صفحة 1
لغةٌ لأرضٍ أخرى
لغة متمرّدة
أَرْنوُ إِلَى خَلْقِ لُغةٍ لمشَاعِري
لأمتدَّ بهَا مَعَ الحيَاةِ مِثْلَ نَهْرٍ
وأُحلِّقَ عَالِياً مِثْلَ نَوْرَسً·
قَالَ الغَرِيبُ:
كُلُّ اللُّغاتِ هِيَ لِي· ابتَعِدِي
عنها· عِيشِي مَشَاعِركِ بِصَمْتٍ·
فَقَدْتُ لُغَتِي
مَشَاعِري المُتكسِّرةُ صَارَتْ تُؤْلمنِي·
قَالَ الغَريبُ:
كُلُّ الكَلِمَاتِ مَملَكَتِي
وأنتِ منْ عَبِيدِي·
تَنْزلِقُ الصّفحَةُ حَيْثُ أَخُطُّ كَلمَاتِي،
حَتَّى الوَرَقُ صَارَ قَادِرَاً على التَمرُّد!
صفحة 2
استعارات
كُلَّما مَضَيْتُ قُدُمَاً إِلى الأَمَام،
تَبْدو الأَرْضُ تَحتَ قَدَميَّ
طَريَّةً·
أَفقِدُ الشّعورَ بِوزْني
كَأَنني مَحْمُولةٌ عَلى دُخَانٍ مُتَصَاعِدٍ
نحْو أُفُقٍ مَفْتوحٍ،
عِنْدَمَا تَخْذِلُني كَتِفَايَ
أسْتَعِيرُ أَجْنِحَةَ نَسْرٍ،
عِنْدَمَا تَتَخلَّى عَنِّي عُكَّازَتي
أَسِيرُ مِثْلَ رَاقِصَةِ باليه·
غَيْرَ أَنِّي مَهْمَا أَكُنْ مَنْطِقِيّةً
لَنْ أَكْتُبَ قَصِيدَةً مُتكَامِلةً،
فَالحيَاةُ تَتدَفَّقُ نَحْوِي
قَبْلَ أَنْ تَتحوَّلَ
إِلى كَلِمُات·
صفحة 3
عجينة الأبجديّة
فِيْ مَطْلَعِ يَومٍ غَائِمٍ فَقَدْتُ أَبْجديَّتِي،
تَقلَّصَتْ حَيَاتِي، وَجَفَّ رَحِمِي·
قُرْبَ نَهْرِ التَيمْز،
استَرْجَعتُ ذِكَريَاتٍ مِنَ الطُّفولَة:
أُمِّي تَعْجِنُ الخُبْزَ بِيَديهَا
تُضيفُ قَطَراتِ الماءِ
وَاحِدةً فَواحِدَة،
فَتُحوِّلُ الطَحِينَ إِلى عَجِينٍ·
هَا أَنَا أُعِيدُ عَجْنَ أَحُرُفي التَائِهَةِ
وَاحِدٌ، اثنَانِ، سَبْعٌ وعشْروَن أو أَكثْرَ·
وَهَا هِيَ لُغَتِي الكونيّة تُولَدُ مِنْ جَدِيدٍ
فِي حُضْنِ النَّهْرِ·
صفحة 4
انبعاث كلمات
كَلِمَاتٌ تَتَحَرَّكُ باتِّجَاهَاتٍ مُتَعَاكِسَة ٍ
كَلمَاتٌ تُسَافِرُ بِسُرعَةِ الضَّوءِ،
تَهْويِ بِرِفْقٍ عَلى الأَرْضِ
أوْ تَذرِفُ مَطراً استِوَائيّاً·
كَلِمَاتٌ ضلّت فِي مُحِيطٍ،
كَلِمَاتٌ تَتلامَسُ، تَمدُّ أَيادِيهَا
تُحاوِلُ التِقَاطَ طَوْقِ نَجاةٍ،
أَحْيَاناً تُنقِذُ واحِدَةٌ الأُخْرَى
وَأَحْيَاناً تَئنُّ كُلُّها وَجَعَاً وَأَلماً·
