eKtab
EN ع
بنو اسرائيل بين علوهم الكبير وسقوطهم الأخير
اقرأ عينة مجانية

بنو اسرائيل بين علوهم الكبير وسقوطهم الأخير

بقلم معاوية شفيق الخزاعي

صفحة 1
مقــدمــة
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى اله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين وبعد،
لعلنا في هذا الكتاب نسد فراغاً طالما شكت منه مكتبتنا العربية والإسلامية .. فالمكتبة العربية ما زالت تشكو من ضعف في الدراسات المعمقة والتحليلية لما جاء في القران الكريم .. أو على لسان الصادق الأمين من بشارات أو نبوءات تهم أمر هذه الأمة في حاضر أيامها ومستقبلها .. فقد تمت بعض الدراسات في هذا المجال إلا أنها كانت غير كافية .. ومعظمها يكتفي بعموميات لا تطفئ ظمأ أو تسد رمقاً.
وبالمقابل فإننا نجد ان أهل الكتاب .. وبخاصة أبناء يهود ..
قد اهتموا بهذا الجانب من دراساتهم وأبحاثهم .. بل وبنوا على بعضها .. رغم زيغها وبطلانها خططهم الاستراتيجية المستقبلية .. وهل كانت دولتهم التي اقاموها في فلسطين إلا تحقيقاً لإحدى نبوءاتهم التي آمنوا بها .. وبذلوا الكثير لاقناع الآخرين .. وبخاصة الغرب الصليبي بها .
ثم لنعد إلى التاريخ .. والى تاريخنا الإسلامي تحديداً .. لنجد ان أهل الكتاب قد انتظروا مجيء المصطفى (ص) وأعطوا العلامات والإشارات الدالة عليه وعلى مكان مجيئه كما وردت في كتبهم .. فاليهود ما جاؤوا بداية إلى (يثرب) وسكنوها إلا انتظاراً لهذا الرسول آملين ان يكون منهم .. وهذا الراهب النصراني (بحيرا) .. وبما لديه من العلامات
والإشارات لهذا النبي .. سارع إلى اخبار (أبي طالب) عم الرسول (ص) بخبر نبوة ابن أخيه محمد (ص) الذي كان يرافقه آنذاك في رحلته إلى الشام .. ثم ليحذره مما يمكن ان تفعل به يهود.
وفي العصر الحديث .. فإننا نجد في الغرب عشرات ان لم يكن مئات الكتب والأبحاث والدراسات تنشر حول هذا الموضوع .. ولتصبح اكثر الكتب مبيعاً في المكتبات .. وتصل هذه المبيعات ذروتها كلما أطل حدث كبير له علاقة بإحدى هذه النبوءات أو ببعضها .. ولعل أحداث الساعة التي نشهدها هذه الأيام .. وما رافقها من إقبال على هذه الكتب والدراسات لهو الدليل والشاهد على ذلك.
ولم يقتصر الأمر على المواطن العادي في بلاد الغرب .. بل وصلت حمى هذا الإقبال إلى رؤساء دول لها وزنها وتأثيرها في الأحداث العالمية .. فقد جاء في كتاب " البعد الديني في السياسة الأمريكية لِ (جريس هالسل) " أن سبعة من رؤساء أمريكا يؤمنون بمعركة هرمجدون "( ) .. التي تتمحور حولها المئات من الدراسات التنبؤية .. فهذا (رولاند ريغان) الرئيس الأسبق لأمريكا يقول : " إن هذا الجيل بالتحديد هو الجيل الذي سيرى هرمجدون" .. كما وانه الرئيس الذي زفَّ عند تدشينه مشروع حرب النجوم خبر استكمال استعداد بلاده لهذه المعركة قائلاً : " لقد قمنا بإعداد العدة لمعركة هرمجدون " (2).
ولما كان البعض يأخذ على مثل هذه البشارات والنبوءات أنها قد تدعو إلى التواكل والقعود عن العمل في انتظار مجيء أوان هذه البشارة وتحققها .. فقد تناول هذا الكتاب الموضوع من زاوية الإعداد لتحقيق هذه البشارة وليس انتظارها .. ومن ثمّ المشاركة في الجهود الموصلة إليها .. وليس الاكتفاء بالآمال المعتمدة عليها .. والله الموفق .
صفحة 2
الفصــل الأول
 
نبذة تاريخية
 
بنو اسرائيل منذ بداية تاريخهم ..
 
