صفحة 1
أبو يعرب المرزوقي
الدولة الحديثة في أوروبا أخذت الوظائف التي تؤديها المؤسسة الدينيةلم نكد نصدّق أنفسنا عندما علمنا أنّ كلية الآداب بجامعة البحرين ستستضيف بمناسبة تنظيم ندوة علمية حول ابن خلدون في الذكرى المئوية السادسة لوفاته، الفيلسوف والمفكر ''أبو يعرب المزروقيّ''، أستاذ الفلسفة بالجامعة التونسية، فهو فيلسوف ذو خط متميز في الفكر العربي المعاصر، لا يتميز بحصافة رأيه وجرأته فحسب، بل وكذلك، بعمق تفكيره ونظره في ''الكليات''. ورغم ذلك فهو غزير الحركة الفكرية، وواسع الاطلاع والمشاركة في الحياة الثقافية عموما، عبر الكتابة الأكاديمية والمناقشة العلمية والمقالات الفكرية، ولعل الجمهور العريض قد تابعه عبر بعض الإطلالات التلفزيونية ضيفا على بعض البرامج الثقافية، في قناة الجزيرة (مسارات - الكتاب خير جليس) ولكن الجمهور المثقف يعرف كتب الرجل وإسهاماته الرائعة سواء في الفلسفة الإسلامية أو في مقارعة الفلسفات الغربية (المدرسة الألمانية خصوصا) ترجمة ونقدا ومحاورة. ومن مؤلفاته '' الإبستيمولوجيا البديل'' و''منزلة الكليّ في الفلسفة الإسلامية'' و''آفاق النهضة العربية''... وغيرها فضلا عن مقالاته الكثيرة، في المجلات والصحف التونسية والعربية والأجنبية، وقد أثار بعضها جدالا واسعا في صفوف المثقفين، وخاصة بنقده العميق والجذري للمثقفين العرب.
كما عُرف عن أبي يعرب المرزوقي أنه - من بين آخرين من مفكّري المغرب كمحمد عابد الجابري وعبد الله العروي- أعاد قراءة المنجز الخلدوني بشكل راهن لا يقف عند التوصيف العلميّ، بل يتجاوزه إلى بيان ''روح المعاصرة'' في فكر الرجل، منافحا ضدّ من حاول تحجيم القيمة المعرفية لصاحب ''المقدمة''، وقد استغللنا فرصة وجود الدكتور أبي يعرب المرزوقي في البحرين لإجراء حوار معه:
بداية، مرحبا بكم في البحرين، ونود أن نعرّف جمهور القراء بطبيعة مشروع التفكير الفلسفيّ الذي تمارسونه، هل هو تراثيّ خالص؟ هل أنتم من أتباع المقاربات التوفيقية؟ ولماذا العودة إلى التراث بهذه الكثافة (ابن خلدون / ابن رشد / ...) هل هو استنجاد بالأسلاف وتصعيد للشعور بـ ''اليتم الوجودي'' والعجز عن مقارعة ''صقور'' الهيمنة العولمية؟
شكرا جزيلا. أسلّم جدليا أن لي مشروعا تعبّر عنه محاولاتي. وهو تسليم جدلي لأحدّد موقفي من الخيار الذي وضعته أمام هذا المشروع المنسوب إلى الخيار بين التراثية الخالصة والمقاربات التوفيقية. ذلك أني أرفضهما كليهما. فالموقف التراثي بالمعنى المقصود في رأي المصنفين للمدارس الفكرية عند نخبنا الحديثة مستحيل في الفكر إذا كان فكرا. والموقف التوفيقي ليس فكرا أصلا لاقتصاره على الجمع بين الجثث. من السخف تصور الفكر قابلا لأن يكون فكرا عند الاعتماد على تصورات من غير عصره. لا جرم فإنه بوسع صورة الفكر ومادته ألا تكونا متعاصرتين إذا كان مضمونه مادة ميتة يعالجها بصورة غير مطابقة لها فتكون الصورة في قطيعة تامة مع المادة لأنها ليست مرحلة من مراحل تصورها كما يفعل المستشرق دارسا للفكر العربي الإسلامي. تلك هي خاصية كل فكر يدرس حضارة ميتة شأن الدراسة الإثنولوجية. تعلم أني لست إثنولوجيّا. فلا أقف موقف الإثنولوجي في علاجي لقضايا حضارتي التي لا أعتبرها ميتة بل هي عندي نبض الكون عندما ننفذ إلى أسرار حيويتها المبدعة وخاصة في اللحظة الراهنة.
وإذن فالموقف التراثي موقف ممتنع عندي: حضارتي حية والسائل فيها هو عين المسؤول حتى وإن كان شكل وعيه لاحقا يعود على مضمون وعي سابق. كما لا يمكن أن تكون محاولاتي مستندة إلى تناول توفيقي وذلك لعتلين، فالموفق طرف ثالث متطفل يأتي من خارج طرفي النزاع، طرفيه اللذين يوفق بينهما. فلا يكون حكما نزيها مهما سعى إلى الإنصاف بل هو كما قال صاحب كتاب المثل العقلية الأفلاطونية واصفا الفارابي بتحقيق صلح من دون تراضي الخصمين. ثم إن الموفق لا يفكر بل يلفق بين معان غائمة. ذلك أن الفهم يحول دون التلفيق لمجرد وعي صاحبه بالفرق الدقيق.
محاولاتي التي أنفي قابليتها لأن توضع تحت اسم مشروع بالمعنى الذي بات معروفا في الأدبيات العربية الحالية تطلب الكلي المتعالي على المقابلات التي تحوج المفكر إلى الموقف التوفيقي. إذا طلبت الكلي استغنيت عن التوفيق بين الأجزاء المتنافية والمضطرة إلى التوفيق بالتلفيق. لكن رفضي الانتساب إلى النزعة التراثية لا يعني أني أقبل بسخافات من يتصور الفكر ممكنا من دون العودة التأويلية لماضي المبدعات الحضارية عودة تنطلق حتما من مغلقات مستقبلها كما يستقريها العقل من مشكلات حاضرها. فوصف قراءة بكونها تراثية له ضمير تحقيري مفهومه عند أصحابه أن العودة إلى الماضي هروب من دفق الحاضر واندفان في نفق الغابر.
وطبعا لا يمكن أن يقول بهذا الضمير التحقيري إلا جاهل بالفكر عامة والفكر الفلسفي خاصة فضلا عن الفكر الديني. فلم أسمع في حياتي عن نهضة فكرية عامة وفلسفية خاصة عند أمة معلومة لم تكن بدايتها عودة تأويلية لبدايات نشأتها الحضارية من أجل فهم غايات مصيرها الحضاري وتحديد الطرفات الناقلة من الأولى إلى الثانية في التعين الرمزي أولا وفي التعين الفعلي ثانيا. وأسخف ما في هذا الضمير أن أصحابه الذين هم في الأغلب أجهل خلق الله بالفكرين العربي الإسلامي والغربي القديم والحديث يسلمون بأن النهضة الغربية كانت بفضل العودة التأويلية في العصر الحديث لمؤسسات الفكر اليوناني والروماني وإبداعاتهما ونظرياتهما قبل العصور الوسطى لكنهم يتصورون العودة إلى مفكرينا مؤسسات ونظريات وإبداعات نكوصا وظلامية.
ثم هم يتجاهلون أو يجهلون لست أدري أن للفكر زمانية تخصه تختلف تماما عن إيقاع الزمان الفلكي: فيمكن أن يكون أفلاطون أكثر حداثة من هيجل كما يمكن أن يكون ابن خلدون أكثر حداثة من ماركس. ذلك أن فكر أفلاطون وابن خلدون الاجتماعي والسياسي يعدان في لحظتنا أقرب إلى متطلبات عصر الكونية البشرية التي تسعى إلى تحقيق القيم الكونية بعدم الاقتصار على فكرتي روح الشعب العنصرية اثنيا وثقافيا أو نمط الإنتاج العنصري طبقيا واقتصاديا بعد أن تبين في المدارس النقدية أن للبعد القيمي والرمزي المتحررين من العنصريتين في الوجود الإنساني من الأهمية ما سبق إليه أفلاطون وابن خلدون وسها عنه هيجل وماركس في توظيفهما الإيديولوجي للفكر الفلسفي.
