صفحة 1
إلى شادي...
في المحترف
يتسلّل نور الظهيرة من بين الستائر، فيوقظني. جسدي متكوّر على نفسه، كأنّه بحجم الكرسي الذي جلست عليه. أفتح عينيّ ببطء. أحرّك كتفيّ اللتين أثقلهما الإرهاق. يداي يابستان كجزعين من خشب. يبدو أنني غفوت من غير أن أشعر، فضَغَط ثقلي على يديّ حتى فقدت إحساسي بهما. لا أقوى على تحريكهما، ولا أرغب في المحاولة. لا أفكّر في النهوض عن الكرسي. شعور غريب يتملكني. جسدي متوعّك. وانكفائي على نفسي في هذه الصورة يُشبه انكفاءة معظم النساء اللواتي أرسمهن.أتجمّع على ذاتي مثل قبضة. قد تكون انحناءتي مؤلمة. لكنّه إيلامٌ جسديٌّ لا يخلو من لذّة، ولو عابرة...
لا أشعر بجسدي. كلّ ما فيّ مُتصلّب، إلاّ عينيّ. وهذا يكفيني. أحدّق بهما في زوايا الغرفة. أقلام مُهملة على الطاولة، وأوراق مبعثرة على الأرض. لوحات كثيرة تسكنها وجوه وأطياف وأجساد أنثوية طريّة. فتيات ونساء يتجاورن، لا يخجلن بعريهن وكأنهن يعرفن أنّ هذا المكان لهنّ. ربما يتهامسن، لكنني لا أسمع سوى صوت الصمت. لا أدري إن كانت أذناي قد صُمتّا كما كلّ شيء فيّ. الموسيقى الهادئة التي كنت أسمعها قبل أن أغرق في غفوتي صمتت هي أيضاً.
ما هذا السكون كلّه؟ أين ضجة الظهيرة في هذه المدينة؟ من أين تسلّل كلّ هذا الهدوء؟ أذكر أنني في المحترف هنا منذ الساعة الخامسة فجراً، لكنّ الصمت الذي يسود المكان الآن هو أعمق من ذي قبل. لا أدري ماذا حصل... هل غفوت فعلاً أم انخطفت؟ هل كنت غارقة في حلم أم في ما يُشبه الموت؟ لا أعرف. أحسّ كأنما غبت عن نفسي وبُعثت من جديد. بُعثت بجسد غير جسدي، وروح غير روحي.
هذه الصحوة الثقيلة من غفوة الظهيرة لا يُمكن أن تكون إلاّ صحوة منّي أنا. من العالم الغريب الذي يحتويني. من بعض الأجساد العارية التي تسكنني. أجساد أرسمها بأسلوب التظليل بينما أعيش أنا بظلّ جسدي.
هذا النور الخفيف الذي اخترق الستائر والشبابيك نصف المغلقة وصل إليّ ليُوقظني من سبات عميق. يقظتي كأنّها ولادة جديدة، فيها دهشة وغربة وألم. وإنّه لشيء عجيب أن يشهد المرء لحظات ولادته. أن يخرج من جسده هو. أن يشعر بألمه فلا يصرخ، ويتوجّس غربته فلا يبكي. أن يحسّ بأنّه هو الوالدة، وهو المولود.
أحدّق في اللوحات التي تملأ المكان. أتذكّر أنني أنا من رسمها. أبتسم، إلاّ أنّ وجهي المـُخدّر يظلّ عاجزاً عن التعبير. يداي أيضاً مخدّرتان. هل يُمكن أن أرسم بهما ثانية؟ لا يهمّ. إنّ عين الرسام هي يده ! هكذا يقول "مانيه". وهذا هو المهم. أنا أعشق مدرسته الانطباعية، ومثله، لا شيء يهمني أكثر من العينين. وها أنا الآن، لحسن الحظّ، أفقد إحساسي بكلّ حواسي، ما عدا بصري.
عيناي تُفتّشان المكان. أبحث عن شيء لا أعرف ما هو. إلاّ أنّ عدم إيجاده يُضاعف قلقي. أكتشف فجأة أنّ لوحاتي تُحدّق فيّ. وكأنّ بطلاتها يُخاطبنني. يتوجّهن إليّ قائلات إنني أحسست أخيراً بما يشعرن به منذ زمن طويل. قلقهنّ تسرّب إليّ. وربما أُصبت بعدوى الإغتراب الذي يتملكهن. فأنا رسمت معظمهنّ شبه عاريات، وإنما على عفّة ونقاء. إنّ ثقل الوجود يُنهك أجسادهن النديّة. القليل الذي يبدو من وجوه بعضهنّ يُصوّر رغبتهنّ في تأكيد وجودهنّ في الحياة نفسها، لا بظلّها.
أجساد النساء، أو الأصحّ الفتيات، شبه طفولية. لكنّ أفكارهنّ ناضجة. يحاولن الخروج من ظلّ يُضيّق عليهنّ الخِناق. وضعياتهن المختلفة تعكس تخبطهن في عالم مجهول لم يفلحن في التكيّف معه بعد.