وحتى مطلع القرن العشرين
 
إسرائيل هو الاسم الثاني ليعقوب عليه السلام واليه ينتسبون .. فسموا بالإسرائيليين .. كما ويقال لهم بنو إسرائيل لأنهم بنو يعقوب عليه السلام .. وهم نسل أبنائه الذين ولدوا في مصر في الفترة الواقعة بين مجيء يعقوب عليه السلام وأولاده إلى مصر في عهد يوسف عليه السلام .. وبين خروج موسى عليه السلام بهم من هناك إلى فلسطين .
أما مسمى يهود فقد جاء نسبة إلى (يهوذا) رابع أولاد يعقوب عليه السلام من زوجته ( ليئة ) .. ولما كبر أولاد يعقوب قدَّم عليهم أبوهم وجعل ( يهوذا ) رئيسا لاخوته الأحد عشر .. واستمر ( يهوذا ) رئيسا لاخوته إلى أن مات .. فآلت الرئاسة من بعده إلى أولاده .. وبقيت هذه حالهم إلى أن أرسل الله (موسى) عليه السلام واخرج قومه من مصر .. أبقى ( موسى ) عليه السلام على نهج أبيه في تقديم سبط ( يهوذا ) على باقي الأسباط الأحد عشر .. إلى أن ملك ( داود ) عليه السلام وهو من سبط يهودا .. ثم ورثه ( سليمان ) عليه السلام من بعده .. ولما مات ورثه ابنه ( رحبعام ) .. فنازعه الملك وانفصل عنه ( بريعام بن نباط ) من سبط افرايم ومعه تسعة أسباط أخرى غير سبطه الذي ينتمي إليه .. وهكذا انقسمت مملكة إسرائيل إلى مملكتين : ( يهوذا ) في الجنوب وعاصمتها أورشليم وتضم سبطي (يهوذ) و (بنيامين) .. ومملكة ( إسرائيل ) في الشمال وعاصمتها (شمروت) وتضم الأسباط العشرة الباقية .
وبقيت هذه حالهم .. حروب مستمرة بين الدولتين إلى أن انتهت مملكة اسرائيل على يدى (سرجون الثاني) الأشوري في عام 722 ق.م .. وانتهت الثانية على يدي ( نبوخذنصر الكلداني ) في عام 587 ق.م .. ثم ساق أهلها الى بابل بعد أن دمر ( اورشليم ) وهدم الهيكل .
وفي بابل عُرفوا ب (بني يهوذا) .. والواحد منهم يعرف ب (يهوذي ) بذال معجمة إلى أن رجع الاسم إلى اصله العبري (يهودي) بدال مهملة (1) .
وفي عام (538) ق . م . وبعدما هزم (دارا) ملك الفرس البابليين واحتل بلاد الشام بما فيها ارض فلسطين سمح لليهود بالعودة إليها .. فعاد قسم منهم فقط .. وبقيت غالبيتهم في بلاد ما بين النهرين .. وبعد أن تحسنت أحوالهم أقاموا لهم كنيساًَ يهوديا هناك.
وفي عام 458 ق .م عاد فوج آخر منهم بقيادة عزير (عزرا) الذي عين والياً عليهم تحت سلطان ملك فارس .. ومنذ ذلك التاريخ اصبح اسم اليهود يطلق على جميع معتنقي الدين اليهودي في فلسطين .. ومن ثم أطلق على جميع معتنقي هذا الدين في العالم اجمع مهما كانت أصولهم أو لغاتهم أو جنسياتهم .
وفي عام 332 ق . م استولى ( الاسكندر الأكبر المقدوني ) على ممتلكات الدولة الفارسية وبضمنها بلاد اليهود التي أصبحت تسمى باليهودية .. وبقي اليهود تحت سلطة ورثة (الاسكندر الأكبر) من البطالمة ملوك مصر أولا .. ثم من السلوقيين ملوك سوريا .. إلى أن أغار الرومان على هذه المنطقة واحتلوها في عام 63 ق . م .. وخلال الفترة الماضية حكم المكابيون (2) ولاة على اليهود مدة 130
(1) تاريخ اليهود -20 (2) كان بعضهم يطلق على نفسه لقب ملك
صفحة 3
عاما تحت سلطة الدولة السلوقية في سوريا وانتهى حكمهم في عام39
 