صفحة 2
بعد هذا أعود متسائلا: هل يمكن استنباط مشروع مما حاولت إنجازه، مشروع يمكن أن يكون معينا للجواب عن هذا السؤال ؟ لعل التأويلات التي حاولت تصنيفي والتي أشرت إلى اثنتين منها قد نسبت إلى مشروعات قابلة للانضواء في الأصناف التي نسبوا فكري إليها غصبا. لكني شخصيا ما زلت أتحسس طريقي لعلاج قضايا تعطي معنى لوجودي من حيث أنا ساعٍ بالفكر إلى الخروج من الرمل المتحرك الذي نعيشه في وجودنا الطبيعي ككل البشر وفي وجودنا الثقافي الذي احتدم فيه العصف المزعزع للإدراك العقلي شرطا للتمكن الوجودي. وقد حاولت في حلقات ''مسارات'' أن أصف بعض محطات المنحنى الذي أعيه من مسعاي الفكري دون أن أكون واثقا من أن فكري يتحدد بما أعي من محدداته.
فإذا كان ذلك هو المقصود بالمشروع فهو كما أسلفت فيها مجرد محاولة لتحديد فلسفة التاريخ القرآنية التي أراها متحكمة في كل ظاهرات الحضارة الإسلامية لأنها مطابقة لفلسفة الدين الخاتم والجامع بين الدنيوي ممثلا بفن أدوات الوجود الإنساني في صلته بمتعاليات وجدانه (السياسة) والأخروي ممثلا بفن غايات الوجود الإنساني في صلته بمتحايثات عقله (الدين).
لم ظلّ المفكرون العرب، منذ عصر النهضة إلى حد الآن، يراوحون مكانهم: الإشكاليات مكررة/ آليات التفكير نمطية / الحلول الاستشرافية هلامية ... مما أنتج استشراء التبعية الثقافية بعد اكتمال دائرة التبعية العلمية والاقتصادية والسياسية، فما رأيكم؟ وهل ترون آفاقا لتجاوز الأزمة التي شخصتموها ورأيتم أنها كامنة، بشكل كبير، في المثقفين أنفسهم؟ وإذا أصابت الأزمة طلائع المثقفين، فكيف يكون الحلّ؟
- قال المرحوم مالك بن نبي: تطلب مني تعليل الظاهرة لتسليمك بوجودها، وأنا أسلم مثلك بأن فكرنا الذي هذا جنسه هو الذي يوطد التبعية الثقافية مثلما توطد نخبنا الاقتصادية تبعيتنا الاقتصادية ونخبنا السياسية تبعيتنا السياسية ونخبنا الذوقية تبعيتنا الذوقية ألخ...لمجرد تجاهلهم شروط البناء السوي في كل الحضارات البشرية شروطه التي هي كليات العمران البشري. ولما كان هم السعي إلى جبر الكسر بين ماضينا بحدثه ومعناه وبمستقبلنا بمعناه وحدثه من منطلق بؤرة الوجود الموحدة لهذه الأبعاد الأربعة أصلا لها في تاريخ الأمة جبرا يمكن من سريان النسغ الحي من عروق الحضارة إلى فروعها هو الأساس الحقيقي للفكر في كل الحضارات الحية حاولت ألا أتجاوز هذا المسعى وقلوت المشروعات التي تتصور القراءة الماركسية أو الوضعية كافيتين لفهم أزمة الحضارة الإنسانية حتى وإن قنعنا بها للتعامل معها.
قد يرضى السياسي أو الإيديولوجي بما يمكن من التعامل مع الأشياء حتى ولو لم تكن مساعدة على فهمها. لكن الفكر لا يقنع بذلك إذا كان عبادة عملا بحقيقته التي هي طلب الحق. إنه يريد أن يفهم، ولا يمكن أن يفهم إذا بدأ فاعتمد النهج الذي يرد الوجود إلى الإدراك كما قال العلامة ابن خلدون فيحصر الموجودات في مداركنا ملغيا بذلك كل المتعاليات وقانعا بالموقفين الأكثر سطحية في تاريخ البشرية: فإما أن نعتبر العالم هو صورتنا عنه فنصبح من جنس كونكيخوت نحارب الخيالات ونتخلى عن كل سعي لطلب ما يتعالى على خيالاتنا زعما أن الحقائق المتعالية سواء كانت روحية أو مادية مجرد أوهام ليس يمكن النفاذ إليها حتى لو سلمنا بوجودها. أو أن نعتبر الإنسان محجوبا عنه الحق والحقيقة فلا يستطيع أن يحيا إلا في ضلالة تأسيسا للسوفسطائية المحدثة أو فكر ما بعد الحداثة حيث تصبح كل ثقافة محارة منغلقة وتنتفي الأخوة البشرية لكي يرتد التاريخ الثقافي إلى التاريخ الطبيعي الخاضع لمنطق الصراع من أجل الحياة.
لذلك فعندي أن أغلب المشروعات صارت سدا أمام التفكير المبدع لأنها ترد إلى هذين الموقفين ومن ثم فهي استيراد مآزق الفكر الغربي مآزقه التي تجاوزها هو وأبقى أصحاب المشروعات عالقين في شباكها. ولأضرب لك مثالين من هذا الأسر الفكري: المثال الأول من الفكر النظري في مجال بناء الثقافة الحديثة. ففي الوقت الذي تجاوز فيه الفكر الغربي الوضعية والعقلانية الساذجة نجد مفكرينا لم يتجاوزوا سذاجات قرني التنوير والعلموية قصدت القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وتلك هي العلة التي تجعل البعض يبحث عن شروط استئناف الفكر المبدع في قراءات وضعية وعقلانية ساذجة للفكر الفلسفي العربي الإسلامي ليخلصوا فكر أصحابه مما فيه من إبداع من أجل ما عند قرائه من الإتباع. ولن أطيل القول في هذه المسألة فقد عالجتها في دراسة مفصلة حول ثمرة القرن الأخير من الفكر الفلسفي العربي في حولية الأمة التي أصدرتها الأخت الفاضلة نادية مصطفى مديرة مركز الدراسات الاستراتيجية بجامعة القاهرة. والمثال الثاني من الفكر العملي في مجال بناء الدولة الحديثة. فالغرب تحرر من أساسييها اللذين كانا ساريين قبل الحرب العالمية أعني القومية والعلمانية. فلا يمكن تصور الوحدة الأوروبية من حيث القيام الفعلي لو بقيت إيديولوجية الدولة القومية سارية في النظر العملي. ولا يمكن فهم توقف الوحدة عند الحدود الأوروبية لو كانت علمانية حقا. فحدودها حدود ثقافية في الظاهر وهي في الباطن دينية بدليل الاعتراضات على دخول تركيا وبدليل ما يعانيه المسلمون في أوروبا بدءا بما حصل من تواطؤ في حرب البلقان الأخيرة وختما بالجاليات الإسلامية فيها.
لكن الأهم في إثبات زيف الكلام في العلمانية هو الزعم بأن الأوروبين حققوا العلمانية بالفصل بين الدين والسياسية متناسين أن الدولة الحديثة أخذت كل الوظائف التي تؤديها المؤسسة الدينية من الكنيسة فصارت دولة جامعة بين الوظائف السياسية (الأمن الداخلي والخارجي وتنظيم شروط التبادل والتواصل) والوظائف الدينية (الرعاية الاجتماعية والتعليم والصحة الخ...) ولم تفصل بين الديني أهم مصادر الغايات في العمران البشري والسياسي أهم مصادر الأدوات فيه. ذلك أن الفصل بين السياسي والديني مستحيل رغم ضرورة الفصل بين المؤسستين: فالشرعية السياسية لا يكفي فيها الأمن وتنظيم شروط التبادل والتواصل بل لابد من الرعاية الاجتماعية والتعليم. لذلك صارت الدولة جامعة بين الوظائف السياسية التي هي راجعة بالأساس إلى الأدوات والوظائف الدينية التي هي راجعة بالأساس إلى الغايات، فالرعاية الاجتماعية والتعليم والصحة كلها مبنية على الأخوة الإنسانية وهي علاج لما ينتج من أدواء عن التنافس خلال التبادل والتواصل في العمران.
فإذا كان ذلك هو المقصود بالمشروع فهو كما أسلفت فيها مجرد محاولة لتحديد فلسفة التاريخ القرآنية التي أراها متحكمة في كل ظاهرات الحضارة الإسلامية لأنها مطابقة لفلسفة الدين الخاتم والجامع بين الدنيوي ممثلا بفن أدوات الوجود الإنساني في صلته بمتعاليات وجدانه (السياسة) والأخروي ممثلا بفن غايات الوجود الإنساني في صلته بمتحايثات عقله (الدين).