أدقّق في لوحة "دوران". تلفّ الفتاة جسدها بمنشفة، وتقف مترنحة أمام سرير صغير، كأنها استفاقت لتوّها منتشية بعد علاقة حميمة. لكنّ نظرة عينيها غير الثابتة تومئ إلى أنّ حركة جسدها المهتزّة ليس سببها النشوة، أو حتى السّكر، بل ضياع وإرهاق بعد جري طويل في متاهات لم تودِ بها إلاّ نحو المجهول.
أراقبهن... أراهنّ متشابهات في اختلافهن. جميعهن جميلات، لكنّ جمالهنّ متشنّج. جمال مضطرب يبثّ فيّ القلق، ويدفعني إلى طرح أبسط الأسئلة وأصعبها، عن ذاتي وجسدي ووجودي...
ضوء فيروزي يُبهر عينيّ فجأة. غشاوة تُعميني، لا أدري أين مصدرها. أزيح وجهي عن مصدر الضوء. أتلمّس بيديّ الثقيلتين ما بجانبـي. ومن ثمّ أنتبه... إنّه هاتفي. لم أسمعه يرنّ، ولم أكن أسمع شيئاً. أضغط زر الإجابة، فيتهادى صوته إلى أذني وكأنه نسمة هواء هبطت عليّ من الجنّة.
منذ أيّام لم يُكلّمني خلال النهار. فقط إتصال واحد قبل النوم. عليه أن ينجز أعماله قبل عطلته القضائية السنوية، وعليّ أن أحضّر تفاصيل افتتاح معرضي الفردي الأوّل. اتصاله الآن أتى في وقته المناسب تماماً. يقول إنّه يريد أن يراني لسببين. أوّلاً لأنّه مشتاق إليّ، والثاني لكي ينتشلني قليلاً من صخب عمل غارقة فيه منذ أسابيع. لا مجال للرفض. أنا فعلاً أحتاج أن أكون معه.
"المكان اخترته بنفسي...إنّه المقهى البحري"، يقول لي.
البحر، هذا ما أحتاجه فعلاً. فصل الصيف يكاد ينتهي ولم أقصد البحر بعد. الشمس لم تُلوّن بشرتي. مازلت بيضاء كشبح، وجسدي متعطّش إلى الضوء. منذ مدّة وأنا أعيش داخل هذا المرسم الصغير، وكم أشتاق إلى أن أرى النور، وأشمّ رائحة الموج. فأنا لشدّة انهماكي بالمعرض، أجّلت كلّ شيء إلى ما بعد انتهائه.
جسدي يستعيد ليونته، وينحلّ تشنّجه. نصف ساعة ويمرّ بـي كي نذهب معاً إلى المكان الذي اختاره بنفسه، مع أنّه غالباً ما يترك لي حريّة اختيار الأمكنة التي نقصدها. عليّ أن أصعد إلى المنـزل حتى أرتدي ملابس مناسبة قبل أن يصل.
أغلق باب المحترف الذي يقبع في الطبقة السفلى من عمارتنا الصغيرة، وأصعد بسرعة إلى منـزلنا. أدخل غرفتي، أحدّق في المرآة، فكأنني أصادف وجهي لأول مرة. أتأملّه وأتملاّه، فيتضّح لي شحوبه وتعبه. لمسة خفيفة من الماكياج تكفيني حتى يستعيد وجهي رونقه.
صفحة 2
أرتدي قميصا زهري اللون بلا أكمام، وسروالا من الجينـز الغامق. أفرد شعري الذي يضيع لونه بين البنيّ والأحمر، وهو لون الخرّوب أو الخرنوب كما كانت تقول لي جدتي التي كانت تعشق الخرّوب الطازج، عصيراً ودبساً. ومنها أخذت تسمية هذا اللون الذي عشقته وصرت أستخدمه كلونٍ أساسي في لوحاتي.
أفرد شعري فتتدلّى خصلة منه تُغطّي الطرف الأيمن من وجهي. أبدو جميلة، ولم تعد تظهر عليّ آثار تعب أو إرهاق.
الهاتف يرنّ، لا بدّ أنّه وصل. عليّ أن أحضّر نفسي للخروج. انتعل حذائي المسطّح، إذ لا أقوى على الوقوف بالكعب العالي بسبب ما أعانيه من أوجاع في العظم والجسد من وطأة عملي كمدرّسة رسم في "المحترف الفني" للهواة والمبتدئين، وفي مرسمي الخاص أيضاً.
أرتدي سترة طويلة بأكمام، تُغطّي ردفيّ وما بقيَ مكشوفاً من جسدي. ومن ثمّ أختار المنديل الكحلي المـُوشّى بورود زهرية حتى أضعه على رأسي. أحمل المنديل بيدي وأتلمّس شعري باليد الأخرى. أنظر إلى وجهي في المرآة، فأراه وجهاً من وجوه موديلياني الرقيقة.
شعري الخرنوبـي الناعم يُضفي عليه أنوثة وجمالاً واضحين. لم أحدّق في وجهي منذ فترة بعيدة. إنّه يزداد مع الأيام براءة وطفولة. كنت أعتقد أنني كبرت كثيراً، لكنّ ما أراه الآن أمامي يوحي بالعكس. صرت أشبه فتيات لوحاتي. أو أنني كنت أرسمهن على صورتي من غير أن أدري. لا أعرف. لكنّ هذا الوجه لم أرَه منذ زمن. حياتي أصبحت مثل حلبة سباق، السرعة هي ركيزتها. آكل بسرعة، أمشي بسرعة، أعمل بسرعة، أفكر بسرعة، أتكلّم بسرعة... لا يتوقف الزمن إلاّ عندما أدخل محترفي حيث لا ساعة، ولا مرآة. المرسم هو عالمي الذي أفعل فيه كلّ شيء بمزاج، وِفق إيقاع أحدّده أنا.