ق . م عندما قتل (هيرودس الكبير) المعين ملكا على فلسطين من قبل (انطونيوس) آخر حكام المكابيين.. وقسم مملكته من بعده على أبنائه الثلاثة .. ولم يسمح لأي منهم أن يلقب ملكا .. بل سماه (رئيس ربع) .. فانتهجوا نهج أبيهم في الخضوع المطلق للرومان .
وفي عام 70م وردَّاً على تمرد اليهود قام ( تيطوس ) القائد الروماني باقتحام (اورشليم) واحراقها وابادة معظم أهلها وأخذ البقية الباقية أسرى .. فتشتتوا في أرجاء الأرض تشتتاً تاماً .. لينتهي عهدهم تماماً بأي دولة أو كيان خاص بهم .
وفي عام 637م فتح العرب المسلمون فلسطين وسائر بلاد الشام من أيدي البيزنطيين في عهد (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه .. وبذا انقطعت صلة اليهود بفلسطين .. وبخاصة القدس بناء على طلب مطارنتها وأهلها من النصارى .. واستمروا وهذه حالهم من التشتت والتقطع في الأرض : " وقطعناهم في الأرض أمما " .. لينالوا صنوف الطرد والتشتت بسبب ممارساتهم الشيطانية وما تضمنته من أضرار وإفساد في مجتمعات تلك الدول التي نوجز ما نعرفه منها على النحو التالي : (1)
_ في عام 1290م طرد الملك ادوار اليهود من إنجلترا .
_ وفي عام 1306م طرد الملك (فيليب الجميل) اليهود من فرنسا وسمح لعدد منهم بالعودة ليُطردوا مجدداً في عام 1394م .
اليهود في القرآن الكريم - 92
- وفي عام 1360م طُردوا من المجر ، ولكنهم ما لبثوا أن عادوا فيما بعد ثم طردوا ثانية في عام 1583م .
- في عام 1370م طرد اليهود من بلجيكا .
-وفي عام 1390 م وبعد خطبة تحريضية من واعظ نصراني في اشبيلية هاجمت جموع النصارى الحي اليهودي وقتلت منهم (4000) أربعة آلاف شخص .. وفي العام التالي تكررت الحادثة في كل من (طليطلة) و (برشلونة) بعد تحريض من نفس الواعظ .
- وفي عام 1420م طردهم الملك (البرت الخامس) من
النمسا .
- وفي عام 1444م طردوا من هولندا .
- وفي عام 1540م طردوا من مملكة نابولي وسردينيا .
- وفي عام 1551م طردوا من بافاريا في ألمانيا .
- وفي عام 1510م طردوا من روسيا ، ثم عادوا إليها تدريجياً متعرضين لأنواع الاضطهاد المختلفة وكان اشهرها الاضطهاد الذي وقع ضدهم في اوكرانيا في عام 1919م حيث قتل فيه (100) مائة ألف يهودي .
وفد يكون من المفيد هنا أن نثبت نص وثيقتين تاريخيتين تعطيانا صورة عن ممارساتهم ومخططاتهم ضد الأديان الأخرى للقضاء عليها والاساءة لمعتنقيها الأخرى منذ القدم وحتى القت الحاضر وهما:
مرسوم الطرد الذي اتخذه ملكا أسبانيا (فرديناند و ايزابيلا ) بحق يهود أسبانيا .. وقد جاء فيه ما نصه : " يلوح أن الكثير من الضرر قد يلحق بالمسيحيين من جراء اختلاطهم ومحادثاتهم مع اليهود الذين لا يخفون افتخارهم بالمحاولات التي يبذلونها لهدم الكاثوليكية المقدسة . ويتمادى اليهود في الهزء والسخرية من طقوسنا وعاداتنا الدينية.. والثاني هو ماجاء في رسالة الرئيس الأمريكي بنيامين فرانكلين التي يحذر بها الأمريكيين من خطر اليهود(1) : " في أي ارض يحل اليهود بها يصبح المستوى الخلقي والمعنوي منحطاً ، والمعاملات التجارية تجري بصورة غير شريفة .. وينهي رسالته الشهيرة هذه قائلاً .. " إنني أحذركم أيها السادة ، و اقول لكم إذا لم تخرجوا اليهود من أمريكا والى الأبد فان أولادكم وأحفادكم سيلعنونكم في قبوركم" .
وهكذا استمر تاريخ اليهود هذه حالهم .. وهذا هو رأي الآخرين بهم إلى بداية القرن العشرين لتحدث أحداث وأمور تنتهي بقيام دولة إسرائيل في عام 1948م التي نحن بصدد الحديث حولها.
(1) حقيقة اليهود والمطامع الصهيونسة ص- 63
صفحة 4
الفصل الثاني
 
