صفحة 1
عندما أطلّ الأستاذ خليل على القدس القديمة من قمة جبل المكبر، رآها تتدثر بعباءة الهزيمة السوداء التي أوقعتها تحت الاحتلال، فجرافات الهدم أدمت خاصرتها الجنوبية الغربية، واقتلعت أكثر من ألف بيت تاريخي، والمسجد الأقصى يئن من ضجيج الهدم الذي طال حائطه الغربي، في حين ارتعدت فرائص كنيسة القيامة ومآذنها تعانق مئذنة المسجد العمري الشامخ أمامها، وتصلي لربّها بأن يحفظ قرينها الأقصى، وتكيل لعناتها على من يتاجرون بالصليب في العالم الغربيّ، وساعدوا في إيقاع مدينتها تحت سيطرة الغرباء، وسور المدينة يبكي ماضيه، فلم تعد أبوابه قادرة على حماية المدينة، وبواباته التاريخية تتململ من الغرباء الذين يمتشقون أسلحتهم تحت أقواسها، وينكلون بالمؤمنين الذي يعبرونها لآداء الصلوات في أماكنها المقدسة.
وتساءل اذا ما كانت أبواب السماء قد أغلقت أبوابها، ولم تعد تقبل دعوات وصلوات المؤمنين؟ ودعا الله قائلا:- رحماك يا ربّ، فهذه المدينة عاتبة على أحبّائها، وحزينة على من سقط من أبنائها وأبناء أكنافها، وتبكي من غادروها إلى المجهول...فالمدينة ثكلى، يلفّها ثوب أسود من الغبار والرمال، وكأنها في حداد لن تستطيع قطرات المطر الخفيفة التي تساقطت في تشرين الثانيغسلها....وهذا ما أكده كبار السّنّ، فالمدينة لا يمكن أن تعود لطبيعتها الفرحة الباسمة ما لم تعد إلى سابق عهدها، كموسوعة حضارية لأجناس مختلفين تعاقبوا عليها، لكن قلب الأمّ لا يخطئ فهي تعرف أبناءها وفلذات كبدها، ولن يستطيع الغرباء إقناعها بأنهم أبناؤها، وهي لن تقبل بهم مهما حاولوا استرضاءها. تتلمس المدينة خاصرتها الجريحة، وتجثو في مهدها وهم يستبيحون أحشاءها ويستلّونها، وعينها إلى الشرق تنتظر من يضمّد جراحها النازفة....وبكت عندما رأت صلاح الدين يعلو بوّابة باب العمود متلفعا بعباءته فوق السّورومخفيا سيفه على غير العادة...كان متجهما وقد شقّق الدهر وجهه، فرأت أن الرجل حزين على أحفاده الذين ما حفظوا الأمانة التي تركها لهم...لكن قلب الأمّ لا يقسو على أبنائها، فطمأنته بأنّها باقية مكانها، وأنها ليست عاقرا.
رأى االمدينة تنتعش قليلا عندما رأت أبناءها يتجمعون ويخرجون من الأقصى هاتفين باسمها، وارتعشت غضبا عندما رأت أبا سالم يجوب وسط الشباب بلباسه الجديد، ينظر في وجوههم وكأنه يتعرف عليهم، وعندما شاهد خليل يرفع يده ويرغي ويزبد...اقترب منه وقال:-يا ولد "عند مخالفة الدول الشاطر بخبّي راسه"....وأنت أكتع إذا ما أمسكوا بك سيكسرون يدك السليمة.
نظر إليه خليل حانقا وسأله:- ولماذا لا تخبّئ رأسك أنت؟
فردّ أبو سالم:- أنا أعرف ما أفعل.
فقال خليل ساخرا:- وأنا أعرف أيضا ماذا أفعل؟
أبو سالم متوددا:- أنا لا أريد لك ضرّا.
قال خليل وهو يبتعد عنه:- ومن أنت؟ وهل تملك الضرّ أو النفع؟
بعد صلاة المغرب اجتمع عدد من رجال البلدة في بيت المختار أبي سعيد، حضر أبو سالم يرتدي قمبازا وعباءة جديدين، نفخ كتفيه بينما في نظراته انكسار...طرح تحيّة المساء...فلم يرد بمثلها سوى صاحب البيت...في حين تلفت الآخرون بوجوه بعضهم البعض....خيّم السكون وانتشر دخان السجائر يجوب فضاء المضافة...أبو سالم يفتح عباءته قليلا كي يرى الآخرون ملابسه الجديدة...تنحنح وقال:-
سمعت أصواتكم عن بعد مئة متر...وأراكم سكتّم منذ دخولي...إن كنت غير مرغوب بي، أو كانت بينكم أسرار، فبإمكاني الانصراف.
فقال المختار أبو السعيد بصوت منخفض:- ليس من عاداتنا أن نطرد ضيوفنا يا أبا سالم.
