eKtab
EN ع
بصمة نبي وإعجاز مربِّ
اقرأ عينة مجانية

بصمة نبي وإعجاز مربِّ

بقلم الشيخ عبد الكريم تتان

صفحة 1

صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم

بداية: ما الحادثة التي تركت بصمتها قوية في نفس من نحن في رحاب قراءته، والتي سنبني عليها حديثنا بكل إضاءاته وإيحاءاته وتفرعاته المزهرة المثمرة، وسيكون لنا منها - بإذن الله - وجبة قلبية فكرية نفسية سلوكية؟

صفحة 2

اللقاء الأول وأثره العميق

إذا فتحنا كتاب صفة الصفوة[1] وجدنا صاحب سر الرسول صلى الله عليه وسلم يتربع مع ثلة من الصحابة السابقين إلى الإسلام من المهاجرين والأنصار على عرش... (الطبقة الأولى) في الكتاب[2]، وقد قال هو عن نفسه: "لقد رأيتني سادس ستة ما على الأرض مسلم غيرنا"[3]، ذلك أنه أسلم قبل دخول الرسول صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، فمن هو هذا الصحابي؟ وما الحادثة التي نقف معها نستضيء بعطائها، ونرتشف دلالاتها بما وسعنا لا بمدى ما تعطيه؟.

إنه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، ويكنى أبا عبد الرحمن، وأمه أم عبد. وقد حدثنا عن أول لقاء له أكرم به مع رسول الله وصاحبه الصديق، فقال: "كنت غلاماً يافعاً أرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر رضي الله عنه ، وقد نفرا من المشركين فقالا: يا غلام! هل عندك من لبن تسقينا؟ فقلت: إني مؤتمن، ولست ساقيكما، فقال النبي: هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل؟ قلت: نعم. فأتيتهما بها، فاعتقلها النبي ومسح الضرع ودعا، فحفل الضرع، ثم أتاه أبو بكر بصخرة منقعرة، فاحتلب فيها، فشرب أبو بكر ثم شربت. ثم قال للضرع: اقلص، فقلص[4]. قال: فأتيته بعد ذلك، فقلت: علمني من هذا القول. قال: "إنك غلام معلم"؛ فأخذت من فيه سبعين سورة لا ينازعني فيها أحد[5].

بداية نقف قبالة قول من لا ينطق عن الهوى لابن مسعود: "إنك غلام معلم"؛ لما فيه من نبض المعنى الكبير الذي جاء به الإسلام، حيث افتتح الوحي بقوله تعالى: {اقْرَأْ} [العلق: 96/1] وهو كما قال أديب العربية الرافعي، وهو يكتب عن رحلة الإسراء والمعراج يتحدث عن الأمة التي تحتفل بالذكرى: "كيف يركنون إلى الجهل؛ وأول أمرهم آخر غايات العلم؟"[6]، ثم تعال معي إلى قلب الليل البهيم حيث أضاءه مشهد جلي عمق ما فاه به الرسول لابن مسعود، ولنا بعد ذلك أن نعود إلى الشاهد الثاني من الحدث، وهو أدق وأعمق، ولعله هو الذي أثمر الأول. فماذا - يا ترى- في تلك الإضاءة.

بينما عمر بن الخطاب الفاروق رضي الله عنه في سفر من أسفاره إذا به يلقى ركباً، وكان الليل ضارباً أطنابه على امتداد الأرض يمنع العين من وظيفتها، ذلك أنه بالنور تظهر الأشياء، وقد كان في الركب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي قال - ولم يكن مبالغاً- فيما قال: والله الذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، وأعلم فيما نزلت، ولو أعلم أن أحداً أعلم مني بكتاب الله تناله المطي لأتيته. أليس في قوله الأخير: "ولو أعلم.." شعاع من باطنه المشحون بطلب المعرفة، وهو نبضة من قلب قوله عليه السلام له: "معلم"، إذ لا ينال العلم إلا طالبه.

وبدافع حرص الفاروق العام على الرعية في ليلها ونهارها أمر رجلاً أن ينادي الركب متعرفاً: من أين القوم؟ فأجابه واحد من الركب: من الفج العميق، فقال عمر: أين تريدون؟ فقال المجيب: البيت العتيق، فقال عمر: إن فيهم عالماً، فنادى منادي عمر الركب يستعلم ما لدى القوم: أي القرآن أعظم؟ فأجابه أحدهم: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 2/255] . قال عمر: نادهم؛ أي القرآن أحكم؟ فقال المجيب: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} [النحل: 16/90] . فقال عمر: نادهم؛ أي القرآن أجمع؟ فقال الرجل: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *} [الزلزلة: 99/7] . فقال عمر: نادهم؛ أي القرآن أخوف؟ فقال المجيب: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا *} [النساء: 4/123] . فقال عمر: نادهم؛ أي القرآن أرجى؟ فقال: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ *} [الزمر: 39/53] فقال عمر: نادهم؛ أفيكم عبد الله بن مسعود؟ قالوا: اللهم نعم..

دعك الآن من موضوع الاختبار وأسئلته وما نضحت به الأجوبة من دلالات ورفعت من معان ملأت الصدور فصاغت ذلك السلوك الرباني، وركز معي على تمكن ابن مسعود من قضية القرآن تلاوة وتدبراً ووقوفاً على المعاني الكبرى التي عمرت بها الحياة، وعلى كون هذا التمكن غصناً ناضراً مزهراً عطراً من شجرة (المعلّم) التي ألقى الرسول عليه السلام بذرتها في أول لقاء لابن مسعود معه...

