وُلِد بعد. غير أن وجه جده عبد المطلب بات يحمل منذ الآن سمات هذه الآية. لهذا لم يعد الرجل يعبدني وبات يتطلع دوماً إلى السماء كأنه يبحث عن شيء ما. كما كان يفعل إبراهيم في الزمن الغابر.
صفحة 4
النبي إبراهيم
كان إبراهيم قد أصبح طاعناً في السن. كان لا يعبد الأوثان التي يصنعها جده عازار والتي كانت تُباع في الأسواق، وقد لجأ إلى اللَّه الذي كان يستشعره في داخله ويحلم به على الدوام؛ كان يلهج بذكره كل لحظة وليس في الأوقات العصيبة فقط، ويستمد منه عزاءه في حياته ليل نهار. على أن الكائن الأسمى الذي كان يؤمن به لم يرزقه حتى ولداً ذكراً، ولم يمنحه تلك الذرية التي يهبها للجميع، حتى للأكثر سفالة بينهم.لكن الوصول إلى اللَّه لم يكن بالأمير اليسير. سأل أمه مرة: «من هو إلهي؟»، وحين أجابته: «إنه أنا»، فوجئ بالجواب وقال في نفسه إنه حتى لو كانت هذه المرأة الجميلة التي تضمه بحنان إلهة، فإنها لا تقدر أن تكون إله الأرض والسماء، والمخلوقات الحية وغير الحية، والنجوم التي تدور في القبة الزرقاء. وحتى لو كانت أمه إلهة فلا بدَّ أن يكون لها إله هي أيضاً. ذلك أن كل فرد كان له إله، فكان بعضهم يعبدون شجرة، وبعضهم يعبدون الجبال، وآخرون يعبدون الأوثان التي يصنعونها من الخشب، أو الطين أو الحجر. وكان هناك حتى من يصنعون قضيباً ليعبدوه. كان الناس يقدسون هذه الأشياء التافهة الصماء العمياء، أما هو، فكان يبحث عن كائن آخر، مختلف عن كل هذا، عن البرق الذي يلمع، عن البحر الهائج، عن الغيوم التي تطاردها الريح، وحتى عن القمر والشمس والنجوم. كان يبحث عن إله مختلف يسيطر على كل ذلك. قد يكون في وسعك أن تتصوره، لكن مخيلتك أضعف من أن تراه، وحتى لو كنت لا تراه فهو يراك. إنه إليك أقرب من شريانك السباتي؛ الذي تعلم أنه هنا، وتحس بنبضاته، لكنك لا تدري ماذا يشبه. يستحيل عليك أن تعرف ذلك! كان الإنسان يحلم بكائن أعلى منه ويرغب في السجود له، وتمجيده، والاحتماء به، والخضوع لقدرته ولغضبه. كان يبحث عن كائن أسمى يسبغ معنى على هذه الحياة التي نجهل مصدرها وغايتها، وعلة وجودها.
سأل إبراهيم أمه: «حسناً، ومن هو إلهك؟»، فأجابت: «والدك!». كان لوالده سلطان ليس على إخوته وأمه وحسب، بل وعلى قطيعه، الذي كان مسؤولاً عنه. لكن ألم يكن لوالده أيضاً إله؟ طرح على والده هذا السؤال فأجابه: «إلهي هو نمرود». كان يجهل، على الأرجح، أن الأولاد أكثر فضولاً وإقداماً من الراشدين، وحين سأله إبراهيم: «حسناً، ومن هو إله نمرود» فوجئ بالسؤال ولم يجد الجواب إلّا في صفعة على وجه ابنه! لقد أسرف هذا الصبي في الوقاحة، فأي جهل هذا وأي سفاهة! إن إله نمرود هو طبعاً نمرود نفسه.
بعد أن كبر إبراهيم قرر أن الشمس التي تشرق، والقمر الذي يغيب، والنجوم غير الثابتة لأنها تظهر في السماء وتختفي، يستحيل أن لا يكون لها إله. وأدرك نمرود أن إبراهيم لن يتوقف عن طرح الأسئلة، فدعاه إليه وسأله: "من هو هذا الإله الذي لا يؤمن به عبادي وأنت متمسك به إلى هذا الحد؟». فأجاب إبراهيم: «إنه ذاك الذي يعطي الحياة والذي يستعيدها!». فقال نمرود: «أنا أيضاً أفعل هذا»؛ وأمر بأن يؤتى إليه باثنين من العبيد، واستلَّ سيفه وقطع فوراً رأس أحدهما، وأعتق الآخر. فقال إبراهيم: «إلهي يجعل الشمس تطلع من الشرق، فاجعلها أنت تطلع من الغرب». بهت نمرود ولم ينطق بكلمة، ثم أمر بإحراق إبراهيم.
جدتك هي التي أخبرتك قصة النبي إبراهيم لأول مرة. كانت جدتك امرأة جسيمة مستديرة الوجه، وأنت كنت في الرابعة من العمر بالكاد. كانت هذه القصة تختلف عن الحكايات التي تبتدئ بـ «كان يا ما كان». وكان صوت جدتك الأجش والعميق يطن في أذنيك ويجعل لها معنى خاصاً. كان صوتها لا يصفو إلا وهي تتلو القرآن: يغدو حينذاك صافياً ويسيل كالماء الزلال؛ كانت تحمل في إهابها كل السحر، لا سحر طفولتها وحسب، بل وسحر ماض برمته، سحر الحقبة التي فيها بدأتَ تتساءل. كنت تتساءل عن الوجود والعدم طارحاً أسئلة لا تقوى على صياغتها وليس في وسع أحد أن يجيب عنها، حتى جدتك، تلك المرأة الضخمة الرقيقة القلب التي كنت تنام وهي تهدهدك في ذراعيها كطفل رضيع. أجل هي التي أخبرتك تلك القصة لأول مرة. كان الطقس حاراً. وكنتما في الحديقة قاعدين جنباً إلى جنب في ظل شجرة التوت على بساط يحمل رسوم ورود متفتحة ومروج مخضوضرة. لا، لم تكن على ركبتيها، لأن حضنها الحنون، الذي كنت تجثم فيه متكوراً كقنفذ في غياب أمك، كان ممنوعاً عليك أيام القيظ. فالسيدة المسنة كانت تتعرق، ولو لم تتحرك، وكان شعرها الأبيض الفائض عن منديلها مبللاً بقطرات العرق السائل على جبينها المتغضن. لهذا كنتما قاعدين أحدكما إلى جانب الآخر ولم تكن أنت بين ذراعيها. وحتى ورق التوتة كان لا يجلب البرودة. كان الجو خانقاً، عند الظهيرة، وشمس الصيف تلقي على المدينة غلالة من رصاص. جدك المحامي كان في مكتبه، وأبوك وأمك كانا في سفر. أما أنت، فكنت تتحرق شوقاً إلى الغياب بين ذراعي جدتك، والتلاشي في حضنها. مثل إبراهيم.
لم يكتفِ إبراهيم بالابتعاد عن الأصنام التي كان الجميع يعبدونها، بل عقد العزم على أن يهدمها. يخيل لك أنك لا تزال تسمع صوت جدتك؛ مع أن السنين مرّت، وفهمت أنت أن الماء يخنق الإنسان والنار تحرقه. وكما قال ذاك الشاعر المتوحد الذي مات في منتصف طريق الحياة: «بعد بلوغ هذا العمر، يدرك المرء أن كل يوم يأتي بأحزان جديدة». لقد بلغت أنت هذا العمر وتجاوزته حتى. وبينما الأيام تتلاحق كحبات مسبحة وتزيد من حزنك، اصغ من جديد إلى صوت جدتك الذي يبعث الطمأنينة، واستمع إلى كلماتها. كل ولد يبحث عن اللَّه في ذاته أولاً، ثم في وجه أهله. في كل ولد يوجد إله، لكن النور الإلهي هو الذي كان يسطع على وجه جدتك. جدتك، رحمها اللَّه، كانت من أولئك الذين ينير اللَّه وجوههم. وإذا صحت ذكرياتك، فإنها روت لك قصة إبراهيم كي تكون لك درساً. فعليك الآن أن ترويها لأحفادك؛ هؤلاء لم يُولدوا بعد، لكنك تأمل بأن يكون لك أحفاد يوماً ما، إذ في وسع ابنك أن يجعل لك أحفاداً. يوم ألقي إبراهيم في لهيب النار لم يكن له ذرية. حتى ذلك الوقت على الأقل.
صفحة 5
أمر نمرود بقطع كل أشجار البلاد. وجُمع الحطب وأُضرمت فيه النار. وغطت ألسنة اللهب الأرض والسماء، وبات الجو أشد سخونة من جهنم. كان النمل يشتعل على الأرض وكانت الطيور في السماء تشتعل. وكانت تتصاعد موجات من الدخان الكثيف. أُخرج إبراهيم من زنزانته وأُحضر أمام نمرود، الذي قال له: «لقد شككت في قدرتي، ولم تخشَ غضبي، ورفضت أن تعبد الأصنام كسائر رعيتي. أردت حتى أن تحطمها؛ فلنرَ الآن مَنْ منّا نحن الاثنين سيحترق في جهنم». وُضع إبراهيم في منجنيق وقُذف به إلى وسط النيران. رأى الملائكة ذلك، فتوسلوا إلى اللَّه باكين طالبين عونه، فاستدعى ملاك الماء وقال له: «إمضِ وقل لإبراهيم؛ أنا ملاك الماء، أنا آمر كل مياه العالم، والمطر وحتى المحيط فإذا رغبتَ لأطفئن فوراً نار نمرود...». كان إبراهيم مصمماً على عدم انتظار الغوث من أحد غير اللَّه حتى لو كان ملاكاً، فلم يجب. حينذاك ظهر ملاك الريح وقال له: «إذا رغبتَ لأطفئن نار نمرود بالهبوب عليها». لم ينبس إبراهيم ببنت شفة. والتفت نحو اللَّه وسأله: «هل في هذه الدنيا واحد غيري يعبدك يا سيدي؟ إذا كان الجواب بالإيجاب فدعني أحترق، وإلا فتعال واسعفني!». حينذاك لم يكتفِ اللَّه بإخماد النار، بل أمر الملاك جبريل بأن يجعل الماء ينبجس من الأرض ويقيم حول إبراهيم حديقة خضراء. هكذا كان. هذه الحديقة موجودة اليوم في الأناضول، عند أقدام الجبال، في مدينة السلاطين العثمانيين.
