eKtab
EN ع
بونا هكتور
اقرأ عينة مجانية

بونا هكتور

بقلم جورج فرشخ

صفحة 1
إهدن-زغرتا لدى عودته من روما

1- لجنة الاستقبال وبركة البطرك

لم تكن ليلى بعلبكي (1) في استقبال بونا هكتور في مرفأ بيروت، لدى عودته النهائية من روما. كانت مشغولة بإعداد محاضرتها في الندوة اللبنانية بعنوان "نحن بلا أقنعة". وهذه الآنسة تأبى إلا أن تتكلم باسم الشبيبة اللبنانية بنصفيها، لا سيما المزعوم ضعيفًا.

ما الذي حدا بميشال أسمر (2) إلى ركوب هذه المغامرة؟ منذ أقل من سنة، أصدرت الآنسة الكريمة روايتها "أنا أحيا". ومنذ ذلك الحين وهي تخضّ بيروت الأدبية، وتهيّج الكتَّاب والنقاد، وتثير ردود الفعل المؤيدة والرافضة، لأنها لم تكتب بالقلم، بل شهرت لسانًا سليطًا زفرًا. وبالجرأة التي يتميّز بها الشباب، قطعت رؤوسًا وحطّمت قيودًا، وأزالت حدودًا، ولم تعد تعترف لأحد بسلطة، ولا لنوع أدبي بحرمة، لا بالمعنى ولا بالمبنى، لا بالأسلوب ولا بالفكرة.

وستزايد على نفسها وعلى روايتها في المحاضرة، وتلامس الوقاحة والنزق في رفضها الواقع والعادات والتقاليد الموروثة، في كل مرة تأتي على ذكر لسان أو قلم. ولن تكتفي بنزع القناع، ولا بتجريد بطلتها من رياء الحياء، ولا باتخاذ الجنس عنصرًا لتحفيز القارىء، بل جعلت من هذه العناصر كلها الأدوات لتفكيك الرواية العربية التقليدية، والقفز بها في رياح مغامرة لا تدري، وليست مستعدة لأن تدرك، ولا لأن تتوقع نتائجها. أليست هذه من لوازم المغامرين الخلاقين؟

ولا كان يوسف الخال (3) ولا أدونيس (4) ولا أنسي الحاج (5) على الرصيف ليرحبوا بالخوري الشاب العائد بحماسة ليخدم في رعية إهدن-زغرتا، مفضلاً أيّاها على البيروقراطية الكنسية في الفاتيكان، لأن الثلاثي أدونيس و الخال و الحاج كان منصرفًا إلى تحضير العدد الأخير من مجلة شعر التي أحدثت ثورة في الثقافة العربية، وفتحت آفاقًا جديدة أمام الشعر، وحرّرته من القافية، لتطلقه في رحاب المواضيع الإنسانية كلها، وتخلق مدارس جديدة اختلف الناس في تقبّلها، وتقويمها، وتقديرها، وتمكنت من فرض نفسها، لاسيما بعد أن انضم إليها شعراء أفذاذ من أمثال محمد الماغوط ، خليل حاوي ، محمود درويش ، بدر شاكر السياب (6)، وغيرهم كثيرون.

بونا هكتور لم ينظم الشعر أبدًا. كان يقرأه في دواوين هؤلاء الأصدقاء، وعلى وجوه الأولاد الصغار المتقدمين للمناولة، ببهجة الإيمان البريء ومتعته، وفي مناظر إهدن، من أي جهة أطلق العنان فيها لعينيه الثاقبتين. لكن ذلك لم يمنعه من الانضمام إلى هذه المجموعة من المبدعين، وحضور بعض اجتماعاتهم في مجلة "شعر". كما سيشترك في الحياة الأدبية الناشطة في بيروت، ويقيم علاقات مميزة مع عدد من الشعراء المجددين والرواد والإعلاميين الأفذاذ.

ولا كان الخوري غريغوار حداد (7) فاضيًا ليذهب إلى المرفأ من أجل الترحيب بالخوري الجديد نظراً لارتباطه بسلسلة اجتماعات مع المسؤولين والناشطين في حركته الاجتماعية التي لم يمض وقت طويل على إطلاقها، وقد استقبلت استقبالاً حارًا من كل الذين أتيح للخوري غريغوار أن يجتمع بهم. فهو بالكاريسما التي يتمتع بها، كان قادرًا على إقناع أي إنسان بضرورة إشاعة شيء من العدل الاجتماعي من أجل تخفيف آلام الفقراء والمحرومين، وتشجيع الأغنياء والأقوياء على مساعدة الضعفاء، ليس من قبيل الحسنة والشفقة، بل على أساس شعورهم بالتضامن معهم باعتبار أنهم جزء من هذا المجتمع، وأن المجتمع يكبر في عين ذاته وفي عيون الآخرين، ويزداد نبلًا وشرفًا إذا شملهم برعايته وسعى لتوفير فرص العمل للعاطلين عنه.

منذ البداية، حرص الخوري غريغوار حداد على الابتعاد بجمعيته عن أي مرجعية دينية أو طائفية، وأرادها حركة مدنية تتوجه إلى أفراد المجتمع اللبناني كله، بأديانه ومذاهبه وطوائفه، فكانت الجمعية الأولى من نوعها التي تعمل بهذه الروحية، والتي غيرت النظرة إلى العمل الاجتماعي، وانتقلت به إلى أبعاد جديدة متجاوزة الطبقية والطائفية والعنصرية. ومنذ لقائهما الأول، نشأت بينهما علاقة محبة أخوية ورسولية، أدت بالبونا هكتور إلى تأسيس فرع للحركة في إهدن-زغرتا.

حتى الملازم أول أحمد الحاج تخلّف عن الذهاب إلى الميناء لاستقبال البونا هكتور. صحيح أنه لم تكن بينهما معرفة، ولن تقوم بينهما علاقة، وما حال دون أن يذهب الملازم الشاب إلى اللقاء انشغاله بتداعيات خيمة الرئيسين فؤاد شهاب و جمال عبد الناصر ، التي أشرف شخصيًا على نصبها على الحدود اللبنانية السورية. كانت الخيمة (8)، بحد ذاتها، انقلابًا على أسلوب الرئيس كميل شمعون في التعاطي مع الدول العربية. وفي مفاوضات استغرقت ثلاث ساعات، كانت كافية لتحدث تغييرًا جذريًا في سياسة لبنان العربية. واتفق الرئيسان فؤاد شهاب و جمال عبد الناصر على أن تمتنع الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا) من التدخل في شؤون لبنان، مقابل أن يتخلى لبنان عن سياسة المحاور العربية وأن يجمّد الدعوى التي تقدم بها كميل شمعون من الجامعة العربية، أولاً ثم من مجلس الأمن الدولي.

بعد تصحيح علاقاته مع الدول العربية تمكن الرئيس فؤاد شهاب من أن ينصرف إلى بناء دولة المؤسسات، فأنشأ المصرف المركزي وديوان المحاسبة ومجلس الخدمة المدنية واستعان ببعثة دولية لتفعيل التنظيم المديني، ستضم البونا هكتور بين صفوفها، هي بعثة إيرفد الفرنسية.

ولم يكن في المرفأ خوري ولا راهب ولا راهبة لاستقبال الدكتور العائد مظفرًا وممتلئًا حماسةً. كانوا مشغولين بالصلاة والصوم، وبالحفاظ على التقاليد الأصيلة المتوارثة من أجيال وقرون. كان لا يزال عندنا راهبات محصّنات، في الرهبنة اللبنانية، مكرّسات للصلاة والصوم والتهجّد. لا يظهرن على المؤمنين، إلا من خلف القضبان الحديدية. لا يتحرّكون ولا يحرّكون. يقدسون من رؤوس شفاههم، ويرتلون ويقولون الكلام الجوهري بلغة لا يفهمها جمهور المؤمنين. ويجنّزون ويتقاضون أجرًا عن التقوى والببغائية، بالخشوع والوثنية، بالورع والضجر المشهود لهم به من مئات السنين.
صفحة 2
كان التغيير آخذًا طريقه في معظم الحقول، ما عدا الحقل الديني الماروني. كان محصورًا ومسيجًا، ومقفلًا عليه بقفل من حديد أكله الصدأ فتعطّل. وكان لبنان يغلي بالحياة والمشاريع، كأن اللبنانيين لم يصدقوا أنهم خرجوا سالمين ومتّحدين، من ثورة 1958، لا غالب فيهم ولا مغلوب. انصرفوا إلى العمل، ما عدا إهدن-زغرتا التي ظل أهلها على فرقتهم وقسمتهم.

