صفحة 1
مقدمة
(يرن الهاتف لدى أحمد إلى أن بح صوته دون أن يشفق عليه أحد· ثم يرن مرة أخرى، فإذا بأحمد يأتي جاريا وأنفاسه تتصارع مع زخات الشهيق والزفير)
- نعم، من معي ؟
- أنا الدكتور عاصم·
- أهلا دكتور أعتذر على التأخر في الرد·
- لا عليك يا أحمد فقط أردت الاطمئنان على مسيرتك في المشروع·
- لقد انتهيت من قراءة المخطوط وهو كتاب رائع جدا يا دكتور ثم راجعته وقمت بطباعته·
- وأين هو الآن ؟
- لقد بعثته منذ أسبوع إلى مطبعة الجامعة وسيخرج غدا من هناك·
- لقد أبليت بلاء حسنا يا أحمد لكن لم تخبرني بعنوان الكتاب·
- هذا من فرط تشجيعك اللامحدود، فأنا من يلزمه الشكر وستكون غدا النسخة المطبوعة مرفقة مع نسخة المخطوط· أما عن اسم الكتاب فأظن أن مرور الأيام والسنوات الطوال قد أفقد المخطوط عنوانه·
- أحسنت سنلتقي غدا·
- أشكرك دكتور على الاتصال لكني اسميته (بيعة الروح)·
(يغلق أحمد الهاتف ويرجع لإكمال عمله)
صفحة 2
1
بدأ الدكتور عاصم محاضراته المعتادة في الجامعة لطلاب الكبالوريوس من قسم التاريخ، وكان لا يخفى على أحد من طلبة الجامعة ما لهذا الرجل من سحر آسر في الإلقاء، ومن عمق وتضلع في الثقافة، خاصة في التاريخ والأدب، فكان بعض الطلبة من الأقسام الأخرى يأخذون إذنا منه للحضور والاستماع، وقد حضر أحمد طالب السنة الثالثة من القسم نفسه كعادته متأخرا بعض الدقائق، وهو بالإضافة لتميزه ولإلمامه بالأحداث التاريخية التي يتفاخر بها أمام أقرانه، إلا أنه مغرم بالأدب أكثر من التاريخ، وبأحداثه المعلبة والمتشابكة الأضلاع، لكن الرياح تجري على خلاف أماني السفن·
- اليوم يا شباب موضوعنا شائق جدا·· (يبدأ الدكتور عاصم محاضرته)·
- حديثك دائما شائق وممتع يا دكتور (إحدى الطالبات تتحدث بشيء من التملق والأنوثة المغرية لحاجة في نفسها)·
- (الدكتور مبتسما وهو ينظر إليها): ذكرتني بالدوري الأسباني حيث المتعة والتشويق· (يضحك الطلاب ويحمر وجه الطالبة خجلا)·
- اسمعوا يا أعزائي، اليوم سنتحدث عن إحدى العصور الذهبية التي مرت بها عمان، بعد أن تحدثنا عن عصر النباهنة وتوسعنا فيه بما لا يدع مجالا للنقصان، وقد أحرقنا الموضوع طرحا، أما حديث اليوم فهو عن عصر اليعاربة وفيه الكثير من الأحداث والوقائع المهمة التي يمكن للباحث أن يستفيد منها للحاضر، ويكفي أن نعلم أن الخليج بأكمله كان يرزح في القرن الحادي عشر للهجرة تحت نير الاحتلال البرتغالي·
- لكن دور العمانيين كان سلبيا، فقد ساهموا في التمدد البرتغالي عندما أرشدهم البحار العماني الشهير أحمد بن ماجد نحو الطرق البحرية (أحد الطلبة يداخل الدكتور)·
- كل ذلك إنما هو هراء وهرطقة استعمارية لتشويه سيرة أي واحد من الشعوب الشرقية يمتلك التميز والإبداع·
- (طالبة مقاطعة) وكأنك من أنصار المؤامرة يا دكتور عاصم·