وعودة إلى المشهد الرئيس نتلمس منه المعاني الضخمة التي نضح بها، ويكفي فيه أنه كان سبباً لهداية ابن مسعود، ورافعاً له ليكون مع نجوم الصحابة التي ملأت عصر النبوة، ومازالت مطلة علينا من عليائها منارات هداية، ومناهل نور، ومرايا صقيلة مستوية نرى فيها العجب العجاب، ونصلح من شأننا بالعرض الصادق على تلك المرايا.

صفحة 3

كما نجد فيه صفة جُبل عليها ابن مسعود، جعلت فتيلة مصباحه قابلة للإثارة حال شمها ما ينيرها، هي صفة الأمانة، جسَّدها موقف واضح لا التواء فيه، قال فيه: "إني مؤتمن ولست ساقيكما".

كما نقرأ منه الرغبة الصادقة في التعلم حين قال للرسول عليه السلام: "علمني من هذا القول"، فدل على نفس منفتحة تقتنص ما يلوح لها من ظواهر مثيرة، فتتجه إليها بإخلاص، وقد رصد الرسول عليه السلام تلك الرغبة، وعرضها مثمرة حين قال: "إنك غلام معلم"، وكأني بابن مسعود راح يلتهم العلم التهاماً، ويلهمه غيره كذلك، فإذا به أكبر من كيانه المادي الذي رصدت السيرة حجمه بآلاف المرات، كان يوماً يجتني سواكاً من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه. فضحك القوم منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مم تضحكون؟ قالوا: يا رسول الله! من دقة ساقيه! فقال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد[7].

وتشرق عبارة من المشهد، فإذا بحنايا نفس ابن مسعود ظاهرة مكشوفة لما سأل الرسول السقيا فأجاب عبد الله: "إني مؤتمن، ولست ساقيكما".

حدد عبد الله المهمة التي أنيط به القيام بها، وبنى عليها السلوك الذي يصدر عن تلك المهمة، إن الأغنام التي يرعاها ليست له، وهو مؤتمن عليها، وعليه أن يحافظ عليها بما يطيق، ولن يفرط بشيء منها، وإن كان لا ينقصها عدداً، ويمكن تعويضه كاللبن الذي يتأتى من الغذاء الذي يطلبه عبد الله لها برعيه إياها، ولعمر الحق هو منهج رصين، به قوام الصلاح في المجتمع، وغيابه يعني زحف الفساد والشر، وهيمنة الفوضى، وسريان القلق، وفقد الثقة، واضطراب العلاقات الاجتماعية، أجل حيث تغيب الأمانة غياباً كلياً أو جزئياً تدب الخيانة في عروق الحياة، ويطل الفساد بوجوهه المتعددة في نبضاتها، وتزحف الهواجس المرة المخيفة الخانقة عبر النفوس، تدمر منها الطمأنينة والثقة والتسليم. وتضيع الحقوق وتتقطع الأواصر، فالأمانة خلق يحتاج إليه الراعي والرعية، والعامل ورب العمل، والتاجر والزبائن، والموظف وما أسند إليه القيام به مع المراجعين، والمدرس والتلاميذ!

إن ابن مسعود رضي الله عنه أفصح عن صفة قائمة في ذاته، صفة محمودة هي من صفات الرسل عليهم السلام، وإن كانت في الرسل أعمق وأشمل وأدق، ويكفي أنها في نفس ابن مسعود صفة مستقرة استقرار الفطرة في الخلايا، لا يملك معها أن يراوغ أو يداري أو يوارب، أو يتذرع بأحوال ربما رآها غيره أنها ترخص له باختراق هذه الصفة وتحييدها أو تخديرها لتجرى عملية الخيانة دون ألم، ثم لتحضر بعدها الأمانة ومعها كل مشاعر العزة والإباء واليقظة، فحضورها بعد إمضاء الخيانة لا يعدو مجرد ألم أو لوم أو تأنيب يبدأ حاراً ثم لا يلبث أن يبرد، إن عبد الله بنى موقفاً سلوكياً بعدما حدد صفته بأنه مؤتمن بـ"لست ساقيكما" هكذا بعبارة.

إن مما تناوله علماء التوحيد قضية النبويات إلى جانب الإلهيات والسمعيات.. فالإلهيات تعني ما يتعلق بما يجب لله تعالى وما يستحيل وما يجوز، والسمعيات تشمل كل القضايا الإيمانية التي جاءت بها النصوص من قرآن وسنة، كعالم الآخرة وما فيه، أما النبويات فميدانها ما يجب للرسل عليهم السلام من صفات، وما يجوز في حقهم وما يستحيل. وقد أكد علماء التوحيد أن الرسل عليهم السلام يتصفون بكل صفات الكمال البشري، كما يتنزهون عن كل نقص يعتري غيرهم ويزري بمنزلتهم العلية، إذ إن الله تعالى قد اصطفاهم ليحملوا رسالاته إلى الناس، ومن هنا أبعد الله عنهم كل عيب بشري أو نقص يحجب عن الهداية إلى الله تعالى، فبرأهم سبحانه من العيوب، ونقاهم عن النقائص، فكانوا على أكمل صورة من صور البشرية، وقبل أن تقف قبالة موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من رد ابن مسعود، وقد عرضنا طرفاً منه، وما أروعه! نسوق - هنا - ما ذكره العلماء بشأن الأمانة على أنها مما يجب للرسل عليهم السلام مع صفات أخرى، وربما جرنا الاستطراد المتصل إلى ما أيد الله به الرسل في دعوتهم الخلق إلى رحاب الله تعالى.