وصل الخوري الشاب إلى ميناء بيروت الدولي على متن الباخرة الإيطالية باتشي (Pace) . لم تكن تنتظره إلا رحمة الله.

سؤال: لم تخفْ من دوار البحر؟

بونا هكتور: كنت ألبط الحائط فأهدّه، وأخبط رجلي في الأرض فتهتزّ. كان كل شيء على متن الباخرة يتمايل، وأنا الثابت.

- التواضع حلو.

بونا هكتور: والحقيقة أحلى. لم تكن رحلتي الأولى في الباخرة. منذ إرسالي إلى إيطاليا في العام 1952، قمت بعشر رحلات ذهابًا وأيابًا، ودائمًا على متن باتشي. كان عندنا على خط بيروت البحري باخرتان إيطاليتان: باتشي وإيسبيريا (Esperia) . المسلّي في الموضوع، أنني كنت أقع دائمًا على باتشي. ولم أتذمّر أبدًا، بالعكس، كنت أشعر وكأنني في بيتنا. كنت أرتاح كثيرًا وأتأمل أكثر.

في ذلك الفضاء الفسيح بين الزرقتين، والباخرة تتمايل به، كانت إهدن-زغرتا ترافقه. كان يفكر فيها، ويخطط لها، ويرسم التصاميم. ويصلّي ويقرأ، استعدادًا لخدمتها. كان صامتًا، يحاور البحر، ومن تلك الحوارات خرج المستقبل.

حقيبته دائمًا مليئة، في الذهاب والإياب. كتب، وكتب، ودفاتر وأقلام. وأثمن ما فيها حذاء كرة القدم، ونسخ من أطروحته.

من المرفأ إلى البرج فشختان، وبـ"البوسطة" إلى طرابلس في نقليات الأرز. لم يكن الأحدب قد فتح بعد مكتب النقليات المجهز بأحدث الحافلات المكيّفة وذات المقاعد المرقمة. وإلى زغرتا، بربع ليرة.

كانوا بانتظاره بقلوب ملؤها الفخر، والاعتزاز، والشوق. كان دائمًا لغيابه فراغ. قبّل والدته حسيبة وأخته خزعة ، وأشقاءه الثلاثة بالترتيب: بدوي ، و بطرس ، و جورج . كي لا يحتج أحد. آل يوسف الدويهي دقيقون وحريصون على التراتبية، وعلى ألا يأخذ أحدهم عادات سيئة، أو يسجّل سابقة خطرة فيختل النظام العام. كلهم عطف ولطف، وكل واحد في مكانه، فتنتظم الأمور. وإذا غلّط أحدهم لن يحاكموه، ولكنهم يسمّعون وينبّهون ويلطّشون. وإذا ثنّى وثلّث، لن تقوم القيامة. كلّنا معرّضون للغلط. والخوري حاضر دائمًا للصفح والغفران. وإذا تعظّمت الأمور، أم الخوري لها كلمتها المسموعة. كلهم مشاكسون، ولكن بالدور. صغيرهم جورج يزيدها أحيانًا. بالشهامة المشهود لهم بها، يغفرون له، أو يتجاهلونه، أو يعاتبونه، فهو الصغير. وقد تخرّج من الجامعة بشهادة حقوق، واحتل منصب مدير في المصرف المركزي، وانتزع مركزًا مرموقًا في المجتمع، وتزوّج، وأنجب، وزوج، وأصبح جدًا... ولا يزال الصغير في بيت يوسف الدويهي . سبحان الله.

ارتاح الخوري ليلة أو ليلتين، وزار كنيسة السيدة، وأكل كبة نية، وكبة مشوية، وكبة بالصينية، وكبة أقراص، وكبة باللبنية، وكبة مطبقة، وكبة كباكيب، وكبة كذابية، وكبة أرنبية. وذهب إلى بكركي، يقبّل يدي غبطة البطرك بولس بطرس المعوشي (9)، ويتبرك منه ويطلب رضاه.

كان اللقاء بينهما لقاء الأحبة. لقاء الأب العطوف والفخور، والابن الوفي والشكور، يغمر كلاً منهما شعور بالسعادة، لأنهما من موقعيهما، قام كل منهما بالواجب على أكمل وجه، البطرك بإرساله الإكليريكي إلى روما، والخوري لأنه لم يخيّب ظن البطرك به. عاد بشهادة دكتورا، وبرغبة قوية وصادقة بالعمل في حقل الرب في المكان الذي يضعه فيه رأس الكنيسة المارونية.

البونا هكتور: بالفعل، كان اللقاء أكثر من ودي. كان أبويًا من جانبه وبنويًا من جهتي. كنت أشعر بفرح يطفح من نفسي وأنا أركع أمامه، وأطلب منه بركته. وأحسست أنه يباركني بعطف، ويلمس رأسي بيمينه. ويرفعني برقة الأب الفرحان بعودة ابنه من رحلة طويلة. كان يخشى أن تبتعد به عن الحظيرة.

بعد أن اطمأن صاحب الغبطة إلى أوضاعه الشخصية، وإلى نتيجة تحصيله العلمي، سأله عن مشاريعه المستقبلية.

البونا هكتور: تمنيت أن يرسلني غبطته خادمًا لرعية إهدن-زغرتا. شعرت كأنه فوجىء.

سؤال: ربما تساءل بينه وبين نفسه: خمس سنوات في روما وباريس، في أهم المدارس والجامعات وأشهرها في اللاهوت والفلسفة، وشهادة دكتورا، وأطروحة عن ابن القلاعي ، ويريد أن يعود إلى إهدن-زغرتا؟ هل يوجد في إهدن-زغرتا من يعرف من هو ابن القلاعي ؟ (10) .

البونا هكتور: لن أتيه في الافتراضات ولا في التكهنات، ولن أزعم أنني عرفت ماذا يجول في رأس غبطة البطرك. لكنه قال لي بلهجة الناصح والمرشد: "لماذا إهدن-زغرتا؟ فيها عدد كاف من الكهنة. وماذا ستفعل في إهدن-زغرتا؟"

سؤال: ألا يقصد ماذا ستفعل في إهدن-زغرتا بالعلم الذي تعبت كي تحصل عليه؟

البونا هكتور: أترك لك أن تتصوّر ما تريد. المهم، أجبته أنني أريد أن أخدم في إهدن-زغرتا، عند أهلي وأبناء مدينتي. شعرت، مرة ثانية، أنه تردّد لحظة وانقبض، ثم قال: "كما تريد، الله يرضى عليك. إذهب إلى إهدن-زغرتا. انشا الله تؤثر عليهم وتضع في رؤوسهم اليابسة شيئًا من العقل، لا أن يؤثروا فيك ويعملوك مجنونًا مثلهم".

سؤال: كان عنده روح النكتة ويسمح لنفسه بأن يمازح خوريًا شابًا، عائدًا لتوّه من روما؟

البونا هكتور: كان قوي الشخصية، حاضر البديهة، إذا أراد أن يضحك يعرف كيف يأتيها. وطبعًا لم يكن مستعدًا لأن يهب ابتسامته لأول قادم إليه. وقفت بين يديه، وركعت ثانية، وطلبت أن يباركني ففعل. تناولت يده وطبعت عليها قبلة حارة. استدرت وخرجت.
صفحة 3
2- إهدن-زغرتا البداية والنهاية

يتذكّر البونا هكتور أنه كان زاخر القلب بالغبطة ومفعم الصدر بالرجاء، وهو يغادر بكركي. أحس وكأنه يطير لشدة ما كان خفيفًا، رشيقًا. جاء بطلب واحد: رعية إهدن-زغرتا. وإذا به يعود بالرعية، وبهديتين: بركة أبينا البطرك وابتسامته العزيزة.