أبو سالم بصوت متهدّج:- أنا لست ضيفا....أنا واحد منكم...ولولا الواجب لما خرجت من بيتي.
صفحة 2
أيّ واجب؟ سأل أبو السعيد.
أبو سالم:- صليت الظهر في الأقصى وخرجت مظاهرة بمناسبة وعد بلفور، وشاركت فيها مرغما فقد حوصرت وسط المتظاهرين، وأنا في طريقي الى موقف الباصات، وشاهدت عددا من أبنائنا مع المتظاهرين، وفي مقدمتهم خليل الأكتع بن أبي كامل....وهذه دولة هزمت كل الدول العربية، ولا ترحم أحدا، وأخاف أن يضيع شبابنا وسط هذه المعمعة....وخليل ولد طائش لا يُقدر عواقب الأمور.
فسأله الحاج عبد الودود:- وأنت ما يقلقك في هذا؟
- يقلقني الخوف على أبنائنا...والمثل يقول"اللي بيتجوز أمّي هو عمّي".
فقال الأستاذ فؤاد:- ليعمي الله هكذا عمّ...والله لا يوجد همّ أكبر منه.
استند أبو سالم ووجه حديثه إلى الأستاذ داود وقال:- وحّد الله يا أستاذ...أنت رجل عاقل...وما توقعت كلامك هذا..خصوصا أمام الشباب.
تنحنح المختار وقال:- اتركونا من السيّاسة وأهلها...وتحدّثوا بأمور أخرى.
فقال أبو سالم:- يا جماعة اسرائيل دولة غنيّة، والعامل يتقاضى فيها أجرا أعلى من أجر مدير مدرسة قبل الاحتلال، وهذه "مشمشيه" ومن يعمل ويدّخر سيكسبها، فأجرة المهندسين في السعودية ودول الخليج أقلّ من أجرة العمال هنا.
ردّ الأستاذ داود بلهجة غاضبة:- بدلا من العمل مع الاسرائيليين لماذا لا نعمل كلّنا في أراضينا ونفلحها بدلا من تركها؟ ولينصرفوا من أرضنا.
أبو سالم:- أمضينا عمرنا نعمل في الأرض، ولم نشبع الخبز إلّا بشق الأنفس.
الأستاذ داود:- الأرض تطعم من يعتني بها.
الحاج عبد الودود:- يا إخوان نحن لم نأت بالاحتلال...بل نحن ضحايا لهذه الأوضاع..وأنا مع اقتراح أبي سالم بأن يعمل الجميع، كي نعيش...ونجمع نقودا لنبني بيوتا لأبنائنا...وهذه فرصة لن تتكرر.
أبو السعيد:- من يريد أن يعمل فلا أحد يستطيع منعه، لكن لدينا مشكلة أكثر أهميّة وهي: يجب أن نعيش حياتنا...فهناك شابات وشبان مخطوبون لبعضهم البعض فلماذا لا يتزوجون؟ وهناك بنات مخطوبات لشباب غادروا في الحرب إلى الأردن، ويجب علينا أن نتدبّر الأمور.
فقال أبو سالم:- والله هذا عين العقل وعلينا أن نستر بناتنا.
صفحة 3
فسأل الأستاذ داود:- كيف؟ وماذا نستطيع فعله؟
المختار أبو السعيد:- البنات المخطوبات لمن هم في الأردن نجمعهن ونرسلهن مع أحد المسنين ليوصلهن إلى خاطبيهن، وهناك يتزوجن وينسترن، وبعدها يتسلل عبر النّهر عائدا و(يا بيت ما دخلك حدا)....والخاطبون هنا يجب أن يتزوجوا.
دارت أفكار تلفّ الغرفة مع دخان السجائر الذي يبحث عن طريق للهرب إلى الخارج، فمن يعلم؟ ربّما ستطول هذه المحنة، وربما ستغلق الحدود، والبنات المخطوبات لمن هم في الخارج سيصبحن لا هنّ متزوجات ولا هنّ مطلقات.
أبو سالم:- أنا أتبرع باصطحاب البنات وتسليمهن إلى أسر خاطبيهنّ، ولن أعود إلّا بعد أن يزفوا كلّ واحدة منهنّ إلى عريسها.
أبو صالح يجوب بأفكاره طرق التهريب بين فلسطين والأردن التي كانوا يسلكونها زمن الانتداب، فيحمل على ظهره شقاء سنوات عجاف، يستمطر السماء فيها لعنات على البريطانيين الذين جلبوا لنا المصائب التي أهلكت البلاد والعباد...تنحنح وهو ممدّد على جانبه الأيمن، ويتكئ على كوعه، ووجه حديثه إلى أبي سالم:-
وإذا قتلك اليهود يا أبا سالم.