صفحة 4

صفة الأمانة لدى الرسل عليهم السلام

إن إطلالة سريعة على كتاب (النبوة والأنبياء في ضوء القرآن) لأبي الحسن الندوي -رحمه الله - ترينا مسيس الحاجة إلى قادة أمناء معصومين من الضلال والأوهام والأخطاء، بريئين من كل طمع ومساومة وطلب مكافأة عاجلة أو مقابل دنيوي وربح مادي، قادة لا تتغلب عليهم الشهوات، ولا تؤثر فيهم النزعات، لا يصدرون عن رأيهم ومعلوماتهم الناقصة، وتجاربهم القاصرة ومصالحهم الخاصة[8]، قال أبو الحسن بعدما ساق ما ذكرته بمعناه: ولذلك تقرأ في سورة الشعراء أن كل نبي يبعث في أمته يؤكد لهم أمانته وإخلاصه، واقرؤوا معي الآيات التالية: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (*) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (*) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء: 26/105-107] ، وأشير هنا إلى أن قوم نوح إنما كذبوا نوحاً عليه السلام، وقد قال تعالى: {الْمُرْسَلِينَ} لأن تكذيب أي رسول تكذيب للجميع، ومن هنا كفر من كذب برسالة الرسول الخاتم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. وقال تعالى: {كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (*) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (*) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء: 26/123-125] ، كذلك قالها كل من صالح ولوط وشعيب لأقوامهم، وانظر الآيات (143 - 162 - 178) من سورة الشعراء.

إنهم رسل الله أتوا أقوامهم وغطوا القرون السوالف، وأقوامهم مختلفون، وقد ربطت الرسل هذه الوحدة العجيبة {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ *} أفلا ترتفع الأمانة علماً عبر الزمان كله بكل ألوانه وأجناسه ولغاته؟... فالأمانة على هذا كلمة جامعة بين معاني الصدق وصحة التلقي من الله العليم، وصحة الإلقاء إلى من أتوهم، وهي الركن الرئيس في مفهوم الرسالة ونظامها "ولا أجمع - كما قال الندوي - لهذه المعاني، ولا أبلغ من كلمة الأمانة في لغة العرب"[9]. هذا، وقد شاء الله تعالى أن يوصف بها الرسول الخاتم قبل بعثته للعالم، وألهم أهل مكة أن يسبغوا هذه الصفة - إلى جانب الصدق - عليه، فكان - بحق - "الصادق الأمين"، ولا يغفل هنا عن أن الفطر السليمة والعقول النيرة اتفقت على حب الداعية المخلص "الناصح الأمين"، وقد رصد القرآن الكريم الشذوذ عن هذا المنحى فيما قاله صالح عليه السلام في أسف لقومه، وهو يخاطبهم: {يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 7/79] .

ويأخذ بنا الاستطراد النجيب في طريق ما أيد الله به رسله عليهم السلام مما يقوم شواهد صدق وبراهين حق على أنهم مرسلون من الله تعالى لتبليغ دعوة الله، ومتانة التأييد وتنوعه تكشف عن خطورة المهمة التي يحملونها، ويكفي فيها أن سعادة الأبد تترتب عليها لمن صدق بها واتبعها، أو شقاوة الأبد لمن كذب بها وأعرض عنها، لقد جعل الله تعالى لرسله علامات بها يعرفون، وبها يتميز الصادق من المدعي، وقد ساق ابن الجوزي في صيده مجموعة من الدعاوى الكاذبة التي عجلت نهاياتها[10]. وقد قال فيهم:"أما النبوات فإنه قد ادعاها خلق كثير ظهرت قبائحهم وبانت فضائحهم، ومنها ما أوجبته خسة الهمة والتهتك في الشهوات، والتهافت في الأقوال والأفعال حتى افتضحوا". وقد ساق نماذج مما ادعاه مسيلمة على أنه وحي له من الله، منها: "يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، أعلاك في الماء، وأسفلك في الطين"، مما يُضحك من عصرته الحياة بشدائدها فغارت بسمته في أعماق نفسه، على أن دليل صحة نبوة نبينا r أجلى من الشمس، وكل كلمة من كتاب سيرته بدايةً ونهايةً شاهد على صدقه، ترى ذلك في البشارات التي تسبق مجيء الرسول، إذ كلف كل رسول بأن يمهد لمن سيأتي بعده بالبشارة به تهيئة للنفوس لتقبل على دعوته فتسعد، وقد كثرت بشارات الأنبياء السابقين ببعثة الرسول الخاتم عليه وعليهم الصلاة والسلام. وترى ذلك في الثمرات الدالة على انسجام دعوة الرسول مع الفطرة السليمة، فظهر جراء ذلك في ميدان الحياة أن الحق أخذ يحكم القوة، والوفاء يظهر على الغدر، والحقوق تؤدى لأصحابها، ويعيش الناس لله يبتغون مرضاته، ويحيون بالله محققين التوحيد ومستمدين المعونة، وبهذا وظفت في دروب الحياة الربانية الطاقات، طاقات الإنسان، أروع توظيف. ترى ذلك أيضاً في صفات الرسول الشخصية، التي تتلخص إلى جانب الكمالات البشرية في أربعة عناوين رئيسة: الصدق والأمانة والتبليغ والفطانة، والأنبياء من حيث إنهم أسوة لأقوامهم، وقدوة مثلى لمن آمن بهم، كانوا قمماً بشرية شامخة يتطلع إليها الناس بإعجاب وحب ومتابعة. كما تراه فيما أيده الله به من معجزات، والمعجزة أمر خارق للعادة يظهره الله على يد مدعي النبوة تصديقاً له في دعواه، ولو أمكن بث الروح في المعجزة حتى تنطق لقالت بلسان فصيح: صدق عبد الله فيما يبلغ عن الله، ولعل المعجزات المستقبلية التي تميط الستار عما لم يقع وقت النطق بها، فإذا بالخبر يقع على وفق ما به أخبر، لعل هذه واضحة الدلالة، وقاهرة للعقول على أن من أخبر بها إنما هو رسول ممن أحاط بالغيب كله، فهذه الأخبار لا تتناول أموراً وقعت، انطوت أو لم تنطو، وإنما كشفت عما لا يزال في رحم الغيب، وما أوسعه، وما أكثر الاحتمالات فيه.