من الأساس، رهن نفسه لإهدن-زغرتا. قبل أن يعرض عليه البطرك المعوشي السفر إلى روما كان عاهد نفسه ألا يخدم إلا رعية إهدن-زغرتا. الرعايا كلها خدمتها واجب مقدس. وهي بالتأكيد أرْيَح وأهم، وأشد تقديرًا لراعيها. وهو يسعى خلف الصعوبة والتعب في إهدن-زغرتا، ومع أبناء إهدن-زغرتا. لم يكن متوهّمًا. كان واثقًا أنه سينهك معهم. ولكنه لم يعمل كاهنًا ليطلب الراحة والترف. هو أكثر من يعرف أن العمل في حقل الرب ليس سلوى، خصوصًا في أيام القسمة والتقاتل. ويصرّ على البقاء بينهم، لأنه يعرف في العمق أن هذه رسالته الحقيقية، وأنه لم يولد في تلك البيئة، ولتلك العائلة كي يختار السهولة، بل كي تكتمل فيه إرادة الخالق.

حين اختاره البطرك المعوشي للسفر إلى روما، ترجم الطالب الإكليريكي هكتور الدويهي تلك الرحلة على أنها هدية من سيدة زغرتا، ونعمة من ابنها الحبيب، ليزداد علمًا وإيمانًا، ويعود إلى إهدن-زغرتا مسلّحًا بطبقة سميكة من الثقافة. وتوطدت عزيمته على البقاء فيها للتصدي لمشاكلها وتعقيدات أبنائها، ويحاول معهم إيجاد الحلول الموآتية لها.

إهدن-زغرتا هي البداية والنهاية. ألم يحفر أحدهم على الجدار المتاخم لمذبحها الطاهر حرفي الألفا والأوميغا (L’Alpha et l’Omega) الألف والياء؟ لقد أمضى هكتور سنوات طويلة من طفولته ويفاعته وهو يتساءل عن مغزى هذين العملين الفنيين ومعناهما، وخلص إلى الاعتقاد بأنهما للزينة. وحين اكتشف المعنى، وكان قد ارتدى الجبة السوداء لانتسابه إلى الإكليريكية الصغرى في غزير، شكّل ذلك الاكتشاف مفاجأة له، وأعطاه معنى دينيًا، ووجد فيه رسالة خاصة به، كانت تنقل في الأصلاب عند آل طنوس الدويهي وصولاً إليه، حتى إذا ولدته أمه نظر إليه أبوه يوسف بولس طنوس الدويهي، وقال: "إنه منزور لخدمة مذبح سيدة زغرتا".

البونا هكتور لم يسمع بهذه الرواية. الذين عايشوا والده يؤكدون شعوره العميق بضرورة تكريس بكره للكنيسة، واصطدموا بإصراره غير العادي على إرساله باكرًا إلى المدرسة الإكليريكية، وحرصه على متابعة مسيرته فيها، وعدم تساهله معه في كل ما من شأنه أن يلهيه أو يصرفه عن دعوته.

البونا هكتور: كان قاسيًا عليّ منذ الصغر. قليل أن أقول إنه أحبني. لكنه كان صارمًا معي. ولا أذكر أنه مارس تلك القسوة على إخوتي. كان يريدني منزهًا عن الخطأ. كان يريدني منظمًا، مرتبًا، محترمًا نفسي قبل الآخرين، أنوفًا بغير كبرياء. وعندما كنت أعود من المدرسة الإكليريكية كان يبدي احترامًا كبيرًا للجبة السوداء التي ألبسوني أيّاها باكرًا جدًا. وكان يزداد حبًا لي وخشونة عليَّ، ما كان يسمح لي بأن أفارقها ولا بأن أهينها، حتى عندما كنت ألعب فوتبول. كانت تضايقني كثيرًا في الحركة، لكن سرعان ما اكتشفت طريقة لاستخدامها لمصلحتي في اللعب. كنت أخبىء الكرة تحت أطراف الجبة وأهجم بها على المرمى، واللاعبون في حيرة من أمرهم لأنهم لا يرون الكرة... ولم يكن يسمح لي بأن أخلعها في البيت. كما كان يفاخر بمرافقتي إلى الكنيسة، ويضرع إلى السيدة بكل ما في إيمانه من حرارة من أجل أن تثبتني في دعوتي الكهنوتية. وكم كان يعتز حين يبارك له أصحابه بترقيتي.

"مسكين والدي، لم يعش ليكحّل عينيه برؤيتي وأنا أحتفل بالقداس على مذبح سيدة زغرتا. كم كنت أتوق لأن أناوله القربان المقدس في سيدة زغرتا، أو في كنيسة مار بطرس جارنا القريب في إهدن. وأحنّ إليه حين أسمع والدتي تترحّم عليه، وتأسف بدورها لأنه لم يعش ليراني كاهنًا. الله يرحمه. أذكره دائمًا في صلواتي".
صفحة 4
3- اللقاء الحاسم مع الخوري اميل

بهذه الصور والأفكار الخاصة، توجه البونا هكتور إلى بيروت. بالتحديد، إلى كنيسة مار جرجس للموارنة، في الشارع العريض المؤدي إلى ساحة رياض الصلح . لم يكن تمثال صاحب الطربوش المنحرف قد ارتفع فيها بعد. الكنيسة تقترب من بازيليك "القديسة ماري ماجور" في روما، إحدى روائع الفن المعماري الكاثوليكي. ولكن بحجم أصغر. وتقع في مقابل العازارية، أحد أكبر المراكز التجارية في حينه في الشرق الاوسط. لم يكن على موعد، لكنه يعرف أن أخاه في الكهنوت وصديق العمر الخوري اميل بولس سعاده يعاون المطران اغناطيوس زياده ، راعي أبرشية بيروت المارونية، ومقره في مار جرجس. إذا أسعده الحظ يعثر عليه في المطرانية.

الخوري اميل : عرفته من وقع خطواته. نهضت إلى الباب، واحتضنته. لاحقًا اكتشفت أنه لا يحب الاحتضان. لكن في ذلك اللقاء، كنت في غاية الشوق إليه، للتعبير له عن شكري العميق على الهدية التي لا تقدر بثمن والتي بعث بها إلي يوم سيامتي بالضبط.

سؤال: لكنه كان في روما؟

الخوري اميل: هذا ما زاد من قيمتها. لم أعد أذكر كيف علم بموعد سيامتي الكهنوتية.

عند أول مشوار له إلى لبنان بعد انتهاء "الثورتين": المسلّحة ضدّ التجديد للرئيس كميل شمعون ، والسلمية ضد حكومة رشيد كرامي في بداية عهد فؤاد شهاب (1958)، زار الخوري الجديد هكتور الدويهي الخوري بولس سعادة في بيته، وقدّم له التهنئة على عمله الرعوي والتوفيقي الذي قام به في زمن المحنة الكبيرة. وشدّد على أهمية الاجماع الإهدن-زغرتاوي على اسمه، وهم الذين كادوا يختلفون حتى على السيدة. ألم يستهدفوا كنيستها بالرشاشات؟ وصليب القبة الأصلية، من الذي فجم ذراعه اليمنى؟ مسلمو طرابلس أم فلسطينيو نهر البارد؟

وأثنى الخوري الشاب على جرأة الخوري بولس ، وأكّد له أنه يتخذه مثلاً أعلى، ويقتبس منه أمثولات للعمل في إهدن-زغرتا، والاقتداء به في نشاطه الرعوي.

البونا هكتور: لشدة تواضعه وتقواه، كان يقلّل من أهمية ما فعل. كان مصرًا على أنه قام بواجبه كخادم رعية، ليس أكثر. كان متكلاً على سيدة زغرتا التي قذفت في قلوب المتقاتلين شيئًا من الرحمة، فسمحوا له بالتجول بين "خطوط التماس"، دون أن يؤذوه، للحفاظ على خطّ الاتصال الوحيد بين قسمي المدينة، كما قال مبتسمًا ومحجّمًا إنجازه.

في تلك الزيارة، سأل البونا هكتور الخوري بولس عن أفراد عائلته جميعًا، وحين أخبره أن نجله الأصغر اميل سيرتسم كاهنًا في موعد قريب، سجّل البونا هكتور تاريخ السيامة، ووطّد النفس على أن يفاجىء صديقه وزميله في الكهنوت. وكان ذلك القرار نوعًا من إلهام رباني، نظرًا للتأثير الحاسم الذي سيتركه على العلاقات بين الاثنين.