أخذتك جدتك إلى حديقة إبراهيم، حيث أرتك الأسماك التي تسبح في الحوض والتي كانت النار التي نجا منها جد كل الأنبياء قد لفحت ظهرها قليلاً، هذا ما يُفسِّر كونها حمراء مبرقشة. كنت تعلم أن الرجل الذي يعتني بهذه الحديقة كان ذاك الغريب الملتحي الطويل الشعر الذي جاء من كركوك، وكان يلقب بطرزان مانيزا، كما كان يرتاد الجبال نصف عار صيفاً وشتاءً ويتكلم مع الحيوانات البرية. كما كنت تعلم أنه في آخر شهر رمضان كان هو الذي يتسلق التلة كي يطلق طلقات المدفع. كنت توشك أن تتعرف على طرزان الشهير ذاك، الذي بيديه كان يسقي أشجار الحديقة واحدة واحدة كما لو أنها أولاده. لكنك لم تكن لتسأله عن الحديقة، ولا عن الأسماك، ولا عن مدفع رمضان، وعلى أي حال، حتى لو أنك شئت أن تسأله لما كنت لتجد الجرأة اللازمة لتفعل ذلك أبداً. ذلك أن هذا الرجل الغريب الذي كان يعيش وحيداً في كوخه وكان العفاريت الصغار من أولاد المدينة يرمونه بالحجارة، كان في نظرك هو إبراهيم بالذات. كان يعيش على هامش المجتمع ولا يخاف غير اللَّه، على غرار إبراهيم، محطَّم الأصنام. كانت بشرته السمراء تحمل آثار حروق، وكان متجهماً ومخيفاً كما لو أنه مر عبر اللَّهب. إلى ذلك، كان الرجل وحيداً في هذه الدنيا ولا ذرية له. «طرزان مانيزا» هذا كان في نظرك النبي، الذي أُنقذ من غضب نمرود. في أحد الأيام، كنتَ وجدتك عائدين كالعادة من الحديقة، وكانت جدتك تمسك بيدك، وقصدتما الفران إبراهيم أفندي.
«يا إبراهيم أفندي، أقدّم لك حفيدنا. لقد كبر كما ترى. سيكون هو من يحمل إليك من الآن وصاعداً الصرة، ومرقة خروف البيرم». كان الرجل عملاقاً. كان يقف مفتوح الفم أمام فرنه الذي كنت ترى ألسنة النار تتراقص فيه. كان يضيء وجهه، ولحيته السوداء، وعينيه بلونهما الأخضر الزمردي، وحاجبيه السوداوين، وجبينه العريض الأسمر، نور شاحب ضارب إلى الحمرة. كان في عينيه نظرة غريبة لم تشاهد قط مثلها عند أي شخص آخر. فقال وهو يمسك بيديه رغيفاً فاخراً سحبه للتوّ من الفرن: «سيفعل ذلك بالتأكيد، فهو رجل حقيقي الآن؛ لكن البيرم لم يعد كما كان، صار يوماً كباقي الأيام...». إلى ماذا كان يلمح يا ترى؟ ما زلت تذكر أن جدتك، تحاشياً لكل جدال، أخذتك وخرجت في الحال من دون أن تدخل في نقاش مع هذا الرجل الغريب الأطوار؛ وما زلت حتى الآن تحتفظ في حلقك بالحرارة السلسة التي كانت تنبعث من قطعة الخبز التي انتزعتها خفية من الرغيف ودسستها في فمك، لكنك بعد ذلك، وطوال سنين، لم تعد ترى إبراهيم أفندي، ولا تحمل إليه الطبق الذي عليه الصرّة، ولا تلثم يد الفران، ولا تصلِّي ولا تأخذ القروش المثقوبة بمناسبة البيرم.
حين توفي جدك فقط، وجئت إلى مانيزا لكي ترتب الأوراق التي تركها، رأيت إبراهيم أفندي لآخر مرة. وعند مطالعتك تلك الأوراق فقط عرفت الخطب الرهيب الذي حل به. لقد سُجن وحيداً في إحدى غرف مستشفى المجانين. لم يعرفك طبعاً، ولم يعد يعرف أحداً على كل حال، حتى أقرب الناس إليه. كان لا يفتأ يردد اسم إسماعيل، صديق طفولتك، ذي العينين الزرقاوين بلون السماء. كان جدك يدعوه، بابتسامة نَكَد، «إسماعييل»، مقلداً بذلك بعضهم، وكنت أنت تبادر إلى تصحيح اللفظ قائلاً: «ليس إسماعييل» وإنما «إسماعيل!»، فيقول جدك: «حسناً، ليكن إسماعيل!».
كان في الواقع غير مغتبط بتلك الصداقة، لكنه كان يغض النظر، وذلك ليس لأن إسماعيل كان مهاجراً. فقد كان هناك سبب آخر، أمر كان يفوتك ولا يخبرك به أحد. بعد مضي سنوات، وحينما رأيت إبراهيم أفندي مجدداً، لا أمام فرنه بل في مستشفى المجانين، أدركت أنك لن ترى بعد الآن ابنه إسماعيل أيضاً. لهذا السبب دون ريب ما زال يتسلل إلى أحلامك، وينظر إليك بعينيه الزرقاوين كجاموس يتأهب للهجوم، أو كعجل صغير. إنه لم يعد الآن مَلَكاً، عجلاً صغيراً راقداً في الوحول على ضفاف جيديز، بل إنه ملاك؛ هاتان اللفظتان، اللتان لا يجمع بينهما إلّا الشبه الصوتي، تتشابكان أحياناً حتى في الكابوس. فيقول صوت «إسماعيل ملاك» فيما يقول صوت آخر، شيطاني، وهو يضحك ضحكة عريضة: «كلا! إنه ملاك! ملاك إسماعيل. ملاك إسماعيل! ملاك!». ويتخذ الشيطان شكل إبراهيم أفندي ويقول ملوحاً بيديه: «كوباك! كوباك! كوبالاك! كُلل! تين أخضر!». فتستيقظ وتطلق صرخات مخيفة. هل هناك عجل يُذبح على ضفة النهر، أم أن هذه الصرخات هي الصيحات التي تكتمها، أو تخنقها في داخلك منذ طفولتك؟
أخذتك جدتك إلى حديقة إبراهيم، حيث أرتك الأسماك التي تسبح في الحوض والتي كانت النار التي نجا منها جد كل الأنبياء قد لفحت ظهرها قليلاً، هذا ما يُفسِّر كونها حمراء مبرقشة. كنت تعلم أن الرجل الذي يعتني بهذه الحديقة كان ذاك الغريب الملتحي الطويل الشعر الذي جاء من كركوك، وكان يلقب بطرزان مانيزا، كما كان يرتاد الجبال نصف عار صيفاً وشتاءً ويتكلم مع الحيوانات البرية. كما كنت تعلم أنه في آخر شهر رمضان كان هو الذي يتسلق التلة كي يطلق طلقات المدفع. كنت توشك أن تتعرف على طرزان الشهير ذاك، الذي بيديه كان يسقي أشجار الحديقة واحدة واحدة كما لو أنها أولاده. لكنك لم تكن لتسأله عن الحديقة، ولا عن الأسماك، ولا عن مدفع رمضان، وعلى أي حال، حتى لو أنك شئت أن تسأله لما كنت لتجد الجرأة اللازمة لتفعل ذلك أبداً. ذلك أن هذا الرجل الغريب الذي كان يعيش وحيداً في كوخه وكان العفاريت الصغار من أولاد المدينة يرمونه بالحجارة، كان في نظرك هو إبراهيم بالذات. كان يعيش على هامش المجتمع ولا يخاف غير اللَّه، على غرار إبراهيم، محطَّم الأصنام. كانت بشرته السمراء تحمل آثار حروق، وكان متجهماً ومخيفاً كما لو أنه مر عبر اللَّهب. إلى ذلك، كان الرجل وحيداً في هذه الدنيا ولا ذرية له. «طرزان مانيزا» هذا كان في نظرك النبي، الذي أُنقذ من غضب نمرود. في أحد الأيام، كنتَ وجدتك عائدين كالعادة من الحديقة، وكانت جدتك تمسك بيدك، وقصدتما الفران إبراهيم أفندي.
«يا إبراهيم أفندي، أقدّم لك حفيدنا. لقد كبر كما ترى. سيكون هو من يحمل إليك من الآن وصاعداً الصرة، ومرقة خروف البيرم». كان الرجل عملاقاً. كان يقف مفتوح الفم أمام فرنه الذي كنت ترى ألسنة النار تتراقص فيه. كان يضيء وجهه، ولحيته السوداء، وعينيه بلونهما الأخضر الزمردي، وحاجبيه السوداوين، وجبينه العريض الأسمر، نور شاحب ضارب إلى الحمرة. كان في عينيه نظرة غريبة لم تشاهد قط مثلها عند أي شخص آخر. فقال وهو يمسك بيديه رغيفاً فاخراً سحبه للتوّ من الفرن: «سيفعل ذلك بالتأكيد، فهو رجل حقيقي الآن؛ لكن البيرم لم يعد كما كان، صار يوماً كباقي الأيام...». إلى ماذا كان يلمح يا ترى؟ ما زلت تذكر أن جدتك، تحاشياً لكل جدال، أخذتك وخرجت في الحال من دون أن تدخل في نقاش مع هذا الرجل الغريب الأطوار؛ وما زلت حتى الآن تحتفظ في حلقك بالحرارة السلسة التي كانت تنبعث من قطعة الخبز التي انتزعتها خفية من الرغيف ودسستها في فمك، لكنك بعد ذلك، وطوال سنين، لم تعد ترى إبراهيم أفندي، ولا تحمل إليه الطبق الذي عليه الصرّة، ولا تلثم يد الفران، ولا تصلِّي ولا تأخذ القروش المثقوبة بمناسبة البيرم.