وعلى ذكر الاحتمالات -هنا- يطل علينا معنى ينبغي أن يرصد ويحدد، وهو أنه حال وقوع الخبر لا يكون له في الواقع ولا قريباً من الواقع ما يدل أو يقرب من الدلالة على إمكانية وقوع المخبر عنه، بل ربما يكون الواقع مناقضاً كل المناقضة ومباعداً كل المباعدة عنه، خذ مثلاً: وعد النبي عليه الصلاة والسلام لسراقة، أو ما بشر به الرسول الصحابة وهم يحفرون الخندق، وما كشفه عليه السلام لعدي بن حاتم من حقائق لما تزل في رحم الغيب. إن مسألة الغيب من جهة المستقبل ترجع حصراً إلى عالم الغيب والشهادة، ولولا أن المرسل من قبله سبحانه صادق فيما أرسل به لما أمكن لبشر مهما أوتي أن يحيط دون الله بما لم يدخل في حيز الوجود،وليس له مقدمات فيه، ونحن نتحدث هنا لنقطع عروق الريبة من عروق النفس عن أنباء ليس لها في الواقع الذي سيقت فيه أدنى مؤشر إليها أو دلالة عليها، بل هي على خلاف ما كان عليه الحال وقت الإنباء بها، وكان ذلك لئلا يقال: هذا لون تنبؤ بقادم دل عليه أو على بعضه الحاضر، أي: رؤية النتيجة من قلب مقدمتها، كما تفعله الأرصاد الجوية بناء على سنن كونية مستمرة، أو ما تتناقله الجهات المختصة بالكسوف أو الخسوف. فما البشارة التي بشر بها الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة بل الأمة قاطبة حال حفر الصحابة للخندق، وقد كانوا في حال تعب وخوف وبرد وجوع، بعدما جاءت الأنباء بإغارة الأحزاب على المدينة يريدون إطفاء نور الله فيها بتمويل من يهود المدينة وترتيب معهم؟

صفحة 5

قد جاء أنه عرض للصحابة رضي الله عنهم في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة، لا تأخذ فيها المعاول، "فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآها أخذ المعول وقال: بسم الله، وضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأرى قصورها الحمر إن شاء الله، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثاً آخر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض، ثم ضرب الثالثة فقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن"[11].

وقد جاء الخبر في مصادر كثيرة[12] بتفصيل فيه: "أن المسلمين عرض لهم في بعض الخندق صخرة، وفي لفظ كدية عظيمة شديدة بيضاء مدورة، لا تأخذ فيها المعاول، فكسرت حديدهم، وشقت عليهم، وفي حديث عمرو بن عوف: أنها عرضت لسلمان رضي الله عنه ، فشكوا ذلك لرسول الله، وهو في قبة تركية، فقال: أنا نازل، ثم قام وبطنه معصوب بحجر من الجوع، قال راوي الحديث: ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً، فدعا بإناء من ماء، فتفل فيه، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به، ثم نضح من ذلك الماء عليها، فيقول من حضرها: والذي بعثه بالحق إنها عادت كالكثيب المهيل، ما ترد فأساً ولا مسحاة، فأخذ المعول من سلمان وقال: بسم الله، وضرب به فكسر ثلثها، وبرقت برقة فخرج نور من قبل اليمن، فأضاء ما بين لابتي المدينة حتى كأن مصباحاً في جوف ليل مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أعطيت مفاتيح اليمن، إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة، كأنها أنياب الكلاب، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثاً آخر، وبرق منها برقة فخرج نور من قبل الروم، فأضاء ما بين لابتي المدينة، فكبر رسول الله، وقال: أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني الساعة، ثم ضرب الثالثة فقطع بقية الحجر، وبرق برقة من جهة فارس أضاءت ما بين لابتي المدينة، فكبر رسول الله وقال: أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصور الحيرة ومدائن كسرى، فكأنها أنياب الكلاب من مكاني هذا، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، فأبشروا بالنصر، فاستسر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعد صادق بأن وعدنا النصر بعد الحصر، وجعل يصف لسلمان، فقال سلمان: صدقت يا رسول الله، هذه صفته، أشهد أنك رسول الله.

ثم قال رسول الله: هذه فتوح يفتحها الله بعدي يا سلمان! لتفتحن الشام، ويهرب هرقل إلى أقصى مملكته، وتظهرون على الشام، فلا ينازعكم أحد، وليفتحن هذا الشرق ويقتل كسرى، فلا يكون كسرى بعده[13].

نحن - هنا - بين يدي مجموعة من العطاءات التي يفور بها النص، نرصدها ولو لم نرتب فيها، أما الصخرة التي اعترضت، فكأني بها تحكي العقبات التي تعيق انتشار نور الإسلام، ويتغلب عليها بالله جل جلاله، ولا يصعب أمر طلبته بالله. وأما كون الصخرة قد اعترضت لسلمان، وهو صاحب فكرة الخندق بداية، فكأنها تقول: الفكرة مهما كانت حصيفة وصحيحة ومنورة فإن إنجازها والتغلب على ما يقف في وجهها لا بد فيه من التأييد وشد العضد من المستعان به، وكأني بها تقول: إن (لا حول ولا قوة إلا بالله) حقيقة سارية في هذا الوجود بكل مظاهر حوله وقوته. وما كان من أمر الصخرة بعدما تولى أمرها الرسول صلى الله عليه وسلم يقول بملء فيه: إن نضح الفَرَج يتأتى من قلب الشدة، وإن الأخذ بالأسباب سبيل إلى تحقيق الحكمة، وتعلق القلب بمن بيده الأسباب أصل في التعامل مع حقائق الإيمان، وقد حيدت المعاول لما لم تنجح ليحل مكانها الماء ذو الجسم اللطيف الشفاف، وقد أثيرت ذراته بذكر الله، وإذا به له سطوة دونها سطوة الحديد.