المطران اميل بولس سعادة : كانت المفاجأة أكبر مما يمكن أن تتصور وأحلى. وأشد وقعًا. مساء اليوم الذي ارتسمت فيه، تسلمت رقيمًا بابويًا يبارك رسامتي ويهنئني. كنت شابًا، وكلي حماس واندفاع للقيام برسالتي. وإذا بتلك البركة تهبط عليَّ من السماء. أن يرسل إلي رأس الكنيسة الكاثوليكية رقيما رسميًا باسمي يحمل بركته؟ أن يخاطبني ممثل السيد المسيح على الأرض شخصيًا وباسمي؟ كبر قلبي حتى ضاق به صدري، ولم تعد تتسع لي الدنيا. لو طُلب مني أن أبشر في أفغانستان والصين، أو في مجاهل أفريقيا لما ترددت، وكنت تمنيت فوق ذلك الشهادة.

البونا هكتور: لدى عودتي إلى روما، وكنت أعمل بالقطعة في إذاعة الفاتيكان الناطقة بالعربية، سألت وتقصّيت عن الطريقة للحصول على تلك البركة، وعملت اللازم كي تصل في اليوم ذاته، يوم رسامته.

الخوري الشاب رأى في تلك البركة إشارة سماوية، نزلت عليه بفضل صديقه وزميله في الدعوة الكهنوتية.
صفحة 5
كان اللقاء بين الخوريين الشابين هكتور و اميل مؤثرًا. وكان مفيدًا، وشكل منعطفًا في حياة الاثنين معًا. سأله البونا هكتور عن طبيعة نشاطه. أسهب الخوري اميل في شكر المطران زيادة ، الذي أخذه على عاتقه، والذي يرشده، ويدربه، ويكل إليه مهمات دقيقة. استمع البونا هكتور باهتمام، وأثنى على همّة المطران زيادة ، خصوصًا وأنه يعرفه شخصيًا، وتتلمذ على يده. وصمت. ثم غرز عينيه بعيني صديقه الذي يطفح وجهه فرحًا وبشرًا لوجوده إلى جانبه، وقال له بصوت تغيّر لشدّة ما حمّله من جديّة وإصرار.

البونا هكتور: مكاننا في زغرتا. زغرتا بحاجة إلينا أكثر من أي رعية أخرى. يجب أن نذهب معًا إلى زغرتا. هناك حقل عملنا. هناك نبث روح المحبة المسيحية، ونقاوم رغبات الثأر الدموي، ونزرع الفرح وحب الحياة. أهلنا في زغرتا يستحقون منا أن نبذل جهودنا في سبيل إخراجهم من أزمتهم الرهيبة. دورنا أن نحاول إبعاد شبح الموت المسيطر على أذهان الجميع، وعلى أفكارهم ونيَّاتهم. يجب كسر هذه الحلقة، والقضاء على الدائرة الفارغة الفاسدة. زغرتا اليوم غير زغرتا التاريخ. زغرتا اليوم زغرتا البكاء والنحيب، والقتل والثأر والندب الكئيب، أو الهجرة وفراق الأحبة، هربًا من هذا الوضع الذي لا يطاق. عندنا مشاريع كثيرة لزغرتا...

الخوري اميل ، مقاطعًا بحماسة: أنا معك. أنا خلفك. تقول: إلى زغرتا، إلى زغرتا، أهلنا أحق بنا من غيرهم. ونحن أعرف بهم من غيرنا.

هذا كل ما كان البونا هكتور يريد أن يسمعه. بعد قليل، ودّع صديقه بالحرارة التي استقبله بها، وإلى البرج ليركب "بوسطة الأرز" إلى طرابلس، ومنها بالسرفيس إلى زغرتا. أصر السائق على ألا يأخذ ربع ليرة، أجرة النقلة عادة، رمى البونا هكتور بنصف ليرة، وأدار ظهره، وهو يتمتم ويجمجم. للمرة الثانية "يعملونها" به. يتظاهر السائق بأنه لا يريد أن يقبل منه الأجرة، وغالبًا ما يكون صادقًا بعدم قبول الأجرة. البونا هكتور لا يشكك بما في الصدور. لكن الخوري يأبى إلا أن يدفع، فيضطر إلى ترك نصف ليرة أو ليرة، إذا لم يكن معه قطع معدنية بالربع. لن يعملوها به مرة ثانية. سيتزود بقطع الأرباع على شهر. ولكن من أين يأتي بالأرباع، والصينية يوم الأحد ليس فيها إلا فرنكات؟

الخوري اميل : خرج البونا هكتور من هذا الباب، وتوجهت من الباب الثاني إلى مكتب المطران زيادة . شجّعني كثيرًا على الذهاب إلى زغرتا، وأكّد لي صواب فكرة البونا هكتور، وأن إهدن-زغرتا بحاجة إلى شباب من أمثالنا أكثر من أي رعية مارونية أخرى. ثم أبدى استعداده لتقديم النصيحة والمشورة، أو أي خدمة نطلبها منه. وانتهى بأن أعطاني حريتي. في اليوم التالي كنت في زغرتا. مضيفي في رعية بيروت، الخوري يوحنا كوكباني ، الذي جئت أشكره على استضافتي، أثنى على الفكرة، دون أن يتردّد في التعبير عن بعض المخاوف من تعقيداتها وصعوباتها، ووعد بأن يرافقنا دائمًا في صلواته.

فوجيء الخوري بولس حين رأى ابنه حاملاً أمتعته كلها، وانشغل باله: "المهم ألا تكون اختلفت مع المطران، ولا مع الخوري يوحنا كوكباني؟" بادره بالقول قبل أن يرحب به، ويعبّر عن سروره بمشاهدته.

الخوري اميل : فرح كثيرًا لما عرف السبب، وأفهمني أن بوسعنا الاعتماد عليه. وبعاطفته الأبوية الملجومة، ومعرفته بأوضاع الرعية، وبأجواء الكهنة القائمين على العناية بها، لم يستبعد أن تقع خلافات وتباينات في وجهات النظر، بيننا وبين الخوارنة المتزوجين، والذين تقدمت بهم السن على نهج معين في العمل الرعوي.

الخوري بولس : لا تستغشموهم، ولا تقلّلوا من أهمية عملهم. هؤلاء عجنوا الدهر وعصروه، وأكلوا مرّه وشربوا خلّه. هؤلاء فضلهم كبير على الضيعة كلها. هم حفظوا خميرة الإيمان في إهدن-زغرتا، يوم لم يكن أحد يلتفت إليها. يوم تخلّت عنها الطائفة والكنيسة. ويوم كنتم، أنتم بالذات، تتابعون دروسكم، بعيدين عن عمليات القتل بالجملة وبالمفرق، كانوا يتحمّلون المسؤولية بحكمة ونبل. طبعًا، على طريقتهم. وبمستوى علمهم ومعرفتهم. ولن يغيروا في آخر العمر. انتبهوا". كما أنهم لن يسمحوا لكاهنين شابين بأن يتأمّرا عليهم، ولا أن يأخذهما الغرور ويعلماهم كيف يعرّفون، ويناولون، ويقدّسون، ويجنزون، إلى آخر الزياحات، والتساعيات، والصيامات، والأخويات، "التي حفظوها عن ظهر قلب قبل أن تولدا".

أصغى الخوري اميل إلى والده بانتباه. إنه أخبر الناس بأحوال إهدن-زغرتا الروحية، والمادية، والمدنية، وأكثرهم غيرة على ابنه، وتحذيره ليس لتخويفه، ولا لحمله على تغيير رأيه. بالعكس، القصد أن يعرف الابن الحبيب ما ينتظره من الكهنة، وكيف سيكون الامر مع المدنيين؟

لم ينصدم الخوري اميل . كان يعرف، أو بالأحرى، كان يخمّن أن رعية إهدن-زغرتا ليست سهلة. ولكن إلى هذا الحد؟ ستبدأ المشاكل والمتاعب مع الكهنة؟ لم يتراجع، إنما كبح تفاؤله. سيبدأ العمل بمواجهة مع الكهنة، وقد تتحوّل إلى معركة. إذن، لن تنتهي المعارك في إهدن-زغرتا؟ لم تعد هذه تقاليد، ولا عادات، ولا عرف، ولا طبع، ولا ثقافة. هذا انحراف. هذا إرث جيني فيه زغل، يأخذونه مع الدم الحامي. يرضعونه مع حليب السباع.