أبو سالم محتجا:- كفانا الله شرّك يا رجل...في الطريق إلى الأردن نذهب في الباصات حتى الجسر، فهم يسهّلون طريق المغادرين، لكنّها باتجاه واحد، فمن يغادر لن يسمحوا له بالعودة، واليهود لا يؤذون من لا يؤذيهم، وفي العودة سأتدبّر أمري، فأنا أعرف الطرق الآمنة جيدا.
تطاير الغضب شررا من عينيّ الأستاذ داود وهو يصيح بأبي سالم قائلا:- وهل قَتْلُ الناس وتشريدهم واحتلال وطنهم إيذاء لهم أم ماذا يا أبا سالم؟
ماذا تقصد ردّ أبو سالم غاضبا؟ أريد أن أعمل معكم معروفا، وأخاف أن تقابلوني باتهامي بأنني من أشعل الحرب، ومن أوقع البلاد تحت الاحتلال، وصدق من قال:"خير لا تعمل شرّ ما يجيك".
المختار يهدئ الموقف فيقول:- وحّدوا الله يا ناس.
لم يوحّدوا الله ولم يصلّوا على نبيّه، بينما أشعل أبو سالم غليونه، وأشاح نظره إلى سقف الغرفة. خيّم صمت ثقيل قطعه الحاج عبد الودود بقوله:-دعونا نجمع آباء الفتيات ونتشاور معهم، وبعدها كل واحد منهم مسؤول عن ابنته، وهو أدرى بمصلحتها، وإذا ما قرروا إرسالهن فرادى أو جماعة أو عدم إرسالهن فهم أحرار.
فسأل أبو سالم:- ومتى ستجتمعون؟
عندما سنجتمع سنخبرك. ردّ المختار.
صفحة 4
التفّ أبو سالم بعباءته وخرج...فتبعه الآخرون باستثناء الحاج عبد الودود الذي بقي مكانه بإشارة من عين المختار.
قال المختار:- لعنة الله على أبي سالم كم هو خبيث وقليل حياء....وحديثه ثقيل جدا...وقد أفنى عمره رخيصا لا يحترم نفسه، حتى الشباب الأصغر عمرا من أبنائه لا يحترمونه لأنه لا يحترم نفسه...وبالتأكيد فإن عرضه لاصطحاب الفتيات إلى عمّان ليس لوجه الله...فله مصلحة بذلك، والله أعلم ما هي؟
فقال الحاج عبد الودود والحيرة تعلو وجهه:- هذا أمر مؤكد، والله أعلم أنه يريد أن يقنص والد كل فتاة بعشرة دنانير.
- المختار إن كان هذا هدفه فأمره بسيط...ولعلّها تكون سببا في خلاصنا منه، فقد يقتله اليهود وهو عائد متسللا ويريحوننا منه.
- لا أعتقد ذلك فـ"كعكور الخرا ما ينكسر" قالها الحاج عبد الودود ضاحكا.
استيقظ أبو سالم مبكرا بعد ليل ركبته فيه الكوابيس...احتسى كأس شاي وخرج قاصدا المسكوبية مشيا على الأقدام، وعند قمّة جبل المكبر أطلّ على القدس القديمة، فرأى المدينة غولا يريد أن يبتلعه…رأى قبة الصّخرة المشرّفة الذهبيّة تتدثر بسواد لم يره من قبل....فرك عينيه وتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم، فجاءه صوت خفيّ يسأل:- وهل هناك شيطان غيرك أيّها الخسيس؟...لم يعبأ بذلك...تغلّب على صراعه الدّاخلي، وقرّر أنّ مصلحته تكمن مع الكابتن نمرود، وهذه فرصته التي يجب أن يستغلّها، واستذكر ما قاله له الكابتن بأن العرب لن يعودوا إلى هذه البلاد، فهي"أرض اسرائيل" واسرائيل دولة قويّة يدعمها العالم الغربي وعلى رأسه أمريكا...ولن يستطيع أحد اكتشاف أمره، وبالتالي سيصول ويجول كما يحلو له، وإن اكتشفوه فماذا يستطيعون فعله؟ فهو محميّ من دولة قهرت دول المنطقة وشعوبها، وهذا قدر الله، ولو شاء الله لانتصر العرب...لكن مشيئته-سبحانه وتعالى- بجانب اليهود، وما داموا قبلوا بك يا أبا سالم فلماذا ترفضهم؟ وإن رفضتهم ستبقى فقيرا كما أمضيت ما مضى لك من عمر، وسأغتني جرّاء خدماتهم التي سأنفّذها حسب توجيهاتهم....وما الفرق بين اسرائيل أو أيّ دولة عربيّة أخرى؟ كلّها دول...والحاذق من يحقق مصالحه، ومصلحتي مع اسرائيل...انتبه لنفسه عندما وصل باب الخليل، وقف ينظر الى مئذنة المسجد التي ترتفع في مسجد القشلة بجانب مركز التوقيف الذي أمضى فيه خمسة عشر يوما،عندما اعتقلته الشرطة الأردنية، وضربوه ضربا مبرحا لسرقته خروفا من قطيع أغنام مرّ صاحبه بأطراف القرية، وهو في طريقه إلى الأغوار بحثا عن الماء والكلأ...واستذكر سخرية المعتقلين منهوهم يردّدون ما سأله أحدهم له:-