لم ظلّ المفكرون العرب، منذ عصر النهضة إلى حد الآن، يراوحون مكانهم: الإشكاليات مكررة/ آليات التفكير نمطية / الحلول الاستشرافية هلامية ... مما أنتج استشراء التبعية الثقافية بعد اكتمال دائرة التبعية العلمية والاقتصادية والسياسية، فما رأيكم؟ وهل ترون آفاقا لتجاوز الأزمة التي شخصتموها ورأيتم أنها كامنة، بشكل كبير، في المثقفين أنفسهم؟ وإذا أصابت الأزمة طلائع المثقفين، فكيف يكون الحلّ؟
- قال المرحوم مالك بن نبي: تطلب مني تعليل الظاهرة لتسليمك بوجودها، وأنا أسلم مثلك بأن فكرنا الذي هذا جنسه هو الذي يوطد التبعية الثقافية مثلما توطد نخبنا الاقتصادية تبعيتنا الاقتصادية ونخبنا السياسية تبعيتنا السياسية ونخبنا الذوقية تبعيتنا الذوقية ألخ...لمجرد تجاهلهم شروط البناء السوي في كل الحضارات البشرية شروطه التي هي كليات العمران البشري. ولما كان هم السعي إلى جبر الكسر بين ماضينا بحدثه ومعناه وبمستقبلنا بمعناه وحدثه من منطلق بؤرة الوجود الموحدة لهذه الأبعاد الأربعة أصلا لها في تاريخ الأمة جبرا يمكن من سريان النسغ الحي من عروق الحضارة إلى فروعها هو الأساس الحقيقي للفكر في كل الحضارات الحية حاولت ألا أتجاوز هذا المسعى وقلوت المشروعات التي تتصور القراءة الماركسية أو الوضعية كافيتين لفهم أزمة الحضارة الإنسانية حتى وإن قنعنا بها للتعامل معها.
قد يرضى السياسي أو الإيديولوجي بما يمكن من التعامل مع الأشياء حتى ولو لم تكن مساعدة على فهمها. لكن الفكر لا يقنع بذلك إذا كان عبادة عملا بحقيقته التي هي طلب الحق. إنه يريد أن يفهم، ولا يمكن أن يفهم إذا بدأ فاعتمد النهج الذي يرد الوجود إلى الإدراك كما قال العلامة ابن خلدون فيحصر الموجودات في مداركنا ملغيا بذلك كل المتعاليات وقانعا بالموقفين الأكثر سطحية في تاريخ البشرية: فإما أن نعتبر العالم هو صورتنا عنه فنصبح من جنس كونكيخوت نحارب الخيالات ونتخلى عن كل سعي لطلب ما يتعالى على خيالاتنا زعما أن الحقائق المتعالية سواء كانت روحية أو مادية مجرد أوهام ليس يمكن النفاذ إليها حتى لو سلمنا بوجودها. أو أن نعتبر الإنسان محجوبا عنه الحق والحقيقة فلا يستطيع أن يحيا إلا في ضلالة تأسيسا للسوفسطائية المحدثة أو فكر ما بعد الحداثة حيث تصبح كل ثقافة محارة منغلقة وتنتفي الأخوة البشرية لكي يرتد التاريخ الثقافي إلى التاريخ الطبيعي الخاضع لمنطق الصراع من أجل الحياة.
لذلك فعندي أن أغلب المشروعات صارت سدا أمام التفكير المبدع لأنها ترد إلى هذين الموقفين ومن ثم فهي استيراد مآزق الفكر الغربي مآزقه التي تجاوزها هو وأبقى أصحاب المشروعات عالقين في شباكها. ولأضرب لك مثالين من هذا الأسر الفكري: المثال الأول من الفكر النظري في مجال بناء الثقافة الحديثة. ففي الوقت الذي تجاوز فيه الفكر الغربي الوضعية والعقلانية الساذجة نجد مفكرينا لم يتجاوزوا سذاجات قرني التنوير والعلموية قصدت القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وتلك هي العلة التي تجعل البعض يبحث عن شروط استئناف الفكر المبدع في قراءات وضعية وعقلانية ساذجة للفكر الفلسفي العربي الإسلامي ليخلصوا فكر أصحابه مما فيه من إبداع من أجل ما عند قرائه من الإتباع. ولن أطيل القول في هذه المسألة فقد عالجتها في دراسة مفصلة حول ثمرة القرن الأخير من الفكر الفلسفي العربي في حولية الأمة التي أصدرتها الأخت الفاضلة نادية مصطفى مديرة مركز الدراسات الاستراتيجية بجامعة القاهرة. والمثال الثاني من الفكر العملي في مجال بناء الدولة الحديثة. فالغرب تحرر من أساسييها اللذين كانا ساريين قبل الحرب العالمية أعني القومية والعلمانية. فلا يمكن تصور الوحدة الأوروبية من حيث القيام الفعلي لو بقيت إيديولوجية الدولة القومية سارية في النظر العملي. ولا يمكن فهم توقف الوحدة عند الحدود الأوروبية لو كانت علمانية حقا. فحدودها حدود ثقافية في الظاهر وهي في الباطن دينية بدليل الاعتراضات على دخول تركيا وبدليل ما يعانيه المسلمون في أوروبا بدءا بما حصل من تواطؤ في حرب البلقان الأخيرة وختما بالجاليات الإسلامية فيها.
لكن الأهم في إثبات زيف الكلام في العلمانية هو الزعم بأن الأوروبين حققوا العلمانية بالفصل بين الدين والسياسية متناسين أن الدولة الحديثة أخذت كل الوظائف التي تؤديها المؤسسة الدينية من الكنيسة فصارت دولة جامعة بين الوظائف السياسية (الأمن الداخلي والخارجي وتنظيم شروط التبادل والتواصل) والوظائف الدينية (الرعاية الاجتماعية والتعليم والصحة الخ...) ولم تفصل بين الديني أهم مصادر الغايات في العمران البشري والسياسي أهم مصادر الأدوات فيه. ذلك أن الفصل بين السياسي والديني مستحيل رغم ضرورة الفصل بين المؤسستين: فالشرعية السياسية لا يكفي فيها الأمن وتنظيم شروط التبادل والتواصل بل لابد من الرعاية الاجتماعية والتعليم. لذلك صارت الدولة جامعة بين الوظائف السياسية التي هي راجعة بالأساس إلى الأدوات والوظائف الدينية التي هي راجعة بالأساس إلى الغايات، فالرعاية الاجتماعية والتعليم والصحة كلها مبنية على الأخوة الإنسانية وهي علاج لما ينتج من أدواء عن التنافس خلال التبادل والتواصل في العمران.
صفحة 3
ولما كانت الثورة القرآنية قد تقدمت في تأسيس هذا الحل فإنها قد ألغت المؤسسة الدينية لئلا تدعي التوسط الروحي بين الله والإنسان وكلفت الدولة بوظائفها (الرعاية الاجتماعية والتعليم والصحة) بشرط أن تكون رعاية الأمر التي لا تتعالى عليها الدولة شورى بين المسلمين. فهذه الرعاية من فروض العين كما حددها القرآن الكريم ومارسها الرسول والخلفاء الراشدون وليست من فروض الكفاية كما صيرها الاستبدادان اللذان أشرنا إليهما: استبداد العلماء في التشريع واستبداد الأمراء في التنفيذ مع تبعية الأولين للأخيرين سواء كانت الأنظمة قبلية أو عسكرية. وبدلا من التفكير في كيفية تجسيم هذه المؤسسات التي حدد القرآن مبادئها وشروطها وأخلاقها سلم المفكرون بموت قيم الثورة الإسلامية ظنا منهم أنها هي المسؤولة وليس تحريفها على ما تردى إليه حال المسلمين وباتوا يبحثون عن حلول أدت إلى الإفلاس الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي.
لماذا يشعر عموم القراء العرب بالعزوف عن الشأن الفكريّ، وكأنّ اليأس بدا يدب في نفوسهم، نتيجة الخيبات المستمرة التي ابتلوا بها نتيجة رفع شعارات لم تثبت إلا فشلها في رفع رهانات التفوق الحضاريّ، فهل هي ''نظرية المؤامرة'' وقد تأبّدت؟ وكيف يتجاوز الخطاب الفكري العربيّ ''جلد الذات'' إلى ''النقد العلميّ'' البنّاء؟
- أجيبك حول وجه المسألة العملي وجهها الذي قد يبدو بعيدا كل البعد عن مطلوب سؤالك. لكن القياس بين الوجه العملي الذي أعتمده للقياس والوجه النظري الذي تفكر فيه لعلاقته بالعزوف عن القراءة يفهمنا أصل المسألة الواحدة. حضرت مؤخرا في مؤتمر الإصلاح العربي الثالث في الإسكندرية. وكان الموضوع: تجارب التعامل مع عوائق المجتمع المدني. فكنت أسمع كلاما لم أكد أفهم منه شيئا. لكأن المتكلمين من خارج مجرتنا، كانوا يتحدثون في أغلبهم عن مجتمع مدني يحتاج إلى تمويل من الدولة الوطنية أو يبررون تمويله من الإمبراطورية الأمريكية وأوروبا. أدركت حينها أنهم يتكلمون عن مجتمع مدني اصطناعي بديل من المجتمع المدني الذي لا يخلو منه عمران والذي هو غني عن التمويل من الدولة الوطنية ومن الاستعمار لأنه هو عين قوام العمران ومادته.