أمّا الآن فأنا أيضاً على عجلة من أمري. هاتفي يرنّ من جديد... لن أردّ، لا وقت لديّ. عليّ أن أواصل ارتداء ملابسي وأخرج. أتعجّل في وضع الإيشارب على رأسي، أحاول أن أهرب من النظر إلى المرآة، لكنني لا أقوى.
أريد أن أتأكّد من أنّ وجهي مازال جميلاً حتى بعد أن يُبدّل المنديل ملامحه. فأنظر إليه مجدداً. هو وجه آخر يسكن المرآة. أنا لا أتوهّم. إنها الحقيقة. إنني أعرف الناس بالوجوه من شدّة شغفي بها، وأقول إنّ هذا الوجه ليس لي. فأنا تربطني بالوجه علاقة خاصة تجعلني أشعر في أوقات كثيرة بأنّ ثمة صلة قرابة تجمعني بوجوه معينة، قد لا أصادفها في الواقع، وإنما في لوحات وصور وروايات. بينما تربطني بالجسد علاقة ملتبسة. أحسّ أحياناً أنني أضعته وضاعت معه ذكراه، حتى صرت أشعر كأنما جسدي ليس لي. إلاّ أنّ الله عوّضني خيراً بأن منحنيا لقدرة على رسم أجساد الأخريات، بحرفية وشغف. وأنا أعرف جيداً أنّ جسدي بعد احتجابه، زاد معنى حضوره في حياتي. فصرت أرسم أجساداً بديلة عنه. أرسمها وكأنّ جسدي هو الذي يُملي عليّ ما أرسمه.
رسم الأجساد صار وحده الجسر الذي يصلني بالعالم، وبذاتي. هكذا، أضحى الرسم هو حضور الجسد وغيابه في آن واحد. الجسد وحده صار يُلهمني، ويُغريني. أضحت للجسد معانٍ أخرى لم أكن أنتبه لها. صرت أرى الأجساد كاللغات، لكلٍّ منها جمالياتها وقواعدها وخطوطها واستثناءاتها...
عندما وضعت الحجاب أول مرة لم أكن أعرف السبب الذي دفعني نحو هذا الفعل. هل هو الإيمان؟ شخصيتي المغامِرة؟ حبّ التخفّي والتلطّي وراء أجساد أخرى؟ لا أعرف، ولم أكن أعرف شيئاً عن فكرة الحجاب أصلاً.
التجربة كانت غريبة، لكنني أظهرت حماسة لاختبارها. لم أكن أفهم معنى أن تُغطّي الأنثى شعرها، لكنني لم أكن يوماً من هؤلاء الأشخاص الذين يستخفون بما لا يستطيعون فهمه.
دخلتُ المغامرة بكلّ ما تحمله من مصاعب، وكنت واثقة أنني لن أخرج منها مهزومة. ولكن حتى الآن لا أدري إذا كنت حققت به انتصاراً أم لا ! ...
أحببت ذاك التناقض بين مظهري وحقيقتي، بين شكلي وعملي، بين خياراتي واهتماماتي. أحياناً كنت أحبّ أن أرصد تلك الصدمة التي أخلّفها في الآخرين. أفرح لأنني أنا الشخص غير المتوقّع. الرسّامة الفرنكوفونية المثقفة، والمحجبّة!...
مذ كنت صغيرة، أردت أن أكون مختلفة عن الأخريات. كنت أسعى إلى الاختلاف عن غيري في كلّ شيء. فكرتُ أنّ الرسم سيجعلني متميزة، لكنّ الأمر لم يكن بهذه السهولة. والدتي عرفت كيف تنمّي في كلّ واحدة منّا- شقيقتيّ وأنا- موهبتها الفريدة حتى لا تكون واحدتنا أكثر تميّزاً عن الأخرى.
فشقيقتي الكبرى تكتب الشعر، والوسطى تعزف على البيانو، وأنا أرسم. هذا ما أرادته والدتي، أن تكون أمّاً لثلاث بنات متفوقات في مدارسهن ومتألقات في مواهبهن أيضاً.
كانت أمي تستمتع بدورها كأم. تُتقن هذا الدور الذي لا أظنّ أنّه يليق بأحد أكثر منها. حضورها كان طاغياً في المنـزل. وبفضلها، لم تكن أيّ واحدة منّا أقلّ أو أفضل من الأخرى في شيء. هي دعمت مواهبنا وكرّست ثقتنا بأنفسنا كأنّها خبيرة في بناء الشخصيات وإدارتها. أمّا والدي فكان فخوراً لأنّه أب لثلاث بنات جميلات. هو من الرجال الذين يعشقون الجمال، ويُبالغون في الإهتمام بمظهرهم. إنه لا يحبّ شيئاً أكثر من الترتيب والأناقة والرهافة. ومن أجله فقط اعتادت أمي أن تكون داخل المنـزل كما تكون خارجه، أنيقة ومرتبة. ولطالما أبهرتني أمي بقدرتها على تنظيم حياتها بين عملها ومواظبتها على القراءة ومتابعتها لتفاصيل حياتنا واهتمامها بأناقتها وجمالها.
