صفحة 1
تقديم
بول ريكور (Paul Ricœur) (1913-2005) فيلسوف فرنسي من عائلة بروستانتينية محافظة، تحالفت ضده الشرور منذ الصغر، وعانى الكثير من المتاعب، فمن اليتم إلى الأسر، حيث فقد والدته وهو لم يتجاوز السنة الأولى من حياته، ثم والده الذي هلك في الحرب العالمية الأولى على أيدي القوات الألمانية في الحرب مع فرنسا سنة 1915. وبعد هذا اليتم المزدوج تولى جداه لأبويه وعمته تربيته في بيت عرف بالصرامة والانضباط السلوكي، إلا أنه لم يكن يخلو من الحب والحنان كما وصفه ريكور نفسه. ولما نشبت الحرب العالمية الثانية استدعي ريكور للعمل في صفوف الجيش الفرنسي، ولحسن حظه سرعان ما وقع في الأسر عند الألمان، ولم يكن من أولئك الضحايا الذين أكلتهم مدافع الحرب، وظل في المعتقلات حتى وضعت الحرب أوزارها، حيث أطلق سراحه في ربيع 1945، وينضاف إلى سلسلة المآسي السابقة فاجعة وفاة أخته في ريعان شبابها، وانتحار ابنه.رغم متاعب وعذاب السنوات التي قضاها في الأسر، إلا أنها كانت في إحدى صورها فترة خصبة ومثمرة جدا في حياته على الصعيدين الفكري والإنساني حسب اعترافات ريكور، فقد لعبت فترة الأسر دورا أساسيا في تحديد مصيره، ومستقبله الفلسفي. خلال تلك السنوات تعرف على الفلسفة الألمانية في لغتها الأصلية، خاصة فلسفة كارل ياسبرس، وغبريال مارسيل الذي كان يقود تيار الفلسفة الوجودية المؤمنة، كما استأنف قراءة مارتن هيدجر، وترجم أيضا المجلد الأول من كتاب إدموند هوسرل "الأفكار". ومن هنا يرجع إليه الفضل في الترويج للفلسفة الظاهراتية في عمق الثقافة الفرنسية، التي كانت ساحة لتيارات فلسفية كثيرة.
لقد تركت تلك الأحداث المؤلمة والحرجة، التي مر بها ريكور أثرا عميقا في نفسه، وانعكست فيما بعد على فكره الفلسفي المشبع بالنـزعة الإنسانية، والمتطلع بشغف إلى إعادة الإنسان في كونيته إلى إنسانيته. لقد تساءل ريكور عن الشر وهو الذي عاش تجربة الشر بشكل شخصي، كما تساءل عن الإثم والخطيئة والدنس والمعنى والرمز والإرادة والتاريخ والزمن والذات والأنا والآخر... الخ، وهي الأسئلة الكبرى، والقضايا المصيرية التي تضمنتها مؤلفاته العديدة، ووجهت مشروعه الفلسفي الكبير، الذي خاض من خلاله غمار رحلة شاقة عبر بحار الفلسفة، ليتأمل حياة الإنسان المعاصر، الذي يعيش وسط عالم مليء بالشكوك والعثرات، يدشن من خلاله ألفية ثالثة موسومة بالتأزم.
لقد ترك ريكور العديد من المؤلفات نذكر منها:
- فلسفة الإرادة (1950).
- التاريخ والحقيقة (1955).
- الإنسان الخطاء، رمزية الشر (1960).
- عن التأويل: مقالات حول فرويد (1965).
- صراع التأويلات (1969).
- الاستعارة الحية (1975).
- الزمن والسرد (1983) (1984) (1985).
- من النص إلى الفعل (1986).
- الذات عينها كآخر (1990).
- العادل (1995).
- محاضرات في الإيديولوجيا واليوتوبيا (1997).
- الذاكرة والتاريخ والنسيان (2000).
- مسارات التعرف والاعتراف (2004).
- عن الترجمة(2004).
صفحة 2
ومن هنا حظيت فلسفته باهتمام كبير في الأوساط الفلسفية الأوروبية والأنجلوسكسونية. أما في العالم العربـي فقد تزايد الاهتمام بفكره- وإن كان اهتماما متأخرا نوعا ما- من خلال ترجمة أغلب أعماله ومقالاته إلى اللغة العربية. فقد بحث هذا الفيلسوف القارة بكل اقتدار في حقول معرفية كثيرة ومتباعدة، وشملت اهتماماته ميادين كثيرة يصعب تصنيفه في ميدان واحد بعينه حتى وإن كان بعض الدارسين والمتتبعين لفلسفته يصنفونه في خانة الفلسفة التأويلية، إلى جانب الفيلسوف الألماني جورج هانـز غادامير.
ولذلك فإننا في هذا الكتاب، نحاول الاقتراب من فيلسوف من الطراز العالمي، حظي باحترام كبير، وعرف بالتزامه الكلي على المستوى العلمي والديني والأخلاقي والسياسي، فهو فيلسوف الإرادة، والحوار، والتسامح، والتأويل، والغيرية... لذلك رشحته أعماله الكثيرة والغزيرة ليكون قامة من قامات الفكر والفلسفة، حيث ترك بصمة قوية على المنعطف الأخير للفلسفة الغربية المعاصرة وهي في آخر تحولاتها وانعطافاتها.
رحل ريكور والتحق بقافلة الموتى في 20 ماي سنة 2005 بضواحي مدينة باريس، عن عمر مديد وخصب يناهز 92 سنة كرسها لخدمة الثقافة والفكر. لقد سرقه الزمن، وهو الذي كان يبحث عن الزمن، ولكن صاحب كتاب الذاكرة والتاريخ والنسيان سوف يتذكره التاريخ، ولن يطويه النسيان، لأن الفلاسفة لا يموتون بقبر أجسادهم في التراب، بل إن موتهم يجعلهم من الخالدين يواصلون رحلتهم ويخترقون الحدود الزمانية والمكانية.
ولا يدَعي هذا العمل الذي نقدمه اليوم إلى القارئ العربـي الإلمام بكل جوانب فلسفة ريكور المتشعبة، وإنما سيتركنا مع المزيد من الأسئلة وعلامات الاستفهام المحيرة التي تفرزها أوضاع الثقافة الإنسانية من جهة، ومع فضاء القراءات الممكنة التي تنفتح عليها كتابات بول ريكور الثرية والمتنوعة من جهة ثانية.
وقد تضمن هذا الكتاب مجموعة من الدراسات لأساتذة باحثين، فقد كتب (البخاري حمانة) من جامعة وهران: بول ريكور ومسؤوليات الفلسفة في القرن الحادي والعشرين، عين الذات عين الأخر: هوية التجاوز والتجاور لـ(حاتم الورفلي) من تونس، أما (العربـي ميلود) من جامعة مستغانم فتناول تجليات سؤال الغيرية لدى بول ريكور، وكتب عبد الوهاب مطري من جامعة الجزائر عن فلسفة الذات بين الفاعلية والكرامة. وعالج (عمارة ناصر) من جامعة مستغانم إشكاليات التأويل من خلال بحثه المعنون بـبول ريكور ومسارات التأويل، وتطرق (مختار لزعر) من جامعة الجزائر إلى وسطية الفهم بين التفسير والتأويل بول ريكور نموذجا. وقدمت (جنات بلخن) من جامعة قسنطينة بحثا عن التاريخ من التأسيس الإبستيمولوجي إلى التأصيل السردي عند بول ريكور. أما (فيصل لكحل) من جامعة معسكر فكتب عن فلاسفة الشك العظام الذين تأثر بهم بول ريكور من خلال بحثه الموسوم بـبول ريكور واستئناف المساءلة الارتيابية في الهيرمينوطيقا. أما قضايا اللغة وتحليلها بوصفها خطابا فقد تناولها (حمادي هواري) من جامعة معسكر ببحث اللغة خطابا: رؤية جديدة حول أفكار بول ريكور، أما ملف الترجمة فقد كان حاضرا باعتبار أن ريكور كان قارئا وممارسا للترجمة، فقد كتب (نابـي بوعلي) من جامعة معسكر بول ريكور والمترجم الوسيط، وقدم (قواسمي مراد) من جامعة مستغانم ترجمة نص "هوسرل ومعنى التاريخ" لبول ريكور، وكخاتمة لهذا الكتاب جاءت دراسة الفلسفة والشعر عند بول ريكور للباحث (براهيم أحمد) من جامعة مستغانم، إذ يتناول العلاقة بينهما بشكل فلسفي منسجم.
وفي الأخير أتوجه بالشكر الجزيل إلى جميع الأساتذة الباحثين المشاركين في هذا العمل، الذي نرجو من خلاله أن نكون قد ساهمنا في التعريف بهذا الفيلسوف وبفلسفته في عالمنا العربـي، والشكر موصول إلى منشورات الاختلاف والدار العربية للعلوم ناشرون، اللتين تكفلتا بنشر هذا الكتاب، فلكل هؤلاء جميعا خالص الشكر وعميق الامتنان.
د. نابي بوعلي
معسكر 10/12/2010
ولذلك فإننا في هذا الكتاب، نحاول الاقتراب من فيلسوف من الطراز العالمي، حظي باحترام كبير، وعرف بالتزامه الكلي على المستوى العلمي والديني والأخلاقي والسياسي، فهو فيلسوف الإرادة، والحوار، والتسامح، والتأويل، والغيرية... لذلك رشحته أعماله الكثيرة والغزيرة ليكون قامة من قامات الفكر والفلسفة، حيث ترك بصمة قوية على المنعطف الأخير للفلسفة الغربية المعاصرة وهي في آخر تحولاتها وانعطافاتها.
رحل ريكور والتحق بقافلة الموتى في 20 ماي سنة 2005 بضواحي مدينة باريس، عن عمر مديد وخصب يناهز 92 سنة كرسها لخدمة الثقافة والفكر. لقد سرقه الزمن، وهو الذي كان يبحث عن الزمن، ولكن صاحب كتاب الذاكرة والتاريخ والنسيان سوف يتذكره التاريخ، ولن يطويه النسيان، لأن الفلاسفة لا يموتون بقبر أجسادهم في التراب، بل إن موتهم يجعلهم من الخالدين يواصلون رحلتهم ويخترقون الحدود الزمانية والمكانية.
ولا يدَعي هذا العمل الذي نقدمه اليوم إلى القارئ العربـي الإلمام بكل جوانب فلسفة ريكور المتشعبة، وإنما سيتركنا مع المزيد من الأسئلة وعلامات الاستفهام المحيرة التي تفرزها أوضاع الثقافة الإنسانية من جهة، ومع فضاء القراءات الممكنة التي تنفتح عليها كتابات بول ريكور الثرية والمتنوعة من جهة ثانية.
وقد تضمن هذا الكتاب مجموعة من الدراسات لأساتذة باحثين، فقد كتب (البخاري حمانة) من جامعة وهران: بول ريكور ومسؤوليات الفلسفة في القرن الحادي والعشرين، عين الذات عين الأخر: هوية التجاوز والتجاور لـ(حاتم الورفلي) من تونس، أما (العربـي ميلود) من جامعة مستغانم فتناول تجليات سؤال الغيرية لدى بول ريكور، وكتب عبد الوهاب مطري من جامعة الجزائر عن فلسفة الذات بين الفاعلية والكرامة. وعالج (عمارة ناصر) من جامعة مستغانم إشكاليات التأويل من خلال بحثه المعنون بـبول ريكور ومسارات التأويل، وتطرق (مختار لزعر) من جامعة الجزائر إلى وسطية الفهم بين التفسير والتأويل بول ريكور نموذجا. وقدمت (جنات بلخن) من جامعة قسنطينة بحثا عن التاريخ من التأسيس الإبستيمولوجي إلى التأصيل السردي عند بول ريكور. أما (فيصل لكحل) من جامعة معسكر فكتب عن فلاسفة الشك العظام الذين تأثر بهم بول ريكور من خلال بحثه الموسوم بـبول ريكور واستئناف المساءلة الارتيابية في الهيرمينوطيقا. أما قضايا اللغة وتحليلها بوصفها خطابا فقد تناولها (حمادي هواري) من جامعة معسكر ببحث اللغة خطابا: رؤية جديدة حول أفكار بول ريكور، أما ملف الترجمة فقد كان حاضرا باعتبار أن ريكور كان قارئا وممارسا للترجمة، فقد كتب (نابـي بوعلي) من جامعة معسكر بول ريكور والمترجم الوسيط، وقدم (قواسمي مراد) من جامعة مستغانم ترجمة نص "هوسرل ومعنى التاريخ" لبول ريكور، وكخاتمة لهذا الكتاب جاءت دراسة الفلسفة والشعر عند بول ريكور للباحث (براهيم أحمد) من جامعة مستغانم، إذ يتناول العلاقة بينهما بشكل فلسفي منسجم.