وهذا المجتمع المدني الحقيقي الذي يريدون تمويل بديل منه لاقتلاعه من الجذور باسم التحديث المسيخ والمستبد يمتاز بكون المؤمنين به مستعدين من أجل القيم التي يرعاها إلى حد التضحية بالنفس وليس بالمال فحسب. لذلك فهم لا يتكلمون عن هذا المجتمع المدني الحي والطبيعي أعني الراعي الحقيقي للحقوق المعبرة عن المصالح المادية والمصالح المعنوية التي يحيا الإنسان بها ومن أجلها في العمران السوي والتي يدافع عنها مثلما يدافع عن قيامه الذاتي بل هم يتكلمون عن البديل منه المستورد مثل كل مظاهر التحديث الاستبدادي الفوقي، وهذا البديل منه هو المجتمع المدني الغربي الذي يركبونه حصان طروادة لقتل ثقافتنا وإجهاض الصحوة، وكل ذلك لأن النخب لم تقم بما ينبغي لتطوير المجتمع المدني الذاتي تطويرا مدروسا يجعله ينمو من ذاته ومتكلما باسم القيم الكلية التي بشر بها الدين الإسلامي ولما يحقق منها الفكر الإنساني في الغرب إلا القليل وخاصة ما تعلق منها بالوعي بالكليات المتعالية ممثلة بحقوق الإنسان التي هي عينها مقاصد كلّ شرع سوي:
1- فمقصد العقل يعني حق حرية الفكر وليس مجرد الملكة النفسية.
2- ومقصد المال يعني حق حرية الملكية.
3- ومقصد العرض يعني حق حرية الكرامة.
4- ومقصد النفس يعني حق الحرية بإطلاق أو حق الحياة.
5- ومقصد الدين يعني حق حرية المعتقد كما حددته الآية 256 من سورة البقرة.
لكن كل كيان اصطناعي يحتاج إلى عكازات تسنده في وقوفه الوهمي. وهم يسمون ذلك معوقات المجتمع المدني التي تقتضي مساعدة من أعداء الأمة تموله حبا في عيون العملاء. ثم هم يبررون بهذه الحجج الواهية التمويل الأجنبي الساعي إلى تحطيم المجتمع المدني الذاتي ليستبدله بالمجتمع المدني المستورد. وتلك هي حال المجتمع المدني المسيخ الذي تموله أمريكا وأوروبا.
ولنعد الآن إلى موضوعنا. قارن ما يحصل في مبيعات المطابع بين الكتاب الديني ومبيعات الكتاب المزعوم تحديثيا ذي السود الكاسدة، وستجد الجواب، فالكتاب الكسيح هو الكتاب الذي لا يعتمد العلاج الفكري الحي فيطور الثقافة الأهلية حتى تصبح حاضنة للفكر المبدع بدل القطيعة واستبداله بغيره فعلهم في استنبات المجتمع المدني المسيخ الذي لا يلبي حاجة فعلية يطلبها مجتمعنا بل يحقق أجندة يريدها أعداء الأمة. لو كانت الثقافة الحديثة ثقافة حية ومتأصلة أيا كان مجالها بما في ذلك ما اختار من الفلسفات معاداة الدين أعني كل مبدعات العقل الإنساني بكل أصنافها وبلسان قومها وبتناسق مع المؤسسات التربوية التي تنمي العقل والوجدان واللسان القومي لكانت السوق القرائية مستوعبة للكتاب الحديث ولكان هذا الكتاب غنيا عن طلب المعونة من الدولة أو من الاستعمار ليبيع بضاعته الكاسدة والفاسدة في خلاء ساحتنا الثقافية. أكتفي بهذا لئلا أتجاوز المباح.
لماذا يشعر عموم القراء العرب بالعزوف عن الشأن الفكريّ، وكأنّ اليأس بدا يدب في نفوسهم، نتيجة الخيبات المستمرة التي ابتلوا بها نتيجة رفع شعارات لم تثبت إلا فشلها في رفع رهانات التفوق الحضاريّ، فهل هي ''نظرية المؤامرة'' وقد تأبّدت؟ وكيف يتجاوز الخطاب الفكري العربيّ ''جلد الذات'' إلى ''النقد العلميّ'' البنّاء؟
- أجيبك حول وجه المسألة العملي وجهها الذي قد يبدو بعيدا كل البعد عن مطلوب سؤالك. لكن القياس بين الوجه العملي الذي أعتمده للقياس والوجه النظري الذي تفكر فيه لعلاقته بالعزوف عن القراءة يفهمنا أصل المسألة الواحدة. حضرت مؤخرا في مؤتمر الإصلاح العربي الثالث في الإسكندرية. وكان الموضوع: تجارب التعامل مع عوائق المجتمع المدني. فكنت أسمع كلاما لم أكد أفهم منه شيئا. لكأن المتكلمين من خارج مجرتنا، كانوا يتحدثون في أغلبهم عن مجتمع مدني يحتاج إلى تمويل من الدولة الوطنية أو يبررون تمويله من الإمبراطورية الأمريكية وأوروبا. أدركت حينها أنهم يتكلمون عن مجتمع مدني اصطناعي بديل من المجتمع المدني الذي لا يخلو منه عمران والذي هو غني عن التمويل من الدولة الوطنية ومن الاستعمار لأنه هو عين قوام العمران ومادته.
وهذا المجتمع المدني الحقيقي الذي يريدون تمويل بديل منه لاقتلاعه من الجذور باسم التحديث المسيخ والمستبد يمتاز بكون المؤمنين به مستعدين من أجل القيم التي يرعاها إلى حد التضحية بالنفس وليس بالمال فحسب. لذلك فهم لا يتكلمون عن هذا المجتمع المدني الحي والطبيعي أعني الراعي الحقيقي للحقوق المعبرة عن المصالح المادية والمصالح المعنوية التي يحيا الإنسان بها ومن أجلها في العمران السوي والتي يدافع عنها مثلما يدافع عن قيامه الذاتي بل هم يتكلمون عن البديل منه المستورد مثل كل مظاهر التحديث الاستبدادي الفوقي، وهذا البديل منه هو المجتمع المدني الغربي الذي يركبونه حصان طروادة لقتل ثقافتنا وإجهاض الصحوة، وكل ذلك لأن النخب لم تقم بما ينبغي لتطوير المجتمع المدني الذاتي تطويرا مدروسا يجعله ينمو من ذاته ومتكلما باسم القيم الكلية التي بشر بها الدين الإسلامي ولما يحقق منها الفكر الإنساني في الغرب إلا القليل وخاصة ما تعلق منها بالوعي بالكليات المتعالية ممثلة بحقوق الإنسان التي هي عينها مقاصد كلّ شرع سوي:
1- فمقصد العقل يعني حق حرية الفكر وليس مجرد الملكة النفسية.
2- ومقصد المال يعني حق حرية الملكية.
3- ومقصد العرض يعني حق حرية الكرامة.
4- ومقصد النفس يعني حق الحرية بإطلاق أو حق الحياة.
5- ومقصد الدين يعني حق حرية المعتقد كما حددته الآية 256 من سورة البقرة.
لكن كل كيان اصطناعي يحتاج إلى عكازات تسنده في وقوفه الوهمي. وهم يسمون ذلك معوقات المجتمع المدني التي تقتضي مساعدة من أعداء الأمة تموله حبا في عيون العملاء. ثم هم يبررون بهذه الحجج الواهية التمويل الأجنبي الساعي إلى تحطيم المجتمع المدني الذاتي ليستبدله بالمجتمع المدني المستورد. وتلك هي حال المجتمع المدني المسيخ الذي تموله أمريكا وأوروبا.