أفرد شعري فتتدلّى خصلة منه تُغطّي الطرف الأيمن من وجهي. أبدو جميلة، ولم تعد تظهر عليّ آثار تعب أو إرهاق.
الهاتف يرنّ، لا بدّ أنّه وصل. عليّ أن أحضّر نفسي للخروج. انتعل حذائي المسطّح، إذ لا أقوى على الوقوف بالكعب العالي بسبب ما أعانيه من أوجاع في العظم والجسد من وطأة عملي كمدرّسة رسم في "المحترف الفني" للهواة والمبتدئين، وفي مرسمي الخاص أيضاً.
أرتدي سترة طويلة بأكمام، تُغطّي ردفيّ وما بقيَ مكشوفاً من جسدي. ومن ثمّ أختار المنديل الكحلي المـُوشّى بورود زهرية حتى أضعه على رأسي. أحمل المنديل بيدي وأتلمّس شعري باليد الأخرى. أنظر إلى وجهي في المرآة، فأراه وجهاً من وجوه موديلياني الرقيقة.
شعري الخرنوبـي الناعم يُضفي عليه أنوثة وجمالاً واضحين. لم أحدّق في وجهي منذ فترة بعيدة. إنّه يزداد مع الأيام براءة وطفولة. كنت أعتقد أنني كبرت كثيراً، لكنّ ما أراه الآن أمامي يوحي بالعكس. صرت أشبه فتيات لوحاتي. أو أنني كنت أرسمهن على صورتي من غير أن أدري. لا أعرف. لكنّ هذا الوجه لم أرَه منذ زمن. حياتي أصبحت مثل حلبة سباق، السرعة هي ركيزتها. آكل بسرعة، أمشي بسرعة، أعمل بسرعة، أفكر بسرعة، أتكلّم بسرعة... لا يتوقف الزمن إلاّ عندما أدخل محترفي حيث لا ساعة، ولا مرآة. المرسم هو عالمي الذي أفعل فيه كلّ شيء بمزاج، وِفق إيقاع أحدّده أنا.
أمّا الآن فأنا أيضاً على عجلة من أمري. هاتفي يرنّ من جديد... لن أردّ، لا وقت لديّ. عليّ أن أواصل ارتداء ملابسي وأخرج. أتعجّل في وضع الإيشارب على رأسي، أحاول أن أهرب من النظر إلى المرآة، لكنني لا أقوى.
أريد أن أتأكّد من أنّ وجهي مازال جميلاً حتى بعد أن يُبدّل المنديل ملامحه. فأنظر إليه مجدداً. هو وجه آخر يسكن المرآة. أنا لا أتوهّم. إنها الحقيقة. إنني أعرف الناس بالوجوه من شدّة شغفي بها، وأقول إنّ هذا الوجه ليس لي. فأنا تربطني بالوجه علاقة خاصة تجعلني أشعر في أوقات كثيرة بأنّ ثمة صلة قرابة تجمعني بوجوه معينة، قد لا أصادفها في الواقع، وإنما في لوحات وصور وروايات. بينما تربطني بالجسد علاقة ملتبسة. أحسّ أحياناً أنني أضعته وضاعت معه ذكراه، حتى صرت أشعر كأنما جسدي ليس لي. إلاّ أنّ الله عوّضني خيراً بأن منحنيا لقدرة على رسم أجساد الأخريات، بحرفية وشغف. وأنا أعرف جيداً أنّ جسدي بعد احتجابه، زاد معنى حضوره في حياتي. فصرت أرسم أجساداً بديلة عنه. أرسمها وكأنّ جسدي هو الذي يُملي عليّ ما أرسمه.
رسم الأجساد صار وحده الجسر الذي يصلني بالعالم، وبذاتي. هكذا، أضحى الرسم هو حضور الجسد وغيابه في آن واحد. الجسد وحده صار يُلهمني، ويُغريني. أضحت للجسد معانٍ أخرى لم أكن أنتبه لها. صرت أرى الأجساد كاللغات، لكلٍّ منها جمالياتها وقواعدها وخطوطها واستثناءاتها...
عندما وضعت الحجاب أول مرة لم أكن أعرف السبب الذي دفعني نحو هذا الفعل. هل هو الإيمان؟ شخصيتي المغامِرة؟ حبّ التخفّي والتلطّي وراء أجساد أخرى؟ لا أعرف، ولم أكن أعرف شيئاً عن فكرة الحجاب أصلاً.
التجربة كانت غريبة، لكنني أظهرت حماسة لاختبارها. لم أكن أفهم معنى أن تُغطّي الأنثى شعرها، لكنني لم أكن يوماً من هؤلاء الأشخاص الذين يستخفون بما لا يستطيعون فهمه.
دخلتُ المغامرة بكلّ ما تحمله من مصاعب، وكنت واثقة أنني لن أخرج منها مهزومة. ولكن حتى الآن لا أدري إذا كنت حققت به انتصاراً أم لا ! ...