- كلا، لست من أنصارها، لكنني أزعم بأن المؤامرة يمكن أن تتكرر في التاريخ، ولكن ليس التاريخ بأكمله مؤامرة كما يزعم البعض·· دعونا الآن في موضوع اليوم حتى لا نتشعب كثيرا في المواضيع الجانبية، لكن بالنسبة لما قاله زميلكم بأن أحمد بن ماجد كان خائنا فهذه قضية فيها الكثير من الأخذ والرد، فمن المؤرخين من أثبت ذلك، ومنهم من برر بعدم إدراكه لخطورة الأمر، ولعدم علمه بنية أولئك القوم، وكل ذلك نضعه للتاريخ الذي سيثبت أي الفريقين هو على صواب، ولسنا في محكمة لتحكم على حدث تاريخي لم نكن شهوده، أما في المقاومة والشجاعة التي أظهرها العمانيون ضد الغزاة فلا تخفى على أحد، ويكفي أن نقرأ النصوص في الكتب القديمة عن أحداث (الثعلب المقاتل)·
صفحة 3
- ومن يكون هذا يا دكتور ؟ (أحد الطلاب متسائلا)
- هذا موضوع لن أصرح به الآن فهو واضح من عنوانه، لكن فيه الكثير من المفاجآت والأحداث المهمة، ولأن التاريخ يختلط بالأدب، خاصة فيما يتعلق بهذه الشخصية، فإني أحيل البحث فيه لزميلكم أحمد المغرم بالأدب·
(أحمد كان كمن يستمع إلى أصوات عدة متداخلة المستوى نفسه، الصوتي لا يعيرها اهتماماً، فتفكيره يتقلب بين خربشات القلم المتثاقلة على دفتره، والتي اكتوت منها أصابعه حبرا أزرق، لكنه أفاق فجأة من غفوته عند سماع اسمه وتعليق الدكتور عاصم)·
انتهت المحاضرة وسرد الدكتور الأحداث التاريخية في العهد اليعربي لمدة ساعتين، مع بعض الإيجاز المخل بالأحداث، ويخرج الجميع من القاعة ما عدا أحمد، فقد ظل ينظر إلى الدكتور والمفاجأة مع التحدي يملآن وجهه، والتساؤلات المحيرة في إجابتها تملأ ذهنه : لماذا كلفني الدكتور بهذا البحث دون غيري ؟ وهل هو جاد أم يمازحني لأنتبه····· أخذت الأسئلة تمور في ذهنه بعدها قرر الاقتراب من الدكتور ليتبادل معه أطراف الحديث :
- (أخذ أحمد) إحم إحم··دكتور عاصم أظنك تمزح بشأن البحث·
- هذه من الأمور التي أقاتل في جديتها·
- لكن لماذا أنا بالذات ؟ (يبتسم الدكتور) ومن أين سآتي بمعلومات عن هذا الرجل·
- الثعلب المقاتل (يصوّب له العبارة)·
- نعم الثعلب المقاتل، بحسب ما ذكرت يا دكتور بأن البرتغاليين أسموه بذلك، ولكنك أخبرتنا يا دكتور أن العمانيين لم يعتنوا بكتابة سيرهم إلا لماما، بسبب بعض الميكانزمات التي نشأوا عليها وقناعتهم وتواضعهم وبساطتهم الشخصية···
- اسمع يا أحمد، إن أي طالب أو باحث لا قيمة لشهادته إذا لم يتعب في التقصي والتعمق والبحث الدؤوب والا سيكون وشهادته مستهلكين، أما لماذا اخترتك بالذات فهو اختيار ثقة ومودة، بالإضافة إلى احترافك وموهبتك المتوقدة في الأدب، أما شح المصادر الموثقة للتاريخ فتلك خطيئة ارتكبها العمانيون القدماء تجاه أنفسهم والأجيال من بعدهم، لكن ثق يا أحمد أن هذا الكتاب المخطوط، والذي كتبه الءديب الشهير الحارث بن مسعود موجود في مكان ما·