ولنعد الآن إلى موضوعنا. قارن ما يحصل في مبيعات المطابع بين الكتاب الديني ومبيعات الكتاب المزعوم تحديثيا ذي السود الكاسدة، وستجد الجواب، فالكتاب الكسيح هو الكتاب الذي لا يعتمد العلاج الفكري الحي فيطور الثقافة الأهلية حتى تصبح حاضنة للفكر المبدع بدل القطيعة واستبداله بغيره فعلهم في استنبات المجتمع المدني المسيخ الذي لا يلبي حاجة فعلية يطلبها مجتمعنا بل يحقق أجندة يريدها أعداء الأمة. لو كانت الثقافة الحديثة ثقافة حية ومتأصلة أيا كان مجالها بما في ذلك ما اختار من الفلسفات معاداة الدين أعني كل مبدعات العقل الإنساني بكل أصنافها وبلسان قومها وبتناسق مع المؤسسات التربوية التي تنمي العقل والوجدان واللسان القومي لكانت السوق القرائية مستوعبة للكتاب الحديث ولكان هذا الكتاب غنيا عن طلب المعونة من الدولة أو من الاستعمار ليبيع بضاعته الكاسدة والفاسدة في خلاء ساحتنا الثقافية. أكتفي بهذا لئلا أتجاوز المباح.
صفحة 4
البروفيسور حمادي صمود
(من كلية الآداب منوبة - الجامعة التونسية)مناهج دراسة الأدب مكسب معرفيّ
والنقد الثقافيّ تنويع على النقد الإيديولوجيّ
ليس العظيم من يكون عظيما في ذاته، بل من يُشعر الآخرين بأنهم عظماء. لقد تبادرت إلى ذهني هذه الحكمة عندما تشرفت في ملإ كريم من الحضور بسماع محاضرة البروفيسور حمادي صمود الشائقة في الملتقى الثقافي الأهلي في البحرين، في شهر أبريل المنصرم وخرج الحضور بانطباعات جميلة عن تلك السهرة التي برهن فيها – مجدّدا – عن امتلاكه ناصيتي العلم والفصاحة.
وليس من اليسير التعريف بحمادي صمود، وقد وجدت الباحثة التي عملت تحت إشرافه الأستاذة نور الهدى باديس مشقة في ذلك عند تقديم الأستاذ الجليل في منبر الملتقى، ولكن يكفي أن نقول إنه أكثر أساتيذ اللغة العربية وآدابها إشرافا ومناقشة لرسائل الدكتوراه على مدى أكثر من عقد من الزمان، لنعرف طرفا من قيمة الرجل. وقد نشر "التفكير البلاغي عند العرب" و"الوجه والقفا في تلازم التراث والحداثة" و"الأدب عند العرب" و"تجليات الخطاب الأدبيّ"، فضلا عن الترجمة والكتب الجماعية والمقالات في دوريات علمية عربية وأجنبية بلساني الجاحظ وموليير...
ولم تفتني فرصة طرح بعض الأسئلة على الأستاذ الكريم، ولم يثنني موعد طائرته المستعجل عن إرسال الأسئلة إليه تطير معبّرة عن مُهجة متحرّقة إلى أن يتكرّم أستاذ الأجيال بإفادتنا حولها، ولم يكن شيخ اللغة العربية في كلية الآداب بمنوبة، بخيلا، على الرغم من اختصاصه في الجاحظ اختصاص الألمعيّ، فوافانا مشكورا بإجابات بليغة تبلّ الصدى في مواضيع تتصل بالبحث الجامعيّ في تونس وبالنقد الثقافي وتحليل الخطاب وبسنّة التداول بين الأجيال، طلبا لكسب الرهانيْن المعرفيّ والحضاريّ...
صفحة 5
الجاحظ وسلطان البيان
في أطروحتكم "التفكير البلاغي عند العرب" توقفتم عند ما سميتموه "الحدث الجاحظي"، وخصصتم له قلب الأطروحة، إن صحّت العبارة، فهل يمكن أن تبيّنوا للقراء قراءتكم الخاصّة للجاحظ، خصوصا وأنه نال حظا من الدراسات العربية والاستشراقية (ميشال عاصي، طه الحاجري، شارل بيلا، ... وغيرهم كثير)، فما خصوصية قراءتك للحدث الجاحظي، وهل هذه التسمية تقوم على تناص مع تسمية ريجيس بلاشير "الحدث القرآني"، وكأنك تُلمع إلى محورية الجاحظ في الأدب والفكر البلاغي العربي، مثل محورية النص القرآني في الحضارة الإسلامية العربية؟كانت الدراسات عن الجاحظ كثيرة وبلغات شتّى عندما بدأت في إعداد أطروحتي عن التفكير البلاغي عند العرب (1973). ولكنّ أغلبها لم يتناوله من الجهة التي كانت موضوع بحثي. ومن من الدّارسين تناوله منها زهد في البحث عن الخيط الناظم لمنتثرها والنسق التصوّري الذي تصدر عنه جلّ مواقفه في بلاغة القول وبيانه. وما كان للزهد في الوقوف على التصوّر الجامع ليلفت نظري لولا ما ترتب عليه من أخطاء في تأويل بعض آرائه وحملها على غير ما كان يجب أن تُحمل عليه. ومن أسباب ذلك الوهمُ بإمكانية أن تقرأ نصوص المدوّنة الجاحظيّة منفصلة. فلئن أمكن بكثير من التّسامح التّعامل مع "البخلاء" مفردا باعتباره كتابةً أدبية تقدّ من لغتها موضوعها وواقعةً على هامش مركز اهتمامه, وما هذا بصحيح تمام الصّحة, فإنّه لا يمكن فصل "البيان والتبيين" عن "الحيوان" ولا فصل هذين الأخيرين عن " الرسائل". وقد سمحت القراءة الشاملة للمدوّنة ووضع نصوصها بعضها بإزاء بعض، وربط كلّ ذلك بالسّياق المعرفي الذي كتبت فيه، بالوقوف على ما بدا لي الطّاقة المحرّكة والأصل الجامع لمواقفه اللّغوية وآرائه في جمال القول ونجاعته نعني بذلك ما سمّيته سلطان البيان. وهو سلطان فرض على الثقافة العربية الارتباط بأحكامه من ذلك الوقت إلى اليوم. وإن كان لأطروحتي من أطروحة فهي هذه. فصّلت القول فيها وبقيت أشتغل عليها وألفت نظر الباحثين إلى أهمّيتها منذ 1980. ويبدو أنّها كانت مقنعة إلى الحدّ الذي أغرى بعض الباحثين بتبنّيها واللهج بها في كلّ محفل مع السّكوت عن المأتى والأصل.
بهذا الاعتبار اعتبرت الجاحظ "حدثا" وعلى هدْي من هذا الذي وقفت عليه عنده الآتي من اهتمامه البارز بالمقام الخطابي في عصر كثر فيه السّجال والمنازعة والمناظرة ومقارعة الرّأي بالرأي, على هدْي منه دَرّست بالجامعة لسنوات مسائل تتعلّق "بسلطان البيان على الثقافة العربية الإسلامية" و"الجميل والنافع في الثقافة العربية الإسلامية" وكان ذلك بالمرحلة الثالثة لطلبة التبريز في اللغة والآداب العربيّة.
وأنا أسمّي هذا القسم من الأطروحة هذه التسمية، كان في ذهني لا شكّ ما قاله الأستاذ الجليل ريجيس بلاشير عن "الحدث القرآني" في مؤلّفة الذائع الصّيت: "مدخل إلى القرآن".
صفحة 6
المقامات والتفاعل الأجناسي
كتبتم فصلا في دائرة المعارف الكونية الفرنسية (Encyclopaedia Universalis) عن المقامة وسبق لكم أن ألفتم "الوجه والقفا: في تلازم التراث والحداثة" خصّصتم جانبا منه لهذا الجنس الأدبيّ. ماذا يمكنكم أن تقولوا اليوم عن المقامات، من وجهة نظركم التي تجاوزت الطرح الأسلوبي، لا سيما وأننا نقف على محاولات في قراءة المقامات قراءة "تداولية" (نحو ما فعله محمد نجيب العمامي في قراءته التداولية للمقامة البغدادية)، تتفاوت في حظها من الطرافة، بين باحث وآخر؟فصل دائرة المعارف الكونية جزء من مشروع أوسع أشرف عليه الأستاذ الصّديق المرحوم جمال الدّين بن الشيخ أستاذ الأدب العربي بجامعة الصّربون (باريس IV) ورئيس لجنة مناظرة التبريز لسنوات عديدة واشترك فيه الأساتذة شارل بلاّ - رحمة اللّه عليه - وأندري ميكال وهاشم فودة.