وهذا الخوري الشاب العائد من باريس ومن روما بشهادة دكتورا يريد أن يغير التقاليد، ويطهّر الثقافة، ويبرّد الدم، ويعقم الحليب، وينهي عهدًا من البطولات المعكوسة، ويشيع الفرح والأمل وحب الحياة، ويوقظ الشباب على ثقافة السلام، وسعة الصدر، والنقاش. والإبداع؟

هذا ليس برنامح عمل، ولا مشروع حياة. هذه هستيريا. هذا هذيان. ويعجز عن تنفيذه جيش من المتطوعين الذين تخلّوا عن أنانياتهم، وألقوا بها في البحر...
صفحة 6
قبل البونا هكتور، لم تكن إهدن-زغرتا صحراء مجدبة تقطنها عشائر مستوحشة، تتقاتل على الكلأ. كانت مدينة متوسطة، تعرضت لمصيبة كبيرة، ولمقتلة تجاوز عدد شهدائها 20 شخصًا، بينهم 15 شابًا زغرتاويًا، من خيرة شبابها وأطيبهم خلقًا ورجولة. معظم أبناء المدينة اعتبروا أن الدولة شجعت على المجزرة، وتعمّدت عدم تفاديها، فسيطرت على المدينة روح الثأر والحداد، وأفقدت أهلها كثيرًا من توازنهم وحصافتهم. ومهما كانت الاتهامات الموجهة للرئيس شمعون ، فالمجزرة الرهيبة بساحتها، وبمرتكبيها، وبالوحشية التي "تحلّوا" بها، لم يقترفها قديسون وأولياء، ولا العذارى الموعودات، ولا غرباء.

مشكلة إهدن-زغرتا مع ذاتها أنها كانت تحاول أن تنتقل من قرية كبيرة بمجتمعها الزراعي، إلى مدينة متوسطة بمشاكلها المتنوعة والمتكاثرة. ومشكلتها الثانية كانت مع الدولة، ومع رئيسها بالذات. فالرئيس كميل شمعون كان يعتبر نائب زغرتا حميد فرنجية ألدّ خصومه السياسيين، وأكثرهم جدّية في منافسته على الرئاسة. وكان مستعدًا أن يلجأ لكل الوسائل من أجل عرقلة مسيرة خصمه. ولم يكن ذلك خافيًا على أحد، ولا على الكاهن الدكتور العائد من روما ليكرس نفسه لخدمة هذه المدينة المعقدة بذاتها. كما كان يعرف أن فيها غرسًا مباركًا، من كهنة الرعايا، لا بل يمكن القول إن البونا هكتور هو من نتاج تلك الغرسات. الكهنة الذين سبقوه كانوا بمعظمهم متزوجين وعندهم عيال. ويجب الاعتراف بأنهم قاموا بواجباتهم كاملة. وأحسنوا فعلاً عندما وصل البونا هكتور، فلم يشعر أحدهم بالحسد، ولا بضيق العين. وبمحبة واحترام، أفسحوا له في المجال، ووضعوا أنفسهم بتصرفه. وبحكمته، وإيمانه، أقرّ بفضلهم، وقدّر دورهم، ووزّع عليهم الواجبات التي كانوا يجيدون القيام بها، والتي كانت تجمع حولهم أبناء الرعية، من القداديس إلى الجنازات وسائر الزياحات.

كانت عودة البونا هكتور إلى زغرتا، وانضمام الخوري اميل إليه إشارة لعودة الشباب الإهدن-زغرتاوي إلى مقدم الساحة في مدينتهم. وانشغل البونا هكتور باستنهاض هممهم. وخصّ الشبان والبنات بعناية مميزة. لم يؤلف لجنة، ولم يقم بنشاط دون أن تضم اللجنة أو الهيئة المكلفة به عددًا من البنات والسيدات. وعوّل عليهن ليساعدنه على فرض الاعتدال في التعبير عن الحزن وعلى كسر دورة الحداد، والانتصار على الرغبة بالثأر.

وبسرعة لبّى الشبان والصبايا النداء، خصوصًا وأنهم لاحظوا أن الخوري اميل سعادة ، تخلّى عن بيروت للالتحاق به في إهدن-زغرتا.

وشيئًا فشيئًا، وبكثير من الصبر، بدأ التفاعل والتبادل والنقاش يفعل فعله في العقول الشابة والقلوب المتحفزة للعمل. وعاد سائل الحياة يدبّ في أجسادهم ويوقظ ضمائرهم ووجدانهم، وتراجع قليلا الإحباط والضياع.

كان يسود في أوساط الشباب نوع من الشعور بعدم الفائدة، بأنهم عالة، بأنهم ليسوا أحسن ولا أثمن من الذين راحوا، والذين ماتوا أبطالاً. كان الأهل المساكين مجروحين حتى الموت، فرفعوا من شأن القتلى، وغالوا بأهميتهم. وما كانوا يشعرون أنه يوجد شيء يمكن أن يعوّض عن خسارتهم حتى ولا الأبناء الأحياء. ولم يكن بوسع هؤلاء أن يعارضوهم أو يناقشوهم، أو يكذبوهم.

وجاء البونا هكتور يعلن اهتمامه بالأحياء، ويقول للمفجوعين بكياسة إنهم أبدى من الأموات. وأخذ الجسد المدفوع دفعًا إلى اليأس، إن لم يكن إلى الموت، يقاوم، ثم ينتفض، ويتحرّك، ويشعر بشوق إلى الحياة، إلى نبذ اليأس. جاء يقول لهم بعنف، بقسوة، بتوبيخ، وبقوة الإيمان الماروني، جاء يذكرهم بإرادة الله الذي يختار من يريد ليرفعه إليه. وبواجب الخضوع لمشيئته، كما تقول الصلاة الربانية: "لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض". وبأنهم "أبناء الله يدعون" فخضعوا، ورضخوا، وأطاعوا، وفهموا. كُمّت الأفواه. ولم تنطفىء الجمرة الحارقة في الصدور.

ساعد زخم الشباب على تحريك الجبال. آمنوا بهذا الآتي على أجنحة الإيمان، متخليًا عن مجد روما وعن الأبواب الكثيرة المفتوحة أمامه، ليعيش معهم بؤس إهدن-زغرتا، وتعاسة أهاليها، ومستقبلها المصبوغ بلون واحد: أسود حتى النخاع.

الشباب بإمكانياتهم المشتتة، والمهدورة عبثيًا، ما كان بوسعهم أن يشكّلوا رافعة للمجتمع الإهدن-زغرتاوي، لأن الحصانات والضمانات الضرورية لاتقاء مثل تلك الضربات الكارثية القاتولية كانت مفقودة. وحين غافلتهم في مجزرة مزيارة (1957)، ثم قوّضتهم في الثورة (1958)، انهار ما بقي من دفاعاتهم كلها، وكادت تجرف معها كل سلطة دينية أو دنيوية تحاول أن تتصدّى لها، لترميمها أو للإجهاز عليها.

كانت السلطة الدينية المحلية في إهدن-زغرتا أعجز من أن تواجه هذا العبء الثقيل، فاتجهت ناحية السلطة العليا، التي كانت ملهية بألف مسألة وقضية، قبل أن تصل إلى موارنة "الأطراف". كانت مشغولة عنهم بمصير العالم الحر، بحصار برلين الغربية، بالحرب الباردة، بحلف بغداد، بالحرب الساخنة التي تهدد باندلاعها أزمة الصواريخ السوفياتية في كوبا، بمغامرة يوري غاغارين الرجل الأول في هذا الكوكب الذي غادر فضاءه وجاذبيته وعاد إليه سالمًا... ومعلنًا، بغباء يتناقض مع ذكائه المفترض وشهاداته العلمية العالية، أنه لم يشاهد الله... هل كان يتوقع أن يراه "مستويًا على الكرسي كاستوائه خلف المقود؟"
صفحة 7
4- مزيارة زلزلت والثورة قسمت

أين إهدن-زغرتا من هذه اللوحة؟

في صميم البؤرة السوداء. غارقة في فجاجتها وفظاعاتها، في شراستها وجرائمها. في دماء الذين قتلوا، والذين سيقتلون من شبابها، عبثًا ومجانًا، كي تتساوى الأرقام، وتتعادل الجثث، وتخرج من نتانتها رياح التراضي والتصالح الكاذبين.