- لكن دكتور أين سأجد هذا الكتاب·
- أنت الآن في تحد إما النصر وإما الهزيمة، فلا بد من أن تعلي طموحك وقديما· قال ابن خلدون (متى توقفت العبقرية وتعطل الطموح وتقلصت التطلعات·· توارى النور والأمل وحكم الأموات الأحياء)·
- (يستجمع أحمد كبرياءه) تحد النصر يا دكتور·
- هذا ما أحسبك عليه·
(يهم الدكتور بالانصراف لكن أحمد يناديه)·
- دكتور عذرا هلا تعطيني نبذة مختصرة عن موضوع بحثي·
(ينظر الدكتور إلى ساعته ثم يجلس)·
- حسنا لك ذلك، إن قصة الثعلب المقاتل الذي بنفسي لا أعرف عن اسمه الحقيقي إلا الاسم الأول وهو عامر لكن ما أعرفه أن سيرته قد باح بها لأحد الكتاب المشهورين في زمانه وهو على فراش الموت، واسم هذا الكاتب الحارث بن مسعود، حيث لم يكتف بسرد ما قاله الثعلب فقط، لكنه سأل عن تفاصيل التفاصيل ممن عاصروه في تلك الفترة·
- هل رأيت أو قرأت هذا الكتاب يا دكتور·
- لقد أجبت عن هذا السؤال في المحاضرة ونفيت رؤيتي له، لكنه كان موجودا لفترة قريبة، وقد ذكر لي أحد العارفين من كبار السن أن الكتاب دفن ملفوفا بمادة عازلة خوفا عليه من دابة الأرض تحت أحد الأبنية في منطقة الباطنة لديكم، وهو كنز ثمين لا يقدر بثمن·
- وكأنك يا دكتور توحي إلي ضمنيا أن أبحث عن خارطة الكنز الموجودة في صدور كبار السن (يبتسم له الدكتور عاصم ثم ينصرف الاثنان كل إلى وجهته)·
صفحة 4
2
لقد لمعت فكرة البحث عن هذا الكنزر المدفون في عقل أحمد، وأصبح شيطان التحدي يحوم عليه، فأضحى مدركا أنه في تحد وكسر للعظم، بل أصبح مهموما بهذا الكنز المفقود كمن يبحث عن حبيبته في قارة بأكملها، وكلما أخبر زملاءه من الأقسام الأخرى يصبح عرضة للسخرية والملامة :
-كيف ستبحث عن إبرة في كومة قش ؟
- ما هذه الألغام التي زرعتها لنفسك ؟
لكنه يزداد إصرارا فوق إصراره أمام هذا الطوفان، بل أصبح سعيدا وفي غاية المرح؛ لأنه وجد شيئا يثيره ويستفزه، فأصبح التحدي قائما وبدأ عمله، لكنه وقع في حيرة وهم من أين سينطلق، لكن الفكرة انقدحت في ذهنه فأشعلت نارا من الأفكار· عندها بدأ بالتنفيذ والتقصي، وذلك بتصوير كل المباني الطينية القديمة على خط الباطنة، لكن العمل لم يكن بالسهل كما تصوره نظريا، فقد وجد ثلاثمائة وثلاثين مبنى طينيا قائما ومحتفظا بقوته، ووجد أربعمائة أخرى قد تهدمت وأصبحت مرتعا للغنم أو مأوى للكلاب المتشردة، بعدها بدأ بسؤال كبار السن عما سمعوه عن الرجل المقاتل أو الثعلب المقاتل أو عامر، فكان أكثرهم قد غزته الشيخوخة واقتاتت الكهولة منهم، فوجد معلومات متناقضة وأحيانا أقرب إلى المثيولوجيا أو الخيال العلمي منه إلى الواقع، فبعضهم وصفه بأنه كان ساحرا كبيرا، والآخر قال إنه من الملائكة من زمن هاروت وماروت···· لكن أحمد ما زال مقتنعا وراضيا بجهوده، وأن طرف الحكاية سيكون