أحببت ذاك التناقض بين مظهري وحقيقتي، بين شكلي وعملي، بين خياراتي واهتماماتي. أحياناً كنت أحبّ أن أرصد تلك الصدمة التي أخلّفها في الآخرين. أفرح لأنني أنا الشخص غير المتوقّع. الرسّامة الفرنكوفونية المثقفة، والمحجبّة!...
مذ كنت صغيرة، أردت أن أكون مختلفة عن الأخريات. كنت أسعى إلى الاختلاف عن غيري في كلّ شيء. فكرتُ أنّ الرسم سيجعلني متميزة، لكنّ الأمر لم يكن بهذه السهولة. والدتي عرفت كيف تنمّي في كلّ واحدة منّا- شقيقتيّ وأنا- موهبتها الفريدة حتى لا تكون واحدتنا أكثر تميّزاً عن الأخرى.
فشقيقتي الكبرى تكتب الشعر، والوسطى تعزف على البيانو، وأنا أرسم. هذا ما أرادته والدتي، أن تكون أمّاً لثلاث بنات متفوقات في مدارسهن ومتألقات في مواهبهن أيضاً.
كانت أمي تستمتع بدورها كأم. تُتقن هذا الدور الذي لا أظنّ أنّه يليق بأحد أكثر منها. حضورها كان طاغياً في المنـزل. وبفضلها، لم تكن أيّ واحدة منّا أقلّ أو أفضل من الأخرى في شيء. هي دعمت مواهبنا وكرّست ثقتنا بأنفسنا كأنّها خبيرة في بناء الشخصيات وإدارتها. أمّا والدي فكان فخوراً لأنّه أب لثلاث بنات جميلات. هو من الرجال الذين يعشقون الجمال، ويُبالغون في الإهتمام بمظهرهم. إنه لا يحبّ شيئاً أكثر من الترتيب والأناقة والرهافة. ومن أجله فقط اعتادت أمي أن تكون داخل المنـزل كما تكون خارجه، أنيقة ومرتبة. ولطالما أبهرتني أمي بقدرتها على تنظيم حياتها بين عملها ومواظبتها على القراءة ومتابعتها لتفاصيل حياتنا واهتمامها بأناقتها وجمالها.
صفحة 3
عقدة شعرها المجدولة لا تتغيّر صباحاً ومساءً، كأنّها تنام وتصحو بها من غير أن تتأثّر تسريحتها الأنيقة. الأقراط الماسية الصغيرة تلتمع دوماً في أذنيها. قمصانها الحرير الملونة غالباً ما تُزيّنها ببروش صغير من ماركات عالمية معروفة. ولا تتخلّى عن سكربينتها العالية الكعب إلاّ في ما ندر. كنت أظنّ أناقة أمّي الدائمة شغفاً لديها، وإلاّ لما تمكنت من أن تبذل كلّ هذا المجهود أمام المرآة يومياً، بالرغم من انشغالاتها الكثيرة. لكنّ مشاكلها المستمرّة مع والدي جعلتني أفهم مع الأيّام أنّ هذه المبالغة في إبراز أناقتها، وهي الأمّ المثقفة والعاملة، ليست سوى تدابير وقائية للحدّ من نـزوات أبـي وملاحقته المستمرّة للجميلات. أو ربما لإثبات أنوثتها أمام نفسها بعد كلّ مغامرات والدي النسائية، التي كانت تعلم بها، على رغم تكتّم أبـي الشديد. في البداية، لم أكن أعلم أنّ النساء هنّ سبب مشجارات والديّ التي كانت تمنعنا في ليالٍ طويلة من الإستغراق في النوم. ومع أنّ أمي جهدت في أن تتستّر على مشاكلها معه، وعملت على تفادي الدخول في مشادّات كلامية معه أمامنا، ما استطاعت أن تُخفي عنّا حقيقة العلاقة المتوترة بينها وبين أبـي. أمّا هو، فلم يكن يولي الأمر اهتماماً كبيراً، بل كان يُلاطفها دوماً أمامنا ويتودّد إليها مُظهراً لها حبّه.
لم أتصوّر يوماً أنّ رجلاً يُمكن أن يخون زوجةً بمواصفات أمّي، بذكائها وصلابتها وأناقتها، إلى أن سمعت شهقاتها مرّة وهي تبكي ليلاً. لسنوات طويلة ظننتُ أنّ أمّي امرأة لا تبكي. لهذا كانت دموعها المنهمرة سراً في عتمة غرفتها ثقيلة جداً على قلبـي. سمعتها تبكي وحيدة في غرفتها وهي تعلم أنّ والدي يُعاشر امرأة سواها، وفي ظنّه أنّها لا تعلم بالأمر. كان يعتقد أنّها تشكّ فقط بوفائه لها. وقد فاته أنّ امرأة مثل أمي قادرة بإحساسها الأنثوي أن تكشف خيانته لها، أن تشمّ رائحة هذه الخيانة.
مشهدٌ قاسٍ أن يرى الأبناء أمّهم باكية، مكسورةً، حزينة... لكنّ الأقسى منه حين يكتشفون أنّ والدهم هو من يُبكيها، وهو مصدر أحزانها وآلامها.