بشارات القرآن الكريم .. ونبوءات السنة
 
النبوية الشريفة
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
"عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً (27) "
سورة الجن
(26-27)
خلق الإنسان .. وخلق معه شغفه بالمعرفة والتعرف على ما حوله .. فمعرفته لما حوله تعطيه الإحساس بالأمان .. فبمقدار معرفته لما حوله .. بمقدار ما تزداد إمكانات التعامل مع هذا ال ( ما حول ) .. أو كما يسمى محيطه أو بيئته .. بينما حرمانه من معرفة ما حوله يضعف قدرته على النجاح في ذلك التعامل .. وبالتالي يزيد من مخاوفه مما حوله .. ومن هنا بدأت لدى علماء النفس ما يسمى بحاجة الفرد إلى أدراك ما حوله .. فإدراك الانسان لما حوله حاجه تمليها ضرورات تعامله أو تكيفه مع محيطه .. وأي نقص أو قصور في هذا الإدراك .. يخلق لديه حالة من عدم الارتياح أو القلق يوازي هذا النقص أو القصور .
ونقصد بادراك الإنسان لما حوله .. هو إدراكه لجميع جوانب محيطه مكانياً وزمانياً .. وما المستقبل إلا جزءاً من ذلك المحيط الزماني .. فهو كما أطل وأدرك ما هو ماض غابراً وما هو واقع حاضراً .. يريد أن يكمل حلقة مدركاته بالاطلال على ما هو آتٍ من زمانه .. ولذا نجده يحاول التعرف على ذلك من خلال العرّافين تارة .. أو التنجيم تارة أخرى .. أو الأبراج ثالثة .. ألم تر انه لا تكاد صحيفة أو مجلة تخلو من الأبراج هذه الأيام !!.. بل أصبحت الإذاعات المسموعة والمرئية تبث برامج خاصة لتطلع المستمعين والمشاهدين على ما تقوله أبراجهم .. وبالتالي ما ينتظرهم من أحداث مستقبلية .
هذا وقد كشف الله سبحانه وتعالى بعضاً من أمور الغيب لحكمة أرادها .. فكانت البشارات التي وردت في الكتب السماوية .. ومثلها النبوءات التي جاءت على ألسنة الأنبياء والرسل لتكون دليلا على صدق
نبوتهم ورسالاتهم .. وأما من يدعي علم الغيب من كهنة ومنجّمين .. أو من يعتقد الناس انهم قادرون على علمه كالجن والشياطين .. فهم
عاجزون عن فعل ذلك لقوله تعالى : " عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا الا من ارتضى من رسول" (سورة الجن -26 ) .
اليك بعضاً مما جاء من هذه البشارات في القرآن الكريم والنبوءات في السنة الشريفة .. ولعل أول وأشهر بشارة وردت في القرآن الكريم هي تلك التي أتت ببشارة انتصار الروم على الفرس زمن النبي (ص) في سورة الروم : " ألم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (4) بنصر الله " .. فقد أتت هذه البشارة لتخبر الرسول الكريم (ص) والذين أمنوا معه بنصر الله للمؤمنين .. وهم هنا الروم من أهل الكتاب على الوثنين من الفرس .. لتشد أزر المؤمنين وتعدهم بنصر مشابه .. وقد تحقق بعد خمس سنين من هذه البشارة نصر الروم على الفرس .. ليأتي نصر المسلمين على الكفار من قريش في معركة بدر .. ولعل شهرة هذه البشارة وأهميتها قد أتت بسبب تحديد تاريخ تحققها من جهة .. وهي هنا بضع سنين وهو العدد الذي يتراوح بين ثلاث وتسع سنوات .. ومن جهة أخرى قصر الفترة الزمنية المعطاة لحدوثها .. فكانت لا تتجاوز ثماني سنوات .. لتؤكد علم الله تعالى المطلق بالغيب .. وصدق رسوله الكريم (ص) بكل ما ينبئ به من قول أو فعل .