قريبا، وبعد خمسة وستين يوما وجد أنه تقابل مع ثمانة وتسعين رجلا مسنا، لكن دون جدوى· ومن الطرائف التي وجدها أن أحد المسنين ادعى أنه هو الثعلب المقاتل؛ لأن أنفه حاد كأوصاف عامر الذي تدور عنه القصة، أما أحدهم فقال إن الثعلب المقاتل كان يمتلك خاتم سليمان، الذي بواسطته سيطر على الجن فاستثمرهم في قتال البرتغاليين، وادعى أن هناك أدلة قاطعة وهي امتداد حياة أولئك الجن إلى اليوم، بحيث يمكن التحدث إليهم بواسطة الزار، فألح ذلك المسن على إقامة هذه الجلسة الزارية لخاطر أحمد، لكن عينه كانت تلمع في أخذ ريالاته، فوافق أحمد رغم عدم قناعته بهذه الأعمال؛ لأنه عقلاني التفكير لا يؤمن بهذه الأمور، فحضر الزار وبدأت الطبول تقرع والدفوف تنتفض، عندها بدأت الرؤوس تتلوى كالأفاعي والأجساد ترتطم ببعضها البعض، والأيادي تتقاذف الجمر، كأنه مشهد تراجيدي مؤثر، وما هي إلا لحظات حتى صرخ أحدهم أن من مساعدي المقاتل الثعلب هيش تريدوا هيش تريدوا ؟
- نادى المسن أحمد ليهتبل الفرصة لسؤال الجني المتحدث، فيظهران الارتباك والمفاجأة على أحمد؛ لأن الأجواء غير طبيعية وغير منطقية، والظلمة تلف المكان وتطوي ما حولها كمرود طوي في قطعة من القماش·
- أحمد : من أنت ؟
- المتحدث : أنا صديق عامر وخادمه·
- ما هي الأعمال التي قام بها عامر·
- قام بحفر الآبار وعلاج الناس والصلح بينهم·
(هنا أدرك أن الأمر برمته فبركة على شكل مسرحية، والقصد منه تلك النقود التي طلبها المسن، بعدها انسحب أحمد من تلك الليلة الحالكة الظلمة، والتي كانت استثناء بين لياليه)·
في اليوم التالي ذهب، بحسب الوصف، إلى علي القعيد ليتأكد من كتاب قديم يحتفظ به، واذا به يجد هيكلا عظميا يقال إنه إنسان، وبعد أن أخبره تردد الرجل وأخذ يحك رأسه، لكن أحمد وضع بعض الريالات في يده فانطلق محضرا الكتاب، فإذا به من بعيد كتاب قديم تعلوه الصفرة وعوامل الزمن· قلب أحمد أوراقه جذلا لكنه ما إن فتحه حتى أغلقه ساعته فعنوانه (شمس المعارف للبوني)، كتاب من ذوي الأوراق الصفراء، متخصص في الشعوذة والأعمال الرخيصة·
صفحة 5
3
بالرغم من أن في أعماق قلبه تخوفاً من أنه يجري خلف سراب، حاسبا أنه ماء، لكنه ظل يبحث دون كلل أو ملل، فالعطاش لا بد أن تشرب وترويه نهاية المطاف، ما دام البحث مستمرا، لكن في كل مرة يصطدم بصخرة كأداء كان آخرها تقدم بعض شيوخ القرى بشكاوى ضده، مدعين أنه يخرب ويحاول الاستيلاء على أراضي أجدادهم وبيوتهم القديمة، رغم أنه لم يترك أحدا إلا وأخذ الإذن والرضى منه، وأقنعه بهدفه السامي، إلا أن أحوال الناس متقلبة الأمزجة، وكل يقيس ثوبه بحسب رغبته، وكاد أن يتخلى عن مشروعه بسبب هذه المطبات، إلا أن تدخل الدكتور عاصم بواسطة شبكة معارفه الكبيرة حالت دون ذلك·