دموع أمي الصامتة غالباً لم تنـزع حبّ أبـي من قلبـي، وإنما أحدثت بلا شكّ صدمة لديّ، مع أنني أعلم أنّ خيانته لها ناجمة عن نـزوة لديه. فهو لم يكن يحبّ سواها، لكنه لم يكن يمنع نفسه من خوض مغامراته الصغيرة.
هذه الدموع ربما جعلتني أتخفّف من اهتمامي بأنوثتي. كأنّ تجربة والديّ علّمتني أنّ أناقة المرأة وجمالها لا يُساويان شيئاً في حسابات رجل من الصعب أن يكتفي بامرأة واحدة.
أبـي ليس قاسياً، ولا أظنّه تقصّد يوماً إيذاء أمّي أو إهانتها. كلّ ما في الأمر أنّه رجل يضعف أمام فتنة الجمال والأنوثة، لا سيّما أنّه "الجنتلمان" الذي تنجذب إليه النسوة. وأمي كانت تعلم في قرارة نفسها أنّ زوجها يُحبّها ولا يُفضّل امرأة عليها، لولا عجزه عن مقاومة نـزواته العابرة.
فكانت كلّما ينشغل عنها بنساء أخريات، وبالسرّ كعادته، تنشغل هي بتجميل نفسها، من غير أن تُقصّر يوماً في واجباتها معنا. وأظنّها لم تكن تُحبّذ فكرة الإنفصال عنه واللجوء إلى الطلاق، لأنّها تُحبّه مثلما تُحبنا، وتُقدّس الأسرة وتخشى عليها أكثر ممّا على نفسها.
لكنّ أبـي برغم زحمة أعماله وأسفاره وعلاقاته، لم يغِب عن حياتنا. نحن، بناته الثلاث، كنّا بالنسبة إليه عرائسه الملوّنة، وأنا كنت دميته الصغيرة ذات الشعر "الأحمر". ولهذا كان، ومازال، يحبّ أن يُناديني باالفرنسية ma p’tite rose ، أو وردتي الصغيرة.
اختلافاتنا البسيطة، نحن الشقيقات، لم تكن تُحدث الفرق، فبقينا ثلاث بنات متشابهات في نظر والدينا، والناس.
أمّا أنا، فكنت الوحيدة التي لم تكن راضية بذلك. كنت أبحث عن تفرّدي في كلّ شيء. لا أريد أن أكون مثل أحد. ولا حتى مثل شقيقتيّ. كنت أريد أن يتكلمّوا عني بصيغة الفرد، لا الجمع. كأن يقولوا مثلاً هذه الفتاة لا تُشبه شقيقتيها، إنها أقلّ جمالاً منهما، أو أكثر، لا فرق. وكم حلمت بهذه الجملة خلال أزمة المراهقة. وفي كلّ مرّة كان يثني الناس فيها على حسننا، نحن البنات، كان والدي ينفش ريشه كديك رومي، فخوراً بنا، وتنظر أمّي إليه معتدّة بنفسها، كأنّها هي صاحبة الفضل في ذلك. كنت أشعر بامتعاض كبير، كأنني أرفضني أو أنني أبحث عن شيء ما لا أعرفه. عن شيء يصنع لي هويتي الخاصة.
لم أتصوّر يوماً أنّ رجلاً يُمكن أن يخون زوجةً بمواصفات أمّي، بذكائها وصلابتها وأناقتها، إلى أن سمعت شهقاتها مرّة وهي تبكي ليلاً. لسنوات طويلة ظننتُ أنّ أمّي امرأة لا تبكي. لهذا كانت دموعها المنهمرة سراً في عتمة غرفتها ثقيلة جداً على قلبـي. سمعتها تبكي وحيدة في غرفتها وهي تعلم أنّ والدي يُعاشر امرأة سواها، وفي ظنّه أنّها لا تعلم بالأمر. كان يعتقد أنّها تشكّ فقط بوفائه لها. وقد فاته أنّ امرأة مثل أمي قادرة بإحساسها الأنثوي أن تكشف خيانته لها، أن تشمّ رائحة هذه الخيانة.
مشهدٌ قاسٍ أن يرى الأبناء أمّهم باكية، مكسورةً، حزينة... لكنّ الأقسى منه حين يكتشفون أنّ والدهم هو من يُبكيها، وهو مصدر أحزانها وآلامها.
دموع أمي الصامتة غالباً لم تنـزع حبّ أبـي من قلبـي، وإنما أحدثت بلا شكّ صدمة لديّ، مع أنني أعلم أنّ خيانته لها ناجمة عن نـزوة لديه. فهو لم يكن يحبّ سواها، لكنه لم يكن يمنع نفسه من خوض مغامراته الصغيرة.
هذه الدموع ربما جعلتني أتخفّف من اهتمامي بأنوثتي. كأنّ تجربة والديّ علّمتني أنّ أناقة المرأة وجمالها لا يُساويان شيئاً في حسابات رجل من الصعب أن يكتفي بامرأة واحدة.
أبـي ليس قاسياً، ولا أظنّه تقصّد يوماً إيذاء أمّي أو إهانتها. كلّ ما في الأمر أنّه رجل يضعف أمام فتنة الجمال والأنوثة، لا سيّما أنّه "الجنتلمان" الذي تنجذب إليه النسوة. وأمي كانت تعلم في قرارة نفسها أنّ زوجها يُحبّها ولا يُفضّل امرأة عليها، لولا عجزه عن مقاومة نـزواته العابرة.