كَلِمَاتٌ تُولَدُ مِنْ أَرقِ الأَحْلام ِ
تَصْحُو مِنْ أَقَاليمِ اللاوَعْي
كَأَنَّها عَائدةٌ مِنْ نَومِ طَالَ دَهْراً·
طُرُقٌ مُتعدِّدةٌ لحنَانٍ مُتجَدِّدٍ
لِرِفقٍ أزلي·
صفحة 5
في يوم ولادتي
أُدْرِكُ ذَاكِرَةَ الإِنْسَانِ
وَذَاكِرَةَ الماءِ والنَّهْرِ·
فِي مَنَامَي رَأيَتُ نَفْسِي
تُسَافرُ إِلى البِئُر الأُولَى:
يَومَ وِلادَتِي،
كُنْتَ أَنْطِقُ بآلاف اللُغَاتِ،
لَكنَّ أُمِّي اختَارَتْ لِي لُغَةً
دُونَما إِيقاعٍ لِقَصيدَةٍ خَفِيَّةٍ
دُونَما صَدى لِصَوتِي·
صفحة 6
كلمة تبحث عنّي
بَيْتًي لَمْ يَعُدْ هُنَا
وَلا هُنَاك·
أَخَوَاتِي يُقمْنَ فِي البُعْدِ
مَاتَ أَبِي وَشَاخَتْ أُمِّي،
أَصْدِقَائي تَبَعٌثرُوا فِي بِقَاعِ الأَرْضِ
وَأَحبَّائي رَحَلوا مُنْذ زَمَنٍ بَعِيدٍ·
تَوَقَّفَتِ الرَّسائِلُ
وَهَاتِفي حلّ به الصَّمْتُ،
الريِّحُ وَحْدهَا تَهْجِسُ خَلفَ بَابِي·
شَيْخوخَةٌ مُبكِّرِةٌ داهََمَتْنِي
وَعَقلِي فَرَغَ مِنَ الذّكَريَاتِ،
مُتَمرِّدةً، أغلقتُ بَوَّابةَ التَّداعِياتِ·
أَلمحُ حَرفاً يَدْنو مِنْ بُعدٍ
يَخْتَرِقُ حَاجِزَ الصّمْتِ
يَتَدثَّر بِقَوسِ قُزَحٍ
وَيَتحوَّلُ إِلى كَلِمَاتٍ·
كَلِمَةٌ حَنونَةٌ تَبْحَثُ عَنِّي!
هَا هِي تَطُوفُ فَوْقَ رَأْسِي·
صفحة 7
مثل نسر يُحتضر
أَسِيرُ فَوْقَ شَارِعٍ ذِي شعَابٍ
أَرْضٌ مُنْزلِقَةٌ تَسْبقُ خُطوَاتِي·
آهٍ مَتَى أَبلُغَ بَيْتِي
جِسْرَ كيو، مَلْجِئِي الأَخِيرَ؟
تَتَسَاقَطُ أَحْرفُ لُغَتَي مِثْلَ أَورَاقِ الخَريف ِ
دُونَما صَدَى حَرْفٍ وَاحِدٍ لينَتَشلَنِي·
تَرْقُصُ رُوحِي مِثْلَ نَسْرٍ يُحْتَضَرْ·
رَمْلٌ يُدَاعِبُ سَاقَيَّ
دِلتَا النَّهْرِ تُرطِّبُ قَدَمَيَّ،
رِدَائِي أَبْيضُ
وَأَجْنِحَتي زمرّديةٌ·
أَنَا عَروسُ النَّهْرِ
وَلِي وَجْهُ وَاحِدٌ، وَجْهٌ وَاحِدٌ فَقَطْ
شَّفافٌ كَالمَاءِ·
صفحة 8
هاوية الأحرف
جَفَّتْ جُذُورُ الشَّجَرِ
فَتَهاوَتِ الأَحْرُفُ
وَجَرفَتْها السُّيولُ·
تَتعلَّقُ أَحْرفِي بآِخِرِ غُصينٍ أَخْضَرَ
رَحِبٍ كالأرضِ