ألم تجد ما تسرقه سوى خروف يا شيخ العرب؟
وعندما ردّ عليهم بسؤاله لهم:- وعلى ماذا أنتم معتقلون؟
جاءته الإجابة بأن بعضهم معتقل لاتجّاره بالمخدرات أو لتعاطيها، في حين كان آخرون على سرقات لها قيمة...وتساءل عن المعاملة غير اللائقة لسارق خروف مثله، سرقه ليذبحه لأبنائه، فهل يتساوى السّرّاق واللصوص بغض النظر عن قيمة المسروقات؟ واصل طريقه وهو يؤكّد لنفسه بأنه لن يعود إلى السّرقة مرّة أخرى، ولن يحتاج إلى السّرقة في قادم الأيّام، لأنّ عمله مع المخابرات سيدرّ عليه مالا كثيرا...نعم أنا لست جاسوسا بل أنا موظف مع الحكومة، والعمل ليس عيبا أو حراما، وهذا ما أكّده لي الكابتن نمرود...فالحياة تقوم على المصالح...أنا أخدمهم وهم يخدمونني، صحيح بأنّ الكابتن وصفني بأنّني قد أصبحت كلبا لهم...لكنّه لم يكن جدّيّا بذلك، بل كان يمازحني، إنّه يختبر مدى ولائي لهم، عندما رأى خوفي وتردّدي في قبول العمل...وما كنت يوما جبانا...بل كنت أداري زمني، فقد سبق وأن وصفني بعض الوجهاء وبعض المتنفّذين بالنّذالة...وكنت متسامحا معهم فـ"الرّجال عند حاجاتهم نسوان" و"اليد الليما بتقدر تعضها بوسها وادعو عليها بالقطع" ومرّات كثيرة قبّلت فيها أيادٍ ودعوت عليها بالقطع، ولم أحصل على أيّ منفعة. نعم....نعم سأقبل أن أكون كلبا وفيّا للكابتن، ولن يعلم أحد بذلك...بل على العكس إنهم سيحترمونني عندما يرون أثر الثراء عليّ، فكلّ الناس عبيد للمال...نعم سأكون صادقا ووفيّا للكابتن نمرود، وسيلمس ذلك وعندها سيدفع لي أموالا كثيرة.
صفحة 5
أفاق على نفسه عند الحاجز الشرطيّ أمام المسكوبية...لم يسمح له الشرطيّ بالدخول، أخبره همسا بأنّه يريد مقابلة الكابتن نمرود، غير أن الشرطيّ أصرّ على موقفه الرافض، ولمّا ألحّ أبو سالم بطلبه، نهره الشرطيّ قائلا:-
انصرف يا حمار، الكابتن لا يصل قبل الثامنة، هيا انصرف وإلّا......
ابتعد أبو سالم....عاد إلى الخلف يتصبّب عرقا، ويسبح في بحر إهانته....جلس أمام الكنيسة الجميلة المجاورة... قال لنفسه:- الكابتن اعتبرني كلبا...وهذا الشرطيّ اعتبرني حمارا....وليسترني الله من القادم....سأنتظر حتى الثامنه وعشر دقائق، وإن لم يصل الكابتن سأعود أدراجي، ولن أرجع مرّة أخرى.
قبل الثامنة بخمس دقائق وصلت سيّارة الكابتن، فصاح أبو سالم بأعلى صوته:-
يا كابتن نمرود.
داس رجل المخابرات على فرامل السّيّارة، والتفت إلى مصدر الصوت، كان أبو سالم يركض باتجاهه...عدد من الشباب المقدسيين المطلوبين للمخابرات ينتظرون الساعة الثامنة للدخول، القلق بادٍ على وجوههم...فهم لا يعرفون خطورة ما ينتظرهم في الداخل...لكنه بالتأكيد ليس في صالحهم...وربما سيتعرضون للضرب والإهانة أو الاعتقال...ذهلوا من رؤية ما حدث، وازدادت دهشتهم عندما رأوا رجل المخابرات يبتسم لأبي سالم، واحتاروا عندما رأوا أبا سالم يفتح باب السيارة، ويجلس بجانب رجل المخابرات، فهل يُعقل أن الرجل قد تعامل مع المحتلين بهذه السرعة؟ فالاحتلال لم يمض عليه خمسة شهور....فقال أحدهم:-
وماذا سيستفيدون من حمار كهذا إذا تعامل معهم؟
وهل يقبل التعامل مع محتلٍ سوى الحمير والأنذال والجبناء الجهلة؟ هكذا تساءل شاب في منتصف الثلاثينيات من عمره...قليل الكلام...كأنه يبحث عن أجوبة لأسئلة تؤرقه.