لقد مرت سنة بأكملها دون أن يجد جديد، وانتهى العام الأكاديمي وتفاجأ أحمد أن الدكتور منحه علامة كاملة في المادة، فكان لزاما منه أن يرد الجميل وأن لا يخيب ظنه، لكنه على فترات يصاب باليأس والقنوط، بل إن بعض أصحابه يتجنبونه لشدة شكواه من صعوبة المشروع الذي أصبح همه الدائم، والمتنقل معه حيثما حل، بل أصبح مزعجا لدرجة جنونية في طلب المساعدة منهم إلى حد السذاجة، في اليوم الثالث من عيد الفطر، وكعادة المجتمعات العربية والإسلامية عامة والعماني خاصة، تكون الزيارات والتواصل هي السمة البارزة للجميع، فأجواء العيد تكون ماثلة في كل بيت، وزينته الجميلة تتألق بوجوه الأطفال الباسمة، والضجيج الخلاق والعذب الذي ينطلق منهم ممتزجا بالعناد والصراخ، وكذلك اجتماع الشباب واندماجهم مع كبار السن يعطر الأجواء بالتراحم والمحبة، فكل ذلك له طقوس غير عادية في نفوس الناس، الذين ينتظرون هذه الأوقات بفارغ الصبر التي يتوقف عندها الزمن·
في المساء من ذلك اليوم أتى الجيران من كل حدب وصوب ليقضوا وقتهم وذكرياتهم لدى أبي أحمد، كما جرت العادة، مما يدق ناقوس الطوارئ في ذلك البيت لإعداد الأطباق المتنوعة، تتقدمها الحلوى العمانية المتألقة بمكسراتها اللذيذة· ازدحم المجلس بالجيران من الجيلين المسنين والشباب، واعتلت الضحكات وسيطر الكبار كعادة المجتمعات الشرقية على أحاديث السهرة، لكن الجميع كان مستمتعا، مما حدا بالشباب إلى تسليم زمام الأمور طواعية إلى كبار السن دون مواربة أو احتجاج، فجبال الذكريات الثلجية والكرات المتدحرجة منها لها وقع تفرض على الجميع الاحترام والإذعان، وكان من بين الحضور الأكبر سنا والأكثر مرحا موسى الملقب بموسى الشيخ، فهو من الطرافة واللباقة والجرأة التي قلما توجد بين أقرانه، وقد اشتهر بالشعر الشعبي الساخر الذي لم يسلم من قوافيه أحد حتى في هجاء نفسه، رغم أن ذلك الشعر فيه من الأخطاء وضعف القافية، ومما قاله في هزيمة 1967م :
قالوا نكسة قلت كذبة
ما ينتكس راس الغيور الا بقطعه
صفحة 6
خدرونا الربع بخطبه
ما درينا انهم بياعين كلمة
ولم تخلُ الجلسة من مواقف طريفة وحزينة مع بعض الخيال المذرور هنا وهناك، فكبار السن مبدعون في سرد الأحداث؛ لأن أسلوب الحكواتي لا يفارق أفواههم وتفكيرهم الذي يتسم بالبطء الشديد عند السرد، وكان من ضمن الجلساء المسن راشد بن عمر، الذي جاب البحر طولا وعرضا، حيث الوصول إلى أفريقيا والهند وسيلان، لكن تأثير الجن الخفي والسحر الجبار لا يفارقان أساطيره، وكان أحمد لا يفرط في الاستماع إلى كل ذلك، فهو ينظر إلى الأمر من زاوية التراث والأدب والاستماع، ومما شد انتباه أحمد قصة هذا الرجل عندما طلب من أحد السحرة أن يعلمه السحر، وكان وقتئذ مستقراً بصفة مؤقتة في البحرين لبعض الأمور التجارية، وكان شظف العيش يضرب أطنابه في كل مكان، وقد تعرف على صديق يتعاطى السحر، فألح عليه أن يعلمه السحر، وبعد أن اقتنع الرجل اشترط من راشد عدم الحديث والتزام الصمت (أحمد ينصت بكل تركيز، فهو معجب بالسرد الأدبي الفطري الجذاب لدى هذا المسن)·