العاصفة التي ضربت لبنان في السنتين الأخيرتين من عهد الرئيس كميل شمعون 1957 - 1958، كانتا على إهدن-زغرتا عاصفتين: مزيارة في حزيران 1957، والثورة التي تلت الانتخابات في العام 1958. ولم تنته ذيولهما بانتهاء عهد الرئيس كميل شمعون ، وبداية عهد الرئيس فؤاد شهاب .

كانت مشاريع الثأر والاغتيال هي السائدة. وكان الأسود هو اللون الطاغي. فحم يغمّ القلب، ويطفىء نور العين، ويلهب الجلد. كان الحكي بغير الفحم يثير الانفعال، ويغيظ. حتى بعض الرجال لبسوا الأسود. ومن لم تسعفه أحواله كي يجدد ثيابه، صبغها.

ثورة 1958 قسمت إهدن-زغرتا قسمين. الأوّل مع العهد الشمعوني ويؤيد التجديد له، ويضمّ العائلتين الكبيرتين كرم و دويهي وحلفاءهما. والقسم الثاني يعارض التجديد للرئيس شمعون ، ويشترك في الثورة عليه. يتألف هذا القسم من العائليتن فرنجية و معوض ، ومناصريهما. العائلة الخامسة، آل مكاري ، كانت موزعة بين القسمين. وكذلك العائلات الاخرى.

الانقسام شكّل خطرًا جديًا على إهدن-زغرتا. ألم يقل ذلك الذي يعرف كل شيء إن "البيت الذي ينقسم على نفسه يسقط (11)؟" وزاد من واقعية خطر الانهيار أن الفريق الثائر على الرئيس شمعون ، من خارج إهدن-زغرتا، حاول أن يستغل الانقسام الزغرتاوي فشنّ هجومًا مباغتًا على القسم المؤيد للرئيس شمعون . وبقدرة قادر، صمدت الجبهة وأرغمت المهاجمين على التراجع، دون أن يحققوا أي هدف من أهدافهم. وسجّل المراقبون أنها المرة الأولى التي لا تتوحّد فيها المدينة لتتعاون على صدّ عدوان خارجي. ولم يكن من شأن ذلك أن يخفف من وقع مجزرة مزيارة على الوجدان الإهدن-زغرتاوي. وتلك الوقفة التي فاجأت الجميع، ألهمت شاعر العائلة الكرمية فنظم زجلية تردّدت أصداؤها في إهدن-زغرتا بقسميها والجوار. وبينما كان ناس يندبون قتلاهم، كان آخرون يهزجون فرحًا بصمود أبطالهم. القصيدة طويلة. وفيها نفس ملحمي واضح، لا ينافس هوميروس في الإلياذة، ولكنه يستحق الذكر. مطلع الزجلية يعطي فكرة عنها:

راحو الأرض الرملية

وَجْدوا جهنَّم مصلية

وَيْن بدّا تْروح الثوار

من درب الكرمية

وَيْن بدّا تروح الثوار

ولو كانوا رمل البحار

هَيدي رْجَال بْتاكُل نار

وما بِتْخاف المنية

ثم ينتقل الشاعر إلى التغني بالمقاتلين، فيسميهم فردًا فردًا، وينشد بطولاتهم:

عَيني عالنّمرِ الجارح

مْخايل يا ابن القارح

أبو جرجي لا تْبارِح

الْنَجدة جَايي صبحية... (12)
صفحة 8
مجزرة مزيارة وضعت أهالي إهدن-زغرتا، والشباب خصوصًا، أمام مأزق أخلاقي كبير. كيف يقوّمونها؟ كيف التعاطي معها؟ والذين لم يكن عندهم تحليل سياسي لأسباب المجزرة، ولا لدوافعها وأهدافها، سجّلوا أن الحكومة قصّرت، حتى لا نقول دبّرت. ولكن مفاجأتهم كانت في الشراسة الزغرتاوية، في الوحشية، في سهولة قتل معارف وأقارب وجيران...

مزيارة (1957) زلزلت إهدن-زغرتا، ولم توقعها. سقطت دعامات قوية في بيوت كبيرة وأخرى عادية. وظلّت واقفة، والخطر محدق بها. أقلّه في زمن الارتدادات الزلزالية، وأعيد ترميمها فاستقامت. الزلزال الذي رسم خريطة سياسية جديدة أدى إلى عمليات "تنظيفالأحياء والحارات. بمعنى من المعاني، كنا السباقين إلى ممارسة التنظيف العائلي "والعرقي" الذي سيمارس في الحرب الأهلية التي اندلعت في 13 نيسان 1975، ولم تنتهِ بعد (13).

لم يكن موجودًا في مزيارة أي حضور حكومي، لا أمني ولا رمزي. علمًا أن المطران عبد ، صاحب النعي لحضور الجناز، كان قد أبلغ المحافظ باحتمال أن يحضر الزعماء الزغرتاويون المرشحون في إطار جولاتهم الانتخابية على القرى. وعندما ذكّره بالموضوع وبدقة الوضع أرسل المحافظ دورية من ثلاثة عناصر: رقيب ودركيين. ولكن هل الإنسان بحاجة إلى من يردعه عن قتل ابن عمه، وابن خالته، وجاره ورفيقه؟ وفي الكنيسة؟ وفي صلاة الجناز؟ ويدّعون أنهم مسيحيون وموارنة مؤمنون؟

هذه التفاصيل لم تعد خافية على أحد في إهدن-زغرتا؟ وظلت الحيرة والاستفظاع ردّ الفعل الشائع، وسكنهم هاجس أن تكون إهدن-زغرتا قد دخلت في مرحلة من التقهقر، والانزلاق نحو الهاوية. لست ادري إذا كان كثيرون واعين لذلك بمثل هذه التعابير. إنما الحالة النفسية التي سيطرت على المدينة تدعم هذا التفكير، من التشاؤم حتى اليأس. وطبعًا، لم تعمل الحكومة شيئًا يمكن أن يساعدهم على تجاوز المرحلة أو التخفيف من وطأتها. لا هي ساعدت الفريق الذي يعتبر نفسه منتميًا إليها، بغير إعطائه قطعًا من السلاح، وغالبًا ما كانت قطعًا مستعملة، وغير صالحة، ومصادرة من المواطنين. وبالمقابل، أمعنت بملاحقة الفريق المعارض والتنكيل به. وكانت النتيجة أن هذا الفريق ازداد تعلقًا بخصوم الرئيس شمعون .

وقُتل ضابط من قوى الأمن الداخلي، برصاص شاب زغرتاوي، في الأسبوع الأول من شهر آب 1957، بعد شهرين من مجزرة مزيارة. لم يكن للجريمة علاقة بالمجزرة، ولا بالسياسة، ولا بحوادث إهدن-زغرتا. كانت لها علاقة بالعَرض، والشهامة، ومحاولة استغلال الوظيفة. ورجال الدرك، الذين غابوا كليًا عن الساحة، يوم كانت المدينة بأشد الحاجة إليهم، أقدموا، برجولة خارقة، على انتهاك حرمات المنازل، انتقامًا للضابط القتيل، زارعين فيها الفوضى، مروّعين الأطفال، مخرّبين محتوياتها، خالطين الحبوب: العدس، بالرز، بالحمص، باللوبياء، بالبرغل، محطّمين الأبواب والنوافذ، والصحون. وكل ما وصلت إليه كعاب بنادقهم، من خوابي زيت وألفيات (14) العرق.

البونا هكتور: لم أكن في إهدن يومها.

الراوي: لحسن حظك. بعد تلك الحملة الهمجية، وكان البطرك المعوشي في الديمان لقضاء الصيفية، قرّر أن يزور إهدن ويعزّي أهلها، ويقوّي عزائمهم.

استغرب الإهدنيون. لماذا يأتي اليوم؟ ليس ثمة ضرورة كي يزعج سيدنا خاطره. إلا إذا كان يريد أن يلعب سياسيًا إهدن-زغرتا ضد الرئيس كميل شمعون ، الطامح بالتجديد، وأكثرية الزغرتاويين ضد التجديد. معظمهم يعتبر أنه جاء دور إهدن-زغرتا بالرئاسة، وأنها ذاهبة إلى نائبها حميد فرنجية ، عند انتهاء ولاية الرئيس شمعون .