وفي الأخير أتوجه بالشكر الجزيل إلى جميع الأساتذة الباحثين المشاركين في هذا العمل، الذي نرجو من خلاله أن نكون قد ساهمنا في التعريف بهذا الفيلسوف وبفلسفته في عالمنا العربـي، والشكر موصول إلى منشورات الاختلاف والدار العربية للعلوم ناشرون، اللتين تكفلتا بنشر هذا الكتاب، فلكل هؤلاء جميعا خالص الشكر وعميق الامتنان.
د. نابي بوعلي
معسكر 10/12/2010
صفحة 3
بول ريكور ومسؤوليات الفلسفة
في القرن الحادي والعشرينأ. د البخاري حمانة
قسم الفلسفة - جامعة وهران- الجزائر
"إن المهمة الأولى للفلسفة تتمثل في الإثراء والتنوير المستمرين للوجود الإنساني"، بول ريكور، الإرادي واللاإرادي.
أ- لقائي مع بول ريكور:
كنت قد التقيت في شهر أغسطس 1968، لأول مرة وكصحفي[1]بالفيلسوف الفرنسي "بول ريكور" (ت 2005) Paul Ricœur بباريس، مثلما التقيت بها، وخارجها، قبل ذلك، وبعد ذلك، بغيره من العديد من الفلاسفة، ومن غير الفلاسفة، الفرنسيين، وغير الفرنسيين[2]، خاصة أولئك الذين ناصروا، بطريقة، أو بأخرى، ثورتنا التحريرية[3]، وغيرها من القضايا العادلة في العالم، والذين كان الجيل الذي أنتمي إليه ينظر إليهم بإعجاب وبإكبار شديدين.
ولقد تم هذا اللقاء المباشر، الذي لم أكن أدري أنه سيكون الأول والأخير[4]بمعية الصديق المرحوم "بيير برنار Pièrre Bernard"[5]بجامعة نانتير (Univ.de Nanterre) التي كان بول ريكور أستاذا فيها، وهذا قبل أن يصبح عميدا لها (1966-1972)...
كما تم هذا اللقاء كذلك في وقت كانت فيه هذه الجامعة تعيش، مثل غيرها من الجامعات الفرنسية، أثار الانتفاضة الطلابية المعروفة "بانتفاضة ماي 1968"[6]وهي الآثار التي مست سنة 1972، بول ريكور، مثلما مست بصورة أو بأخرى، العديد من المثقفين ومن الساسة الفرنسيين[7].
كانت شهرة بول ريكور قد سبقته، لدي ولدى العديد من أبناء جيلي، لا باعتباره واحدا من الفلاسفة الواعدين في القرن العشرين فحسب، بل وكواحد من الفلاسفة ومن المثقفين الذين ساندوا، وكما سبق أن أشرنا، الكثير من القضايا العادلة في العالم وعلى رأسها الثورة التحريرية الجزائرية. ومن هنا الدلالة الفلسفية والدلالة الإنسانية لاحتفائنا به اليوم... في جامعة معسكر... الجزائر، مثل احتفاء العديد من الجامعات العربية، وغير العربية به.
نعود إلى بول ريكور لنقول إن مواقفه هذه، مضافا إليها غزارة... وأصالة فكره، وطيبته وتواضعه... هي التي ستكون منذ ذلك الوقت، وإلى اليوم، وراء اهتمامي به وبإنتاجه الفلسفي المجدد، المتنوع... والمتجدد[8].
ب- فلسفته:
ولأنني لن أتوقف، هنا طويلا للحديث عن هذا الإنتاج، جذورا ومفاهيم وأطروحات... ومواضيع، فذلك ما لا أشك أنكم ستتناولونه بتفصيل أكثر مني، فإني سأكتفي بالتالي بالإشارة إلى الملامح والمضامين الكبرى له...
لقد تأثرت، وتفاعلت، فلسفة بول ريكور التي تعد واحدة من كبريات فلسفات القرن العشرين، بالعديد من التيارات الفلسفية والفكرية التي سبقتها.. أو عاصرتها، خاصة الفلسفة الظواهرية، ممثلة في إدموند هوسرل Ed. Husserl والفلسفة الوجودية، ممثلة في كل من كيركيجارد S. Kierkegaard، وهيدغر M. Heidegger، وغابريال مارسيل G. Marcel، والتيار الحيوي ممثلا في برغسون H. Bergson. إضافة إلى تأثرها بالتيار البنيوي وبالدين المسيحي في نـزعته البروتستانتية.
على أن من بين ما يميز فلسفته هذه هي رؤية صاحبها للفلسفة عامة، على أنها أساسا تفلسف، وليست مجرد أطروحات وخطابات نظرية لا صلة لها بالواقع[9]، بل إنه يرى أن الفلسفة الجديرة بهذا الاسم هي تلك الحاملة لخطابات متضمنة لمشروع (أو لمشاريع)، معيشي للإنسان قادر على تجسيد كينونة هذا الأخير في العالم.. وصولا إلى تمكينه من تحقيق حريته وكرامته، بعيدا عن أي استيلاب كان (aliénation)[10].
ولأن تلك هي الفلسفة في نظر بول ريكور وتلك هي أهم أهدافها، فإنها تأخذ بالتالي ذلك الطابع الأخلاقي الذي يؤكد ريكور، بعد سبينوزا (Spinoza) أنه لا تصور لأي فلسفة بدونه[11].
إن ذلك يعني، من بين ما يعني، أن الفلسفة، في نظر بول ريكور، ليست أنساقا مغلقة[12](systèmes fermés) أو سلوكات مجردة.. أو تأويلات نظرية لا صلة لها بالواقع الإنساني، أو معرفة علمية، أو عملية، منغلقة على نفسها.. أو على الإيديولوجيات، بل إنها فكر حامل لكل الآمال الإنسانية، ومنهج متفاعل مع كل الهموم الإنسانية كذلك، وعامل من أجل تمكين الإنسان من تجاوزها باستمرار... بعيدا عن أي شكوك لامجدية[13].
لذلك جاءت فلسفة بول ريكور متضمنة لكل مجالات الحياة الإنسانية، النظرية منها والعملية على حد سواء، وهذا ابتداء من التأويل والتفسير، والتحليل النفسي واللساني، والعلم والسياسة، والتاريخ والفلسفة، والشعر والتقنية، والإرادة والأخلاق، والعقل والنقل.. الخ[14].
صفحة 4
كما جاءت فلسفته هذه عاملة بالتالي، من خلال تعدد أطروحاتها.. وتجدد أفكارها.. وإنسانية وأخلاقية أبعادها وأهدافها، عاملة على تمكين الإنسان من التغيير المستمر لذاته.. ولمجتمعه.. ولإنسانيته.. نحو الأفضل.. وصولا إلى تحقيق تعاليه[15](sa transcendance) انطلاقا من مثوليته (à partir de son immanence)، وأخلاقيته انطلاقا من مسؤوليته.. ومسؤوليته انطلاقا من حريته وكرامته.
بذلك يصبح فعل الفلسفة، عند بول ريكور، هو ذاته فعل الحياة وليس الفعل العائق أو المضاد لها كما يتوهم البعض، أو يوهمون، لأنه فعل يتمثل أساسا في الاستكشاف والتطوير المستمرين للوجود الإنساني.. (exploration).ولكي تحقق الفلسفة مثل هذا التحول الإنساني الذاتي
(la conversion)، المتجدد والجاد، الجديد والمجدد، لمختلف مناحي الحياة، النظرية منها والعملية، الروحية منها والمادية، فإنها مطالبة، فيما يرى بول ريكور، بالتخلي بالتالي عن متاهات الإيديولوجيات وعن دهاليز النخب[16](les élites) التي لا تربط غالبيتها بالواقع الاجتماعي أي رابطة تذكر..، وبالتفاعل بالتالي مع الواقع ومع المجتمع، في مختلف مكوناته، وأبعاده ونشاطاته وأهدافه.
بذلك تتحول عملية التفلسف، من مجرد مفاهيم وأنساق نظرية لا صلة لها بالواقع اليومي للإنسان، إلى مرادفة للمعيش اليومي له
(le vécu)، ومن مجرد الترديد لهذه الأنساق والإيديولوجيات المنغلقة على ذاتها، والغالقة لكل أمل، إلى "حارسة للمدينة"، وإلى حامية للعلم من مخاطر الانـزلاق في دروب التطرف واللاأخلاقية، وإلى مرشدة للإنسان بالتالي إلى دروب التجديد والحرية والكرامة والتعايش السلمي والتسامح.. والتضامن..
تلك هي، باختصار شديد، الفلسفة التي ظل بول ريكور يعمل على إقامتها.. وعلى نشرها بين أبناء الإنسانية.. وهذا حتى آخر يوم من أيام حياته.
ج- الفلسفة ومسؤولياتها في القرن الحادي والعشرين:
انطلاقا من مفهومه هذا للفلسفة، أطروحات ومناهج، مفاهيم وممارسة، حدد بول ريكور، مهام هذه الفلسفة في القرن الحادي والعشرين، وذلك في الكلمة التي ألقاها[17]بمناسبة تسلمه لجائزة مؤسسة إيناموري Inamori))[18]"كيوطو"(Kyoto) باليابان في سنة 2000[19].
وفي تحليله لهذه المهام.. يرى بول ريكور أن واقع الفلسفة، خاصة الفرنسية، في القرن العشرين، يجعل من الصعب على الباحث وضع هذه الفلسفة في مجال، أو في خانة، محددة، مثلما يصعب عليه كذلك تصور ما يمكن فعله اليوم بها..
فالفلسفة، وكما يضيف، لا تسهم اليوم في التفكير المدني (la réflexion civique)، كما أنها تحولت إلى معارف جهوية (des savoirs régionaux). والفلسفة لم تعد، منذ زمن، أم المعارف، نظرا لمنافسة العلوم والمعارف الأخرى، غير الفلسفية لها، ومحاولة احتواء خطابها.. الذي كان ذات يوم متضمنا لكل تلك العلوم والمعارف[20].
من هنا حدة وشمولية أزمة الفلسفة اليوم، وهي الأزمة التي لا يزيدها اليوم تعدد الجسيمة المناطة بها في هذا القرن، الحادي والعشرين، إلا تعقدا.. والتي لا يمكنها تجاوزها إلا بالإجابة الكافية على الأسئلة التي يطرحها عليها الوعي المعاصر حول مسار ومصير الإنسانية[21]. من جهة، وبتجديد بنائها الأنطولوجي من جهة أخرى وبالتالي[22].
انطلاقا من هذا الواقع الذي تعيشه الفلسفة منذ القرن الماضي واليوم، بصورة خاصة، يحدد بول ريكور للفلسفة ثلاث مسؤوليات كبرى[23]:
1.- مسؤوليتها عن حماية التراث الذي خلفه الفكر الإنساني عبر التاريخ، وعن الاستعمال الأفضل له..
2.- مسؤوليتها عن الاستمرار في التفتح، خاصة على العلوم الإنسانية والتجريبية، وصولا إلى مواكبة مسارها وتوجيهها وجهة أكثر إنسانية.. بعيدا عن أي غلو.. علماني أو عقائدي.