وكان نصيبي من المشروع النّثر العربي نشأة وأصولا جامحة. وقد جاء الحديث عن المقامة فيه عرضيّا إذْ اعتبرتها في جانب من جوانبها محاولةً لردّ النثر إلى الشعر أسلوب كتابة في نطاق ما سمّيته التدافع بين النثر والشعر في تاريخ الكتابة العربية وهو تدافع ظاهره أدبي وأصله في التّحوّلات العميقة التي كانت تجدّ بمفعول عوامل مختلفة متضافرة في بنية الثقافة والحياة عند العرب في نهاية القرن الثاني وبداية الثالث.
أمّا قراءة المقامات فقد ذهب فيها الباحثون مذاهب شتّى، والجزء الذي خصّصته لها في "الوجه والقفا" هو خلاصة درس كنت ألقيته سنة ( 1982 – 1983 ) على طلبة التبريز في اللغة والآداب العربية بدار المعلّمين العليا بباريس. الدّراسات عديدة وأهمّها لا شكّ دراسة الأستاذ المغربي المعروف عبد الفتاح كيليطو، وهي أطروحة ناقشها بباريس، ومثلها في الأهمّية دراسة الأستاذ المعروف أيضا محمود طرشونة التونسي، وهي أطروحته لنيل دكتوراه الدولة ناقشها بباريس أيضا، والدّراستان في الأصل بالفرنسية، وإن اختلفتا منهجا واتّجاها. وبعد هذا كثرت الدّراسات الجادّة، ومن آخر ما نشر منها دراسة الباحثة بسمة عروس وهي أستاذة تونسية تعمل بجامعة الملك سعود وقد تناولت المقامة في إطار قضية من قضايا النظر الأدبي المهمة هي قضية "التفاعل الأجناسيّ" وقد سعدت بالإشراف على هذا العمل وابتهجت غاية الابتهاج بما وصلت إليه الباحثة من نتائج.
فتنة المناهج الحديثة
كيف اتقيتم فتنة المناهج ما بعد الحداثية وظللتم متشبثين بالديكارتية منهجا نقديا عقلانيا، غذيتموه بمطالعات فلسفية عميقة (ريكور، ...) وجمالية (آيزر وياوس، ...)؟ وهل يمكن الحديث عن طفرات منهجية يعلق بها من كان حظه من العمق الفكري ضعيفا؟لا أظنّ أنّ المناهج الحديثة فتنة ولا هي من باب أحرى بلاء يُتّقى بل إنّها ليست فتنةً إلاّ عند من غلب هواهُ عقلَه وليست بلاءً إلاّ إذا دخلها المرء مجرّدا أعزَل فيخبط فيها خبط عشواء. المناهج, ومناهج دراسة الأدب على وجه الخصوص, مكسب معرفيّ ليس من السّهل تقدير أثره في إعادة صياغة تصوّرنا للأدب ولفعل الكتابة.
والدّعواتُ التي نقرأها وما يصدر عنها من حين إلى حين والمشّنعة على المناهج وطرائق التعامل مع الأدب تعاملاً واعيا منخرطا في نظريات ثبتت كفاءتها الإجرائية وقدرتها التأويلية، هي ببساطة جهلٌ ومعاداة لما نجهل.
بقي أنّ التعامل مع هذه المناهج يقتضي عدّة أمور في طليعتها فهم ما تتأسّس عليه من تطوّرات وإدراك ما إليه تشير المفاهيم الجارية فيها ولا يتسنّى ذلك إلاّ بدرجة عالية من الوعي بالمحاضن النّظريّة التي تولدت منها والأصول الفلسفية التي تستمدّ منها مقرّراتها ووجوه ارتباطها بالأدب والفكر الذي انبنت عليه. وليس هذا بالأمر الهيّن فدونه معارف ضرورية بدونها نقع في سوء الفهم وإجراء الأمور على غير وجهها. كما تقتضي فهم الخصائص الكبرى للثقافة التي إليها تنتمي والأصول التي يقوم عليها فعل الكتابة عندنا لتجنّب أن نضيف إلى سوء الفهم والخطإ في التقدير الإسقاط والتعسّف. ولم تسْلم كثير من المحاولات العربية من الأمرين جميعا. ولقد كفتنا بعض الدّراسات المعتنية بتلقّي النقد العربي النقد الغربي مؤونة التفصيل وضرب الأمثلة. وبالمقابل نجد نقّادا تعمّقوا هذه المناهج في مظانها ولهم نباهة ومعرفة تحيط بأصولها وبناها المحتجبة فقدّموا مساهمات فيها شيء غير قليل من الإضافة وتعديل لبعض وجوه النّظرية بما يتناسب والنصوص العربية وربّما سمح لبعضهم بتعديل النظرية عندما امتحنوا كفايتها في فضاء يختلف عن المنشإ.
صفحة 7
المدرسة التونسية في الدراسات الجامعية
هل يصح القول إنّ كلية الآداب في الجامعة التونسية تخرّج فيها رؤوس معرفية مهمة في مجالات السرديات (محمد القاضي: الخبر، صالح بن رمضان: الرسالة، فوزي الزمرلي: الرواية، ...) والحجاج (عبد الله صولة: الحجاج في القرآن، ...) ونحو النص (محمد الشاوش) والتركيب (محمد صلاح الدين الشريف)، ... وغيرهم، ولكنهم لم يحظوا بانتشار عربي يناسب الإضافة العلمية التي أنجزوها؟صحيح أنّ كلية الآداب كوّنت رؤوسا معرفيّة مهمّة في مختلف مجالات العلوم الإنسانية في الاختصاصات الأدبية وفي غيرها كالفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع... ذلك أنّ ظروفا تاريخية هيّأت الجامعات المغاربية ومنها الجامعة التونسية لتكون في مقدّمة الرّكح في هذه الاختصاصات وربّما في غيرها كالعلوم الصّحيحة والعلوم القانونية والطبّ.
وصحيح أيضا أنّهم لم يحظوا بانتشار عربي يناسب الإضافة العلمية التي أنجزوها.
ولذلك أسباب كثيرة يأتي في طليعتها, إضافة إلى العائق التّاريخيّ التقليدي غياب المؤسّسات المساعدة على نشر المعرفة بين أهل الاختصاص الرّاصدة للجهود البارزة فيها العاملة على التّعريف بها وبأصحابها. والاتحادات والجامعات التي بعثت لتقريب الشقة بين الدول لا تقوم بهذا الدور بل لعلّها لا تعتبره من مشمولاتها: إنّ أيّ باحث في العالم العربي يعجز كلّ العجز عن إيجاد أيّ هيئة تمدّه بما وقع إنجازه في اختصاصه من بحوث في الجامعات العربية ومراكز البحث حتّى لا يذهب جهده سدًى، أو ليعرف على الأقل ما هو مطالب به في بحثه بالنظر إلى النتائج التي سبق تحصيلها في بحوث سابقة.
ثمّ إنّ الصّلات العلمية بين الجامعات العربية ومراكز البحث واهيةٌ على كثرة ما هنالك من كلام، وحتّى إن وقع اتفاق فإنّه في الغالب يموت بانتهاء المراسم التي احتفت بميلاده.
والحقّ أنّ أغلب ما يعقد في بلداننا من ملتقيات "علمية" هي احتفاليات تتدخّل في الدعوة إليها عوامل ليست خالصة للعلم وإلاّ كيف نفسّر أنّ مختصّين كبارا لهم مناويلهم في اختصاصهم ولهم تلامذة أبرزوا أعمالا مهمّة, لم يتلقّوا في حياتهم ولو دعوة واحدة من جهة علمية عربية!! لا أريد أن أركب المنطق المجحف الذي يرى أنّ أوساطنا تنمّي الجهل وتصدّ عن العلم الحقّ وأنّه لا يروج فيها إلاّ الخطاب الذي يضرب على الأوتار الحسّاسة إن تجرّد من العلم ولكنّ أمرنا محيّر فعلا.
حمل المشعل وتواصل الأجيال
هل ترون صلابة وجَلَدًا على مقارعة العلم في صفوف الجيل الناشئ من الباحثين الشبان، ممن حظوا بإشرافك أو ممن عقبوهم؟ وهل تتوقع منهم أن يحافظوا على سمعة الجامعة التونسية العلمية التي كوّنها جيلكم وأساتذتكم من جيل الرواد المؤسسين؟مبدئيا جيلنا يطالب الأجيال التي كوّنها لا بالمحافظة على سمعة الجامعة التي انتموا إليها وإنّما بمزيد الرّفع منها وتجليتها. والحقّ أنّ مِن الأجيال الناشئة (مواليد السبعينات والثّمانينات الذين عرفتهم عن كثب) مَن هو قادر تمام القدرة على القيام بهذا الدور بل ويقوم به بكلّ جلد وبأس وكفاءة. وفيهم من تعلّمت منهم وأنا أشرف عليهم بقدر ما علّمتهم أو أكثر. والنخبة منهم الآن أسماء رائجة مشرقا ومغربا وبهجتي الكبرى أنّهم نساء ورجال وأنّهم يتعاطوْن المعرفة بأكثر من لسان وعلى صلة متينة بمجموعات الاخْتصاص المنتجة للمعرفة.