حين توفي جدك فقط، وجئت إلى مانيزا لكي ترتب الأوراق التي تركها، رأيت إبراهيم أفندي لآخر مرة. وعند مطالعتك تلك الأوراق فقط عرفت الخطب الرهيب الذي حل به. لقد سُجن وحيداً في إحدى غرف مستشفى المجانين. لم يعرفك طبعاً، ولم يعد يعرف أحداً على كل حال، حتى أقرب الناس إليه. كان لا يفتأ يردد اسم إسماعيل، صديق طفولتك، ذي العينين الزرقاوين بلون السماء. كان جدك يدعوه، بابتسامة نَكَد، «إسماعييل»، مقلداً بذلك بعضهم، وكنت أنت تبادر إلى تصحيح اللفظ قائلاً: «ليس إسماعييل» وإنما «إسماعيل!»، فيقول جدك: «حسناً، ليكن إسماعيل!».
كان في الواقع غير مغتبط بتلك الصداقة، لكنه كان يغض النظر، وذلك ليس لأن إسماعيل كان مهاجراً. فقد كان هناك سبب آخر، أمر كان يفوتك ولا يخبرك به أحد. بعد مضي سنوات، وحينما رأيت إبراهيم أفندي مجدداً، لا أمام فرنه بل في مستشفى المجانين، أدركت أنك لن ترى بعد الآن ابنه إسماعيل أيضاً. لهذا السبب دون ريب ما زال يتسلل إلى أحلامك، وينظر إليك بعينيه الزرقاوين كجاموس يتأهب للهجوم، أو كعجل صغير. إنه لم يعد الآن مَلَكاً، عجلاً صغيراً راقداً في الوحول على ضفاف جيديز، بل إنه ملاك؛ هاتان اللفظتان، اللتان لا يجمع بينهما إلّا الشبه الصوتي، تتشابكان أحياناً حتى في الكابوس. فيقول صوت «إسماعيل ملاك» فيما يقول صوت آخر، شيطاني، وهو يضحك ضحكة عريضة: «كلا! إنه ملاك! ملاك إسماعيل. ملاك إسماعيل! ملاك!». ويتخذ الشيطان شكل إبراهيم أفندي ويقول ملوحاً بيديه: «كوباك! كوباك! كوبالاك! كُلل! تين أخضر!». فتستيقظ وتطلق صرخات مخيفة. هل هناك عجل يُذبح على ضفة النهر، أم أن هذه الصرخات هي الصيحات التي تكتمها، أو تخنقها في داخلك منذ طفولتك؟
صفحة 6
أنت تعلم وأنت تكتب هذه السطور أنك لن تقدر أن تنجد إسماعيل، فات الأوان، أنك لا تفعل سوى محاولة إخفاء ميتته المأساوية. لا يزال من المبكر أن تحكي قصة إسماعيل وأن تذكر بجنون إبراهيم أفندي. فأنت ما زلت في أيام طفولتك، أيام كنت تحمل على طبق القرة، مرقة الخروف. في وسعك أن تستعيد ذكريات تلك الحقبة، لكن عودتك إليها مستحيلة. حين كنت تحثّ خطاك نحو الفرن مسرعاً كما لو كنت «تنقل الغوط إلى الدباغة» حسب قول جدتك، كان فكرك ينطلق نحو النبي إبراهيم. لم يعد إبراهام وابراهيم سوى واحد فكانا يضحكان ويبكيان معاً، ويعدان معاً نجوم السماء.
بالعودة إلى إحدى تلك النجوم، سيكون عليك، عندما يحين الأوان، أن تروي ميتة ذاك الوالد الذي تتذكره بشكل غير واضح، الذي قد تكون نسيته نوعاً ما والذي لم تزر قبره ولو مرة واحدة؛ وكيف كان إسماعيل يستنزل عليه آلام القبر، بذريعة أنه كان لا يشارك في الصلاة ولا يصوم. ونقاشاته مع جدك حول القرآن، ودرسه المفعم بالاحترام والفضول لترجمة القرآن الفرنسية، والأسرار التي باح لك بها الرجل العجوز، بعد ذلك بسنوات، قبيل وفاته بالضبط.
هكذا إذن، كان إبراهيم الإنسان الوحيد في العالم الذي يعبد الإله الواحد، ويضع نفسه في حمايته، ويرتجي عونه. لكن اللَّه، الذي غمره بالنعم، وحماه من غضب نمرود وأنقذه من النار، لم يرزقه صبياً. أكيد أنه كان ثرياً، كان يملك قطعاناً من الغنم والماعز والبقر، وكان لديه مال وخدم وعبيد، وكان له زوجتان. أو بصورة أكثر دقة، حين أمست زوجته الأولى سارة طاعنة في السن وغير قادرة على الإنجاب، تزوج جارية تدعى هاجر، لكن الاثنتين لم تنجبا له ولداً. فراح يجول بين واد وآخر، وبين بلد وآخر، تعذبه فكرة مثوله أمام الرب من دون أن تكون له ذرية، إلّا أنه كان لا يجرؤ على الشكوى. لم يكن ثائراً، ولم يكتفِ بالرضوخ، بل كان يتنقل في طول بلاد كنعان وعرضها، ويواظب على تقديم الأضاحي للرب.
أخيراً قال الرب لإبراهيم: «إرفع رأسك، وانظر إلى السماء وقل لي ما ترى». كانت الشمس قد غابت للتو، والنجوم تملأ السماء. كما هي حالها دائماً. كان الليل وضاءً وصافياً، والنجوم لا تحصى. قال إبراهيم إنه لا يرى شيئاً غير النجوم، فوعده الرب بأن يعطيه ذرية عدد أفرادها يعادل عدد نجوم السماء.
من يدري بماذا أحس إبراهيم آنذاك وماذا خطر في باله؟ أخذ يتساءل ما إذا كان عليه أن يشكر اللَّه الذي عبده طوال حياته أو أن يسرع إلى الارتماء بين ذراعي أصغر زوجتيه سناً. كان يتأرجح بين الرغبة والقلق. وأنت، ألم تكن تلجأ، في غياب أمك، إلى الاندساس في حضن جدتك؟ ألم تكن تبحث عن الحنان على البشرة المتغضنة والذابلة للسيدة المسنة؟ ألم تكن تحتك بخاصرتها، وبطنها، وثدييها الجافين كثمرتي تين؟ كنت أشبه بصغار القطط التي كانت تترك في حديقتكم، علماً بأن طيبة جدك لا بدَّ أن تدفعه إلى الاعتناء بها. من فوق الأريكة التي كنتما مستلقيين عليها، كانت النجوم تُرى من خلال النافذة المفتوحة. ولما حضر عزرائيل فجأة ليأخذ أباك، في حادث تلك الحافلة، وقبل أن يتبع أبوك ملاك الموت ويضيع بين النجوم، ألم يأخذ منك أمك لتذهب معه كما كان يفعل دائماً حين يذهب في رحلة؟ أنت لا تُرى بينهما إلّا في الصور حين كنت في الخامسة من العمر، بقرب ذلك الشاب الأزرق العينين الذي كان أباك والذي لم يعد بعدئذ حياً إلا في هذه الصور؟ لقد بات الآن نجماً يلمع في ليالي الصيف. ذاك الشهاب الذي كنت تنظر إليه من خلال النافذة المفتوحة قرب الأريكة التي كنت مستلقياً عليها مع جدتك.
رُزق إبراهيم بصبي من كل واحدة من امرأتيه. سارة أنجبت له إسحق، وهاجر أنجبت إسماعيل. إسماعيل معناه «اللَّه يسمع». وبالفعل، بعد ولادة إسماعيل، سمع اللَّه صلوات إبراهيم الذي كان يتوسل إليه أن يعطيه ولداً آخر؛ فأعطاه إسحق بالإضافة إلى إسماعيل. فأرسل إسماعيل وأمه إلى مكان بعيد جداً، في الحجاز، على مسيرة أربعين يوماً على ظهر الجمل. ثم بعد ذلك رحل إبراهيم في الاتجاه ذاته ليلتحق بإسماعيل، وبنى الاثنان معاً الكعبة، قرب نبع ماء زمزم، ووضعا في زاويتها الشرقية الحجر الأسود الذي سقط من السماء ونقله ملاك إلى إبراهيم. هذا الحجر الذي كان نقياً تماماً في جوار اللَّه، أمسى أسود قاتماً على الأرض بسبب خطايا البشر. إلّا أنه بالرغم من سواده ظل يلمع كما لو كان يريد أن يثبت أن الجلال الإلهي يحتفظ بسطوعه حتى في أشد الأماكن ظلمة.