دخل أبو سالم سيّارة الكابتن وهو يزمجر على الشرطيّ الذي لم يسمح له بالدّخول، وكيف وصفه بالحمار....ابتسم الكابتن ولم يقل شيئا...وتحت إلحاح أبي سالم نهره الكابتن غاضبا، وطلب منه السّكوت.
فقال أبو سالم- هل يعني هذا أنكم لا تريدونني أن أعمل معكم.
الكابتن:- وهل تعلم بأنّك حمار بحق وحقيقة، وهل تريدنا أن نلغي إجراءاتنا الأمنية؟ الشرطيّ عند البوّابة وظيفته أن يمنع الناس من الدخول، ومن يدخل لعملٍ ما يجب إخضاعه لتفتيش دقيق....ولو كنت أعلم أنّك قادم إلينا لوضعت اسمك عند البوّابة كي يسمحوا لك بالدخول....ولماذا أنت قادم في هذا الصّباح الباكر؟
شعر أبو سالم كأنه ديك منتوف الرّيش...تململ قليلا وقال:- جئت أستشيرك في قضية.
- ما هي؟
أبو سالم:-أهل بلدتنا يتشاورون في إرسال البنات لخاطبيهن المقيمين في الأردن.
- هذا عمل جيّد....كم عددهنّ؟
- أعتقد أنهن تسع أو عشر بنات.
صفحة 6
- ممتاز نرتاح من تسعة قد ينجبن تسعين شخصا...أين المشكلة؟
- المشكلة أنه يجب أن يرافقهن شخص من البلدة ليوصلهن بسلام، فهنّ لم يخرجن من القرية، ولا يعرفن كيف سيذهبن؟ ولا إلى أين؟
- ومن سيذهب معهن؟
- أنا إذا أعطيتني تصريحا للعودة بسلام.
- وهل يأتمنك الأهالي على بناتهم؟
- ولماذا لا يأتمنوني عليهن؟...فأنا واحد من شيوخ البلدة، وإحدى البنات ابنة شقيقي.
فكّر الكابتن قليلا وقال:- لا بأس في ذلك...سأعطيك تصريحا للعودة، وأريد منك أن تمكث هناك مدة لا تقل عن أسبوعين...تستفسر خلالها عمّن يعبرون النهر من الأردن متسللين؟ وماذا يحملون معهم؟ ومن منهم التحق بالمخربين؟ وأين تقع مواقع المخربين ومواقع تدريباتهم؟ وأية أخبار أخرى تراها مناسبة؟
- عن أيّ مخربين تتحدث يا رجل؟
- ألم تسمع بفتح؟
- لا لم أسمع.
- ليس غريبا على تيسٍ مثلك...ألا تسمع الأخبار؟
- وهل بقيت أخبار للاستماع إليها...لقد انتصرتم في الحرب وهُزم العرب..فماذا تبقى بعد؟
- الحرب ابتدأت الآن....وستكون طويلة ومكلفة.
- هذه أمور لا تعنيني...مكوثي في الأردن يتطلب مصاريف لا أقوى عليها. فهل تريدني أن أسافر أم ماذا؟
- أعرف ذلك...وأعرف أنك لن تنام في فندق، ولن تأكل في مطعم...ستنام عند أبناء بلدتكم، وستأكل من بيوتهم...ومع ذلك سأعطيك 200 دينار...لكن إياك أن تخبر أحدا عن التصريح...وإيّاك أن تخبر أحدا أنك جئت إلينا.
صفحة 7
- حاضر سيدي.
- إذا تكلمت في شيء ستضرّ نفسك، ولن تضرّنا في شيء...أريد أن أشرب فنجان قهوة...هل تريد أنت أيضا؟
- إذا لم يكن في ذلك إزعاج لحضرتك.
- معناه إشرب قهوتك...وانصرف من هنا. فلدينا أعمال كثيرة.
- أمرك سيدي.