3.- مسؤوليتها عن التوطيد المستمر.. والمتجدد للمسار الأخلاقي والإنساني للإنسان.. بعيدا عن أي تطرف ديني أو عقلي أو أخلاقي.. أو مذهبـي.. أو علمي..
تلك هي أهم المسؤوليات التي يحددها بول ريكور للفلسفة في القرن الحادي والعشرين، وهي المسؤوليات التي سبق لكانط (ت 1804 E. Kant) أن وضع جذورها الكبرى. والمتجسدة اليوم، في دورها في العمل على توطيد حقوق الإنسان، وفي ترسيخ قيم الحرية والديمقراطية، والعدالة والأخلاق.. وفي ترشيد وأنسنة الثورة الرقمية اليوم (la révolution numérique)، (البيولوجية، والفيزيائية، والاتصالية والإعلامية)، وتوجيهها وجهة أكثر إنسانية.
أوَليست المهمة الأولى والأخيرة للفلسفة، فيما يرى بول ربكور، هي الإثراء والتنوير المستمرين للوجود الإنساني؟
بذلك يصبح فعل الفلسفة، عند بول ريكور، هو ذاته فعل الحياة وليس الفعل العائق أو المضاد لها كما يتوهم البعض، أو يوهمون، لأنه فعل يتمثل أساسا في الاستكشاف والتطوير المستمرين للوجود الإنساني.. (exploration).ولكي تحقق الفلسفة مثل هذا التحول الإنساني الذاتي
(la conversion)، المتجدد والجاد، الجديد والمجدد، لمختلف مناحي الحياة، النظرية منها والعملية، الروحية منها والمادية، فإنها مطالبة، فيما يرى بول ريكور، بالتخلي بالتالي عن متاهات الإيديولوجيات وعن دهاليز النخب[16](les élites) التي لا تربط غالبيتها بالواقع الاجتماعي أي رابطة تذكر..، وبالتفاعل بالتالي مع الواقع ومع المجتمع، في مختلف مكوناته، وأبعاده ونشاطاته وأهدافه.
بذلك تتحول عملية التفلسف، من مجرد مفاهيم وأنساق نظرية لا صلة لها بالواقع اليومي للإنسان، إلى مرادفة للمعيش اليومي له
(le vécu)، ومن مجرد الترديد لهذه الأنساق والإيديولوجيات المنغلقة على ذاتها، والغالقة لكل أمل، إلى "حارسة للمدينة"، وإلى حامية للعلم من مخاطر الانـزلاق في دروب التطرف واللاأخلاقية، وإلى مرشدة للإنسان بالتالي إلى دروب التجديد والحرية والكرامة والتعايش السلمي والتسامح.. والتضامن..
تلك هي، باختصار شديد، الفلسفة التي ظل بول ريكور يعمل على إقامتها.. وعلى نشرها بين أبناء الإنسانية.. وهذا حتى آخر يوم من أيام حياته.
ج- الفلسفة ومسؤولياتها في القرن الحادي والعشرين:
انطلاقا من مفهومه هذا للفلسفة، أطروحات ومناهج، مفاهيم وممارسة، حدد بول ريكور، مهام هذه الفلسفة في القرن الحادي والعشرين، وذلك في الكلمة التي ألقاها[17]بمناسبة تسلمه لجائزة مؤسسة إيناموري Inamori))[18]"كيوطو"(Kyoto) باليابان في سنة 2000[19].
وفي تحليله لهذه المهام.. يرى بول ريكور أن واقع الفلسفة، خاصة الفرنسية، في القرن العشرين، يجعل من الصعب على الباحث وضع هذه الفلسفة في مجال، أو في خانة، محددة، مثلما يصعب عليه كذلك تصور ما يمكن فعله اليوم بها..
فالفلسفة، وكما يضيف، لا تسهم اليوم في التفكير المدني (la réflexion civique)، كما أنها تحولت إلى معارف جهوية (des savoirs régionaux). والفلسفة لم تعد، منذ زمن، أم المعارف، نظرا لمنافسة العلوم والمعارف الأخرى، غير الفلسفية لها، ومحاولة احتواء خطابها.. الذي كان ذات يوم متضمنا لكل تلك العلوم والمعارف[20].
من هنا حدة وشمولية أزمة الفلسفة اليوم، وهي الأزمة التي لا يزيدها اليوم تعدد الجسيمة المناطة بها في هذا القرن، الحادي والعشرين، إلا تعقدا.. والتي لا يمكنها تجاوزها إلا بالإجابة الكافية على الأسئلة التي يطرحها عليها الوعي المعاصر حول مسار ومصير الإنسانية[21]. من جهة، وبتجديد بنائها الأنطولوجي من جهة أخرى وبالتالي[22].
انطلاقا من هذا الواقع الذي تعيشه الفلسفة منذ القرن الماضي واليوم، بصورة خاصة، يحدد بول ريكور للفلسفة ثلاث مسؤوليات كبرى[23]:
1.- مسؤوليتها عن حماية التراث الذي خلفه الفكر الإنساني عبر التاريخ، وعن الاستعمال الأفضل له..
2.- مسؤوليتها عن الاستمرار في التفتح، خاصة على العلوم الإنسانية والتجريبية، وصولا إلى مواكبة مسارها وتوجيهها وجهة أكثر إنسانية.. بعيدا عن أي غلو.. علماني أو عقائدي.
3.- مسؤوليتها عن التوطيد المستمر.. والمتجدد للمسار الأخلاقي والإنساني للإنسان.. بعيدا عن أي تطرف ديني أو عقلي أو أخلاقي.. أو مذهبـي.. أو علمي..
تلك هي أهم المسؤوليات التي يحددها بول ريكور للفلسفة في القرن الحادي والعشرين، وهي المسؤوليات التي سبق لكانط (ت 1804 E. Kant) أن وضع جذورها الكبرى. والمتجسدة اليوم، في دورها في العمل على توطيد حقوق الإنسان، وفي ترسيخ قيم الحرية والديمقراطية، والعدالة والأخلاق.. وفي ترشيد وأنسنة الثورة الرقمية اليوم (la révolution numérique)، (البيولوجية، والفيزيائية، والاتصالية والإعلامية)، وتوجيهها وجهة أكثر إنسانية.
أوَليست المهمة الأولى والأخيرة للفلسفة، فيما يرى بول ربكور، هي الإثراء والتنوير المستمرين للوجود الإنساني؟
صفحة 5
الذات عين الآخر: هوية التجاوز والتجاور
د. حاتم الورفلي (تونس)كثيرا ما يستعمل لفظ "الهُويّة" في الحقل المفهومي لكنه يقلّ تحديده بصفة منتهية وملزمة حدّا قد نرى فيه حاويا لكلّ المعاني التي تتقصّد الذات تعريفا وتحديدا، إذ يمثّل موقعا ومرجعا كلما أردنا تفسير أو تأويل الموجود، وتتقاطع ضمنه مختلف الحقول المعرفيّة بخطاباتها الكثيرة: الحقوقية، الأنثروبولوجية، السوسيولوجية، البسيكولوجية. هذا الإلمام ذو الإحالات المتعدّدة جمعا واختلافا، بساطة وتعقيدا، جعل مفهوم الهُويّة لا يملك "ثابتة" مفهومية يعود إليها كلّ تعريف. إنّ تاريخ الفلسفة لم يخل أبدا من "فلسفات هُويّة" اتخذت لها أشكالا متعددة وعناوين متنوعة[24].
نجد هذا الرأي حاضرا بقوّة في مجال علم النفس التحليلي حينما يرى في اللاّوعي مفهوما أساسيّا للكشف عن تحوّلات الشخصية وانفلاتاتها من الزّعم القائل بوحدة "الأنا" العاقلة والواعية. تتشظّى هذه الوحدة إلى كثرة ديناميكيّة وتُجزِّئ الجهاز النفسي للإنسان إلى مناطق ثلاث (الأنا- الأنا الأعلى- الهُو) يحكمها منطق الصراع والمواجهة انطلاقا من مبدأيْ اللّذة والواقع.
إنّ التصوّر الفرويدي مبنيٌّ في هذه اللّحظة على "الصّراع" كخاصيّة بنائيّة للذات لا تكون خطيّة ومتتالية بصفة منتظمة وإنّما هي جدليّة علائقيّة بين الذات والموضوع. مثل هكذا دينامية وجدليّة تستدعي سيرورة (هُوُوِيَة) تتخطّى القول بالثبات والاستقرار لتأخذ "الهُويّة" معان مختلفة ومتغايرة: بين القول بالمشابهة (مشابه لذاته) والمماثلة (مماثل لذاته) والمغايرة (التفرّد والانمياز). كلّ هذه المعاني تتحدّد بخاصيّات مشتركة لتدل على ذاتها كما تُدرَك هذه المعاني من جهةٍ مقابلةٍ بميزات فريدة نفصلها عن غيرها. يصبح لمعنى "الهُويّة" جانب جدليّ تُحال فيها هذه المتقابلات بعضها لبعض:
المماثل/المغاير؛ الفردي/الجمعي؛ الوحدة/الكثرة؛ الذاتيّة/الموضوعيّة...[25].
إنّ تصوّر الهُويّة في شأن كهذا تدرك ضمنه الهُويّة بإحساسها بواحديتها وتفردّها عن غيرها كما هي شعور بالانسجام والتآلف مع إنّيتها. إنّها انتهاء ما يخصّها دون أن يخصّ غيرها[26].
ويبقى إجراء العلاقة كأخطر إجراءات الحصر الأنطولوجي التي تستخدمها ميتافيزيقيا الوحدة لاختزال التعدد وإبعاد التشتت. فالبحث عن إيجاد نظام لظواهر العالم واحتمالات حدوثه، يتم في إطار هذا الإجراء الذي يحتل الموقع الأساسي داخل أي تفكير كيف ما كان نوعه. إنّ معرفة العالم ليست في نهاية المطاف إلا عملية بحث عن علاقات خلق يتمّ تصنيفها كي تتيح كل تفكير يريد أن يكون. وهو كذلك السند المحوري لفكرة الاتصال بين الأشياء والأحداث، بين الذات وغيريتاها اللواتي تقدم العالم في ترابط وتناسق وانتظام تعمل على إلغاء التعدد والاختلاف وتسمح بوجود قانون للعالم وأنظمة وهويات وبنيات كما يتعذّر على الوحدة أن تقوم دون ثنائية[27].
إن عملية الحصر الأنطولوجي التي تستهدف سيلان الموجود وتدفقه ليست عملية تامة. بل هي مجرد محاولة لضبط الوجود والإمساك به، لكنه يندّ عن الضبط والإمساك والتقنين والتحديد. فهو تدفق وكثرة مسترسلة من الاحتمالات المشتتة التي تحدث بمحض الصدفة والمفاجأة. "أصبحنا الآن مع تطوّر النسبية الفيزيائية والكيمياء الحرارية الدينامية نميل إلى أخذ اختلافات العالم الطبيعي وتغيّراته المتواصلة وصعوباته الشّائكة بعين الاعتبار"[28]مبتعدين عن النظرة الكليّة للكون، فكل عملية من هذا القبيل لن تكون إلا احتمال حدوث ضمن احتمالات لا متناهية، تتضاعف وتعدد... مثلما أنّ أي حديث عن الهُويّة مهما ادعى لنفسه امتلاك الحقيقة، فإنه يظل مجرد كلام منهار، يدمر نفسه بنفسه ذلك أنّ "الإنية تتقيّم داخل الغيرية كما الأنا داخل الآخر"[29].