كان اسم الحجر الأسود هذا يبدو لك سحرياً ويذهب بك إلى مكان بعيد، في بلاد العرب، بلاد الأنبياء. وبينما كانت جدتك تتلو لك القرآن باعتناء، في الكروم الواقعة على مسافة غير بعيدة عن المدينة وتجتازها مياه جيديز العكرة أو الصافية، كانت أذنك، التي ألفت نبرات اللغة التركية، تتعرف على نبرات لغة أخرى لا تكتب إلّا بأحرف صامتة. وكنت تعتاد ذلك لا سيّما وأن الآيات التي كانت تقرأها العجوز، تارة متمتمة وطوراً قاذفة الكلمات كشلال، كانت ذات تأثير شديد عليك. كانت النبرة تصل إليك قبل المعنى، فتستبد بك وتستولي عليك. كان العالم يُختصر بهذه الموجة الرنانة، بسحر هذه النبرات الأليفة لكن شبه العصيّة على الفهم والتي كنت تستسلم لها. كانت النبرات تتسلل إليك، وتجتاح روحك، وتبقى محتفظة بسرها. كان صوت الجدة يتحول إلى تمتمة، يغدو نحيفاً أجش، ويظل ضعيفاً عصيّاً على الفهم كمياه جيديز العكرة التي كنت تراها في أيام الصيف وأنت ذاهب إلى بيت الكروم. كنت تنظر إلى جدتك كما إلى ماء غامض يحجب قاعه الحجري عن الأنظار، من دون أن تتمكن من اكتشاف نور وجهها ذي الجبين المتغضّن. بينما كانت تتكلم، كانت الأشياء المحيطة بها تتكدّر بدورها في شبه الظلمة، وتتنفس، وتتحرك من مكانها، وتصعد من الأرض إلى السقف، وتصطدم بالجدران، وتتحطم كقطع من الجليد. لكن هذه النبرات كان لها شكل، كان لها من الوجود الحقيقي ما لوجودك أنت بالذات وما للحب الإلهي المزدهي فيها. كنت لا تفهمها، لكن كلمة اللَّه التي نزلت على نبيه محمد في حلة هذه الكلمات العربية التي لن تتعلمها إلّا في ما بعد، كانت تحتفظ بكل سرها بالنسبة إليك. الآن سقط السحر. بعد بضع سنوات، بعد أن اتخذت النبرات معنى، فقدت الإيمان. صرت الآن تعرف معنى كلمة الحجر العربية وكذلك معنى الأسود. صرت ترى أن الحجر الأسود باللغة التركية لا يحدث الأثر السحري الذي يحدثه الـ «هادجر ـ الأسفد» بالتركية، وأن ليس فيه أي سر من الأسرار. فاسم الحجر الأسود هذا يستعمل للدلالة على شيء معين على غرار أسماء الأشخاص أو المدن أو المناطق، أما الحجر الأسود بالعربية فشيء آخر تماماً: إنه ليس فقط تلك الكلمة المقدسة التي كنت تسمعها في طفولتك، وإنما هو الشكل الحسي لأحلامك البيضاء كالحليب، وتجسيد جسدك البريء.
بالعودة إلى إحدى تلك النجوم، سيكون عليك، عندما يحين الأوان، أن تروي ميتة ذاك الوالد الذي تتذكره بشكل غير واضح، الذي قد تكون نسيته نوعاً ما والذي لم تزر قبره ولو مرة واحدة؛ وكيف كان إسماعيل يستنزل عليه آلام القبر، بذريعة أنه كان لا يشارك في الصلاة ولا يصوم. ونقاشاته مع جدك حول القرآن، ودرسه المفعم بالاحترام والفضول لترجمة القرآن الفرنسية، والأسرار التي باح لك بها الرجل العجوز، بعد ذلك بسنوات، قبيل وفاته بالضبط.
هكذا إذن، كان إبراهيم الإنسان الوحيد في العالم الذي يعبد الإله الواحد، ويضع نفسه في حمايته، ويرتجي عونه. لكن اللَّه، الذي غمره بالنعم، وحماه من غضب نمرود وأنقذه من النار، لم يرزقه صبياً. أكيد أنه كان ثرياً، كان يملك قطعاناً من الغنم والماعز والبقر، وكان لديه مال وخدم وعبيد، وكان له زوجتان. أو بصورة أكثر دقة، حين أمست زوجته الأولى سارة طاعنة في السن وغير قادرة على الإنجاب، تزوج جارية تدعى هاجر، لكن الاثنتين لم تنجبا له ولداً. فراح يجول بين واد وآخر، وبين بلد وآخر، تعذبه فكرة مثوله أمام الرب من دون أن تكون له ذرية، إلّا أنه كان لا يجرؤ على الشكوى. لم يكن ثائراً، ولم يكتفِ بالرضوخ، بل كان يتنقل في طول بلاد كنعان وعرضها، ويواظب على تقديم الأضاحي للرب.
أخيراً قال الرب لإبراهيم: «إرفع رأسك، وانظر إلى السماء وقل لي ما ترى». كانت الشمس قد غابت للتو، والنجوم تملأ السماء. كما هي حالها دائماً. كان الليل وضاءً وصافياً، والنجوم لا تحصى. قال إبراهيم إنه لا يرى شيئاً غير النجوم، فوعده الرب بأن يعطيه ذرية عدد أفرادها يعادل عدد نجوم السماء.
من يدري بماذا أحس إبراهيم آنذاك وماذا خطر في باله؟ أخذ يتساءل ما إذا كان عليه أن يشكر اللَّه الذي عبده طوال حياته أو أن يسرع إلى الارتماء بين ذراعي أصغر زوجتيه سناً. كان يتأرجح بين الرغبة والقلق. وأنت، ألم تكن تلجأ، في غياب أمك، إلى الاندساس في حضن جدتك؟ ألم تكن تبحث عن الحنان على البشرة المتغضنة والذابلة للسيدة المسنة؟ ألم تكن تحتك بخاصرتها، وبطنها، وثدييها الجافين كثمرتي تين؟ كنت أشبه بصغار القطط التي كانت تترك في حديقتكم، علماً بأن طيبة جدك لا بدَّ أن تدفعه إلى الاعتناء بها. من فوق الأريكة التي كنتما مستلقيين عليها، كانت النجوم تُرى من خلال النافذة المفتوحة. ولما حضر عزرائيل فجأة ليأخذ أباك، في حادث تلك الحافلة، وقبل أن يتبع أبوك ملاك الموت ويضيع بين النجوم، ألم يأخذ منك أمك لتذهب معه كما كان يفعل دائماً حين يذهب في رحلة؟ أنت لا تُرى بينهما إلّا في الصور حين كنت في الخامسة من العمر، بقرب ذلك الشاب الأزرق العينين الذي كان أباك والذي لم يعد بعدئذ حياً إلا في هذه الصور؟ لقد بات الآن نجماً يلمع في ليالي الصيف. ذاك الشهاب الذي كنت تنظر إليه من خلال النافذة المفتوحة قرب الأريكة التي كنت مستلقياً عليها مع جدتك.
رُزق إبراهيم بصبي من كل واحدة من امرأتيه. سارة أنجبت له إسحق، وهاجر أنجبت إسماعيل. إسماعيل معناه «اللَّه يسمع». وبالفعل، بعد ولادة إسماعيل، سمع اللَّه صلوات إبراهيم الذي كان يتوسل إليه أن يعطيه ولداً آخر؛ فأعطاه إسحق بالإضافة إلى إسماعيل. فأرسل إسماعيل وأمه إلى مكان بعيد جداً، في الحجاز، على مسيرة أربعين يوماً على ظهر الجمل. ثم بعد ذلك رحل إبراهيم في الاتجاه ذاته ليلتحق بإسماعيل، وبنى الاثنان معاً الكعبة، قرب نبع ماء زمزم، ووضعا في زاويتها الشرقية الحجر الأسود الذي سقط من السماء ونقله ملاك إلى إبراهيم. هذا الحجر الذي كان نقياً تماماً في جوار اللَّه، أمسى أسود قاتماً على الأرض بسبب خطايا البشر. إلّا أنه بالرغم من سواده ظل يلمع كما لو كان يريد أن يثبت أن الجلال الإلهي يحتفظ بسطوعه حتى في أشد الأماكن ظلمة.
كان اسم الحجر الأسود هذا يبدو لك سحرياً ويذهب بك إلى مكان بعيد، في بلاد العرب، بلاد الأنبياء. وبينما كانت جدتك تتلو لك القرآن باعتناء، في الكروم الواقعة على مسافة غير بعيدة عن المدينة وتجتازها مياه جيديز العكرة أو الصافية، كانت أذنك، التي ألفت نبرات اللغة التركية، تتعرف على نبرات لغة أخرى لا تكتب إلّا بأحرف صامتة. وكنت تعتاد ذلك لا سيّما وأن الآيات التي كانت تقرأها العجوز، تارة متمتمة وطوراً قاذفة الكلمات كشلال، كانت ذات تأثير شديد عليك. كانت النبرة تصل إليك قبل المعنى، فتستبد بك وتستولي عليك. كان العالم يُختصر بهذه الموجة الرنانة، بسحر هذه النبرات الأليفة لكن شبه العصيّة على الفهم والتي كنت تستسلم لها. كانت النبرات تتسلل إليك، وتجتاح روحك، وتبقى محتفظة بسرها. كان صوت الجدة يتحول إلى تمتمة، يغدو نحيفاً أجش، ويظل ضعيفاً عصيّاً على الفهم كمياه جيديز العكرة التي كنت تراها في أيام الصيف وأنت ذاهب إلى بيت الكروم. كنت تنظر إلى جدتك كما إلى ماء غامض يحجب قاعه الحجري عن الأنظار، من دون أن تتمكن من اكتشاف نور وجهها ذي الجبين المتغضّن. بينما كانت تتكلم، كانت الأشياء المحيطة بها تتكدّر بدورها في شبه الظلمة، وتتنفس، وتتحرك من مكانها، وتصعد من الأرض إلى السقف، وتصطدم بالجدران، وتتحطم كقطع من الجليد. لكن هذه النبرات كان لها شكل، كان لها من الوجود الحقيقي ما لوجودك أنت بالذات وما للحب الإلهي المزدهي فيها. كنت لا تفهمها، لكن كلمة اللَّه التي نزلت على نبيه محمد في حلة هذه الكلمات العربية التي لن تتعلمها إلّا في ما بعد، كانت تحتفظ بكل سرها بالنسبة إليك. الآن سقط السحر. بعد بضع سنوات، بعد أن اتخذت النبرات معنى، فقدت الإيمان. صرت الآن تعرف معنى كلمة الحجر العربية وكذلك معنى الأسود. صرت ترى أن الحجر الأسود باللغة التركية لا يحدث الأثر السحري الذي يحدثه الـ «هادجر ـ الأسفد» بالتركية، وأن ليس فيه أي سر من الأسرار. فاسم الحجر الأسود هذا يستعمل للدلالة على شيء معين على غرار أسماء الأشخاص أو المدن أو المناطق، أما الحجر الأسود بالعربية فشيء آخر تماماً: إنه ليس فقط تلك الكلمة المقدسة التي كنت تسمعها في طفولتك، وإنما هو الشكل الحسي لأحلامك البيضاء كالحليب، وتجسيد جسدك البريء.