خرج أبو سالم من مكتب الكابتن....اتجه إلى باب العمود...ذهب إلى مطعم في المصرارة...أكل صحن حمص...اتجه إلى الأقصى ليصلي هناك...شعر وكأن باب العمود سينهار على رأسه عندما دخل المدينة...فهل المدينة مسكونة بشياطين تطلقها عليه عندما ينظرها أو يدخلها؟ بسمل وحوقل ونظر إلى السّماء، فرأى سباقا بين غيوم بيضاء وأخرى سوداء...ما تلبث أن تتداخل لتشكل جبالا من الغيوم لا تلبث أن تهرب شرقا تحت ضغط هبوب رياح غربيّة لم تكن قويّة...طأطأ رأسه وسار باتجاه طريق الواد...نظر إلى ساعته فوجدها لم تصل العاشرة صباحا...قرّر أن يجلس على المقهى المقابل للمستشفى الحكومي"الهوسبيس" ليدخّن نفس تمباك...فبينه وبين صلاة الظهر أكثر من ساعتين.
ما أن وصلته النارجيلة حتى رأى أبا صالح خارجا من بوّابة المستشفى...ولمّا طرح عليه السّلام...استفسر منه عمّن يكون في المستشفى؟ فأخبره بأن والدته لم تنم من شدّة الألم في الليلة الماضية...فأتى بها إلى المستشفى، وأمر الأطباء بإبقائها لعمل فحوصات بعد أن أعطوها دواء يُسكن آلامها.
الله يرحمها برحمته قال أبو سالم...فهي امرأة جاوزت الثمانين من عمرها...وقد شقيت كثيرا في زمانها...وليرحم الله والدك فقد قسا عليها كثيرا...إجلس واشرب كأس شاي وارتح قليلا.
- لا أستطيع...سأذهب إلى السوق لشراء بعض الأغراض للوالدة.
- اجلس يا رجل....لا يمكن أن تذهب قبل أن تحتسي شيئا...فأنت رجل عزيز على قلبي..ووالدك- رحمه الله- كان صديقا لوالدي.
- لم يجلس أبو صالح فهو لا يطيق الرجل...ولم يكن بينهما علاقة...ووجد بوجود والدته في المستشفى عذرا مقبولا كي يتخلص منه...صحيح أن والديهما كانا صديقين...إلّا أنّ"النار تخلف رماد"...فقد كان والده رجلا فاضلا لكن-لا حول ولا قوّة إلّا بالله- فـ"لكل بيت مزبلة".
صفحة 8
تململ ساكنو قبور المدينة في قبورهم، فالصحابة والشهداء والأعيان والعلماء والعامّة الذين رووا تراب المدينة بدمائهم، يرتعد رفاتهم غضبا كلما داهم المدينة خطر، وهم يحتجون على قرار بلدية الاحتلال باستبدال اسم شارع "بور سعيد" باسم "شارع الزهراء" حتى أن روح الطيّار السوري جول جمّال رفرفت فوق مياه قناة السويس، التي ابتعلت مياهها ما تبقى من جثمانه الطاهر، عندما فجر طائرته في بارجة فرنسية في عدوان عام 1956، فالرجل ما عاد يطيق الأغراب الذين تتمترس قوّاتهم على ضفاف القنال الشرقية، ولم يكتفوا بذلك، بل غيّروا اسم شارع يحمل اسم بور سعيد التي دكّها الغزاة مرّات ومرّات، في حين ضحك عبد القادر الحسيني ساخرا من عقلية غزاة لا يتعظون من التاريخ، عندما قاموا بتغيير اسم مدرسة تحمل اسمه لتصبح "مدرسة سلوان الاعداديّة"، فإذا كان المنتصرون هم من يعيدون كتابة التاريخ، فإن ذاكرة الشعب أقوى من التاريخ الكاذب.
أنهى أبو سالم نفس التمباك على المقهى المقابل لمستشفى"الهوسبيس" ولم يذهب إلى الأقصى للصّلاة، فقد سمع كثيرا"إنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر" وهو في حيرة من أمره حول ما يقوم به هل هو فحشاء ومنكر أم لا؟ وإذا كانت الصّلاة في الأقصى بخمسمئة صلاة، فما مصير مرتكب الفحشاء والمنكر إذا ما دخل هذا المسجد العظيم؟ ولم يقتنع بأنه ارتكب فواحش ومنكرات، لذا ارتأى أن لا يذهب للصّلاة، ترك المقهى وقفل عائدا إلى باب العمود...وقبل الخروج من الباب التاريخي صعد الدرج إلى حارة السّعديّة...شعر الأرض تميد تحت قدميه عندما مرّ أمام مستشفى الأطفال...تذكر ابنته أميرة عندما رقدت وهي رضيعة في هذا المستشفى...وكيف عافاها الله، وقتئذ اعتبر شفاءها بسبب دعواته لها في المسجد الأقصى، لكنه الآن مقتنع بأن العلاج هو من شفاها...وطبعا بإرادة الله...لكنّ البشر جميعهم عيال الله...