تسبب استعمال لفظ الهُويّة في خلط والتباس، إذ غالبا ما تفهم الهُويّة فهما مطلقا ومعزولا عن كل الظروف أو الشروط القائمة وكأن الهُويّة تعني أنّه من الواجب على الذات أن تماثل ذاتها بممايزتها عن الغير، وما يفترض ذلك من عدم الأخذ من ذلك الغير فكلّما قلّ الاقتباس من الخارج والتفاعل معه، تزداد حظوظ المحافظة على التشكيلة الاجتماعية وعلى نفوذ التقليدية فيها. يرى برميندس أنّ "إيمانك بالواحد الأحد هو إنكارك لما لم يكن واحد أحدا"[30]وهو ما يعني رفض الكثرة لنتمكن من صياغة قولا في الوجود بصفته وجودا لأنّ "الوجود موجود واللاّوجود لا يوجد البتّة"[31].
إنّه إزاء الهُويّة الثابتة ثمة هُويّة التغيّر والنّمو في التاريخ، وإزاء هُويّة الحصر ثمة هُويّة التعدّد التي تؤسس للاختلاف والتنوّع. وإزاء الهُويّة الماضوية، ثمة هُويّة واقعية ومستقبلية، وإزاء الهُويّة العرقية ثمة هُويّة إنسانية. ذلك لأن الذات التي تتحدد بذاتها هي فقط الخواء والعدم، والذات التي تستمد مقوماتها من عصر "ذهبـي نقي"، هي ذات مريضة بالفصام غير أنّ الذات تتحدد دوما، وفي كل زمان مكان بالآخر، آخرها، بل هي الوحدة الديالكتيكية بين الأنا والآخر وتستمد مقوماتها من تعينها الواقعي في التاريخ الذي هو دائما تاريخ التغير والتحول، والذي هو دائما توقّع الممكنات...[32].
وفي ضوء كلّ ذلك نستطيع التمييز بين صيغتين للهُويّة تحصر أحدهما في مجال الفكر والثقافة فيتحول لديها مفهوم الهُويّة إلى مفهوم الجوهر الثابت والسرمدي، والثانية تضعها في مجال التاريخ والصيرورة الاجتماعية فيرتبط لديها مفهوم الهُويّة بالفاعلية الإنسانية الحية وبفكرة التاريخ والتغير ومفهوم التقدم. إننا بالفعل "لا يمكن أن نسبح في نفس النهر مرتين"، ذلك هو الدرس الهيرقليطي الذي يبسط لنا تلازم الصيرورة في صلب الجوهر أو الحركة في صلب التكرار. مثل هذه اللحظة الهيرقليطية كانت دعوة للتفكير في الصّيرورة والسيلان. وهو ما نتبينه من خلال شذراته المتفرقة حيث يحمل على الوجود صفة الصّيرورة المسترسلة وحتميتها فيقول "الكلّ يسيل الكل يتغيّر"[33]، "النّار ترتاح بتبدلها"[34]. "ليس بإمكاننا أن ننـزل مرتين في النّهر"[35].
صفحة 6
يمكن القول مما تقدم أنّ الهُويّة جملة من العلاقات والروابط العقلية (اجتماعية- اقتصادية- ثقافية..) نسجها تطور تاريخي محدد في الزمان والمكان، قاصدة أبعاد ثلاث هي: علاقة الذات بذاتها، وتنطوي على النرجسية يقابلها شعور بالدونية. وعلاقة الذات بالموضوع، بالعالم الطبيعي والاجتماعي، وعلاقة الأنا بالآخر وتنطوي على المحاكاة والاقتداء... ويقابلها الاستقلال والذاتية، وهي في هذه الحيثيات جميعها وحدة الوعي والوجود؛ الفكر والواقع؛ التماثل والاختلاف؛ الوحدة والتعدد المؤسَّسة جميعها على مبدأ النفي الحامل فكرة التاريخ ومفهوم التقدم. يشير ريكور في مثل هكذا سياق إلى "تباعد قَصِيٌ بين دوام الذات وذاك الذي لا يختزلها ليعود الواحد إلى الآخر"[36].
تتحقّق هُويّة الذات عبر تحوّلات تحكم الفرد في وجوده البسيكولوجي وكذلك الاجتماعي حينما يعاين ذاته ليس على نحو نهائي وإنّما تقصّ وبحث مستمر على استقلاليّته علّه يظفر ببعضها. يمكن إذن أن نوجز القول أنّ الهُويّة هي تقاطع بسيكولوجي (همه الرّغبة في الوجود) وسوسيولوجي (التموضع داخل الاجتماع). وجب لكل ذلك أن تعمل الذات على إيجاد مواطئ وقوف تملك من خلالها ملامح وجودها الواقعي والتخييليّ لإبراز وحدتها وانسجامها إن كان ذلك متيّسرا لها. لعل هذا الاعتبار يجعل من كلّ فرد حاملا ثقل هويّته ومترحّل من فضاء إلى آخر يصارع من أجل الوجود والاعتراف بكل الأشكال الرمزيّة المتاحة التي تشكّل الهُويّة ذاتها.
هكذا يبدو خطاب الهُويّة "خطابا متشابكا، لأنه يتحرّك في مجالات متعددة"[37]. تتحدّد الهُويّة، على الجملة، في ذات الوقت بخواص موضوعيّة انطلاقا من علامات متعيّنة وعناصر ذاتيّة تحيل إلى تمثّلات الذات لذاتها وعلاقاتها المتداخلة مع الآخر المقابل لها. مثل هذه المحددات بعضها ثابت مستقر على حاله وبعضها الآخر يستطيع التغيّر والتبدّل. بهذه الخواص الثابتة والمتغيّرة في فضاء الزمن تحتفظ الذات بوعيها الخاص وحدة واستمرارا لكليّتها كما يدركها الآخر بما هي كائنة لحظة التعرّف عليها رغم التغيّر الدّائم والثبات الحاصل: هكذا تكون الحياة اتصالا وانفصالا، أحداثا ورؤى لها أن تنحت للذات مسارات مختلفة.
تخضع الهُويّة لهكذا تحديدات وتعريفات وفق اعتبار اجتماعي وآخر تاريخي يظهر فيها الفرد على طرف خاص به يضمن تماسفا بينه وبين حاضنته الاجتماعيّة علّه يحظى باستقلالية تحقّق له مكانة فريدة له دون سواه. تعدّ هذه المسألة رهانا تحرّريا تمكّن الذات من القيام بدور خاص داخل نسيج اجتماعيّ تشابكيّ يحضر فيه الفاعل والمنفعل والمفعول فيه وبه حتى تصير هذه الذات قادرة على فعل البناء والتركيب داخل فضاء اجتماعي مُتَشَظٍ يريد أن يكون متآلفا وذو معنى ودلالة لوجوده. ولهذا تمتد مباحث الهُويّة في كل الاتجاهات وتقع في مفترق طرق اختصاصاتها عديدة: فمن الهُويّة كمنطق صوري ورمزي يلاحق مواطن التناقض في الأشياء(موضوع علم المنطق) إلى الهُويّة كبحث عن وحدة مفترضة للوجود تلاحق بدورها مواطن التكثر والحركة، باحثة عن أصل مرجعي ثابت (موضوع الميتافيزيقا) فـ"كلّ الإشكال دائر حول بحث عن "ثابت عقلي" يعطي معنى متين عن الديمومة في الزمن"[38]، وصولا إلى تمثل العلوم الإنسانية لمسألة الهُويّة باعتبارها آليات إثبات وجود فردية وجماعية مكتسبة، لا صلة لها بإحراج الماهية أو الأصل أو السكون[39].
إنّه إذا كان كلُّ واقع ثقافي حَمَّالَ تعدّدٍ وتكثُّر واختلاف، فإنه يتمظهر، رغم هذا التعدد والاختلاف، بسمات تكشف عن تجانس ملحوظ داخله، وهذا ما يبرر استعمال مفهوم الهُويّة، بشرط الحذر من الوقوع في رؤية ماهُويّة أحادية ثابتة نافية للاختلاف. فحينما نقارب مفهوم الهُويّة بوصفها "ثابتا ومتغيرا" فهي ليست كينونة ثابتة الخصائص والمقومات فقط، بل يزدوج فيها الثابت والمتغير. وبذلك فمفهوم الهُويّة بمدلوله المنطقي الثابت لا يصدق إلا في مجال المجردات كالمنطق والرياضيات، وإن كان هذا المبدأ قد صار موضوع أخذ ورد حتى في هذين المجالين. أما في مجالات الواقع والحياة فالتغير والثبات متلازمان[40].
نقرّ إذن، أنّ الخطابات التي تفسر الإنسان تأويليا لم تخرج عن التأويل (تأويل التأويل)، وبالتالي أنتجت صراع التأويلات وتعددها وفق تصورات ذاتية (ميتافيزيقا الذات)، ولكن بمحاولة تجاوز مفهوم الماورائيات فإنها تقود إلى تحليل مفهوم التجاوز ذاته، وبالتالي فإن السؤال يبقى رهين صراع التأويلات والبحث في مفهوم التجاوز عن المسارب والمسارات التي تؤول إلى متناهيات يصبح فيها الإنسان صورة، أو رقما في معادلة ما، أو مجموعة أوراق ثبوتية يتم التحقق بواسطتها من هويته، شكله، صلاحيته، عنوانه، وجوده..
وفقا لكلّ ذلك يمكن أن نستخلص أن صراع التأويلات هو في حقيقته اضطراب في مفهوم الهُويّة ومعانيها المتقبلة بل حتى تلك المتناقضة التي عبّرت عن "تلعثم" العقل البشري لمدة تاريخية طويلة وحقنته بجرعات قلق(التشكيك الدائم في الحقيقة الإنسانية)[41]، هكذا ظهرت مسميات عدة ساهمت في تأسيس خطابات أعلنت عن اختفاء الإنسان وموته، نهاية التاريخ، نهاية الكتابة، نهاية اليوتوبيا، موت الإله، موت المؤلف... فهل يمكن القول أن الهُويّة داعمة الصراع الطبقي الذي ما زال يهيمن على الفكر، الإنساني عموما؟؟ أم أن الصراع في حقيقته هو صراع تأويلات تتجاوز المفهوم السائد لتطل على الواقع من خلال إرادة المعرفة وأوهام الفكر؟
وجب لكلّ ذلك التحول من الهُويّة إلى الهويات، بتحريرها من صبغتها التوحيدية المقصية للآخر، وإخضاعها للنقد والتمحيص، وأقلمتها مع إحداثيات العصر، وفتحها على المعارف، فالهُويّة ليست تأصيلا لكيان، ومجرد تجريد ذهني ميتافيزيقي، فالحضور في العالم يمثل كنه الحداثة، فهي تعريفا نقطة استكمال الدورة الجدلية للتفاعل الحضاري ومجموعة العمليات التراكمية التي تطور المجتمع اقتصادا وإبداعا وتعبيرا، بجدلية العودة والتجاوز[42].
تتحقّق هُويّة الذات عبر تحوّلات تحكم الفرد في وجوده البسيكولوجي وكذلك الاجتماعي حينما يعاين ذاته ليس على نحو نهائي وإنّما تقصّ وبحث مستمر على استقلاليّته علّه يظفر ببعضها. يمكن إذن أن نوجز القول أنّ الهُويّة هي تقاطع بسيكولوجي (همه الرّغبة في الوجود) وسوسيولوجي (التموضع داخل الاجتماع). وجب لكل ذلك أن تعمل الذات على إيجاد مواطئ وقوف تملك من خلالها ملامح وجودها الواقعي والتخييليّ لإبراز وحدتها وانسجامها إن كان ذلك متيّسرا لها. لعل هذا الاعتبار يجعل من كلّ فرد حاملا ثقل هويّته ومترحّل من فضاء إلى آخر يصارع من أجل الوجود والاعتراف بكل الأشكال الرمزيّة المتاحة التي تشكّل الهُويّة ذاتها.