صفحة 7
ستعرف في ما بعد أنه عندما طرحت مسألة نقل الحجر من المكان الذي عثر عليه فيه إلى موضعه الحالي حصل خلاف بين عائلات قريش الأربع الكبرى. إن جدك هو من كان يخبر كيف عمد هؤلاء إلى امتشاق السيوف حين تنازعوا على شرف حمل الحجر الأسود لنقله إلى الكعبة، وكيف تشاجر القرشيون، وكيف لجأوا أخيراً إلى تحكيم محمد في الأمر فوجد لهم حلاً وجيهاً مع أنه كان لم يباشر إبلاغ رسالته بعد. جاء محمد بقطعة من قماش ووضع فيها الحجر وقال لممثلي العائلات الأربع أن يمسك كل منهم بواحدة من زوايا القماش ويحملوه. هكذا وزعت المهمة بإنصاف. كان محمد الشاب يدعى أيضاً أحمد، كما أطلق عليه اسم الأمين. هذا يعني أن النبي العتيد كان في نظر قريش رجلاً «موضع ثقة».
كنت تعلم أن جدك كان مسلماً صالحاً لا يكتفي بتأدية الصلوات الخمس اليومية، بل كان حاجاً، وإن كنت لا تفهم معنى هذه الكلمة، حينذاك على الأقل. في الحقيقة، جدك لم يلبس ثوب الإحرام كما يفعل ملايين المسلمين لأداء فريضة الحج في مكة، ولم يشارك جماهير الحجاج في الطواف حول الكعبة، تلك الموجة البشرية الضخمة التي تذكر بحشود الناس في السوق، ذاك التدافع الذي يعرِّض فيه الحاج أبناء دينه للدهس كي يتوصل إلى لمس الحجر الأسود ولثمه وملامسته بالجبين. لقد صار «بطلاً في اليمن» بعدما ذهب إلى هناك ليخوض الحرب، لا ليرجم الشيطان في منى ولا ليقف على جبل عرفات. لم يتسنّ له حتى أن يشرب من ماء زمزم، إلّا أنه على نحو ما، إذا صدقنا جدتك، يمكن أن نعتبر أنه أدى فريضة الحج وأنه حاج. إنه على كل حال قد عاد من ذلك اليمن الذي لم يعد منه إلا قليل من الرجال والذي يتغنى به كثير من الأناشيد الملحمية. إنه في الحقيقة عاد من الحجاز، لكن اليمن والجزيرة العربية كانا يعنيان الشيء نفسه لجميع أقربائه بمن فيهم زوجته. لقد حفرت كلمة اليمن وحدها في ذاكراتهم. وهذه اللفظة الجغرافية هي التي احتفظ بها في الأناشيد التي كانت تعظم موتى حرب الصحراء والصلوات التي كانت تُرتل في المآتم.
«هذه درب موسى الوعرة/من يذهب إلى اليمن لا يعود!». بالفعل، من يذهب إلى اليمن كان لا يرجع، وفي هذه الأرض المقدسة التي أحرق الجفاف تربتها، كان المحاربون يذهبون طعاماً للحيوانات المفترسة. من أجل محاولة إنقاذ امبراطورية ساقطة. كان الرجال يُنتزعون بالقوة من كَنَف عائلاتهم وقُراهم ويرسلون إلى غزة، أو مكة، أو المدينة، ولا يبقى للأرامل، والخطيبات، والأمهات المسنات سوى ترتيل أناشيد الموت لأجل أزواجهن، وخطّابهنّ، وأبنائهن، الذين جندلتهم الرصاصات الإنكليزية أو الخناجر العربية. «لا تذهب إلى اليمن/الحر في اليمن لا يحتمل/ستصاب هناك بحمى الضنك/أنت جاهل، ستنام إلى الأبد».
جدك كان يقظاً، ما كان جاهلاً. دعي إلى الخدمة كضابط شاب. ذهب إلى اليمن، إلى القتال، إلى دمشق. إلى غزة والمدينة، وقاتل دول التفاهم السبع، وجُرح ووقع في الأسر، لكنه أخيراً عاد. ويمكن أن نقول إنه حاج. حاج وواحد من جند اللَّه. لكنه والحمد للَّه ما كان يعد نفسه بطلاً ولا يتباهى بكونه خاض الحرب. معنى الحرب هو أن تأخذ نفساً خلقها اللَّه! حين مضى لقتال العرب الذين تحالفوا مع الإنكليز، كان يعلم جيداً أنهم على دين النبي الكريم، لكن لم يكن لديه من خيار. كان عليه أن يقتل كي لا يُقتل، أن ينزع الحياة كي لا تُنزع منه. لأن الحياة حلوة. لأنه كان شاباً وكان لا يزال أمامه سنوات طويلة. وما كان متزوجاً حتى. لكنه لم يفلح في إنقاذ ضريح إبراهيم من شريف مكة حليف الإنكليز.
هل من اليسير أن يكون لك ابن؟ لا بالتأكيد. خصوصاً إذا كنت نبياً، وكنت مسكوناً بفكره اللَّه، بحبه، إذا كان سره الذي لا يسبر غوره، وعلمه اللامتناهي، وخلوده هي كلها التي تجعل قلبك يخفق وتسيل في عروقك. وما الولد، صبياً كان أو بنتاً، وخصوصاً صبياً! لو شاء اللَّه لاستعاده منك مثلما سبق أن أعطاك إياه. يسوع كان نبياً، لكنه لم يكن ابن اللَّه وإن كان هذا لا يعجبكم. وهو لم يُصلب. لقد رفعه اللَّه إليه، وأعطاه الحياة الأبدية.
في الواقع، إن روحكم يمكن أن تؤخذ منكم وأنتم نائمون من دون أن تموتوا. لكن اللَّه يعيد إليكم الحياة كل صباح، حتى مماتكم، كما أعادها إلى يسوع. حين كان جدك يقتل عرباً في الحرب، كان يؤمن بأن اللَّه يأخذ أرواح كل المسلمين في الليل ثم يعيدها إليهم في الصباح، وكان يعلم أن الخوف من الموت لا يغيّر شيئاً. فاللَّه قادر أيضاً أن يسترجع النفس التي وهبها. لا لليلة واحدة بل إلى الأبد. اللَّه لم يعطه ابناً لكنه منحه ثلاث بنات. ولو أنه عاش في زمن الجاهلية لربما كان وأد واحدة منهن. لكنه ربى البنات الثلاث جميعاً. فكبرن، وذهبن إلى المدرسة، ونلن تربية حسنة. لعله لهذا كان يتلو غالباً باكياً الآية القائلة: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ،بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ}(التكوير: 8-9) . وكنت أنت لا تفهم لماذا كان جدك يبكي عند تلاوة هذه الآية وهو الذي لم يذرف دمعة واحدة عند موت أبيك. وكذلك عندما كان الإمام، في خطبة الجمعة، يصف يوم الحشر. وبما أنه لم يرزق ابناً، فقد كان يحبك كثيراً وكان يريد أن يجعل من حفيده الوحيد مسلماً صالحاً. ولو أنه عاش في زمن الجاهلية، لربما كان قد ضَحّى بك على مذبح.
من يستطيع القول إن اللَّه أراد أن يمتحن إبراهيم أو أن يرفعه لحظة إليه. ذلك أنه قادر على كل شيء. أليس هو من يحمينا ويسبغ علينا نعمه؟ أي إثم كان قد ارتكبه إبراهيم كي يريد اللَّه أن ينتقم منه؟ نحن نجهل هذا. لكننا نعلم أنه أمره بأن يضحّي بابنه إسماعيل. إنه هو الذي يعطي ويستعيد؛ وهذا كاف.
كنت تعلم أن جدك كان مسلماً صالحاً لا يكتفي بتأدية الصلوات الخمس اليومية، بل كان حاجاً، وإن كنت لا تفهم معنى هذه الكلمة، حينذاك على الأقل. في الحقيقة، جدك لم يلبس ثوب الإحرام كما يفعل ملايين المسلمين لأداء فريضة الحج في مكة، ولم يشارك جماهير الحجاج في الطواف حول الكعبة، تلك الموجة البشرية الضخمة التي تذكر بحشود الناس في السوق، ذاك التدافع الذي يعرِّض فيه الحاج أبناء دينه للدهس كي يتوصل إلى لمس الحجر الأسود ولثمه وملامسته بالجبين. لقد صار «بطلاً في اليمن» بعدما ذهب إلى هناك ليخوض الحرب، لا ليرجم الشيطان في منى ولا ليقف على جبل عرفات. لم يتسنّ له حتى أن يشرب من ماء زمزم، إلّا أنه على نحو ما، إذا صدقنا جدتك، يمكن أن نعتبر أنه أدى فريضة الحج وأنه حاج. إنه على كل حال قد عاد من ذلك اليمن الذي لم يعد منه إلا قليل من الرجال والذي يتغنى به كثير من الأناشيد الملحمية. إنه في الحقيقة عاد من الحجاز، لكن اليمن والجزيرة العربية كانا يعنيان الشيء نفسه لجميع أقربائه بمن فيهم زوجته. لقد حفرت كلمة اليمن وحدها في ذاكراتهم. وهذه اللفظة الجغرافية هي التي احتفظ بها في الأناشيد التي كانت تعظم موتى حرب الصحراء والصلوات التي كانت تُرتل في المآتم.
«هذه درب موسى الوعرة/من يذهب إلى اليمن لا يعود!». بالفعل، من يذهب إلى اليمن كان لا يرجع، وفي هذه الأرض المقدسة التي أحرق الجفاف تربتها، كان المحاربون يذهبون طعاماً للحيوانات المفترسة. من أجل محاولة إنقاذ امبراطورية ساقطة. كان الرجال يُنتزعون بالقوة من كَنَف عائلاتهم وقُراهم ويرسلون إلى غزة، أو مكة، أو المدينة، ولا يبقى للأرامل، والخطيبات، والأمهات المسنات سوى ترتيل أناشيد الموت لأجل أزواجهن، وخطّابهنّ، وأبنائهن، الذين جندلتهم الرصاصات الإنكليزية أو الخناجر العربية. «لا تذهب إلى اليمن/الحر في اليمن لا يحتمل/ستصاب هناك بحمى الضنك/أنت جاهل، ستنام إلى الأبد».