ولمن أبرز ما حقّقه المتميّزون من هذه الأجيال الخروج من سلطة الإعجاب بما يجدّ من نظريات واغتنام المعرفة المعمّقة بالمتون العربية والمتون الغربية لنقدها والإشارة إلى مواطن الوهن فيها. والعارف من القرّاء بالاتّجاهات التّداولية والأسماء الفلسفية الواقعة وراءها والمطّلع على جهود التونسيين من الباحثين الشبان يدرك النقود التي وجهت إليها والإضافات التي جاءت منهم تسدّ ما فيها من ثغرات.
وهذا الجيل موزّع على الاختصاصات الأدبية الكبرى: الأدب, واللغة, والحضارة. والأسماء كثيرة ولا فائدة من ذكر بعضها دون بعض.
صفحة 8
تحليل الخطاب والنقد الثقافي
كيف ترون مستقبل المناهج في مجال تحليل الخطاب؟ وما رأيكم في النقد الثقافي؟إلى تحليل الخطاب انتهت مجمل العلوم التي للّغة فيها منزلة مهمّة. ثمّ إنّه الأفق الذي انتهت إليه الدّراسات التّداولية التي خلصت دراسة الكلام من هيمنة الأدب والمكتوب وغرسته في اليومي وفي ما يقوم بين الناس من وجوه التفاعل باللغة.
وتحليل الخطاب تقدّم الآليات التي بها تفكّ الخطابات على اختلاف أنواعها وتعدّد الحقول المعرفية التي تجري فيها كالخطاب الديني والخطاب السياسي والخطاب الإعلامي والخطاب الأدبي وما إليها. وامتلاك هذه الآليات تمكّن للقارئ أو للسامع في المنكشف من الخطاب والمختفي ويوقفه على السياسات التي يسلكها المتكلّمون لإنفاذ مقاصدهم وبلوغ أغراضهم. ولا تقتصر هذه الآليات على الخطابات التي تهيمن عليها اللغة إنّما تمتد إلى صنوف أخرى تتوسّل بعبر اللغة أو أنّ اللغة ثانوية فيها كالخطاب الإشهاري... لهذه الأسباب نرى أنّها معرفة ضرورية تقوم من الاختصاصات التي ذكرتها مقام المقدّمة والمدخل.
أمّا مسألة النقد الثقافي فمسألة تستحقّ شرحا ليس هذا المقام مقامه. لكننا نذكر هنا حقيقتين ثابتتين أولاهما أنّ ظهوره في الأوساط الأمريكية جاء بعد أن مورس في الأوساط الفرنسية في الستينات على وجه الخصوص. وثانيتهما أنّه تنويع على النقد الإيديولوجي الذي كانت تمارسه بعض الاتجاهات النقدية المستندة إلى تحليل الخطاب في تلك الفترة.
الترجمة وإنتاج المعرفة
تعكفون صحبة الأستاذ المتميز الدكتور عبد القادر المهيري على ترجمة موسوعة في تحليل الخطاب، متى تكون جاهزة للنشر؟ وألا ترون أنكم تعكسون الآية، فمن المفترض أن يبدأ الباحث حياته ناقلا مترجما ثم يصبح مبدعا مؤلفا، فلماذا تترجمون الآن؟ وهل هو اضطلاع بمهمة قصّر فيها جيل الشباب؟"معجم تحليل الخطاب" الذي ترجمته بالاشتراك مع أستاذي الجليل وأستاذ الأجيال جميعها إلى اليوم عبد القادر المهيري في طريقه إلى معرض الكتاب في تونس في هذا الوقت الذي أجيب فيه عن سؤالك وقد ظهر في جزأين، بَذَلنا وبذلَ المركز الوطني للترجمة برئاسة الأستاذ الصّديق محمد محجوب أستاذ الفلسفة بالجامعة التونسية غاية الجهد ليبرز للناس مصفى أمينا لا عوَج فيه. والمعجم حصيلة علوم وتأليف أقلام هي من أبرز المختصين في فنون المعرفة في فرنسا. فكان علينا أن نكون عارفين بالأنساق والمناويل والتّصوّرات والمفاهيم وهي كثيرة كثرة الفنون المعروضة فيه في ما يزيد على ستمائة مدخل. كان الجهد متعبا شاقا وما كنّا لنستطيع إنجازه لولا الخبرة الطويلة التي توفّرت للقائمين بالترجمة، ولذلك لا يمكن لأيّ كان أن يترجم مثل هذه المعالم في بداية الطريق. ويخطئ من يظنّ أنّ الترجمة نقل "بسيط" من لغة إلى لغة، لا سيما عندما يتعلّق الأمر بالنظريات والقضايا المعرفية الكُبرى. فقد يَكون المرءُ جيّدَ الحذق للغة المنقول منها واللغة المنقول إليها، ولا يمكنه ترجمة نصّ يستند إلى بناء نظريّ لم يُحِطْ به المترجم.
والحقّ أنّنا في الجامعة التونسية لم نُولِ الترجمة ما يستحقّ من عناية، ولعلّ ما زهّدنا فيها قدرتُنا على قراءة المعرفة الحادثة باللغة الأصل. وربّما قصّرنا هكذا في إسداء الخدمة لمن لا يقرأون بِلُغاتٍ أجنبية ولم نشارك بالقدر المطلوب في وضع العربية في مواجهة المعرفة الحديثة الجادّة ونحن اليوم نتدارك الأمر وسنعمل جاهدين على اللحاق بما فات. ومن الأدلّة على ذلك أنّ أستاذنا عبد القادر المهيري ترجم في السّنتين الأخيرتين، إضافة إلى المعجم، كتابيْن: أحدهما في اللسانيات والآخر في الحجاج، وقد صدرا مع صدور المعجم.
صفحة 9
البحث وإشكاليات النشر
كيف تفسرون إقلال الجامعيين التونسيين عموما في النشر، بل وزهدهم فيه، هل هي تركة علماء إفريقية القدامى الذين عكفوا على تصحيح ما يأتي من المشرق، فصرفهم ذلك عن التأليف، أم إن الخشية التي لسان حالها "من ألّف فقد استُهدِف" كانت الدافع الأساسي، لهذا التوجّه؟أظنّ أنّه من المبالغة الحديث عن زهد الجامعيين في النشر وإقلالهم منه. وليس صحيحا أنّ علماء إفريقية كانوا يكتفون بتصحيح ما يأتي من المشرق. فهذه مشهورات تحتاج إلى مراجعة.
إنّ الناظر في الخطّ البياني لما نشر وما ينشر منذ نشأة الجامعة يدرك المبالغة التي أشرت إليها. وأعتقد أنّ الحديث عن تصوّرين للكتابة والكتاب يكون أكثر فائدة في توصيف الاختلاف. فهناك من يعتقد أنّ كلّ كلمة يقولها وكلّ درس يلقيه على طلبته وإن كان من المشترك المعروف يستحقّ النشر ولا بدّ أن يوزّع على النّاس وهذه حال أغلب المُكثرين تقرأ الكتاب تلو الكتاب، ولا ترى فرقًا كبيرًا بين ما قالوه هنا وهناك، بل ما قالوه وما سبق إليه غيرهم من الدّارسين. وليس كذلك الأفذاذ من المكثرين وهم على كلّ حال قلّة القلّة. وفي الجامعة التونسية من هم على هذا الاعتقاد وعدد مؤلّفاتهم بعدد سنّي سنّهم تقريبا.
وهناك من يعتقد أنّ النشر لا يكون إلاّ للإضافة والمبتدَع من الآراء وقد يأخذ الأمر أشكالا عديدة. لذلك تراهم لا ينشرون بين الناس إلاّ ما هو من حقيق جهدهم وناتج فكرهم نبْوة على ما قال من سبقهم وأعملوا فيه الرأي واجتهدوا ما وسعهم الاجتهاد. وليس الأمر بالهيّن وتزداد صعوبته إن كان المؤلّف من الحريصين على دقّة الصياغة وجمالها. ولذلك ترى الأستاذ منهم لا ينشر إلاّ عددا من الكتب يختلف لا محالة باختلاف الأجيال ولكنّها كتب تحمل معرفة حقيقية وجهدًا خالصا لتطوير المعرفة أو على الأقلّ إعادة إنتاجها على مغاير. وأنا شخصيا من أشدّ الناس حرصا على ألاّ ينشر الباحثون الذين أشرفت عليهم إلاّ ما يعتقدون أنّ فيه إضافة إلى ما هو مشترك معروف.