هكذا يبدو خطاب الهُويّة "خطابا متشابكا، لأنه يتحرّك في مجالات متعددة"[37]. تتحدّد الهُويّة، على الجملة، في ذات الوقت بخواص موضوعيّة انطلاقا من علامات متعيّنة وعناصر ذاتيّة تحيل إلى تمثّلات الذات لذاتها وعلاقاتها المتداخلة مع الآخر المقابل لها. مثل هذه المحددات بعضها ثابت مستقر على حاله وبعضها الآخر يستطيع التغيّر والتبدّل. بهذه الخواص الثابتة والمتغيّرة في فضاء الزمن تحتفظ الذات بوعيها الخاص وحدة واستمرارا لكليّتها كما يدركها الآخر بما هي كائنة لحظة التعرّف عليها رغم التغيّر الدّائم والثبات الحاصل: هكذا تكون الحياة اتصالا وانفصالا، أحداثا ورؤى لها أن تنحت للذات مسارات مختلفة.
تخضع الهُويّة لهكذا تحديدات وتعريفات وفق اعتبار اجتماعي وآخر تاريخي يظهر فيها الفرد على طرف خاص به يضمن تماسفا بينه وبين حاضنته الاجتماعيّة علّه يحظى باستقلالية تحقّق له مكانة فريدة له دون سواه. تعدّ هذه المسألة رهانا تحرّريا تمكّن الذات من القيام بدور خاص داخل نسيج اجتماعيّ تشابكيّ يحضر فيه الفاعل والمنفعل والمفعول فيه وبه حتى تصير هذه الذات قادرة على فعل البناء والتركيب داخل فضاء اجتماعي مُتَشَظٍ يريد أن يكون متآلفا وذو معنى ودلالة لوجوده. ولهذا تمتد مباحث الهُويّة في كل الاتجاهات وتقع في مفترق طرق اختصاصاتها عديدة: فمن الهُويّة كمنطق صوري ورمزي يلاحق مواطن التناقض في الأشياء(موضوع علم المنطق) إلى الهُويّة كبحث عن وحدة مفترضة للوجود تلاحق بدورها مواطن التكثر والحركة، باحثة عن أصل مرجعي ثابت (موضوع الميتافيزيقا) فـ"كلّ الإشكال دائر حول بحث عن "ثابت عقلي" يعطي معنى متين عن الديمومة في الزمن"[38]، وصولا إلى تمثل العلوم الإنسانية لمسألة الهُويّة باعتبارها آليات إثبات وجود فردية وجماعية مكتسبة، لا صلة لها بإحراج الماهية أو الأصل أو السكون[39].
إنّه إذا كان كلُّ واقع ثقافي حَمَّالَ تعدّدٍ وتكثُّر واختلاف، فإنه يتمظهر، رغم هذا التعدد والاختلاف، بسمات تكشف عن تجانس ملحوظ داخله، وهذا ما يبرر استعمال مفهوم الهُويّة، بشرط الحذر من الوقوع في رؤية ماهُويّة أحادية ثابتة نافية للاختلاف. فحينما نقارب مفهوم الهُويّة بوصفها "ثابتا ومتغيرا" فهي ليست كينونة ثابتة الخصائص والمقومات فقط، بل يزدوج فيها الثابت والمتغير. وبذلك فمفهوم الهُويّة بمدلوله المنطقي الثابت لا يصدق إلا في مجال المجردات كالمنطق والرياضيات، وإن كان هذا المبدأ قد صار موضوع أخذ ورد حتى في هذين المجالين. أما في مجالات الواقع والحياة فالتغير والثبات متلازمان[40].
نقرّ إذن، أنّ الخطابات التي تفسر الإنسان تأويليا لم تخرج عن التأويل (تأويل التأويل)، وبالتالي أنتجت صراع التأويلات وتعددها وفق تصورات ذاتية (ميتافيزيقا الذات)، ولكن بمحاولة تجاوز مفهوم الماورائيات فإنها تقود إلى تحليل مفهوم التجاوز ذاته، وبالتالي فإن السؤال يبقى رهين صراع التأويلات والبحث في مفهوم التجاوز عن المسارب والمسارات التي تؤول إلى متناهيات يصبح فيها الإنسان صورة، أو رقما في معادلة ما، أو مجموعة أوراق ثبوتية يتم التحقق بواسطتها من هويته، شكله، صلاحيته، عنوانه، وجوده..
وفقا لكلّ ذلك يمكن أن نستخلص أن صراع التأويلات هو في حقيقته اضطراب في مفهوم الهُويّة ومعانيها المتقبلة بل حتى تلك المتناقضة التي عبّرت عن "تلعثم" العقل البشري لمدة تاريخية طويلة وحقنته بجرعات قلق(التشكيك الدائم في الحقيقة الإنسانية)[41]، هكذا ظهرت مسميات عدة ساهمت في تأسيس خطابات أعلنت عن اختفاء الإنسان وموته، نهاية التاريخ، نهاية الكتابة، نهاية اليوتوبيا، موت الإله، موت المؤلف... فهل يمكن القول أن الهُويّة داعمة الصراع الطبقي الذي ما زال يهيمن على الفكر، الإنساني عموما؟؟ أم أن الصراع في حقيقته هو صراع تأويلات تتجاوز المفهوم السائد لتطل على الواقع من خلال إرادة المعرفة وأوهام الفكر؟
وجب لكلّ ذلك التحول من الهُويّة إلى الهويات، بتحريرها من صبغتها التوحيدية المقصية للآخر، وإخضاعها للنقد والتمحيص، وأقلمتها مع إحداثيات العصر، وفتحها على المعارف، فالهُويّة ليست تأصيلا لكيان، ومجرد تجريد ذهني ميتافيزيقي، فالحضور في العالم يمثل كنه الحداثة، فهي تعريفا نقطة استكمال الدورة الجدلية للتفاعل الحضاري ومجموعة العمليات التراكمية التي تطور المجتمع اقتصادا وإبداعا وتعبيرا، بجدلية العودة والتجاوز[42].
صفحة 7
تعرَّف الهُويّة بانتماء كلّ فرد إلى عائلته، طائفته، الطبقة الاجتماعيّة التي ينتمي إليها و"بنو جلدته" كوجود سابق عن وجوده ويحفظ له مكانة ويخصّه بمرتبة داخل الانتظام الاجتماعي بين التحيليلي والواقعي كإحالة للوجود الهُووي للذات يُؤسس الرّمزي كلماتٍ إشاراتٍ للذات يعيّنها فتنخرط في انتماء ثقافي عرقي قومي... فنحن لا يمكن أن نفهم زخم الهُويّة الإنسانية بآلية فهم أحادية بل بضرب جديد من "فهم وتأويل المشاعر إلى جانب فهم الروابط مع الآخرين والماضي والمستقبل والمطلق (...). وبالجملة فالهُويّة تقدّ من تلك الكيفية الخاصة للتموضع داخل الفضاء الثقافي"[43]. إنّ شعورا حميميا بالوجود لا يتأكّد إلاّ عبر تجربة خاصّة يخالطها إمكان خضوع للآخر الماثل قدّام الأنا لحظة التشكيل وإعادة التشكيل للأحداثٍ محطاتٍ لازمة لتحديد الهُويّة. يكون لهذا الشعور قوّة قادرة على تحطيم "أسوار" الذات إذا هي انكمشت وتقوقعت وإنّ زَهْوا بنفسها فيصير كلّ الوجود انفتاحا ضروريّا وحيويّا للأنا والآخر وطيّعا للفهم غير عَصِيٍّ. ولعل مكوّنات هذا الوجود على اختلافها وتقاطعها تتحدّد ثقافيّا بوسائط لغويّة ترسم للذات إيتيقا بها تكون ووفقها تصير. فهُويّة الذات تتحدد داخل هذه "الشبكات التحاورية"[44]المترامية الأطراف وليس فقط صلب العلاقات الاجتماعية المكتسبة.
لكلّ ذلك تستعين الذات بمختلف التطبيقات الأدبيّة والممارسات النقديّة لفهمٍ أكثر لعينيتها والعناصر التكوينيّة لوجودها من زمان وفعل وسرد يبقيها دائما منفتحة على الممكن وقاصدة منتهاه. لقد كان لزاما على الذات حتى تتعرّف على ذاتيّتها ألاّ تكتفي بنوع أحادي للخطاب وإنّما هو استدعاء ومضايفة لبقيّة أنواعه وذلك بشتّى التراكيب والجمع والحوار في فضاء المعرفة بصنوفها المتكاثرة (لسانيات، علم النفس، التاريخ، الأنثروبولوجيا...) حتى تبيّن التجربة الإنسانية بثرائها وتنوّعها وحتّى تعقيداتها[45]! لن يصح هذا الزعم ويتحقّق إلاّ متى استجاب لشروط إمكانه ألا وهو "الآخر" طرفا أصيلا في الوجود وأساسا واجبا في الاتصال والاعتراف لأن الأنا كما الآخر منخرط في تجربة إنسانية ممتلئةً وجودا ومُشَكَّلةً سردا.
يصير القول ممكنا إذن أن الذّات تحيا وضعية لا يتوفر فيها "حجر ثابت" تستقرُّ عليه أو تجعل منه نقطة ارتكاز حتى تتمكّن من التعرّف على ذاتيتها وتكتسب من المعاني ما يؤهّلها أن تتعرّف على "الآخر" بأشكال حضور المتعددة. إنّ على الذات أن تترحّل في ثنايا الوجود ومعالم الزمان وعلاماته كي تكون قادرة على مواجهة المآزق الأكسيولوجية والاستتباعات الحاصلة منها وأن تراهن أنّ التجربة الإنسانية موسومة بالنقص والحاجة إلى مجاوزتها دون اعتقاد واهم في الكمال والتعصّب الذي يكون إقصائيا وعنيفا في كلّ تعبيراته. وحتّى لا يتصيّر كلّ الوجود إلى نفي وإلغاء للمجاور ضرورة، وجب أن تتعلم الذات "التسامح" لِزاما طالما أنها تريد أن يقتنع الآخر بطروحاتها لذا فإنها تكون مدعوة إلى فهم واستيعاب طروحات غيرها دون تعنيف له أو إلغاء. يكون "التسامح" جائزا في أفق حرّ يؤمّن فضاء للتعبير والاختيار ليس وجوبا أن يحصل إثره اتفاق بإطلاق بل يبحث عن بقعة تتشارك فيها الذات والآخر وعلامتهما "الإنسانية" قيمة رمزية دالّة على الحضور والبقاء في مجال الانفتاح والمغايرة.
وإنّه إذا سلّمنا جدلا أننا نعيش عصر نهاية الاختزالات التبسيطية للظواهر المعقدة ولا يمكن إقصاء التعدد والاختلاف داخل الهُويّة الواحدة فقد انتقلنا من منطق الوحدة إلى التعدد، ولم تعد الهُويّة "جامدة" و"جوهرا" خالصا بل خليطا من التمازجات والتداخلات والتفاعلات الثقافية المركبة، لذلك فان الهُويّة ليست فعلا نهائيا بل إنها حضور حيٌّ متجدد ومفتوح على التعدد والاختلافات ومتفاعل مع الزمان والمكان والأنا والنّحن[46]. إنّ مفهوم الهُويّة في صورتها الحصرية التبسيطية التي تنتصر إلى القول بأنّ لكل فرد هُويّة واحدة ثابتة، يتحدّد ويتمايز من خلالها ويقيم نفسه على أساسها، وعبرها يتم تقييم مواقفه، هي مجرد وهم يخفي صورة مزيفة للذات، فشخصية كل فرد وطبيعة كل كيان ثقافي تتشكل من خلال التفاعل الجدلي، والتركيب الخلاق والتصادم بين هويات متعددة. لهذا فإنه كان لزاما إعادة مساءلة مفهوم الهُويّة- الغيرية في أبعادها المختلفة وفي علاقتها بالتدافع الثقافي، قصد منح إمكانات أفضل لفهم الاستراتيجيات الهووية لمختلف الأفراد والشعوب في علاقاتها بالحراك المقاوم للاستقطاب والاختزال في تصنيف ضابط لا حياد عنه أو مروق، ولهذا فالهُويّة علاقة جدلية بين الأنا والآخر مشكلة ومتفاعلة مع الزمان والمكان.