جدك كان يقظاً، ما كان جاهلاً. دعي إلى الخدمة كضابط شاب. ذهب إلى اليمن، إلى القتال، إلى دمشق. إلى غزة والمدينة، وقاتل دول التفاهم السبع، وجُرح ووقع في الأسر، لكنه أخيراً عاد. ويمكن أن نقول إنه حاج. حاج وواحد من جند اللَّه. لكنه والحمد للَّه ما كان يعد نفسه بطلاً ولا يتباهى بكونه خاض الحرب. معنى الحرب هو أن تأخذ نفساً خلقها اللَّه! حين مضى لقتال العرب الذين تحالفوا مع الإنكليز، كان يعلم جيداً أنهم على دين النبي الكريم، لكن لم يكن لديه من خيار. كان عليه أن يقتل كي لا يُقتل، أن ينزع الحياة كي لا تُنزع منه. لأن الحياة حلوة. لأنه كان شاباً وكان لا يزال أمامه سنوات طويلة. وما كان متزوجاً حتى. لكنه لم يفلح في إنقاذ ضريح إبراهيم من شريف مكة حليف الإنكليز.
هل من اليسير أن يكون لك ابن؟ لا بالتأكيد. خصوصاً إذا كنت نبياً، وكنت مسكوناً بفكره اللَّه، بحبه، إذا كان سره الذي لا يسبر غوره، وعلمه اللامتناهي، وخلوده هي كلها التي تجعل قلبك يخفق وتسيل في عروقك. وما الولد، صبياً كان أو بنتاً، وخصوصاً صبياً! لو شاء اللَّه لاستعاده منك مثلما سبق أن أعطاك إياه. يسوع كان نبياً، لكنه لم يكن ابن اللَّه وإن كان هذا لا يعجبكم. وهو لم يُصلب. لقد رفعه اللَّه إليه، وأعطاه الحياة الأبدية.
في الواقع، إن روحكم يمكن أن تؤخذ منكم وأنتم نائمون من دون أن تموتوا. لكن اللَّه يعيد إليكم الحياة كل صباح، حتى مماتكم، كما أعادها إلى يسوع. حين كان جدك يقتل عرباً في الحرب، كان يؤمن بأن اللَّه يأخذ أرواح كل المسلمين في الليل ثم يعيدها إليهم في الصباح، وكان يعلم أن الخوف من الموت لا يغيّر شيئاً. فاللَّه قادر أيضاً أن يسترجع النفس التي وهبها. لا لليلة واحدة بل إلى الأبد. اللَّه لم يعطه ابناً لكنه منحه ثلاث بنات. ولو أنه عاش في زمن الجاهلية لربما كان وأد واحدة منهن. لكنه ربى البنات الثلاث جميعاً. فكبرن، وذهبن إلى المدرسة، ونلن تربية حسنة. لعله لهذا كان يتلو غالباً باكياً الآية القائلة: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ،بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ}(التكوير: 8-9) . وكنت أنت لا تفهم لماذا كان جدك يبكي عند تلاوة هذه الآية وهو الذي لم يذرف دمعة واحدة عند موت أبيك. وكذلك عندما كان الإمام، في خطبة الجمعة، يصف يوم الحشر. وبما أنه لم يرزق ابناً، فقد كان يحبك كثيراً وكان يريد أن يجعل من حفيده الوحيد مسلماً صالحاً. ولو أنه عاش في زمن الجاهلية، لربما كان قد ضَحّى بك على مذبح.
من يستطيع القول إن اللَّه أراد أن يمتحن إبراهيم أو أن يرفعه لحظة إليه. ذلك أنه قادر على كل شيء. أليس هو من يحمينا ويسبغ علينا نعمه؟ أي إثم كان قد ارتكبه إبراهيم كي يريد اللَّه أن ينتقم منه؟ نحن نجهل هذا. لكننا نعلم أنه أمره بأن يضحّي بابنه إسماعيل. إنه هو الذي يعطي ويستعيد؛ وهذا كاف.
صفحة 8
أجاب إبراهيم قائلاً: «ها أنا! لقد آمنت بك، وطلبت اللجوء إليك، ليل نهار، على مرّ الشهور والفصول والسنين، طوال أكثر من مئة سنة كنت شاغل كل أفكاري، وكل طموحاتي، وكل رغباتي». هل كان هذا صحيحاً؟ وحبه لابنه، الذي انتظره واشتهاه بشغف على مدى سنين طوال، ألم يكن أقوى من حبه للَّه؟ هل كان حقاً يحب اللَّه حباً حصرياً، أم كان في قلبه مكان لحب آخر؟
عندما تحدث إبراهيم مع ابنه إسماعيل أجابه هذا قائلاً: «أنت أبي، أنت أعطيتني الحياة، خلقتني من نطفة بسيطة، وغذيتني وربيتني. أنت أبي». فقال إبراهيم: «استعد إذن، فإننا سنرحل». اصطحبا خادمين، وبردعا حماراً، ومضيا. سارا طوال ثلاثة أيام وثلاث ليال من دون أن ينبس أحد منهما بنبت شفة. ثم التفتا إلى الوراء كي يقدرا طول الدرب الذي اجتازاه فوجدا أنهما بلغا المكان الذي اختاره اللَّه. نزل إبراهيم عن ظهر الحمار، وطلب من الخادمين أن ينتظرا، وصعد إلى هضبة بصحبة ابنه. وهناك بنى الاثنان مذبحاً. حينئذ سأل إسماعيل أباه عن الحيوان الذي كانا يزمعان أن يضحيا به، فأجابه إبراهيم: «لا يطلب من اللَّه حساب عن قراراته!». ثم وضع رأس ابنه على حجر وطلب منه أن يغمض عينيه. وحينما فعل إسماعيل ما طلب منه، استل إبراهيم سكينه، وهمّ أن يذبح ابنه، فإذا بملاك ينزل من السماء ويمسك بيده قائلاً له: «لقد فهم اللَّه الآن أنك تحبه حقاً لأنك لم تتردد في التضحية له بابنك الوحيد!». وأعطاه كبشاً ليضحي به بدلاً من ابنه.
كان جدك يشتري خروفاً مصبوغاً بالحناء ويربطه في الحظيرة الخالية وسط الحديقة. وأنت كنت تطير فرحاً. والبيت الذي لم يكن فيه أي حيوان غير القطط والدجاج، كان في منتهى السرور. كان الخروف يجمِّل جدران الحظيرة، وكانت الحركة تدب في أشجار التوت والحور وعموم الحديقة. حتى النمل يخرج من وكره ليستقبله. كانت القطط تبحث عن ثقب كي تهرب. أما الديك الرمادي المبرقش بالأبيض فلم يخف من الخروف، لكن الدجاجات لم تعد تجرؤ على التجوال. كنت أنت تقدم العلف والماء للخروف. كان صوفه ناعماً ومصبوغاً بالحناء كيدي جدتك. كان في عينيه حنان وفي مشيته عنفوان. وقد بات جزءاً من البيت، وفرداً من أفراد العائلة. كنتم قد اعتدتم على وجوده بينكم. لكنه كان لا يتبع أحداً غيرك، كان يعتبرك سيده ولا يقترب كثيراً من جدتك. كان أحياناً يعاند الآخرين ويهددهم بقرنيه، لكنه لا يفعل هذا معك. ثم جاء عيد البيرم، وعلى الرغم من دموعك وصراخك وتوسّلاتك، ذُبح الخروف في أحد أطراف الحديقة. كنتَ في حال يرثى لها! كان دم الخروف يسيل على التراب، وعندما شرع الجزار في سلخه أحسستَ كأنه يسلخ جلدك أنت وأن الدم الذي يسيل دمك أنت. كرهت الكرة الأرضية كلها. كان الكل مجتمعين بمناسبة العيد، أبوك وأمك وخالاتك، وحتى خال تافه كان لا يحضر إلّا مرة واحدة في السنة. كان حضورهم غير كاف لتبديد حزنك. وقام جدك بالخطوة الأولى، فداعب رأسك، ولكي يفرج عنك غمك، راح يقصّ عليك القصة إياها. كان يقول إنه لو لم ينزل الخروف من السماء لكنت أنت قد ذُبحت بدلاً منه. فكنت تمسح دموعك، واليأس ينهشك، ثم تتنهد وتؤيد ما قال جدك وتشكر اللَّه على إرساله هذا الخروف. لولا هذا لكنت أنت الذي ذُبحت وكُسرت جمجمتك وتحولت أمعاؤك إلى سجق. كان هذا يتكرر كل سنة، فكانوا يضحّون بدلاً منك بخروف تشتريه جدتك، وتقدم له العلف أنت بيدك وتداعبه، وتكون قد ألفته كأخ لك، وكان يصنع من سلابته مرقة ومن أمعائه سجق، ومتى أخذت العائلة نصيبها منه، كان الباقي يُوزَّع على الفقراء. لم يكن يبقى من الخروف تذكار سوى جلده الذي كان يغطي الأريكة التي كنتَ تستلقي عليها بجانب جدتك لكي تتطلع إلى النجوم من خلال النافذة.