وأن المؤمنين كلّهم يصلون لله بغضّ النظر عن دينهم...ويبدو أنّ الله يحبّ اليهود أكثر من غيرهم...ولو لم يكن الأمر كذلك لما نصرهم...زوابع تدور في رأسه...تحسّس المئتي دينار التي قبضها من الكابتن نمرود...ابتسم وقال في نفسه:- لم أقبض في حياتي مبلغا كهذا...ابتسم ومنّى نفسه بمبالغ أكثر..تمنّى لو أنّ الله خلقه من أبوين يهوديين ليريحه من هذه الوساوس...حسم الأمر بأن شتم في سرّه آباء اليهود وآباء العرب..وواصل مسيره باتجاه باب السّاهرة...مشى في شارع صلاح الدين...لا يبغي هدفا...إنّه متضايق...يريد أن يضيع وقته..اتجه الى شارع"بور سعيد"...لم يفهم مغزى تغيير اسم الشارع، فالزهراء أو بور سعيد كلاهما اسمان لا يعنيان له شيئا، رأى نساء متبرجات كاسيات عاريات، بعضهن يتكلمن العربية بعجمة بائنة، ورأى ذكورا يرتدون ملابس نسائية... يضعون أحمر الشفاه...يحملون حقائب نسائية...يتكلمون بلغة المؤنث وكأنهم نساء... ورأى شبابا يترنحون سكارى، يمازحون تلك النساء...فتيقن أنّ المدينة لم تعد كما كانت، وهذا يثلج صدره، فـ"الموت مع الجماعة فرج" والكابتن نمرود يعمل على تغيير كلّ شيء...غالبية المحلات مغلقة فسأل شابا عن سبب ذلك؟
- هذه المحلات تفتح من المساء حتى الصباح يا شيخ..أجاب الشاب ضاحكا...وإذا ما أردت أن تعدل رأسك، وأن تقضي ليلة حمراء فعد ليلا وسترى ما لم تحلم به، هكذا أجابه الشاب.
وفي هذه الأثناء ظهر عليان بن الحاج عبد الرؤوف...يتأبط ذراع مخنث يتشبه بالنساء...كلاهما يضحك بشكل هستيري...صاح بصوت متقطع ومتهدج:-
سامي ...هذا ...شيخنا...ماذا تريد...منه.
اتجه إلى أبي سالم وقال:- أهلا عمّي....ماذا تعمل هنا؟
- مثلما تعمل أنت.
- أنا لا أعمل شيئا...من هذا؟ هل هو رجل أم امرأة؟
- هذا صاحبتي...هو رجل ...لكنه يحبّ أن يكون امرأة...أسماه والداه جبريئيل..لكنه اختار أن يكون اسمه جيئولا.
- ولماذا هو معك؟...وماذا يريد منك؟
ضحك عليان وقال:-إنه يريد أن يكون زوجتي.
صفحة 9
وهل جننت يا ابن عبد الرؤوف حتى تتزوج ولدا مثلك؟ كم عمره؟
- عمر جيئولا واحد وعشرون عاما...أنا لم أتزوجها، ولكنني أعاملها كزوجة...إنها أفضل من كلّ النساء...فهي تسهر معي... نأكل ونشرب وندخن...وهي تدفع وتعطيني نقودا أيضا...أرافقها الى بيتها، وننام في فراش واحد...جيئولا أفضل من النساء كلّهن.
- ابتسم جبريئيل...ضمّ عليان الى صدره...قبّله على فمه وهو يردد:- خبيبي.
أعوذ بالله من الشيطان الرّجيم قال أبو سالم.
لماذا تتعوذ بالله من الشيطان يا أبا سالم...هناك كثيرون أمثال جيئولا... ومنهم عرب...ما رأيك أن تذهب معنا الى بيت جيئولا؟ هناك ستسعد كثيرا.
- وماذا سنفعل هناك؟
- سنرتاح...وسنرفّه عن أنفسنا.
- وإذا لم يعجبك الوضع سنعيدك بسيّارة جيئولا إلى المكان الذي تريده...وأشار إلى سيّارة فاخرة قائلا...تلك سيارتها…
في السيّارة أصرّ عليّان بأن يجلس أبو سالم بجانب جيئولا....سحب أبو سالم قليلا من كوفيته لتغطي جبينه، وكأنه يهرب من المارّة....عليان في المقعد الخلفي يسأل أبا سالم:- هل سبق وأن أحببت امرأة غير أمّ سالم يا عمّ؟
ضاعت الكلمات من بين شفتي أبي سالم....تنحنح...سحب تنهيدة تطاير لهيب زفيرها في الهواء رائحة كريهة.
أوقفت جيئولا سيّارتها أمام بيتها في حيّ رحافيا الفاخرة بيوته....البيت من طابقين يعلوهما قرميد أحمر...حديقته مزينة بورود مختلفة...يحيط به سور ارتفاع واجهته الأماميّة سبعون سنتمتر...ومن الخلف يزيد على المتر...فوق مدخل البيت مكتوب باللغة العربية"هذا من فضل ربّي...تم بناء هذا البيت عام 1789م لصاحبه محمد محمود جودة"...تحت البيت بئر ملأى بالمياه...تنهّد أبو سالم وسأل:-
هل صاحبك عربيّ يا عليان؟ فهذا بيت عربيّ.