اشتغلت المدوّنة الرّيكورية على الخطاب تحليلا وتأويلا لجملة القضايا الأنطولوجية وأنماط العلاقات الممكنة بين الذوات ومكوّناتها لتؤسّس نـزعة إنسانية تروم الكونيّة سبيلا منفتحا على المجاور وقابلا للاختلاف معه على نحو تفاعليّ لنجد لدى ريكور علامات دالة على منظوره المنهجي والمعرفي تدور على مفاهيمَ مفاتيحٍ تجعل من فهمنا له ممكنا، فالزمنية- مثلا- نوعان أحدهما يقال عن الوجود في العالم مع الآخر والثاني يعبّر مضمونها عن زمنية أعمق تحاول فكّ رموز الموت والانتهاء والديمومة والبقاء، أمّا التاريخيّة فهي استحضار الزمان تفكّرا وتأملا في الوجود بدلالاته ومقاصده ومعانيه ويمثّل السرد منـزلة أنطولوجية يمكن للذات أنّ تتعرف بها على ذاتيّتها كما تدرك العالم من خلال أنواع المسرودات المختلفة (أسطورة، قصّة، رواية...) وتُحيل التأويلية إلى المعاني المختلفة للنص عن معناه الأوّلي لتكون الوساطة ممكنة بين الإنسان والعالم وهي كذلك قائمة بين الإنسان والإنسان وحاصلة بين الإنسان وذاته على نحو من الفهم والاتصال..
لكلّ ذلك تستعين الذات بمختلف التطبيقات الأدبيّة والممارسات النقديّة لفهمٍ أكثر لعينيتها والعناصر التكوينيّة لوجودها من زمان وفعل وسرد يبقيها دائما منفتحة على الممكن وقاصدة منتهاه. لقد كان لزاما على الذات حتى تتعرّف على ذاتيّتها ألاّ تكتفي بنوع أحادي للخطاب وإنّما هو استدعاء ومضايفة لبقيّة أنواعه وذلك بشتّى التراكيب والجمع والحوار في فضاء المعرفة بصنوفها المتكاثرة (لسانيات، علم النفس، التاريخ، الأنثروبولوجيا...) حتى تبيّن التجربة الإنسانية بثرائها وتنوّعها وحتّى تعقيداتها[45]! لن يصح هذا الزعم ويتحقّق إلاّ متى استجاب لشروط إمكانه ألا وهو "الآخر" طرفا أصيلا في الوجود وأساسا واجبا في الاتصال والاعتراف لأن الأنا كما الآخر منخرط في تجربة إنسانية ممتلئةً وجودا ومُشَكَّلةً سردا.
يصير القول ممكنا إذن أن الذّات تحيا وضعية لا يتوفر فيها "حجر ثابت" تستقرُّ عليه أو تجعل منه نقطة ارتكاز حتى تتمكّن من التعرّف على ذاتيتها وتكتسب من المعاني ما يؤهّلها أن تتعرّف على "الآخر" بأشكال حضور المتعددة. إنّ على الذات أن تترحّل في ثنايا الوجود ومعالم الزمان وعلاماته كي تكون قادرة على مواجهة المآزق الأكسيولوجية والاستتباعات الحاصلة منها وأن تراهن أنّ التجربة الإنسانية موسومة بالنقص والحاجة إلى مجاوزتها دون اعتقاد واهم في الكمال والتعصّب الذي يكون إقصائيا وعنيفا في كلّ تعبيراته. وحتّى لا يتصيّر كلّ الوجود إلى نفي وإلغاء للمجاور ضرورة، وجب أن تتعلم الذات "التسامح" لِزاما طالما أنها تريد أن يقتنع الآخر بطروحاتها لذا فإنها تكون مدعوة إلى فهم واستيعاب طروحات غيرها دون تعنيف له أو إلغاء. يكون "التسامح" جائزا في أفق حرّ يؤمّن فضاء للتعبير والاختيار ليس وجوبا أن يحصل إثره اتفاق بإطلاق بل يبحث عن بقعة تتشارك فيها الذات والآخر وعلامتهما "الإنسانية" قيمة رمزية دالّة على الحضور والبقاء في مجال الانفتاح والمغايرة.
وإنّه إذا سلّمنا جدلا أننا نعيش عصر نهاية الاختزالات التبسيطية للظواهر المعقدة ولا يمكن إقصاء التعدد والاختلاف داخل الهُويّة الواحدة فقد انتقلنا من منطق الوحدة إلى التعدد، ولم تعد الهُويّة "جامدة" و"جوهرا" خالصا بل خليطا من التمازجات والتداخلات والتفاعلات الثقافية المركبة، لذلك فان الهُويّة ليست فعلا نهائيا بل إنها حضور حيٌّ متجدد ومفتوح على التعدد والاختلافات ومتفاعل مع الزمان والمكان والأنا والنّحن[46]. إنّ مفهوم الهُويّة في صورتها الحصرية التبسيطية التي تنتصر إلى القول بأنّ لكل فرد هُويّة واحدة ثابتة، يتحدّد ويتمايز من خلالها ويقيم نفسه على أساسها، وعبرها يتم تقييم مواقفه، هي مجرد وهم يخفي صورة مزيفة للذات، فشخصية كل فرد وطبيعة كل كيان ثقافي تتشكل من خلال التفاعل الجدلي، والتركيب الخلاق والتصادم بين هويات متعددة. لهذا فإنه كان لزاما إعادة مساءلة مفهوم الهُويّة- الغيرية في أبعادها المختلفة وفي علاقتها بالتدافع الثقافي، قصد منح إمكانات أفضل لفهم الاستراتيجيات الهووية لمختلف الأفراد والشعوب في علاقاتها بالحراك المقاوم للاستقطاب والاختزال في تصنيف ضابط لا حياد عنه أو مروق، ولهذا فالهُويّة علاقة جدلية بين الأنا والآخر مشكلة ومتفاعلة مع الزمان والمكان.
اشتغلت المدوّنة الرّيكورية على الخطاب تحليلا وتأويلا لجملة القضايا الأنطولوجية وأنماط العلاقات الممكنة بين الذوات ومكوّناتها لتؤسّس نـزعة إنسانية تروم الكونيّة سبيلا منفتحا على المجاور وقابلا للاختلاف معه على نحو تفاعليّ لنجد لدى ريكور علامات دالة على منظوره المنهجي والمعرفي تدور على مفاهيمَ مفاتيحٍ تجعل من فهمنا له ممكنا، فالزمنية- مثلا- نوعان أحدهما يقال عن الوجود في العالم مع الآخر والثاني يعبّر مضمونها عن زمنية أعمق تحاول فكّ رموز الموت والانتهاء والديمومة والبقاء، أمّا التاريخيّة فهي استحضار الزمان تفكّرا وتأملا في الوجود بدلالاته ومقاصده ومعانيه ويمثّل السرد منـزلة أنطولوجية يمكن للذات أنّ تتعرف بها على ذاتيّتها كما تدرك العالم من خلال أنواع المسرودات المختلفة (أسطورة، قصّة، رواية...) وتُحيل التأويلية إلى المعاني المختلفة للنص عن معناه الأوّلي لتكون الوساطة ممكنة بين الإنسان والعالم وهي كذلك قائمة بين الإنسان والإنسان وحاصلة بين الإنسان وذاته على نحو من الفهم والاتصال..
صفحة 8
تجليات سؤال الغيرية لدى بول ريكور
العربي ميلودقسم الفلسفة - جامعة مستغانم. الجزائر
- الهرمونيطيقا كتأسيس منهجي للبحث:
يقول بول ريكور معرفا منهجيته المزاوجة بين الظاهرية والتأويلية: "إن التأويل هو عمل الفكر الذي يتكون من فك المعنى المختبئ في المعنى الظاهر، ويقوم على نشر مستويات المعنى المنضوية في المعنى الحرفي. وإني إذ أقول هذا، فإني أحتفظ بالمرجع البدئي للتفسير، أي لتأويل المعاني المحتجبة، وهكذا يصبح الرمز والتأويل متصورين متعالقين. إذ ثمة تأويل، هنا حيث يوجد معنى متعدد. ذلك لأن تعددية المعنى تصبح بادية في التأويل"[47].
نستشف من هذا النص أن منهجية ريكور في تحديد المفاهيم تقوم من خلال الترحال بين تأويلات عدة ومقاربة صراعاتها، حول معاني الأشياء المعطاة، لأن المفهوم يحمل في ثناياه معاني متعددة، وعادة ما يكون تعاملنا مع هذه المفاهيم بوجهة نظر تلقائية مباشرة، تخضع لنظرة أحادية موثوقة للمعاني الظاهرة وكأنها حقائق مطلقة، هذا ما يحجر الذهن على التعامل معها على نحو تساؤلي يعيد النظر إليها بطريقة تأويلية متفتحة، ومع حضور سلسلة تأويلات حيال كنه هذه الموضوعات وعللها وغائياتها وآلياتها تزول تلك الرؤية الأحادية، وتتقلص الحقيقة المطلقة فتنكشف مثالبها وحجبها، فتحيلنا إلى البداية من جديد، أي إلى تعددية المعنى الظاهرة من خلال الهرمونيطيقا، لتبدأ هذه الأخيرة 'تحليلا في فهم البنى الرمزية، وإنها لتتابع فتقيم مواجهة بين الأساليب الهرمونيطيقية، كما تقيم نقدا لأنساق التأويل، محيلة تنويع المناهج الهرمونيطيقية إلى بنية النظريات المناسبة (..) وهي بذلك تعد نفسها لممارسة مهمتها العليا، والتي ستكون تحكيما حقيقيا بين الادعاءات الشمولية لكل واحد من التأويلات"[48].
تأويلية ريكور لا تخضع المفهوم لتأويل واحد، بل تحاول أن تضبط مسار هذه التأويلات المتعددة لتنـزهها عن الفوضى والاعتباطية، وتضعها في مجراها المنهجي والدلالي السليم، وبهذا نجد بول ريكور يتجه أكثر نحو ضبط المفاهيم ضبطا يقيم من خلاله حواصل نظرية وإجرائية، مترفعا عن المسوغات التي تطرحها منهجيات التأويل الأوحد والتي عادة ما تمارس سلطة مركزية في ضبط حدود الفهم لمعاني الأشياء.
و"بهذا يكون ريكور قد امتحن ذاته في مرآة التأويلات المتقابلة التي ما انفك يستقي من منابعها الأطر الفكرية والأشكال المفهومية، ويتجاوزها بصناعة مفاهيمه الخاصة"[49].
فكيف سيصنع بول ريكور شبكته المفهومية الخاصة بكل ما هو محايث ومجاور لمفهوم الغيرية؟
ريكور في سياق إرساء مفاهيمه الخاصة حول الذات والغيرية يعود دوما إلى الكوجيتو، إلى الذات التي جعل منها ديكارت محور الحقيقة في هذا الوجود، أو سر ارتباطه بهذا الوجود، فالأنا الديكارتية لطالما سعت لأن تبلغ التأسيس المطلق والنهائي ما يجعل الأنا أفكر مغالية في العظمة إلى أقصى حد ممكن، وهذا التعالي للأنا لم يقتصر حسب ريكور على ديكارت وحده بل امتد إلى كانط ومن ثمة إلى فخته ليصل إلى هوسرل من خلال مؤلفه تأملات ديكارتية.
غير أن أزمة الكوجيتو لا يجب مطالعتها بعيدا عن أصل انبعاثها، فما تلاه لا يعدو أن يكون تبعات مفهومة الحدوث، إذ يقول: "يكفي أن نحاول أن نتحقق من هذا الطموح في مكان ولادته، أي عند ديكارت نفسه، كي نرى أن فلسفته تشهد بأن أزمة الكوجيتو كانت متزامنة مع تأكيد الكوجيتو"[50].