عندما تحدث إبراهيم مع ابنه إسماعيل أجابه هذا قائلاً: «أنت أبي، أنت أعطيتني الحياة، خلقتني من نطفة بسيطة، وغذيتني وربيتني. أنت أبي». فقال إبراهيم: «استعد إذن، فإننا سنرحل». اصطحبا خادمين، وبردعا حماراً، ومضيا. سارا طوال ثلاثة أيام وثلاث ليال من دون أن ينبس أحد منهما بنبت شفة. ثم التفتا إلى الوراء كي يقدرا طول الدرب الذي اجتازاه فوجدا أنهما بلغا المكان الذي اختاره اللَّه. نزل إبراهيم عن ظهر الحمار، وطلب من الخادمين أن ينتظرا، وصعد إلى هضبة بصحبة ابنه. وهناك بنى الاثنان مذبحاً. حينئذ سأل إسماعيل أباه عن الحيوان الذي كانا يزمعان أن يضحيا به، فأجابه إبراهيم: «لا يطلب من اللَّه حساب عن قراراته!». ثم وضع رأس ابنه على حجر وطلب منه أن يغمض عينيه. وحينما فعل إسماعيل ما طلب منه، استل إبراهيم سكينه، وهمّ أن يذبح ابنه، فإذا بملاك ينزل من السماء ويمسك بيده قائلاً له: «لقد فهم اللَّه الآن أنك تحبه حقاً لأنك لم تتردد في التضحية له بابنك الوحيد!». وأعطاه كبشاً ليضحي به بدلاً من ابنه.
كان جدك يشتري خروفاً مصبوغاً بالحناء ويربطه في الحظيرة الخالية وسط الحديقة. وأنت كنت تطير فرحاً. والبيت الذي لم يكن فيه أي حيوان غير القطط والدجاج، كان في منتهى السرور. كان الخروف يجمِّل جدران الحظيرة، وكانت الحركة تدب في أشجار التوت والحور وعموم الحديقة. حتى النمل يخرج من وكره ليستقبله. كانت القطط تبحث عن ثقب كي تهرب. أما الديك الرمادي المبرقش بالأبيض فلم يخف من الخروف، لكن الدجاجات لم تعد تجرؤ على التجوال. كنت أنت تقدم العلف والماء للخروف. كان صوفه ناعماً ومصبوغاً بالحناء كيدي جدتك. كان في عينيه حنان وفي مشيته عنفوان. وقد بات جزءاً من البيت، وفرداً من أفراد العائلة. كنتم قد اعتدتم على وجوده بينكم. لكنه كان لا يتبع أحداً غيرك، كان يعتبرك سيده ولا يقترب كثيراً من جدتك. كان أحياناً يعاند الآخرين ويهددهم بقرنيه، لكنه لا يفعل هذا معك. ثم جاء عيد البيرم، وعلى الرغم من دموعك وصراخك وتوسّلاتك، ذُبح الخروف في أحد أطراف الحديقة. كنتَ في حال يرثى لها! كان دم الخروف يسيل على التراب، وعندما شرع الجزار في سلخه أحسستَ كأنه يسلخ جلدك أنت وأن الدم الذي يسيل دمك أنت. كرهت الكرة الأرضية كلها. كان الكل مجتمعين بمناسبة العيد، أبوك وأمك وخالاتك، وحتى خال تافه كان لا يحضر إلّا مرة واحدة في السنة. كان حضورهم غير كاف لتبديد حزنك. وقام جدك بالخطوة الأولى، فداعب رأسك، ولكي يفرج عنك غمك، راح يقصّ عليك القصة إياها. كان يقول إنه لو لم ينزل الخروف من السماء لكنت أنت قد ذُبحت بدلاً منه. فكنت تمسح دموعك، واليأس ينهشك، ثم تتنهد وتؤيد ما قال جدك وتشكر اللَّه على إرساله هذا الخروف. لولا هذا لكنت أنت الذي ذُبحت وكُسرت جمجمتك وتحولت أمعاؤك إلى سجق. كان هذا يتكرر كل سنة، فكانوا يضحّون بدلاً منك بخروف تشتريه جدتك، وتقدم له العلف أنت بيدك وتداعبه، وتكون قد ألفته كأخ لك، وكان يصنع من سلابته مرقة ومن أمعائه سجق، ومتى أخذت العائلة نصيبها منه، كان الباقي يُوزَّع على الفقراء. لم يكن يبقى من الخروف تذكار سوى جلده الذي كان يغطي الأريكة التي كنتَ تستلقي عليها بجانب جدتك لكي تتطلع إلى النجوم من خلال النافذة.
صفحة 9
الحاج رحمي رم من حاجي رحمنلي
كان جدك الحاج رحمي بالأصل من قرية حاجي رحمنلي الواقعة في جوار مانيزا؛ لم يكن حاجاً في الحقيقة، إلّا أنّه بعد عودته من الحجاز تزوج ورزق بأولاد؛ كانت جدتك ترى أن كلمة غازي، أي جندي اللَّه، غير كافية، فراحت تطلق عليه لقب حاج. وعند صدور القانون الذي فرض على كل شخص أن يكون له اسم عائلة، أراد في البداية أن يتخذ اسم «مسلم»، لكنه قال في نفسه إن هذا لن يكون جيداً في الجمهورية التركية العلمانية، فاختار اسم «رم»، هذه الكلمة العربية التي تعني «المستسلم لأمر اللَّه» وتؤدي المعنى ذاته تقريباً.كان هو وزوجته تقيين، لكن جدتك، التي هي بلقانية الأصل، كانت ربما الأكثر تقوى بينهما. لعل سبب هذا كونها لم تتعلم أو لأنها كانت من أسرة دراويش يتبعون الطريقة البكتاشية، وشهداء وشيوخ. هذا إن لم تكن قد لجأت إلى الدين لأنها أنجبت لجدك ثلاث بنات، ولم تنجب صبياً واحداً. في الصالون الذي كنتم تسمونه «قاعة الراديو». كانت تفتح على الأريكة مقرئاً وتضع فوقه قرآناً ذا غلاف جلدي رث وصفحات صفراء وتروح تقرأ بصوت يعلو أكثر فأكثر. جدك أيضاً كان يقرأ حين يدخل مكتبه كمحام، لكن بدلاً من القرآن كان يقرأ كتبه هو، التي لم تكن مكتوبة بهذه الحروف الذاهبة في كل الاتجاهات كأنها نمل هُدم وكره. كانت مكتوبة بحروف متناسقة متوازية ولكل منها جرسه، وأنت كنت تتعلمها إرضاء لجدك حتى قبل أن ترتاد المدرسة. فبدلاً من أن تكتب اسم اللَّه واسم الرسول كانت أول كلمة كتبتها هي "أتا" وأضفت إليها "تورك" كي تؤلف كلمة أتاتورك. حين دخلت المدرسة اكتشفت عالماً جديداً. كنت موزعاً بين الصلوات التي تتلى في البيت والسبحات التي تكر حباتها، والفروض الدينية التي تؤديها مع جديك، وبين أناشيد الاستقلال وأداء قسم الولاء والقصائد المهداة إلى أتاتورك، فاختلطت عليك الأمور، ورحت تنفصل شيئاً فشيئاً عن عالم أجدادك.
كان جدك ينتسب إلى أسرة ملاكي أراضي في حاجي رحمنلي، يملكون بساتين زيتون، وحقول تبغ وقطن، وبساتين خضار وكروم. أنت طبعاً لم تعرف تلك الحقبة، لكنهم كانوا يتحدثون عنها في العائلة. كانوا غالباً ما يذكرون زمان البحبوحة ذاك، حيث كانوا يقطفون ورق التبغ على ضوء المصابيح القوية، ويشكونه في سفافيد ثم يرفعونه على أعواد كي يجف في الشمس؛ وكانوا يقطفون العنب الخالي من البذور والعسلي الطعم الذي يتدلى من الدوالي كي يجففوه في الشمس على أسطح البيوت؛ وكانوا يطبخون الإوز ولحم الغنم في قدور معدنية. لكن لم يحدثك أحد قط عن العمال ذوي الأيدي المتشققة التي سودها دخان التبغ، ولا عن فقر المياومين الذين يقطفون القطن من الفجر حتى الغسق في الشمس المحرقة. أنت لم تهتم بهذه المسائل إلا بعد أن صرت تلميذاً في ثانوية داخلية في اسطنبول: هناك، لم يكن القرآن بين الكتب التي تطالعها.
قبل أن يغدو رحمي بيك، كان جدك رحمي قد ترعرع في قرية حاجي رحمنلي. كانت العائلات الميسورة تُرسل أبناءها إلى إزمير كما تُرسل التبغ والزبيب. كان جدك واحداً من أولئك الأولاد المميزين، غير أنه، خلافاً للآخرين، لم يكن شريراً ولا مدللاً. كان يتابع دروسه. وبعد تلقي تربية دينية في إزمير، تابع تحصيل العلم في مدرسة في اسطنبول حيث نال لقب أستاذ. لكنه لم يكتفِ بذلك، فباشر دراسة الحقوق في الجامعة وختمها بلقب قاض متمرن. كان ينتظر تعيينه في إزمير عندما نشبت الحرب. ترددت الحكومة في دخول الحرب العالمية الأولى. إلّا أنها دخلت الحرب إلى جانب ألمانيا بعد أن لجأ الطرادان الألمانيان غوبين وبريسلاو إلى الاحتماء في اسطنبول بعد أن قاما بقصف إفريقيا الشمالية الفرنسية، ثم ذهبا لمهاجمة سيباستوبول رافعين العلم التركي وتحت اسمي يافوز وميديلي. إن الجندي التركي بالرغم من كون الامبراطورية دخلت في حالة انحلال في أوروبا وفي القفقاس، قد جابه العدو في ثلاث قارات. كانت الحملات العسكرية تتوالى في مناخ كارثي. كانت تُرسل إلى الجبهة قطارات ملأى بجنود يمضون ولا يرجعون. كان جدك واحداً من هؤلاء. لم يكن سوى ضابط شاب يحسن بالكاد شبك البنادق عندما ألحق بوحدة من جيش جمال باشا الرابع الذي أرسل تعزيزاً لجبهة دمشق وغزة. وقد رأى لأول مرة أن في وسع الإنسان أن يكون جباناً أو بطلاً، وعرف معنى الجوع والعطش والموت العنيف. وتأكد في الحال من أنه على الرغم من مصاعب الحياة، يتوجب الحفاظ عليها بصورة مطلقة. إيمانه الديني ظل كاملاً، لكنه في كل صباح، حين كان يستيقظ في الصحراء، كان يحمد اللَّه على أنه لم يذهب طعاماً للعقبان. عرف التيفوس والقمل. وفي سنة 1916، عندما تحالف الأمير فيصل، أحد أبناء الشريف حسين، مع الإنكليز، ودفع بالبدو ضد العثمانيين، شارك هو في الدفاع عن المدينة. جابه لورانس والعصاة الذين كانوا يخرِّبون سكة حديد الحجاز. وفعل لأجل وطنه كل ما من واجب حاج أن يفعل. أخيراً، ومن دون أن ينادى به كشهيد أو كبطل، جُرح ووقع في الأسر، لكنه نجح في البقاء حياً. وبعد إعلان الهدنة تزوج من جدتك نورحياة في اسطنبول.