إننا في الحديث نلحظ الجوع من خلال عبارات "قام وبطنه معصوب بحجر من الجوع" و"لبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً" وقد اجتمع إليه البرد والتعب، أما الخوف فقد أطل من عبارة المنافقين التي صاغها نفاقهم لما سمعوا الوعد بالنصر من الرسول صلى الله عليه وسلم، كما رصدها قوله تعالى: {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} [الأحزاب: 33/10] فما الذي قاله المنافقون، وقد رصده القرآن آيات تتلى على الدهر تصور لنا صنفاً من الناس لعلهم لا يفنون، إنما يقلون أو يكثرون، إنهم قالوا: "نحن نخندق على أنفسنا وهو -أي الرسول- يعدنا قصور فارس والروم؟"، وقالوا: "يخبركم محمد أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة وحدائق كسرى، وأنها تفتح لكم، وأنتم تحفرون الخندق، ولا تستطيعون أن تبرزوا". هذا، وقد قال الله تعالى فاضحاً حالهم: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا *} [الأحزاب: 33/12] ، وهذا الذي ذكرناه يدل دلالة قاطعة على أن الحال التي كان عليها المسلمون لما بشروا بالفتوح لم تكن مرشحة لهذه الفتوح، ولا ممهدة لها، بل على العكس من ذلك، كان طلب السلامة أمام الهجمة الوثنية اليهودية هو المطلب المنشود الذي تصبو إليه النفوس، وهذا يجلي عظمة دلالة المعجزة على صدق من ظهرت على يديه... ذلك أن الصحابة قد شهدوا هذه الفتوح. قال سلمان: فكل هذا قد رأيت.

وقال أبو هريرة حين فتحت هذه الأمصار زمان عمر وزمان عثمان من بعده: افتحوا ما بدا لكم فوالذي نفس أبي هريرة بيده ما فتحتم من مدينة ولا تفتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله تعالى محمداً مفاتيحها قبل ذلك.

وهنا تبرز حقيقة رائعة تميط عن وجهها الوضاء لتقول في سمع الزمان: هؤلاء الذين أثنى الله عليهم من الصحابة قد استلموا المفاتيح التي أعطاها الله رسوله يوم الخندق، فكانوا نواباً عن رسولهم في ذلك، وقد ألزمهم الله كلمة التقوى، وكانوا أحق بها وأهلها، وبكلمة التقوى تم الفتح واتسعت دائرة التوحيد، إنهم استؤمنوا على حمل الرسالة والجهاد في سبيلها، فوفوا بما استؤمنوا عليه رضي الله عنهم ، وكيف لا وهم تلامذة الرسول الأعظم المربي الأفخم تخرجوا في مدرسته، فانطلقوا معلمين بما نهلوا من علوم الشريعة والتربية والقلوب.

كذلك قالت تلك الحقيقة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، وقد قال ما قال يوم الخندق مما أطلعه الله عليه من الغيب، فظهر صدقه فيه بعد وفاته، وهذا ما شهد به الصحابة يوم نزل الوحي يرصد شهادتهم: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيمًا *} [الأحزاب: 33/22] .

أوقفت بعد هذا على بعض أسرار الآيات التي نزلت تغطي غزوة الأحزاب، وتمد الأجيال بنسغ الحقائق ما دامت دوحة الإسلام قائمة؟

صفحة 6

أتبين لك الجو العام الذي انطلقت بشائر الفتح فيه، وأنه بعيد كل البعد عن تلك البشائر، لئلا يقال: إنها مقدمات تمخضت عن تلك البشائر، وهذا ما نزيده إيضاحاً في كل من عدي بن حاتم وسراقة بن جعشم المدلجي رضي الله عنهما .

قال عدي بن حاتم: بينما أنا عند النبي إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، وأتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: يا عدي بن حاتم! إن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله، قلت فيما بيني وبين نفسي: "فأين دعار طيئ الذين سعروا البلاد".

- ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى، قلت: كسرى بن هرمز؟! قال: كسرى بن هرمز.

- ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفيه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه، فلا يجد...

قال عدي: قد رأيت الظعينة ترتحل من الكوفة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى، ولئن طالت بكم حياة سترون الثالثة[14].

وجاء: إنما ولي عمر بن عبد العزيز سنتين ونصفاً، والله ما مات عمر حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله، يتذكر من يضعه فيهم فلا يجده، فيرجع بماله، قد أغنى الله الناس في عهد عمر[15].

قد جلى الحديث حال الناس يوم كشف لعدي عن بعض ما سيكون، فقد اجتمع قطع الطريق وفقد الأمن مع الفاقة الشديدة. وأماط الحديث عن ثلاثة أمور خطيرة: الأمن والغنى والفتح، أمن يضرب ربوع الجزيرة، وغنى حتى لا يجد من يخرج زكاة ماله من يأخذ منه الزكاة، إلى جانب فتح لكنوز كسرى.

ويطل من ثنايا الحديث حديث النفس يحيك في صدر عدي وهو يسمع عن الأمن الموعود ليقول: فأين دعار طيئ؟ إذ كان هؤلاء يقطعون الطريق بقسوة، ويبرز-هنا- التناقض بين الواقع الملموس "قطع للطريق من عصابات ذات سطوة" والغد الموعود به المخبر عنه "المرأة لا الرجل تأتي من الفج العميق إلى البيت العتيق لا تخاف"!!!