لحظة تأكيد الكوجيتو كانت لحظة راديكالية، حينما وظف ديكارت شك لا يمكن فهمه وتوظيفه خارج الميتافزيقا. مصحوبا بصورة خرافية تتوهمها هذه الأنا وهي شيطان وروح خبيث تضلل آرائي.
غير أن هذا الكوجيتو ستتعقبه مطرقة نتشه، أراد توظيفها ليحطم بعدميته إرثا فلسفيا في فهم الذات وعلاقاتها المتشعبة. فبلغ هذا الكوجيتو ذروة نقده مع نتشه، الذي يسميه ريكور بالمناوئ الأكبر لديكارت. فـ"نعرف جيدا أن نتشه انتقد بشدة المفاهيم التقليدية للوعي، للذات والروح، فرفض الاختلاف المفترض بين ما هو داخلي وما هو خارجي، ليمثل لحظة أساسية في هذا النقد"[51].
لكن لم تحطم هذه التفكيكية النتشوية هذا الكوجيتو بشكل كامل، لأن الذات لم تمت حسب ريكور بل أضحى هذا الكوجيتو مجروحا، بسبب نتشه أولا، وبسبب إلغاء الآخر، وجعل التفكير ينصب بشكل مطلق حول الذات الفاعلة.
وأمام هذا التصور السلبـي للكوجيتو، والمنظور إليه من زاوية ارتيابية، تتراءى من خلالها الذات على أنها أكثر تشاؤمية، وأمام غياب تصور فلسفي لغوي كمعيار يضبط وفقه مغزى الوجود الإنساني وكوسيلة للتعامل مع المعاني المتعددة للذات والآخر، سيختار ريكور فكرة التوسطية بين الذات والآخر، أي إلزامية استحضار هذا الآخر والإنصات إليه، لأن وجوده ضروري في بعث ذات فاعلة تترحل في بوتقة نسق يدعى الغيرية، يمكننا من خلاله أن نكّمد جراح هذه الذات المجروحة، وجعلها أكثر انفتاحا على هذا العالم وعلى كل ما هو مختلف فيه، مدركة في الآن ذاته المسافات الزمنية بين ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وبالتالي فإن "هذا الفعل يسعى لتيسير الحوار بين ما كل هو مختلف، ويبحث في المسافة الفعلية داخل العلاقة القائمة بين الأنا والآخر، القريب والبعيد، بمساعدة التقسيم الموجود للوجود الكلي المنبث بين ثقافات متعددة"[52].
صفحة 9
وها هنا سيقحم ريكور اللغة لفهم هذه المعاني وإزالة اللبس الذي أضفته التفسيرات على المعنى الأصلي للأشياء.
- نحو نشريح لغوي لسؤال الذات والآخر:
لعل البداية التأسيسية لدراسة الذات والآخر لدى ريكور تتماهى بطريقة تفكيكية، وذلك عقب النكسات التي شهدها مفهومي الذات والأنا، لذا ستكون أول مرحلة ريكورية في ضبط المفاهيم تتمثل في تحديد الإطار المنهجي لسؤال الذات والآخر، "فنحن نسأل عن الذات بالقدر الذي نهم فيه بالإجابة عن سؤال من؟ وليس عن السؤال ماذا؟ أو لماذا؟ على هذا النحو فإن مقولات القول والقائل، ثم القدرة على الفعل والفاعل، ثم السرد والراوي، وأخيرا مسؤولية الأفعال والذات الحاملة للمسؤولية تخضع كلها للاستقصاء الفينومينولوجي"[53].
هذا الاستقصاء الفينومينولوجي سيدفع ببول ريكور إلى إقامة نوع من الفصل بين هذين المفهومين، فعلى المستوى المعجمي فإن هذا التباعد سيتخذ أشكالا مختلفة بحسب "الخصوصيات الصرفية النحوية الخاصة بكل لغة. ومن وراء هذا الترابط الإجمالي القائم بين الكلمة الفرنسية «soi» والكلمة الإنجليزية «self» والألمانية «selbst» والإيطالية «se» والإسبانية «semismo»، فإن قواعد هذه اللغات تتباعد. غير أن هذه التباعدات نفسها معبّرة حين تضيء كل خاصية نحوية صرفية جزءا من المعنى الأساسي المنشود"[54].
هذا التباعد اللغوي بين عدد من اللغات على المستوى النحوي والصرفي يمس بشكل كبير المعنى العام للمفاهيم ويؤثر في وظيفتها، ويمكن هنا مقاربة التعبير «soi» بالفرنسية مع التعبير بالإيطالية «se»: "ففيما يخص اللغة الفرنسية فإن كلمة «soi» تحدد منذ البداية كضمير منفصل يصاحب الفعل الذي يصرف مع ضمير منفصل يصاحب الفعل الذي يصرف مع ضمير الفاعل (..) إلا أن هذا الحظر يرفع إن نحن قاربنا التعبير «soi» من التعبير «se» الذي يتعلق بأفعال بصيغة المصدر"[55].
بعض التعابير والمفردات تتمأسس مفاهيمها من خلال الحيز اللغوي الذي نشأت فيه، فكل لغة تقبل مفاهيم لتعابير معينة أكثر مما تقبله لغة أخرى.
وقبالة هذا المشكل اللغوي ستتماهى مفاهيم الذات والآخر لدى ريكور من خلال مقاربة هذه التباعدات اللغوية، وإقامة إستراتيجية لغوية تعمل أساسا على تذليل المسافات القائمة خلف هذا التعدد اللغوي، فكان لا بد على ريكور قبل الخوض في مسألة الذات والآخر كقضية أخلاقية أن يؤسس لمفاهيمه الخاصة وتمييزها عن باقي أشكال الفهم، ليخلق نسقا تشكله بنى من المفاهيم يؤثر بعضها في الآخر بصفة تركيبية أو تحليلية، بنائية أو تضمنية، والنسق العام الذي يبتغيه ريكور مدخلا لهذه الإشكالية يتمثل في اعتماد صيغ لغوية واضحة لا لبس فيها كي يتمكن لاحقا من ضبطها فلسفيا، وأولى هذه الصيغ التي ضبطها ريكور هي للذات، فالقول "الإشارة للذات، (..) مشتق هو نفسه من قلب إلى اسم للمصدر، "أن يشير المرء إلى نفسه". إن هذه الصيغة هي التي سنعتمدها بعد الآن كصيغة صحيحة متماشية مع القواعد"[56].
عقب هذا الضبط اللغوي سينتقل ريكور إلى المفاهيم المؤسسة لسؤال الغيرية بغية استشراف النصوص الحاملة لها، إذ يرى أن محاولة توضيح معالم هذا السؤال وكشف امتداداته الوجودية لا بد أن يتولد عن وعي زمني عقلاني يتدارك اغتراب هذه المفاهيم وبالتالي اغتراب الفكر في التاريخ. لأن الغيرية باتت تمثل جوهر حركة التاريخ، وأن مستقبل الذات داخل هذا العالم منوط بترتيب مسبق يرزح تحت العلاقات التي تتحدد داخل نسق الغيرية.
إن هذه المساءلة اللغوية والوظيفية حيال مفهوم الغيرية لا يمثل إلا محاولة لنبش ما وراء هذا المفهوم من ممكنات، فالذات بوصف أمر وجودها حقيقة حتمية، فلن تتأتى اكتشافيته واستيعاب طبيعة ومعطيات هذا الوجود إلا من خلال الآخر، باعتبار أن الغيرية تمثل النموذج الإجرائي الموجه لحركية وتغيرات الذات والآخر على حد سواء.
وعليه فلا مناص من تطويق هذه المفاهيم في مجالها التداولي ثم الفلسفي، مع التأكيد على ضرورة التحرر من قيد هذه المفاهيم وإيجاد تقاربات إجرائية بين بعضها على جميع الصعد. ولعل أهم مقاربة سيقيمها ريكور داخل ثنايا هذا الإشكال والذي يحمل الكثير من اللبس في توظيفه سواء على المستوى الإجرائي أو الفلسفي، تتمثل في إقحامه لمفهوم الهوية كمفهوم مركزي يتماهى بناء عليه حدود فهم الميكانـزمات التي تمثل أنجع المسالك لولوج نسق الغيرية، وبالتالي ولوج العالم بذات واعية، وآخر فاعل يحقق التواصل- ولو بشكل نسبـي - بين الذات والعالم.
- نحو نشريح لغوي لسؤال الذات والآخر:
لعل البداية التأسيسية لدراسة الذات والآخر لدى ريكور تتماهى بطريقة تفكيكية، وذلك عقب النكسات التي شهدها مفهومي الذات والأنا، لذا ستكون أول مرحلة ريكورية في ضبط المفاهيم تتمثل في تحديد الإطار المنهجي لسؤال الذات والآخر، "فنحن نسأل عن الذات بالقدر الذي نهم فيه بالإجابة عن سؤال من؟ وليس عن السؤال ماذا؟ أو لماذا؟ على هذا النحو فإن مقولات القول والقائل، ثم القدرة على الفعل والفاعل، ثم السرد والراوي، وأخيرا مسؤولية الأفعال والذات الحاملة للمسؤولية تخضع كلها للاستقصاء الفينومينولوجي"[53].
هذا الاستقصاء الفينومينولوجي سيدفع ببول ريكور إلى إقامة نوع من الفصل بين هذين المفهومين، فعلى المستوى المعجمي فإن هذا التباعد سيتخذ أشكالا مختلفة بحسب "الخصوصيات الصرفية النحوية الخاصة بكل لغة. ومن وراء هذا الترابط الإجمالي القائم بين الكلمة الفرنسية «soi» والكلمة الإنجليزية «self» والألمانية «selbst» والإيطالية «se» والإسبانية «semismo»، فإن قواعد هذه اللغات تتباعد. غير أن هذه التباعدات نفسها معبّرة حين تضيء كل خاصية نحوية صرفية جزءا من المعنى الأساسي المنشود"[54].
هذا التباعد اللغوي بين عدد من اللغات على المستوى النحوي والصرفي يمس بشكل كبير المعنى العام للمفاهيم ويؤثر في وظيفتها، ويمكن هنا مقاربة التعبير «soi» بالفرنسية مع التعبير بالإيطالية «se»: "ففيما يخص اللغة الفرنسية فإن كلمة «soi» تحدد منذ البداية كضمير منفصل يصاحب الفعل الذي يصرف مع ضمير منفصل يصاحب الفعل الذي يصرف مع ضمير الفاعل (..) إلا أن هذا الحظر يرفع إن نحن قاربنا التعبير «soi» من التعبير «se» الذي يتعلق بأفعال بصيغة المصدر"[55].
بعض التعابير والمفردات تتمأسس مفاهيمها من خلال الحيز اللغوي الذي نشأت فيه، فكل لغة تقبل مفاهيم لتعابير معينة أكثر مما تقبله لغة أخرى.
وقبالة هذا المشكل اللغوي ستتماهى مفاهيم الذات والآخر لدى ريكور من خلال مقاربة هذه التباعدات اللغوية، وإقامة إستراتيجية لغوية تعمل أساسا على تذليل المسافات القائمة خلف هذا التعدد اللغوي، فكان لا بد على ريكور قبل الخوض في مسألة الذات والآخر كقضية أخلاقية أن يؤسس لمفاهيمه الخاصة وتمييزها عن باقي أشكال الفهم، ليخلق نسقا تشكله بنى من المفاهيم يؤثر بعضها في الآخر بصفة تركيبية أو تحليلية، بنائية أو تضمنية، والنسق العام الذي يبتغيه ريكور مدخلا لهذه الإشكالية يتمثل في اعتماد صيغ لغوية واضحة لا لبس فيها كي يتمكن لاحقا من ضبطها فلسفيا، وأولى هذه الصيغ التي ضبطها ريكور هي للذات، فالقول "الإشارة للذات، (..) مشتق هو نفسه من قلب إلى اسم للمصدر، "أن يشير المرء إلى نفسه". إن هذه الصيغة هي التي سنعتمدها بعد الآن كصيغة صحيحة متماشية مع القواعد"[56].