صفحة 10
كانت جدتك تنتسب إلى أسرة من وجهاء أوسكوب هجَّرتها الحرب من البلقان فنزحت إلى اسطنبول التي صارت وطنها الجديد، تاركة وراءها كل ما كانت تملك. كانت نورحياة ابنة عم ضابط كان رفيق سلاح جدك. وهي، خلافاً لمعظم بنات النازحين، لم تكن شقراء ذات عينين رماديتين مائلتين إلى الزرقة، بل كانت قصيرة القامة، غير بارعة الجمال، إنما ذكية، حكيمة، تقية وحسنة التربية. أما جدك، فعلى العكس كان رجلاً وسيماً جداً. أنت ترى هذا الآن إذ تنظر إلى الصورة التي أخذت له في اسطنبول حين كان طالباً هناك وفيها يظهر معتمراً طربوشاً جديداً، وينتعل حذاء لماعاً أسود، ويمسك بعصا من خشب الأبنوس، ولك أن تتخيل حياة المجون التي كان غارقاً فيها ـ حاجاً أو غير حاج ـ بعد عودته من المدينة، بصحبة يونانيين أو أرمن. لكن هل كانت تلك الأيام أيام تهتك وحسب؟ كنا في الواقع ننتظر أن تُمحى من الخريطة امبراطورية استبد بها الخوف، وحلّ بها الخراب، وخسرت كل شيء وباتت تنوء تحت عبء الأنقاض. في ذلك الجو رأت النور أولى خالاتك، أما خالتك الأخرى وأمك، فقد ولدتا وترعرعتا في مانيزا. كان جدك، طوال إقامته في اسطنبول، ينأى بنفسه عن السياسة، لكن هذا لم يمنع أهالي حاجي رحمنلي من أن يطلقوا عليه لقب «رحمي عضو حزب تركيا الفتاة». كان له أصدقاء بين أعضاء جمعية الاتحاد والترقي، وكان يشعر بأنه قريب منهم، لكنه لم ينخرط معهم. صحيح أنه فرح عندما أعلن قيام الجمهورية، لكنه أحس بقلق يوم ديس بالأقدام على إيمان مواطنيه يوم 31 آذار. فهو كان مؤمناً، مع أنه لم يكن آخر من انضم إلى زمر شاربي الخمر بعد الصلاة، كما كان يرتاد بيوت مومسات حي غالاتا. وهو قبل أن يموت، فقط، باح لحفيده بهذه الأفعال وبأسرار أخرى كانت تجهلها العائلة كلها، بعد أن كتمها طيلة سنين عن زوجته وبناته. نعم، لقد باح لك، ولك وحدك بمعاصيه، حين دنا أجله. كنتَ لا تزال في عمر لا يسمح لك بفهم كل شيء، لكنك كنت الرجل الوحيد في الأسرة.
حين كنتم مقيمين في باليكيسير كنتم تمضون الإجازات في مانيزا، في بيت جدك. بعد وفاة أبيك وضعتك أمك فترة من الزمن في عهدة أهلها وسافرت إلى فرنسا. لن تعرف أنت أبداً ما إذا كان ذلك لأجل تعلم اللغة الفرنسية أم لسبب آخر. الأمر الوحيد الذي تتذكره هو أنك بدأت ترتاد المدرسة في مانيزا. وأنك ترعرعت في كنف خالتيك، اللتين كانتا مدرسّتين كأمك لكنهما كانتا عازبتين، وخصوصاً في كنف جدك وجدتك. وأنه بفضل هؤلاء أقبلت على الدراسة وصرت رجلاً، أياً يكن المقصود بذلك! حين كنت تُسأل في تلك الحقبة عما تريد أن تفعل عندما تكبر، كنت تقول، واثقاً بنفسك: «سأكون رجلاً». والآن، أكنت رجلاً أم لا، إنما تعتبر نفسك سعيداً بتأدية الأدوار الثانية. ولقاء استعادتك جنة طفولتك الخضراء، أنت مستعد لإعطاء كل ما لديك، حتى يدك اليمنى التي بها تكتب هذه السطور. هذا فقط شرط أن تشرق الشمس كل يوم على النافذة ويرجع الذين رحلوا، كما قال الشاعر مؤلف «الخمس والثلاثين سنة» (1) الجبال لا تلتقي، لكن البشر يلتقون، ولكم تود أن ترى مجدداً أولئك الذين رحلوا.
لقد نأت كثيراً تلك الأيام، حين كنت تخرج بصحبة أمك من مبنى محطة باليكيسير المشيدة بالحجر المقصوب، الذي كان شكله غير مألوف وكان فيه قاعة انتظار ومطعم صغير، ثم تصعد قطاراً أسوداً ينقلك إلى مانيزا. لكنك لم تنسَ قط تلك الرحلات، والمقاعد الخشبية في الدرجة الثالثة، وقطعان الماعز التي كنت تراها من خلال الزجاج وهي تتسلق الهضاب الرمادية. وتلك البيوت المبنية بالطين والواطئة السقف، والأولاد الذين يركضون وراء القطار صائحين: «جريدة! جريدة!» ـ ستعرف فيما بعد أن تلك الجرائد لم تكن للقراءة بل لاستعمالها كستائر ـ وقبل الوصول إلى سافاشتيب، كانت تنتصب مآذن كيركا غاش. كان القطار السريع، لا يتوقف في حاجي رحمنلي، وكان يلهث نافثاً من مدخنته دخاناً أبيض وشرارات، ثم يصل إلى مانيزا فتنزل مع أمك إلى الرصيف، قبالة جدك الذي ينتظركما. كنتما تبدآن، على نحو مستغرب، بلثم يد الرجل العجوز، وترتبكان بسبب حضور مسافرين آخرين، ينزلون في مانيزا، فتعمدان إلى معانقته؛ ثم تصعدان في عربة خيل وتسلكان الشارع الذي يمر عند سفح الجبل، ثم شارعاً ضيقاً يفضي إلى البيت الأبيض الكبير المحاط بحديقة واسعة، قرب الجامع. رحلت أمك بعد بضعة أيام، وبقيت أنت هنا.
حين كنتم مقيمين في باليكيسير كنتم تمضون الإجازات في مانيزا، في بيت جدك. بعد وفاة أبيك وضعتك أمك فترة من الزمن في عهدة أهلها وسافرت إلى فرنسا. لن تعرف أنت أبداً ما إذا كان ذلك لأجل تعلم اللغة الفرنسية أم لسبب آخر. الأمر الوحيد الذي تتذكره هو أنك بدأت ترتاد المدرسة في مانيزا. وأنك ترعرعت في كنف خالتيك، اللتين كانتا مدرسّتين كأمك لكنهما كانتا عازبتين، وخصوصاً في كنف جدك وجدتك. وأنه بفضل هؤلاء أقبلت على الدراسة وصرت رجلاً، أياً يكن المقصود بذلك! حين كنت تُسأل في تلك الحقبة عما تريد أن تفعل عندما تكبر، كنت تقول، واثقاً بنفسك: «سأكون رجلاً». والآن، أكنت رجلاً أم لا، إنما تعتبر نفسك سعيداً بتأدية الأدوار الثانية. ولقاء استعادتك جنة طفولتك الخضراء، أنت مستعد لإعطاء كل ما لديك، حتى يدك اليمنى التي بها تكتب هذه السطور. هذا فقط شرط أن تشرق الشمس كل يوم على النافذة ويرجع الذين رحلوا، كما قال الشاعر مؤلف «الخمس والثلاثين سنة» (1) الجبال لا تلتقي، لكن البشر يلتقون، ولكم تود أن ترى مجدداً أولئك الذين رحلوا.
لقد نأت كثيراً تلك الأيام، حين كنت تخرج بصحبة أمك من مبنى محطة باليكيسير المشيدة بالحجر المقصوب، الذي كان شكله غير مألوف وكان فيه قاعة انتظار ومطعم صغير، ثم تصعد قطاراً أسوداً ينقلك إلى مانيزا. لكنك لم تنسَ قط تلك الرحلات، والمقاعد الخشبية في الدرجة الثالثة، وقطعان الماعز التي كنت تراها من خلال الزجاج وهي تتسلق الهضاب الرمادية. وتلك البيوت المبنية بالطين والواطئة السقف، والأولاد الذين يركضون وراء القطار صائحين: «جريدة! جريدة!» ـ ستعرف فيما بعد أن تلك الجرائد لم تكن للقراءة بل لاستعمالها كستائر ـ وقبل الوصول إلى سافاشتيب، كانت تنتصب مآذن كيركا غاش. كان القطار السريع، لا يتوقف في حاجي رحمنلي، وكان يلهث نافثاً من مدخنته دخاناً أبيض وشرارات، ثم يصل إلى مانيزا فتنزل مع أمك إلى الرصيف، قبالة جدك الذي ينتظركما. كنتما تبدآن، على نحو مستغرب، بلثم يد الرجل العجوز، وترتبكان بسبب حضور مسافرين آخرين، ينزلون في مانيزا، فتعمدان إلى معانقته؛ ثم تصعدان في عربة خيل وتسلكان الشارع الذي يمر عند سفح الجبل، ثم شارعاً ضيقاً يفضي إلى البيت الأبيض الكبير المحاط بحديقة واسعة، قرب الجامع. رحلت أمك بعد بضعة أيام، وبقيت أنت هنا.