كما تتلألأ جوهرة من ثنايا النص تضيء جانباً مما كان عليه كسرى من هيمنة وسيطرة وتخويف للآخرين، كما تبين حال العرب الذي كانوا يرهبون هذا الجانب ويرونه مستعصياً على التغيير، هذه الجوهرة ظهرت في قول عدي: "كسرى بن هرمز؟!!" بعدما سمع ذلك من فم الرسول صلى الله عليه وسلم، وكأني به يتهم سمعه لخطورة ما سمع "لتفتحن كنوز كسرى". ترى عن أي كسرى يتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ولما استفهم تأكد أن هذا الذي كان مرهوب الجانب لا يكون في المستقبل كذلك. ثم لا يغفل في تتمة الحديث عما تضمنته من تأكيد للمضامين التي أخبر عنها من لا ينطق عن الهوى؛ إذ رأى عدي (تلك الظعينة) على الصورة التي سمعها؛ تنطلق عبر المدى آمنة مطمئنة، وقد كان من جملة من حضر الفتح الذي صار واقعاً بعدما سمعه خبراً مستقبلياً، ولم يغفل عدي رضي الله عنه عن أن يؤكد لمن يخاطبهم أن الثالثة، وهي الغنى الموعود حاصلة يقيناً حصول أختيها!!!

ألا ما أعجب هذه السيرة المعطار بالمعاني والأسرار! وبقي علينا حادثة سراقة لاتصالها بما كنا قد قعدناه، وهو أن الأخبار المستقبلية لم يكن في الواقع الذي قيلت فيه ما يرشح لها، إن لم يكن فيه ما يعارضها كل المعارضة... وكل الأخبار المستقبلية التي قالها r، فظهرت مضامينها تأتي قاعدة انطلاق راسخة يبنى عليها صرح التصديق المطلق لكل ما أخبر به من أمور الدنيا وشؤون الآخرة، إذ صدقه ههنا لا محالة مؤكد لصدقه في أمور الغيب كلها، ما يتعلق منها بالله تعالى يحدثنا عنه، أو ما يتعلق بلقائه سبحانه هناك في الآخرة، وهذه هنا منشطات لخلايا التصديق بما ها هناك، فما قصة سراقة؟

لندع صاحب القصة يحدثنا فيقول: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله وأبي بكر دية كل واحد عن قتله أو أسره... ثم أقبل بعد ذلك رجل فقال: يا سراقة، إني قد رأيت آنفاً أسودة بالساحل أراها محمداً وأصحابه[16]، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلاناً وفلاناً انطلقوا بأعيننا؛ يريد سراقة أن يعمي على الخبر ليحظى وحده بالجائزة المرصدة من قريش. ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي، وهي من وراء أكمة فتحبسها علي، وأخذت رمحي، فخرجت به من ظهر البيت... ثم انطلق سراقة وراء الركب المهاجر. يقول سراقة: حتى إذا سمعت قراءة رسول الله وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت... وهكذا تكرر أمر فرسه، ووقع في نفسي -كما قال- حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله، فقلت له: إن قومك جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني[17] ولم يسألاني! إلا أن قالا: أخف عنا[18]. هذا، وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على سراقة لما اقترب فقال: اللهم اكفناه بما شئت، فساخت قوائم فرسه إلى بطنها في أرض صلد، يقول سراقة: فوثبت عنها، وقلت: يا محمد! قد علمت أن هذا عملك.

وعن الحسن[19] أن عمر رضي الله عنه أتي بسواري كسرى، فألبسهما سراقة بن مالك، فبلغتا منكبيه، فقال: الحمد لله! سوارا كسرى بن هرمز في يد سراقة بن مالك أعرابي من بني مدلج. وقد ورد عن طريق الحسن أيضاً[20] أن رسول الله قال لسراقة بن مالك: كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟ قال: فلما أتي عمر بهما دعا سراقة فألبسه، وقال: قل الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة الأعرابي. قال الشافعي: وإنما ألبسهما سراقة لأن النبي قال له ونظر إلى ذراعيه: كأني بك قد لبست سواري كسرى ومنطقته وتاجه[21]...

فيا عين النبوة ما أحدَّ بصرك، وما أصدق ما ترينه من الغيوب! هذا، وقد خاطب سراقة أبا جهل لما رجع من المطاردة إلى مكة فقال:

أبا حكم، والله لو كنت شاهداً

لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه

علمت ولم تشكك بأن محمداً

رسول ببرهان فمن ذا يقاومه؟!

إن خبر سراقة هذا جاء ضمن واقع لا يحمل فيه بذرة وقوعه في المستقبل، كما جاء لبن الجذعة التي بدأنا بها حديثنا، حيث لم يكن في ضرعها قطرة من لبن، ولا يتصور مع جفافه أن يأتي منه شيء!

صفحة 7

عود على بدء

بعد رحلتنا هذه نعيد ما سنقف قبالته وقفة ظمآن إلى مناهل العرفان، قال ابن كثير: "هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟" سؤال توجه به النبي عليه الصلاة والسلام إلى ابن مسعود، فقال: نعم.. يقول ابن مسعود: "فأتيتهما بها فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله الضرع، فحفل الضرع، وأتاه أبو بكر بصخرة منقعرة، فحلب فيها، ثم شرب هو وأبو بكر، ثم سقياني، ثم قال للضرع: اقلص، فقلص. فلما كان بعد أتيت رسول الله فقلت: علمني من هذا القول الطيب (يعني القرآن) فقال: "إنك غلام معلم" فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد[22].