لكن البطرك جاء. يأتي إلى بيته وأهله ورعاياه. وليس بحاجة لسبب أو حجة أو ذريعة. يكفي أن يقول أنا آت، حتى تحضر النفوس، وتتألب الجموع. وبينما كان ينتقل من حي إلى آخر في إهدن، كانت بانتظاره الست ماري كرم ، أخت النائب السابق يومها، يوسف بك كرم . وحين أطلّ وخلفه جمهور من المؤمنين الملتهبة مشاعرهم، اقتربت حتى أصبح منها على مرمى صوتها الرقيق، الذي لم يتعوّد الصراخ، ورفعت يدها تقول وهي تهزّها في وجهه:

"يا بطرك الموارنة، جئتنا اليوم لتعزيتنا بالعدس والرز والفاصوليا والحمص والبرغل لأنهم خلطوها ببعضها البعض؟ لأنهم كبّوا الزيت وكسروا ألفيات العرق؟ لأنهم مزّقوا الفرش وخلّعوا الأسرّة؟ لأنهم حطّموا الأبواب والنوافذ؟ من أجل هذا جئت لتعزيتنا، اليوم؟

"يا بطرك الموارنة، أين كنت يوم كانت الرجال مرمية على الأرض ملطخة بدمائها؟ أين كنت يوم كنا بحاجة لمن يساعدنا على رفع الجثث؟ على اختيار مدافن جديدة لها؟ خمسة عشر قتيلاً من خيرة الشباب، في يوم واحد، ولا تجد سببًا ولا مبررًا لزيارة زغرتا؟ يا بطرك الموارنة، رجالنا أثمن من أطنان العدس والرز، وأغلى من كل ممتلكات الأرض والمال".

انسبع البطرك. وجم. أخذته الجمدة. ولم يخرج منها إلا ليقفل عائدًا. وبدلًا من أن يعالج الموضوع بحكمة وتسامح ومحبة مسيحية، بعد عودته إلى كرسيه في الديمان، قاطع الزغرتاويين، وغضب عليهم. وغضب البطرك من غضب الله. وغضب أهالي القتلى ممن؟ وزاد من غيظه أن رعية إهدن-زغرتا، عندما حلّت الذكرى الخمسون لسيامته كاهنًا، تميزت عن سائر الرعايا في لبنان والخارج، وامتنعت عن تقديم هدية ولو رمزية في المناسبة، اعتراضًا على عدم تعيين مطران لأبرشيتها. كانوا دائمًا مشاكسين.

البونا هكتور: ليس عندي هذه التفاصيل. والبطرك المعوشي لا يخاطب بهذه اللهجة. هذا الكلام لا يوجه إلى رئيس الطائفة، إلى رأس الكنيسة المارونية. هذا غلط. هذا لا يجوز.

الحقيقة، أن زيارة البطرك إلى إهدن لم تكن عملًا رعويًا بريئًا، ولا كان التصدي له عفويًا مجرّدًا من خلفيات. البطرك المعوشي كان على خلاف حاد مع الرئيس كميل شمعون . الكرميون والدويهيون كانوا إلى جانب الرئيس شمعون ، ومع التجديد له. وكانت الزيارة مناسبة ليؤكد كل من الفريقين موقفه. ومن دفع الثمن؟ ساد الانطباع أن إهدن-زغرتا ركبها النحس...

مجزرة مزيارة وجرائم القتل التي تلتها، يتّمت أطفالًا قبل أن يولدوا. في يوم قال لي أحدهم: "كيف تعرف من أنت إذا ولدت بعد مقتل أبيك؟ كيف يمكن أن تصدق أنك بشر إذا غادرتك والدتك إلى القبر، وطولك بالسنتيمترات؟".
صفحة 9
بيت عمه لم يكونوا مجبورين به. عملوا حسب معرفتهم، وحسب محبتهم، التي كانت كبيرة جدًا. لكنها لم تكن كافية ليعاقبوه عند اللزوم، دون أن يشعروا بالذنب. يذكر أنه شاهد عمه يؤدّب ابنه أكثر من مرة "بحيّال" من توت، في موسم القز، و"بسيكون" (15). ولا يذكر أنه ضربه مرة واحدة. كما أنه لم يتفوّه أبدًا امامه بكلمات ثأر، وقتل، وانتقام، وشرف... أولاد الحي الأكبر والأصغر منه، لو كانوا مكلفين بأن يشرحوا له، وينخروا رأسه بتكرار تلك اللازمة، لما فعلوا بالإصرار الذي برهنوا عنه، مكررين أنهم يعرفون أنه سينتقم لشرف العائلة، ويقتل أكثر من شاب ورجل، أخذًا بالثأر. لم يكن يعرف معنى كلمة ثأر. تطوّعوا كلهم كي يشرحوا له بالتفصيل، مع الحرص والاصرار على الفخر، والرجولة في ارتكاب هذا الواجب. كان في نظرهم فرضًا مقدسًا، لا يتقدم عليه أمر آخر. وينتقدون عمّه لأنه يتغافل عن هذا الواجب المقدس.

لا يذكر متى أحسّ أنه غريب في بيته؟ أنه في بيت مستعار. صحيح أنه بيت عمّه. إنه أعز من بيته، لكنه ليس بيته. الشفقة لا تربي الأطفال بل تسيء إليهم. وإذا كانت تسعفهم بأن يحافظوا على تماسكهم، فإنها قد تساهم في عطب شخصياتهم.

"لم يندهش أحد أن يلاحظ أنه يشبه والده، الذي كان جميل القوام وضّاح المحيا. لكنه لم يرث عنه لباقته وكياسته الأسطوريتين. الموت عمل من الأب ملاكًا، بينما كان الولد، في نظرهم، جهم الخلق، جافي الكلام، عاتبًا على الله لأنه لم يخلقه قبل أبيه، ليتولى الدفاع عنه. أو لأنه خلقه بلا أب ولا أم ولا أخ. مقطوع من صخرة. أو من شجرة. أو من عامود كهرباء للتوتر العالي.

قال لي ذات يوم إنه سمع امرأة عمه تهمس همسًا وبالسر، إلى صديقة لها عادت من الغربة، بكلمة لم يكن يعرف معناها.

اليتيم: لا أذكر السنة. قالت إنني نحس. ماذا تعني كلمة نحس؟ لم أسأل امرأة عمي ولا صديقتها. ومرة أخرى، تطوّع أصحابي ليشرحوا ويفسروا لي. لم يقلها عمي أبدًا. كان فعلًا يعطف عليّ ويحضنني. لم تقلّ عنه زوجته اهتمامًا بي. غير أن اهتمامها كان يثير فيَّ شعورًا ملتبسًا. كنت أحسّ أنها تودّ أو تفضّل ألا تقترب مني، وأن تمنع أولادها من اللعب معي. كنت ألاحظ أنها تجرّهم دائمًا بعيدًا دون أن تقول كلمة واحدة. يعودون فلا تصرّ على صرفهم عني. كانت تساويني بابنها الثاني الذي يجايلني.

"أحاول أن أتذكر إذا كانت تعمّدت أن تسقط كلمتها في أذني، أو إذا كانت سبقتها وأفلتت منها. قالت لصديقتها إن وجهي نحس على العائلة كلها. فنّدت لها إنجازاتي النحسيّة: قتل والدي يوم دخلت والدتي الحامل بي في شهرها التاسع. وتوفيت والدتي وأنا رضيع، وتبعتها جدتي، والدتها، بعد شهرين، وصُرف عمي من عمله يوم ضمّني إلى أولاده. كيف يمكن أن يكون في الكون إنسان أنحس مني؟

"رجال عائلتنا كانوا دائمًا غاضبين. مجرّد ظهوري أمامهم كان يضاعف غيظهم. في البداية، لم أكن أفهم السبب، وحين فهمت كانت الإساءة قد وقعت. كانوا يعبّرون عن غضبهم وشفقتهم بصوت عال يخيفني. كنت أحرد وأغتاظ وأرفض أن أقترب منهم، ولا أسمح لهم بأن يقبّلوني أو يداعبوني. ولازمتني هذه العادة حتى عندما كبرت فابتعدوا عني، وترسّخت عندهم فكرة أنني نحس ناحس منحوس. وحباني الله بتكشيرة تبعد أصحاب النيات الحسنة.