فكانت كلّما ينشغل عنها بنساء أخريات، وبالسرّ كعادته، تنشغل هي بتجميل نفسها، من غير أن تُقصّر يوماً في واجباتها معنا. وأظنّها لم تكن تُحبّذ فكرة الإنفصال عنه واللجوء إلى الطلاق، لأنّها تُحبّه مثلما تُحبنا، وتُقدّس الأسرة وتخشى عليها أكثر ممّا على نفسها.
لكنّ أبـي برغم زحمة أعماله وأسفاره وعلاقاته، لم يغِب عن حياتنا. نحن، بناته الثلاث، كنّا بالنسبة إليه عرائسه الملوّنة، وأنا كنت دميته الصغيرة ذات الشعر "الأحمر". ولهذا كان، ومازال، يحبّ أن يُناديني باالفرنسية ma p’tite rose ، أو وردتي الصغيرة.
اختلافاتنا البسيطة، نحن الشقيقات، لم تكن تُحدث الفرق، فبقينا ثلاث بنات متشابهات في نظر والدينا، والناس.
أمّا أنا، فكنت الوحيدة التي لم تكن راضية بذلك. كنت أبحث عن تفرّدي في كلّ شيء. لا أريد أن أكون مثل أحد. ولا حتى مثل شقيقتيّ. كنت أريد أن يتكلمّوا عني بصيغة الفرد، لا الجمع. كأن يقولوا مثلاً هذه الفتاة لا تُشبه شقيقتيها، إنها أقلّ جمالاً منهما، أو أكثر، لا فرق. وكم حلمت بهذه الجملة خلال أزمة المراهقة. وفي كلّ مرّة كان يثني الناس فيها على حسننا، نحن البنات، كان والدي ينفش ريشه كديك رومي، فخوراً بنا، وتنظر أمّي إليه معتدّة بنفسها، كأنّها هي صاحبة الفضل في ذلك. كنت أشعر بامتعاض كبير، كأنني أرفضني أو أنني أبحث عن شيء ما لا أعرفه. عن شيء يصنع لي هويتي الخاصة.
صفحة 4
الهاتف يرنّ بدون توقف...
رنين الهاتف يقطع حبل أفكاري ويُعيدني إلى وجهي الذي لا يُشبه وجهي البتّة. أنـزع المنديل عن رأسي، فيعود وجهي إلى طبيعته. أفكّر. هل أخرج هكذا؟ هل أفعلها؟ عجيب كيف تُراودني أفكار خطيرة إلى هذا الحدّ في مثل هذا الوقت الضيّق؟
أفكّر... تُرى ماذا سيقولون عنّي؟ أهلي سيفرحون طبعاً. هم طالما حاولوا إقناعي بالعدول عن هذه الخطوة التي جعلتني أبدو غريبة عنهم. وأنا كنت غالباً ما أجيبهم: "الحجاب الذي لم أضعه لأجل أحد، لن أخلعه من أجل أحد".
أبـي الذي كان أكثر ما يُحبّ فيّ شعري، لم يتقبّل فكرة أن أغطّيه وأن أحجب أنوثتي وأنـزع منه لقب "أبو البنات الجميلات".
لكنّ عنادي جعلهم يستسلمون جميعاً لرغبتي. فجاءت الموافقة على مضض. لم أسمع يوماً عبارة يعتاد الناس قولها للمحجبّة حديثاً: "مبروك الحجاب". بل كلّ من حولي كان مُندهشاً من فعل لا يليق بفتاة مثلي. وأنا لم أقتنع يوماً بهذه الأحكام المسبقة، لم أكن أعرف لماذا يُصنّفون الحجاب على أنّه كود اجتماعي يشير إلى فئة من البسطاء والجهلاء والرجعيين. "أنت شابة تعيشين وسط هذا العالم، فلماذا تختارين الهامش مكاناً لك؟". لم يتمكنّوا من أن يروا في ذاك الزيّ المحتشم أكثر من هامش، أكثر من ظلّ حياة.
وكنت إذا ذهبت إلى مكانٍ ما أشعر بقلّة اهتمام الناس بـي، كأنني دخيلة على عالمهم، أو بالأحرى عالمهن. ولكن ما إن أنطق جملة بالفرنسية وبطلاقة حتى تتغيّر النظرة إليّ. كأنّ الإنسان في هذا العالم لا يكتسب قيمته إلاّ عندما يتشبّه بالآخر، في كلامه وسلوكه وملابسه.
أمّا هو، فقد تعرّف إليّ بهذه الهيئة. تُرى كيف سيكون ردّ فعله إن نـزلت الآن من دون حجابـي؟ هل ستكون صدمة له أم مفاجأة جميلة؟ لا أعرف. هل أترك بيتي بشعري الناعم المـُفرد بعد خمس سنوات من حجبه لسبب لا أعرفه، أم أنني أضع المنديل الكحلي المزدان بالورود؟ هل أخرج بين الناس بالجسد المتخفّف من ثقل ملابسه أم أُبقي على احتشامي؟ هل أظهر بوجهي الموديلياني الرقيق أم بوجهي الشاحب والمـُقفل؟ لا أدري. أنا فعلاً ضائعة.