لقد حرص الرسول أن تكون الشاة شاة لم ينز عليها الفحل، إذ لا يصدر لبن عن مثلها في العادة بعدما سطع نور الأمانة من ثنايا ابن مسعود، ومن المعلوم في عالم النساء أن المرأة إن لم تكن والدة بعد حملها لا يتأتى من ثديها لبن، وكأن لبن المرضع رزق ساقه الله للحمل حالما تنقطع عنه التغذية عبر الحبل السري، لتبدأ التغذية من حليب يخرج من بين فرث ودم سائغاً للرضيع، وكأن الرسول -هنا- يقول لابن مسعود: إن لم تسقنا من اللبن تحقيقاً لما قام فيك من صفة الأمانة فإن الله تعالى يسقينا من فضله، وخارج إطار الأسباب، ولكنه  أراد تحقيق عالم الأسباب أولاً، ولو انتفى التأثير الذاتي عنها، لذا طلب الجذعة، وهذه الشريعة الغراء جاءت تثبت عالم الحكمة، عالم الأسباب والمسببات، وتثبت التأثير لله تعالى وحده عبرها، لئلا تهمل هذه الأمة عالم الأسباب، ولئلا تسند إليها ضراً أو نفعاً دون الله تعالى، وإلا فالله تعالى قادر على أن يخلق اللبن من غير شاة، بل يخلقه إذا شاء من صخرة، وما ناقة صالح عليه السلام من هذا ببعيد، إنها طلاقة القدرة، وإنه عالم الحكمة المتمثل بما أقام الله من أسباب ومسببات، وتعطيلها تعطيل للحكمة، كما أن إسناد النفع والضر لها دون الله حجاب عن شهود قدرة الله تعالى فيها، وحل لعقدة التوحيد عظمة المؤمن، ثم لو كانت الجذعة قد نزا عليها الفحل لكانت -حسب عالم الأسباب - مظنة أن تعطي اللبن الذي امتنع ابن مسعود عن مثله...

صفحة 8

يلاحظ أولاً سرعة الإجابة ودون توان من خلال التعبير، إذ جاء بالواو والفاء، ولكل حرف موقعه ودلالته الدقيقة هنا، قال: "مسح الضرع ودعا، فحفل الضرع" عطف الدعاء على المسح، أي: كان يدعو مع المسح، والمسح هنا تقرير لتعاطي الأسباب دون تعطيلها، مع أن المشهد مشهد إعجاز وخرق للعادة، ثم لما أراد الكشف عن الثمرة، ثمرة المسح مع الدعاء جاء بالفاء التي تدل على العطف مع التعقيب والترتيب، أي إنه لم ينتظر بعد الدعاء زمناً ثم جاءت الاستجابة، بل حفل الضرع فوراً دون إبطاء، ولسان الحال يقول: أجابك الله خالق كل شيء، فاشرب من لبن لم يخلق عبر الأسباب العادية المعهودة إنما خلق بالأمر التكويني الذي لا يرد حيثما توجه {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *} [يس: 36/82] . ومثل المذكور العبارة التي أنهت المشهد الحافل بالعطاء من الضرع الحافل باللبن، إذ قال: "اقلص فقلص" أي: لم يتوان عن تلبية الأمر فرجع كما كان، فما أدق التعبير وما أعمقه!

إنه إذا كانت المعجزة في الإخبار عن الغيب راجعة إلى صفة العلم، فإن معجزة خلق اللبن هنا في ضرع ليس مهيأ عادة له راجعة إلى صفة القدرة، فالأولى ظهور ما أحاط الله به علماً واستأثر الله به، وهذه كاشفة عن انطواء الكون كله بقبضة قدرة الله تعالى، ووقوفنا أمام الأمر الذي توجه به الرسول صلى الله عليه وسلم للضرع: اقلص، واستجابته له فقلص، يرينا قضية التسخير التي هي سنة كونية مطواعة، قد تظهر في صورة أمر خارق، كما هنا، وقد تكون - وهو الأعم - عبر ما عرفنا من علاقة بين الأسباب والمسببات، فالنار والهواء والمعادن والأرض، كلها مسخرات لهذا الإنسان الذي محّض للعبادة بعد تأمين مسارات حياته، ومن ذلك قوله r لجبل أحد: "اثبت أُحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان"[23]. وذلك لما كان هو والصديق وعمر وعثمان رضي الله عنهم فوقه، فرجف طرباً بمن عليه، فقال له النبي ذلك، فكانت مجموعة من المعجزات الحسية والخبرية ضمنه، وقد قال سهل بن سعد: ناشد عثمان الناس يوماً فقال: أتعلمون أن النبي صعد أحداً وأبو بكر وعمر وأنا، فارتج أحد، وعليه النبي وأبو بكر وعمر وعثمان، فقال رسول الله: اثبت أحد... الحديث[24].

صفحة 9

مشهد هز ابن مسعود من الأعماق

هذا الذي رآه ابن مسعود من النبي عليه الصلاة والسلام هزه من أعماقه، إذ هو خارق ما رأى قبله مثله، وما سمع به، وقد شاء الله ألاَّ يكون الخارق غريباً عن بيئة ابن مسعود، ليكون آلف لنفسه، وأدعى إلى استجابته، وآنس له ليحسن الإقبال على من ظهر على يديه الخارق!! إن ما رآه من النبي أمسك بتلابيب نفسه، وهزه هزة استنبط من قاعها طاقات علمية رائعة، نهلت منها الأمة الإسلامية بعد ذلك على مر العصور، إذ تحول بهذه الهزة من راعي غنم لا طموح لديه سوى أن يشبع أغنامه التي يرعاها ولا يملكها، وليرضي ربها بذلك، إلى واحد من عمالقة رعاة الأمم الذين تربوا في أحضان النبوة، وتخرجوا فيها أساتذة تسنموا منابر التعليم والتربية والإنارة، وألقوا دروساً في سمع الزمان مازال يذكرها على مداه، دروساً في الفهم عن الله، وفي معرفة أسرار ما أنزل من وحي وبني من أحكام، وفي الإخلاص والصدق والأمانة والعدل، وغيرها الكثير مما تحتاج إليه البشرية في دنياها وأنشطتها البناءة.