ضحك عليان وقال:- لا يا عمّاه إنّه يهوديّ أصله من النّمسا....
صفحة 10
بينما قال جبريئيل:- أنا يهوديّة..ولدت في فينّا...عندما قامت دولتنا كان عمري سنتين...وعدنا للبلاد وعمري خمسة شهور....الدولة أعطت هذا البيت لوالديّ...كلّ شيء كان موجودا فيه...الأثاث فاخر جدا...لا يزال على حاله...ندفع أجرة للدولة ثلاث ليرات في الشهر...أنا مبسوطه كثير ولا أنوي تغييره.
لكنّ هذا بيت عربيّ قال أبو سالم.
صحيح قال جبريئيل...ونحن نسمّيه"بيت عربي" وهناك بيوت كثيرة مثله...من قال لأصحابه كي يهربوا منه ويتركوه؟
لفّ أبو سالم سيجارة"هيشي" وقال وهو ينفث دخانها:- إنّها الحرب...هربوا من ويلات الحرب...على أن يعودوا بعد بضعة أيام...واستمرّ الحال سنين طويلة.
إلى أين سيعودون سأل جبريئيل؟ هل أنت مجنون؟ هذه بلاد اليهود....دعونا من هذا الكلام وتفضلّوا الى البيت...صعد بهم الى الطابق الثاني...رأس أبي سالم يدور الى كلّ الاتجاهات، وكأنه يستطلع كلّ شيء...جلس في الصالون...جبريئيل...استأذنهم بأخذ حمّام وتغيير ملابسه...قبّل عليّان على فمه وطلب منه أن يقدّم ضيافة لأبي سالم...أحضر عليّان زجاجتي بيرة واحدة له وأخرى قدّمها لأبي سالم وهو يقول:-
هذا ماء شعير مفيد للصّحة يا أبا سالم.
خرج جبريئيل من الحمّام بثوب نوم نسائيّ شفاف...ملابسه الداخلية ملابس نسائية...دخل الى غرفة النوم....تجمّل ووضع أحمر الشفاه، وباروكة شعر طويل على رأسه وخرج...جلس على يمين عليّان بدلال...طوّق عليان رقبته بيده اليمنى تحسس صدره... قبّله على فمه وهو يقول:-
جميلة جدا أنت يا جيئولا.
التفت أبو سالم إلى عليّان وسأله حائرا:- هل تعرف الكابتن نمرود يا عليّان؟
- من يكون هذا؟
- سألتك هل تعرفه؟
- كلا ...لا أعرفه.
- إذا من عرّفك على هذا؟
- تعرفت على جيئولا في الشارع الذي التقيناك فيه -شارع الزهراء-...فهذا الشارع عامر ليلا باليهود والعرب الباحثين عن المتعة...وإذا أردت أن تتعرّف على يهوديّة فهنّ كثيرات...وعلى حسب طلبك.
دخل عليّان وجيئولا غرفة النوم وأغلقا الباب خلفهما.....بينما بقي أبو سالم جالسا في الصالون يحتسي البيرة....أطنان من الصمت تجثو فوق صدره...وحرب تدور في رأسه... ثعابين الشهوة تطل برؤوسها من مسامات جسده، يشجعها الضحك والتأوّهات التي تتسلل من غرفة النوم....قال في نفسه:-
هذا عليّان بن الحاج عبد الرؤوف يصاحب شابا ارتضى أن يكون زوجة له...وعليّان هذا منحرف منذ بداياته...كلّ أهل البلد يعرفون ذلك...ووالده لا يكترث بذلك...بل إن أهل البلدة لا يجرؤون على المسّ بالوالد نتيجة سلوك الولد، حتى إن إمام المسجد “أفتاها” بقوله:"ولا تزر وازرة وزر أخرى" وأثنى المخاتير والوجهاء على ما قاله الإمام...لكن كلّها تبادل مصالح و"موت الفقير وتعريس الغني ما في حدا يهتم فيهن" وهذا ليس صحيحا، إنهم يهتمون ويتسترون على بعضهم البعض، فـ "الغني إذا ظرط قالوا له: يرحمكم الله...والفقير إذا عطس قالوا إنه ظرط" ولهذا يجب أن أكون غنيّا...وسأعمل ما أريد، ولن يخالفني أحد...وهذا عليّان يرتكب الموبقات منذ بداياته...كانت سيرته السيئة على كلّ لسان لبضعة شهور...ثمّ اعتاد الناس على ذلك، ولم يعد أحد يتحدث عنه شيئا.