"وكأن هذا كله لم يكفِ، فأرسل لي الله هذا الخوري الذي لم أفهم عليه. وهو أيضًا كان يرفع صوته، لكن ليس عليّ. طوّلت حتى فهمت أنه كان ينهي الآخرين عن مضايقتي، وعن إصرارهم عليّ كي أقبله وأبوس يده".

أعتقد أن البونا هكتور أدرك بفطنته أن مزيارة برمجت عددًا من الشباب للقتل، وشراء الدم بالدم. وساهم رجال، عن علم أو عن جهل، بترسيخ تلك البرمجة، معززينها بقيمة مضافة، زاعمين أنها قيمة أخلاقية. النساء امتنعن عن الحث على العنف. كثيرات منهن أعلنّ أن العنف يستولد العنف، دون أن يعيد الأحباء الذين ذهبوا. بالعكس، سيدمّر الباقين. مصير القاتل السجن، أو السفر، أو القبر. وهذا ليس حلًا لمشاكل اليتامى، والثكالى، والأرامل. هذا باب مفتوح على جحيم لا تخمد نارها.

اليتيم: البونا هكتور يزعم أن الحل بالمغفرة، بالتسامح. أنا لم أفهم مغزى هذا الكلام عندما كان البونا هكتور يقوله بصوته الجهوري، علمًا أن الناس يقولون لي إنني نضجت بسرعة، قبل أن أكبر. خاطبهم، مرة، كأنه يشتمهم ويهددهم قائلًا: "ماذا فعلتم برجالكم؟ بشبابكم؟ بمستقبلكم؟ "ماذا فعلتم
صفحة 10
لماذا انقطع البنفسج عنكم؟ بنفسج إهدن-زغرتا كان أقواها رائحة وأطيبها عبيرًا.

كان البونا يحكي، والتشاؤم سيد الوقف. الأسود يملك سعيدًا في إهدن-زغرتا، على الثياب والأفكار، على الأمل والأحلام حين لا تكون كوابيس. مستقبل إهدن-زغرتا ليس على المحك. مستقبل إهدن-زغرتا ميؤوس منه. خسرت إهدن-زغرتا روحها، وفقدت رمزيتها، وسقط دورها في عيون الناس، وفي نظر الإهدن-زغرتاويين أنفسهم.

في الخارج، ازدهرت صورة الإهدن-زغرتاوي المجرم السفاك، وكادت تصبح مضرب مثل. واستلم الإعلام الصورة الكريهة، وبدلًا من أن يحاول فهم أسبابها وإمكانية طرح الحلول لمعالجتها، سلك الطريق السهل. كانت الشماتة والسخرية تميّزان كتابات معظمهم.

عندما قدم الرحابنة مسرحية "جسر القمر" في مهرجانات بعلبك، كتب أحد أدعياء الظرف والذكاء من أجراء "الدكتيلو" (16)، معلقًا على نجاح المسرحية قائلًا إن الوحيدين الذين لم يفرحوا بها كانوا الإهدن-زغرتاويين، واعتبروها فاشلة لأن أهل الضيعة تصالحوا، ولم يتقاتلوا، ولا ارتكبوا مجزرة.

اليوم، بات بوسع الباحثين المدققين أن يؤكدوا أن أجهزة الدولة سُخرت من أجل الوصول بإهدن-زغرتا إلى هذا الوضع المزري، لأسباب سياسية معروفة ومعترف بها، ليس أقلها التنافس على رئاسة الجمهورية.

البطرك المعوشي و الرئيس شمعون كانا لا يطيق أحدهما الآخر. وعندما أعلن البطرك المعوشي معارضته التجديد طار عقل الرئيس شمعون، وجرّد عليه حملة تشهير، لم يعرف لبنان في تاريخه الماروني الطويل أعنف منها. وذهبت الحماسة ببعضهم من أزلام رئيس الجمهورية إلى إطلاق اسم محمد المعوشي على البطرك. و"لم يدرك الأغبياء أنهم بذلك يشرفونه"، كما كتب سمير عطالله لاحقًا في واحدة من افتتاحياته النورانية في جريدة النهار.

المستغرب والمذهل أن تكتفي السلطة الكنسية المارونية، بالصمت عما يجري في إهدن-زغرتا. كان رئيس الدولة ورأس السلطة الكنسية على خلاف سياسي حاد. إلا أنهما توافقا، موضوعيًا، على أن تبقى إهدن-زغرتا على ضعفها، لأن إهدن-زغرتا ضعيفة تريح الاثنين معًا. في نظرهما، أن أهالي إهدن-زغرتا من القرويين الثقلاء، فيهم رعونة وضيق صدر وأفق. ولأنهم يلبسون مداسات مصفحة، يسمع لها صوت أقرب إلى قرع العصا المدببة على رؤوس فارغة. لأنهم ينتفضون لكراماتهم، ويقولون للأعور بعينه إنه أعور، ولرئيس الجمهورية إنه أعمى، وللبطرك: ماذا جئت تفعل في إهدن؟

وهذا الخوري الشاب يريد أن يتصدّى للوضع الشاذ، بإيمانه وكهنوته، بثقته بإهدن-زغرتا، يشدّ أزره ويسانده أخوه الخوري اميل . هذا الزوج كان مطلوبًا منه أن يعمل معجزات، في زمن هرب فيه القديسون والملائكة من كنائس إهدن-زغرتا، خوفًا على أنفسهم من الرصاص الطائش. لقد أثبت الإهدن-زغرتاويون، مرة أخرى، أن "كبرياءهم أكبر من خوفهم الله" (17) في مزيارة، وأن مسدساتهم تقية، تدخل معهم إلى الكنيسة، ويبتهل حاملوها إلى العذراء مريم أن تسدّد رماياتها.

كان البونا هكتور يتحرّك ويحرّك، ويزرع شوارع إهدن-زغرتا وزواريبها ذهابا وأيابًا. كان يعظ، ويلعب فوتبول، ويعقد الندوات والحلقات والمحاضرات، ويقيم سهرات الرقص في الأعياد، وينتقل من فوق إلى تحت، ومن تحت إلى فوق وما بينهما، عشرين مرة في النهار، دون خوف وغير عابىء بالخطر الذي يحدق به "لأنه ابن عائلة". وكذلك يفعل الخوري اميل .

لكن الخوري اميل ينتمي إلى عائلة حيادية، وإن كانت كبيرة ولها حرمتها. البونا هكتور من العائلة الغارقة في صميم الصراع على الزعامة، وعلى النيابة، وعلى القيادة. وفي موقعة مزيارة كانت الطرف الذي سقط له العدد الأكبر من الضحايا. وأعمال الثأر في إهدن-زغرتا لم تعد تنحصر بالقاتل وأفراد عائلته الصغيرة، بل امتدت إلى العائلة الكبيرة كلها، وأحيانًا إلى حلفائها.

حصل هذا التطور بعد مجزرة مزيارة، وتعمق بعد الثورة على الرئيس كميل شمعون . وانتماء الخوري كان يشكل خطرًا عليه في (زغرتا الفوقى). وعندما أقام في بيت الكهنة كان هذا البيت يقع في الحارة التي انسحب إليها أبناء العائلتين فرنجية ومعوض وحلفاؤهما، الذين تركوا بيوتهم وأرزاقهم في حارة بيت الدويهي في زغرتا التحتى. ماذا كان موقفهم منه، وهو ابن الدوحة الدويهية الأكثر أصالة؟

لم ييأس البونا هكتور. ولم يتعب الخوري اميل . يساعدهما التفاف الناس حولهما، حتى قبل أن يعطيا البرهان على جديتهما، وإصرارهما على الاستمرار متحدّيين العراقيل كلها، ومستفزين محاولات القتل والربيطات التي يتبادلها المتخاصمون، معرضين نفسيهما للقتل لمنع ارتكاب جريمة. لم يكن عند الشباب خيار آخر: هذان الخوريان الشابان أو لا شيء.

بلى، كان هناك خيار آخر... كان هناك مشروع يستهدف إهدن-زغرتا، تقوده الدولة وتجيّش له أجهزتها الفعالة: أن تبقى إهدن-زغرتا منقسمة على ذاتها، وأن يقتتل الفريقان. سيقول الرئيس صائب سلام إن الدولة ستجعل أهل زغرتا يخوضون "ماتش فوتبول" بين بعضهم. وبعد ذلك، نرى من سيبقى في الساحة ويترشح لرئاسة الجمهورية" (18).