كنت أعرف أنّ هذه اللحظة ستاتي يوماً ما، وإنما ليس الآن. قبل أسبوع واحد من المعرض ! ...
أضع المنديل على رأسي وأنـزعه، ثمّ أضعه وأنـزعه. أراقب قسمات وجهي السريعة في المرآة. إنها تتبدّل، بل تصل إلى حدّ التناقض في أقلّ من ثانية. من المرح إلى الحزم، من البراءة إلى الجديّة، من الجاذبية إلى اللاتعبير... أضع الحجاب وأنـزعه على صوت رنين الهاتف، لكنني أقرّر أخيراً ألاّ أخلعه.
لن أكرّر الحركة ذاتها حتى بزوغ فجر يوم جديد. إنّه ينتظرني، وعليّ أن أغادر الآن. لن أبدأ دورة حياة جديدة في لحظة توتّر كهذه ! سوف أخرج به !
أُبقي المنديل على رأسي. أقفل باب الغرفة ورائي، وأخرج من المنـزل. أخرج، كما كلّ يوم...
رنين الهاتف يقطع حبل أفكاري ويُعيدني إلى وجهي الذي لا يُشبه وجهي البتّة. أنـزع المنديل عن رأسي، فيعود وجهي إلى طبيعته. أفكّر. هل أخرج هكذا؟ هل أفعلها؟ عجيب كيف تُراودني أفكار خطيرة إلى هذا الحدّ في مثل هذا الوقت الضيّق؟
أفكّر... تُرى ماذا سيقولون عنّي؟ أهلي سيفرحون طبعاً. هم طالما حاولوا إقناعي بالعدول عن هذه الخطوة التي جعلتني أبدو غريبة عنهم. وأنا كنت غالباً ما أجيبهم: "الحجاب الذي لم أضعه لأجل أحد، لن أخلعه من أجل أحد".
أبـي الذي كان أكثر ما يُحبّ فيّ شعري، لم يتقبّل فكرة أن أغطّيه وأن أحجب أنوثتي وأنـزع منه لقب "أبو البنات الجميلات".
لكنّ عنادي جعلهم يستسلمون جميعاً لرغبتي. فجاءت الموافقة على مضض. لم أسمع يوماً عبارة يعتاد الناس قولها للمحجبّة حديثاً: "مبروك الحجاب". بل كلّ من حولي كان مُندهشاً من فعل لا يليق بفتاة مثلي. وأنا لم أقتنع يوماً بهذه الأحكام المسبقة، لم أكن أعرف لماذا يُصنّفون الحجاب على أنّه كود اجتماعي يشير إلى فئة من البسطاء والجهلاء والرجعيين. "أنت شابة تعيشين وسط هذا العالم، فلماذا تختارين الهامش مكاناً لك؟". لم يتمكنّوا من أن يروا في ذاك الزيّ المحتشم أكثر من هامش، أكثر من ظلّ حياة.
وكنت إذا ذهبت إلى مكانٍ ما أشعر بقلّة اهتمام الناس بـي، كأنني دخيلة على عالمهم، أو بالأحرى عالمهن. ولكن ما إن أنطق جملة بالفرنسية وبطلاقة حتى تتغيّر النظرة إليّ. كأنّ الإنسان في هذا العالم لا يكتسب قيمته إلاّ عندما يتشبّه بالآخر، في كلامه وسلوكه وملابسه.
أمّا هو، فقد تعرّف إليّ بهذه الهيئة. تُرى كيف سيكون ردّ فعله إن نـزلت الآن من دون حجابـي؟ هل ستكون صدمة له أم مفاجأة جميلة؟ لا أعرف. هل أترك بيتي بشعري الناعم المـُفرد بعد خمس سنوات من حجبه لسبب لا أعرفه، أم أنني أضع المنديل الكحلي المزدان بالورود؟ هل أخرج بين الناس بالجسد المتخفّف من ثقل ملابسه أم أُبقي على احتشامي؟ هل أظهر بوجهي الموديلياني الرقيق أم بوجهي الشاحب والمـُقفل؟ لا أدري. أنا فعلاً ضائعة.
كنت أعرف أنّ هذه اللحظة ستاتي يوماً ما، وإنما ليس الآن. قبل أسبوع واحد من المعرض ! ...
أضع المنديل على رأسي وأنـزعه، ثمّ أضعه وأنـزعه. أراقب قسمات وجهي السريعة في المرآة. إنها تتبدّل، بل تصل إلى حدّ التناقض في أقلّ من ثانية. من المرح إلى الحزم، من البراءة إلى الجديّة، من الجاذبية إلى اللاتعبير... أضع الحجاب وأنـزعه على صوت رنين الهاتف، لكنني أقرّر أخيراً ألاّ أخلعه.
لن أكرّر الحركة ذاتها حتى بزوغ فجر يوم جديد. إنّه ينتظرني، وعليّ أن أغادر الآن. لن أبدأ دورة حياة جديدة في لحظة توتّر كهذه ! سوف أخرج به !
أُبقي المنديل على رأسي. أقفل باب الغرفة ورائي، وأخرج من المنـزل. أخرج، كما كلّ يوم...