وخفيفٍ كَجَنَاحٍ·
تَحمِلُنِي نَحْوَ اللامَرْئيِّ
بَعيِدَاً عَنِ الهَاوِيَة·
اسْتَيقِظي طِفْلتَي،
وَتَشبَّثِي بِإِيقَاعِ حَرْفٍ أَخِيرٍ
لرُبَّما يُنقِذكِ مِنَ الانجراف·
صفحة 9
أجنحة متكسّرة
هَمَسْتُ إلى كَتِفَيَّ
عُودَا إِليَّ، عَودَا إِليَّ
مِثْلَ شُعْلةٍ شَمْعَةٍ انقَرَضَتْ
مِثْلَ بُذُورٍ تَغْفُو تَحْتَ جَبَلٍ ثَلْجِيٍّ
مِثْلَ مَطَرٍ يَنساب عَبْرَ الرَّمْلِ
مِثْلَ انعِكاسٍ تَاجُ مَحَلْ فَوْقَ نَهْرِ النِّيلِ
مِثْلَ نَجْمَةٍ الشمَالِ تُرْشِدُ مُسَافِراً يَائسَاً،
عُودَا إِليَّ، عُودَا إِليَّ·
عِشْتُ فِي مَهَبِّ الإِعْصَارِ
أَجْنِحَتَي تَقَوَّضَتْ
وَرِئَتَايَ امتلأتا بالدّمُوعِ
وَأَنفاسِي صَمَتَتْ،
شَفَتَايَ تَوقَّفتَا عَنِ التَمْتَمَةِ
وأَحرفي أصيبتْ بالشللْ·
لِماذَا يَفْقِدُ الطَّيْرُ جَناحَيه؟
فِيْ أَيِّ حُرُوبٍ
أَوْ مَعَارِكَ؟
لَسْتُ أَدْرِي·
تَناثرَ رِيشُ أَجْنِحتَي
فِي زَوَايَا العَالَم السَبْعِ
مَا تَبقّى سِوَى عِظَامٍ جَفّتْ
مَا مِنْ لُغَةٍ تُلَيِّنُهَا·
دَعْنِي أَلْجأُ إلَي النَّهْرِ
لِيَمُدَّ دَفْقَهُ نَحْوَ كَتِفَيَّ
لِتَتسَرَّبَ الأَحْرُفُ فِي عِظَامِي
لِتلقَى رُوحِي مَنْزلَتهَا
وَلِتَجِدَ أَجْنِحتِي مَوْطِناً لَهَا·
صفحة 10
ولادة مائيّة
فِيْ مَسَاءِ يَوْمٍ غَائمٍ
عِنْدَ الغُروبِ
انبَثَقَ ظِلٌ مِنْ عُمْقِ النَّهْرِ،
تَحوَّلَ الماءُ مِرْآةً شَفَّافَةً
رَأَيْتُ فِيَها دَوَائِرَ حَيَاتِي كُلِّهَا·
هَذَا النَّهْرُ،
فِي الماءِ الأَسْوَدِ
الماءِ الطِينِيِّ
الماءِ المضطرِبْ،
هُنَا خَشِيتُ نِهَايَةَ حَيَاتِي·
أَبطَأ َالنَّهْرَ خَفَقَاتِهِ
سُكُونٌ لِلَحْظَةٍ واحِدَة ٍ
ثُمّ وَمْضَةٍ للَحِظَةٍ ثَانِيَةٍ·
انبَثَقَ نوُرٌ مِنْ أَعْمَاقِ النَّهُر ِ
كَبرَقٍ آتٍ مِنَ الفَضَاءِ،
وَهَبَنِي السُّكُونُ حُريَّةَ الاخْتِيارِ
وَرَمَى النَّهْرَ لِي شَبَكَةَ النَّجَاةِ،
المِياهُ الضَّاحِكَةُ وَهَبتْنِي دِفْئَهَا
وَأَعَادَتْ وَصْلِي مَعَ مَقَامِ رُوحِيّ،
فِي تِلك اللحْظَة ِ
أَصْبَحْتُ ابْنَةَ نَهْرِ التَيْمز·