عقب هذا الضبط اللغوي سينتقل ريكور إلى المفاهيم المؤسسة لسؤال الغيرية بغية استشراف النصوص الحاملة لها، إذ يرى أن محاولة توضيح معالم هذا السؤال وكشف امتداداته الوجودية لا بد أن يتولد عن وعي زمني عقلاني يتدارك اغتراب هذه المفاهيم وبالتالي اغتراب الفكر في التاريخ. لأن الغيرية باتت تمثل جوهر حركة التاريخ، وأن مستقبل الذات داخل هذا العالم منوط بترتيب مسبق يرزح تحت العلاقات التي تتحدد داخل نسق الغيرية.
إن هذه المساءلة اللغوية والوظيفية حيال مفهوم الغيرية لا يمثل إلا محاولة لنبش ما وراء هذا المفهوم من ممكنات، فالذات بوصف أمر وجودها حقيقة حتمية، فلن تتأتى اكتشافيته واستيعاب طبيعة ومعطيات هذا الوجود إلا من خلال الآخر، باعتبار أن الغيرية تمثل النموذج الإجرائي الموجه لحركية وتغيرات الذات والآخر على حد سواء.
وعليه فلا مناص من تطويق هذه المفاهيم في مجالها التداولي ثم الفلسفي، مع التأكيد على ضرورة التحرر من قيد هذه المفاهيم وإيجاد تقاربات إجرائية بين بعضها على جميع الصعد. ولعل أهم مقاربة سيقيمها ريكور داخل ثنايا هذا الإشكال والذي يحمل الكثير من اللبس في توظيفه سواء على المستوى الإجرائي أو الفلسفي، تتمثل في إقحامه لمفهوم الهوية كمفهوم مركزي يتماهى بناء عليه حدود فهم الميكانـزمات التي تمثل أنجع المسالك لولوج نسق الغيرية، وبالتالي ولوج العالم بذات واعية، وآخر فاعل يحقق التواصل- ولو بشكل نسبـي - بين الذات والعالم.
صفحة 10
- ريكور وسؤال الهوية:
الهوية بمنظور ريكوري هي إستراتيجية تغييرية تتجاوز المساءلات الميتافزيقية لتتجه صوب الصور والنماذج التي تتمثل من خلالها الذات، وتشكل مجموعة تمثلاتها داخل العالم، فقد حاول ريكور أن يمنح تصورا جديدا للهوية ولمفهوم الزمن، تتحدد وفق هذا التصور علاقة الإنسان بنفسه، وعلاقته بالعالم أي بالآخر، فتتراءى بناء على هذه العلاقات مصير الإنسان وغايته في الحياة.
لكن قد لا يمكن تحديد معنى الهوية بعيدا عن التصورات الميتافزيقية وعن سلطة براديغم الذات الديكارتية، إلا مع تأويلية الذات، وإعادة البحث عن تصور فلسفي لمفاهيم الذات والهوية والشخص، تكون كمعيار يضبط وفقه مغزى وجود الإنسان من خلال ضبط أشكاله الهوياتية، وكوسيلة أيضا للتعامل الفعال مع الزمن.
وعليه فإن سؤال الهوية لدى ريكور سيتخذ مستويات ثلاث، تؤطرها تساؤلات ثلاث:
ماذا أكون أنا؟: هذا السؤال يناظر ويرمي إلى تحديد ميزة وخصوصية هذه الذات، وهذا التساؤل يدرجه ريكور ضمن ما يسميه بالهوية المتطابقة l’identité-idem.
- من أكون أنا؟: هذا السؤال يجيب عن قدرة الذات في الالتزام بكل وعودها، وهذا ما يسميه ريكور بالهوية الذاتية l’identité-ipse.
- ما يتوسط هذه الأنا؟: هذا السؤال لربما يمثل أهم مظاهر هذه الأنا، لأني "أنا" في الأساس حياة مروية، وهذا النمط الهوياتي يدعوه ريكور بالهوية السردية l’identité-narrative.
ويمكن أن نمفهم هذه العلاقات الهوياتية من خلال استيعاب دقيق لمختلف الجوانب التي تتداخل فيها هذه الأشكال المعطاة فضمن "تصور ريكور للهوية الشخصية نجدها تتألف من قطبين مرتبطين مع بعضهما وفق علاقة ديالكتيكية، أحد هذين القطبين يمكن أن يرسّم التوازن القائم بين الهوية العددية للشخص، والفعل الذي يؤكد أن الشخص هو ذاته (soi-même)، من جهة إسكان الشخص في الزمن، ومن جهة أخرى أكون أنا ذاتي (moi-même)"[57].
وعليه يمكن القول بأن العامل الذي كان وراء تماهي مفهوم الهوية لدى ريكور من خلال هذه الأنماط، تمثل في إدراك الرابط بين الذات والأنا، ما يترتب عنه ارتقاء وعينا بحركية هذه الأنا داخل الزمن المستمر، ما سيمنح الإنسان رؤية أكثر تفاؤلية للوجود وأسئلته المقلقة.
ولعل المنطلق الرئيس الذي خلص إليه ريكور في ضبط نسق الهوية وغيرية الذات تمثّل أولا "في استئناف سؤال "من؟" كما اقترحه هيدغر في الفقرة 25 من الوجود والزمان. وتحويله إلى مقام نموذجي للبحث الفلسفي بعامة، وثانيا تمييزه الرشيق بين بعض المصطلحات التي طورها هيدغر (..) بين مصطلحي «Mémeté» (الهوهوية أو التطابق المنطقي أو الرياضي و«Ipséité») الهوية التي ترفع الهوية identité الشخصية أو الجماعية من الدلالة الأنثروبولوجية للإنسان إلى الدلالة الفينومينولوجية للهو. وثالثا افتراضه بأن حل مسألة الهوية من حيث إنها تتقوّم أساسا بضرب معين من الزمانية هو "الاستمرار في الزمان"، يكمن في استعمال القصص (le récit) والسرد (la narration) لتشكيل هوية سردية"[58].
بمقتضى هذا التشكيل تتحول الهوية بالرؤية الفلسفية المجردة إلى كيان مرحلي تتعاقبه أطوار تسلسلية تماثل مراحل التكوين البيولوجي لدى الإنسان، تتداخل ضمن نسق زمني يحدد الآليات وتتمظهر من خلاله أفعال الذات كتيار متدفق مهما زادت سرعته وهيجانه فهي تحافظ على شكلها الهوياتي، وفي هذا الصدد يطرح ريكور مثال يرى على أنه "يمسنا جميعا من قريب هو ديمومة الترميز الجيني لفرد بيولوجي، إن ما يبقى هنا هو تنظيم نسق تركيبـي، إن فكرة البنية المعارضة لفكرة الحدث تتمشى مع هذا المعيار للهوية، وهو أقوى ما يمكن من المعايير، هذه الفكرة تثبت الطابع العلائقي للهوية"[59].
غير أنه لا يمكن أن نستوضح حدود الفهم الريكوري للهوية دون الحديث عن أزمة الوعي داخل الحقل الفلسفي.
الهوية بمنظور ريكوري هي إستراتيجية تغييرية تتجاوز المساءلات الميتافزيقية لتتجه صوب الصور والنماذج التي تتمثل من خلالها الذات، وتشكل مجموعة تمثلاتها داخل العالم، فقد حاول ريكور أن يمنح تصورا جديدا للهوية ولمفهوم الزمن، تتحدد وفق هذا التصور علاقة الإنسان بنفسه، وعلاقته بالعالم أي بالآخر، فتتراءى بناء على هذه العلاقات مصير الإنسان وغايته في الحياة.
لكن قد لا يمكن تحديد معنى الهوية بعيدا عن التصورات الميتافزيقية وعن سلطة براديغم الذات الديكارتية، إلا مع تأويلية الذات، وإعادة البحث عن تصور فلسفي لمفاهيم الذات والهوية والشخص، تكون كمعيار يضبط وفقه مغزى وجود الإنسان من خلال ضبط أشكاله الهوياتية، وكوسيلة أيضا للتعامل الفعال مع الزمن.
وعليه فإن سؤال الهوية لدى ريكور سيتخذ مستويات ثلاث، تؤطرها تساؤلات ثلاث:
ماذا أكون أنا؟: هذا السؤال يناظر ويرمي إلى تحديد ميزة وخصوصية هذه الذات، وهذا التساؤل يدرجه ريكور ضمن ما يسميه بالهوية المتطابقة l’identité-idem.
- من أكون أنا؟: هذا السؤال يجيب عن قدرة الذات في الالتزام بكل وعودها، وهذا ما يسميه ريكور بالهوية الذاتية l’identité-ipse.
- ما يتوسط هذه الأنا؟: هذا السؤال لربما يمثل أهم مظاهر هذه الأنا، لأني "أنا" في الأساس حياة مروية، وهذا النمط الهوياتي يدعوه ريكور بالهوية السردية l’identité-narrative.
ويمكن أن نمفهم هذه العلاقات الهوياتية من خلال استيعاب دقيق لمختلف الجوانب التي تتداخل فيها هذه الأشكال المعطاة فضمن "تصور ريكور للهوية الشخصية نجدها تتألف من قطبين مرتبطين مع بعضهما وفق علاقة ديالكتيكية، أحد هذين القطبين يمكن أن يرسّم التوازن القائم بين الهوية العددية للشخص، والفعل الذي يؤكد أن الشخص هو ذاته (soi-même)، من جهة إسكان الشخص في الزمن، ومن جهة أخرى أكون أنا ذاتي (moi-même)"[57].
وعليه يمكن القول بأن العامل الذي كان وراء تماهي مفهوم الهوية لدى ريكور من خلال هذه الأنماط، تمثل في إدراك الرابط بين الذات والأنا، ما يترتب عنه ارتقاء وعينا بحركية هذه الأنا داخل الزمن المستمر، ما سيمنح الإنسان رؤية أكثر تفاؤلية للوجود وأسئلته المقلقة.
ولعل المنطلق الرئيس الذي خلص إليه ريكور في ضبط نسق الهوية وغيرية الذات تمثّل أولا "في استئناف سؤال "من؟" كما اقترحه هيدغر في الفقرة 25 من الوجود والزمان. وتحويله إلى مقام نموذجي للبحث الفلسفي بعامة، وثانيا تمييزه الرشيق بين بعض المصطلحات التي طورها هيدغر (..) بين مصطلحي «Mémeté» (الهوهوية أو التطابق المنطقي أو الرياضي و«Ipséité») الهوية التي ترفع الهوية identité الشخصية أو الجماعية من الدلالة الأنثروبولوجية للإنسان إلى الدلالة الفينومينولوجية للهو. وثالثا افتراضه بأن حل مسألة الهوية من حيث إنها تتقوّم أساسا بضرب معين من الزمانية هو "الاستمرار في الزمان"، يكمن في استعمال القصص (le récit) والسرد (la narration) لتشكيل هوية سردية"[58].
بمقتضى هذا التشكيل تتحول الهوية بالرؤية الفلسفية المجردة إلى كيان مرحلي تتعاقبه أطوار تسلسلية تماثل مراحل التكوين البيولوجي لدى الإنسان، تتداخل ضمن نسق زمني يحدد الآليات وتتمظهر من خلاله أفعال الذات كتيار متدفق مهما زادت سرعته وهيجانه فهي تحافظ على شكلها الهوياتي، وفي هذا الصدد يطرح ريكور مثال يرى على أنه "يمسنا جميعا من قريب هو ديمومة الترميز الجيني لفرد بيولوجي، إن ما يبقى هنا هو تنظيم نسق تركيبـي، إن فكرة البنية المعارضة لفكرة الحدث تتمشى مع هذا المعيار للهوية، وهو أقوى ما يمكن من المعايير، هذه الفكرة تثبت الطابع العلائقي للهوية"[59].
غير أنه لا يمكن أن نستوضح حدود الفهم الريكوري للهوية دون الحديث عن أزمة الوعي داخل الحقل الفلسفي.