إن بصمة الخارق العميقة لم تكن سوى البداية اللافتة إلى أهمية هذا الإنسان الذي اختاره الله تعالى وأيده، وإلى ضرورة الإقبال عليه يتعلم منه ما علمه الله، هي بصمة مثيرة للاهتمام، لكنها تستدعي أن تتجاوز إلى مرحلة البناء الجديد لهذه النفس التي عاشت في محيط جلدها المادي، وذلك يتطلب رغبة صادقة فيما لدى الرسول صلى الله عليه وسلم، وصدقاً في تحقيق تلك الرغبة.

مفتاح شخصية ابن مسعود الأمانة، والانبهار بعظمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد عرفته الأمة أميناً في خدمة الرسول، وفي طلب العلم منه، وفي تطبيقه، وفي نقله للآخرين على أنه دين ومسؤولية وأمانة، وفي محافظته على الرسالة التي أناطها الله برقاب الأمة رجالاً ونساء، كل بحسب ما أعطي من طاقات، تعلماً وتطبيقاً ودعوة، تصوراً وسلوكاً. وإذا كانت الأمانة في حق الرسل تعني العصمة، ذلك أنهم يبلغون منهج الله تعالى، ولسان حال كل رسول يصدح بـ {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ}، لذا لا يصدر عن أي رسول أي مخالفة لشرع الله، فهي في حق الأمة كلها بكل أبعادها ما خلا ما اختص به الأنبياء وحدهم من العصمة، أي: الأمانة بمعناها الخاص، ولكل مسلم؛ رجلاً كان أو امرأة، حظ وافر من معاني الأمانة، بل حظه من كل معانيها وفي كل ميادينها محقق ما خلا العصمة، إذ هي شأن الأنبياء.

أما أمانته في حسن التلقي والفهم والتمثل لما يتلقى، فمما يدل عليه ما قال حذيفة رضي الله عنه فيه لما سأله عبد الرحمن بن يزيد: أخبرنا برجل قريب السمت والهدي والدل من رسول الله حتى نلزمه، فقال: ما أعلم أحداً أقرب سمتاً ولا هدياً ولا دلاً من رسول الله حتى يواريه جدار بيته من ابن أم عبد! وفي رواية: من حين يخرج إلى أن يرجع، لا أدري ما يصنع في بيته، ولقد علم الكثيرون من أصحاب محمد عليه السلام أن عبد الله أقربهم عند الله وسيلة يوم القيامة[25].

صفحة 10

أما أمانته في حسن التلقي والفهم والتمثل لما يتلقى، فمما يدل عليه ما قال حذيفة رضي الله عنه فيه لما سأله عبد الرحمن بن يزيد: أخبرنا برجل قريب السمت والهدي والدل من رسول الله حتى نلزمه، فقال: ما أعلم أحداً أقرب سمتاً ولا هدياً ولا دلاً من رسول الله حتى يواريه جدار بيته من ابن أم عبد! وفي رواية: من حين يخرج إلى أن يرجع، لا أدري ما يصنع في بيته، ولقد علم الكثيرون من أصحاب محمد عليه السلام أن عبد الله أقربهم عند الله وسيلة يوم القيامة[25].

ومما عرف عنه من تعظيم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذكره عمرو بن ميمون حيث يقول: اختلفت إلى عبد الله بن مسعود سنة، فما سمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة، قال: قال رسول الله، فغشيه كرب حتى جعل العرق يتحدر منه، ثم قال: إن شاء الله، إما فوق ذلك أو دون ذلك أو قريباً من ذلك[26]. أفلا ترى ما نضح به إجلاله لحديث رسول الله من تحدر عرق الجبين، وقد حدّث مسروق، فقال: حدث ابن مسعود يوماً حديثاً، فقال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أرعد، وأرعدت ثيابه، ثم قال: أو نحو ذا أو شبه ذا". إلى هذا المدى بلغ إجلاله لرسول الله، وتوقيره إياه، ولعمر الحق ما هذا إلا شعاع من معرفته بالرسول صلى الله عليه وسلم، ووقوفه على عظمته في أقواله! وما قيد به قوله من تحديدات خشية أن ينسب كلمة ليس على يقين منها إلى رسول الله، فأين من بعض هذا الوضاعون أو المتساهلون في الرواية؟!!

ولا عجب في هذا من حيث البداية التي التقاه بها كما ذكرنا، ومن حيث تقريب الرسول له تقريباً قال فيه أبو موسى: ما كنا نعد عبد الله بن مسعود إلا من أهل بيت رسول الله، من كثرة ما نرى دخوله وخروجه، وقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله: "إذنك علي أن ترفع الحجاب، وأن تستمع سوادي حتى أنهاك"[27].

هذا، وقد عب من معين المصطفى ما رقي به إلى منزلة قال فيها أبو موسى الأشعري رضي الله عنه : "لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر فيكم" يعني: ابن مسعود، وقد أقبل عبد الله بن مسعود ذات يوم، وعمر جالس، فقال عمر رضي الله عنه : "كنيف ملئ علماً" يريد ابن مسعود.

وعن أبي الأحوص قال: شهدت أبا موسى وأبا مسعود يوم مات ابن مسعود، وأحدهما يقول لصاحبه: أتراك ترك مثله؟! قال: إن قلت ذاك، إن كان ليؤذن له إذا حجبنا، ويشهد إذا غبنا[28].