البحث الجامعي: الإشراف والتأطير
أنتم من أكثر الأساتذة حضورا في مناقشة الرسائل الجامعية في قسم العربية في كلية الآداب بمنوبة مشرفا أو مقررا أو رئيسا أو عضوا؛ ماذا أضافت لك المناقشات الجامعية؟أضافت أشياء كثيرة؛ فلقد أصبح حولي كثيرٌ من الصديقاتِ والأصدقاءِ ممّن أشرفتُ عليهم، فأنا مؤمنٌ عميقَ الإيمان بأنّ العلاقة العلمية يجب أن تتحوّل إلى صُحبة بالمعنى الذي كان للكلمة عند القدماء. ثمّ إنّ هؤلاء الذين قبلوا البحث في نطاق المشروع الذي وضعتُ خطوطه الكبرى، عمّقُوا الكثير من جوانبه وأضاءوا المناطق المعتّمة فيه وطوّروا منهج التعامل مع كثير من قضايا؛ فبفضلهم أصبحت قسماتُ الموضوعِ أوضحَ ومسائلُه أمْتنَ ونتائجُه أكثرَ إقناعا. وأعانني على ذلك اعتقادي الرّاسخُ بأنّ المشروع مِلكٌ لكلِّ الذين ساهموا في وضع لَبِنَاته وأنّ الأفكار الدّائرة في فضائه مِلكٌ لكلِّ من انتمى إليه.
أمّا المساهمةُ في مناقشةِ مَن لم أُشرفْ عليهم، فقد مكّنتني من معرفة مشاريع معظمِ زملائي في جُملها وتفاصيلها، وليس هذا بالأمر الهيّن، وثمنُه قراءةٌ مسترسِلةٌ في آلافِ الصّفحات وتقليب النظر فيها استعدادا للمناقشة. إنّ ثمنَ هذا مرتفعٌ ولكن لا معنى لهذا الثمن إذا ما قورن بما حَصُل من ريْعٍ علميٍّ مُطَمْئن.
أشرفتم على فريق البحث في التداولية والحجاج، ثم في تحليل الخطاب وخلفكم في الإشراف الأستاذ الدكتور شكري المبخوت عميد كلية الآداب بمنوبة. هل ثمة آفاق معرفية فتحتها انشغالاتكم وهل من نتاجات علمية، وهل ترون أنّ السجالات العلمية النزيهة تقويّ شوكة البحث وتعضد جهود الباحثين؟
نشأتُ على عقيدةٍ تقرن التدريسَ في الجامعةِ بالبحثِ والمثابرةِ فيه، بل لعلّي من الذين يُؤمنون بأنّ التعليمَ في الجامعةِ بدون بحث متواصل يؤول إلى تعليم لا روح فيه لأنّه سيقوم على الرّضى بالموجود ومحاكاة ما يرد في الكتب بينما الأستاذ في الجامعة مطالَب بأن يجتهد ويضيف ولا يتسنّى ذلك إلاّ بالبحث والتفاني فيه.
من منطلق هذه العقيدة، كنتُ من السبّاقين في بعث فِرَقِ بحثٍ، وإن بطريقة غير منظّمة في البداية. وما كان ذلك ليكون لولا وجودُ زملاءَ لهم نفس الحماس ويحملون نفس العقيدة. فكان أن تكوّن، من بداية الثّمانينات، فريقٌ عن الإنشائية ونظريات الأدب، وكانت حصيلتَه كتابٌ صادف لدى الناس بعضَ القَبولِ بل الرواج وعنوانه: "دراسات في الشعرية: الشابّي نموذجا". ثم جاءت الأشكالُ المؤسساتية من البحث، فكوّنتُ مع ثلّة من الباحثين الأصفياء فريقَ البحث في البلاغة والحجاج، وأصدرنا جملةً من المؤلَّفات، لعلّ من أبرزها "نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم" و"الحجاج في المقام المدرسي" و"البلاغة وثقافة الفحولة"... المؤلّف الأول جماعيٌّ، والمؤلَّفان الآخران من تأليف باحثين مُنتمين إلى وحدة البحث، نُشرت أعمالهم بتمويلاتها التي تضعها الإدارة العامة للبحث العلمي بوزارة التعليم العالي على ذمّتها. وتطوّر الفريق وأصبح وحدة وكان لا بدّ أن تكون في تحليل الخطاب لأنه الاختصاصُ الذي آلت إليه الدراساتُ البلاغيةُ والتداوليةُ وغيرُها.
ورأى المشرفُ على الوحدة أن يُعوّضني، لبلوغي سنّ التقاعد، الأستاذ شكري المبخوت، وهو مَن هو في الدراسات اللغوية والتداولية، مؤلَّفاتُه – على صِغَر سنّه النسبيّ – عديدةٌ وكلُّها فكرٌ حَيٌّ ومعرفةٌ واسعةٌ عميقةٌ وجرأةٌ في الرأي ومراجعة الوافد علينا في اختصاصه مراجعةً تدعو إلى كثير من الإعجاب. وأنا على يقين من أنّ الرؤوس العلمية الكثيرة المتوفّرة بكلية الآداب والفنون والإنسانيات، ستواصل العملَ بصورةٍ أعمقَ وأشملَ، لأننا وصْلنا في تقديري إلى مرحلة إنتاج المعرفة بعد أن قامت أجيالٌ مناضِلةٌ باستعادتها على وجهها الأكمل.
صفحة 10
حوار مع الأستاذ الدكتور والشاعر الناقد علوي الهاشمي
المثقف حبّة من حبّات هذا الرمل! قد تكون أكثر لمعانا ونصوعا،... وإنّ الأمّة بحاجة إلى أن تمرّ بالمخاض الذي مرّت به الأمميعتبر الدكتور علوي الهاشمي اسما ثقافيا لامعا لا فقط في البحرين بل في الوطن العربي لما تميز به من نشاط حثيث أسهم في ترقيه في مدارج المعرفة حتى وصل إلى أعلى الدرجات الأكاديمية، ولكنه لم يفلت من فتنة اللغة، فظل يرتاد أقاصيها شاعرا من الطراز الأول رغم الخصومة القديمة التي ارتبطت باعتبار شعر العلماء أقل جودة من شعر المنقطعين عن الإبداع الأكاديمي. ولكن يبدو أن الدكتور علوي الهاشمي قد وفق بين هذين الاهتمامين ووفق بين الضرتين وإن لم يعدل بينهما في كل مكان.
وهذه نبذة مختصرة عن مُحاوَرنا، مقتبسة من موقع أسرة الأدباء والكتاب في البحرين:
هو من مواليد البحرين عام 1946 .
درس الثانوية، حصل على الدبلوم في التجارة من إنجلترا.
عمل مع والده في مجال التجارة.
التحق بجامعة بيروت العربية وحصل عام 1972 على البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها من جامعة بيروت العربية،.
نال الماجستير من جامعة القاهرة عام 1978.
أنجز شهادة الدكتوراه من الجامعة التونسية عام 1986 .
عضو مؤسس في أسرة الأدباء والكتاب في البحرين.
من أعماله:
من أين يجيء الحزن، شعر، دار العودة - بيروت 1972.
العصافير وظل الشجرة، شعر، الشركة العامة للنشر و التوزيع و الإعلان - ليبيا-1977.
محطات للتعب، شعر، 1988.
شعراء البحرين المعاصرون (كشاف تحليلي مصور)، دراسة، البحرين، 1988.
فضلا عن كتب أخرى حديثة صدرت بعد هذا التاريخ ولكنها غير مذكورة في موقع أسرة الأدباء، منها:
السكون المتحرك، في ثلاثة أجزاء عن بنية الإيقاع وبنية اللغة ونبية المضمون: دراسة في البنية والأسلوب: تجربة الشعر المعاصر في البحرين نموذجا(الإمارات، 1992).
ظاهرة التعالق النصي في الشعر السعودي الحديث(الرياض، 1998).
التفكير الحضاري في البحرين في ضوء إشكالية العلاقة بين الواقع والمثال(بيروت، 2006).
فضلا عن كتب أخرى تحت الطبع،...
وقد كان لنا شرف استضافته في هذا الحوار الذي شمل مسيرة الرجل الإبداعية والشعرية والحياتية، فضلا عن المسؤوليات الإدارية والأعباء الأكاديمية وآرائه النقدية ومواقفه المستقبلية...