- طار بي جوا فرأيت عمان، ورأيت قريتي، لكن أكبر موقف مخيف أنه ذهب بي إلى مكان ناء فوضعني على شجرة كبيرة، فاشترط علي النظر فقط، وبعد ساعة إذا ببشر هيئتهم مرعبة يقودون أغناما ومعزا، لكن رؤوسها رأس إنسان، وبعد أن رأيت ذلك المشهد عاهدت ربي بأن لا أفكر بتعلم السحر·
(كان الجميع مندهشا من القصة التي أصبحت حقيقة لا مراء فيها في نظر الأكثرية، بسبب جمالية السرد لدى ذلك المسن، ثم توالت الأقاصيص من هنا وهناك، وكلها حول الموضوع نفسه، مما بث الرعب والمتعة لدى الحضور من الشبان والصغار، لكن صوت موسى الشيخ هز جنبات المكان بالحشرجة المميزة له، والكحة الجافة المحملة بنبرات صوته المندمجة بسعاله، ليغير دفة الموضوع تماما، مستئذنا منهم أن يسمعهم شيئا من قصيدته الجديدة، وكان أحمد مازال شارد الذهن، مفكرا بقصة عامر الملقب بالثعلب، وكيف أنه صارح الدكتور بصعوبة الأمر، وأظهر الآخر تفهمه لذلك، ثم أخذ يفكر بزملائه في القسم، حيث إنهم قد بدأوا مشاريعهم وهو لم يتقدم في مشروعه قيد أنملة، بالرغم من ذلك فقد أعطاه الدكتور الدرجة بأكملها، ثم تذكر طلبه للدكتور أن يمهله أسبوعا أخيرا ربما يصل إلى خيط ما، لكنه ظل يلوم نفسه (ماذا سأفعل في أسبوع واحد وهو قد استهلك أكثر من شهرين)، ظل عاجزا تماما لا يلوي على شيء، فقد جاب منطقة الباطنة، سهولها ووهادها وجبالها، والتقى بجمع غفير من الناس، وكان آخرهم شيخا وقورا يدعى علي بن هلال، شجعه على بحثه، وذكر له بعض القصص لبعض العلماء والباحثين، الذين بذلوا جهودا جبارة في البحث والحصول على العلم، ثم أرشده إلى برج طيني عتيق لم يفتح منذ نصف قرن ونيف وأخبره أن فيه مجموعة من الكتب المخطوطة المهملة فقرر أحمد الذهاب من ساعتها، بعد أن مهد له ذلك الشيخ الطريق للبرج، فتفاجأ أن البرج على قمة جبل في الرستاق، لكن الأمر لم يثنه أبدا، وبدأ وصديقه سالم بالبحث، وبعد فتح الباب العصي، وبعد عناء وانكسار إطار الباب دون انفتاح مغاليقه الثلاثة، وجدوا صندوقا كبيرا قد حكمت عليه دابة الأرض (الرمة) بأكل جوانبه، وما إن حمله الاثنان حتى سقطت قاعدته عند ردهة الباب، فإذا بمجموعة كبيرة من الكتب أوراقها متوسطة الحجم، لكن دابة الأرض قد أكلت منها وشربت، فأخذوها على علاتها، وعندما هم أحمد بفحصها والسعادة بادية على محياه، تفاجأ أن تلك الكتب ما هي إلا في الفقه، كبيان الشرع للكندي، ديوان أبي مسلم البهلاني، وتحفة الأعيان، وبعض الكتب التي لم يتوضح عنوانها لتلفها الشديد، إلا أن محتواها ظاهر دون جهد، عندها أصيب أحمد بحزن شديد لعدم وجود ما يبحث عنه وتضييع ذاكرة الأمة، وتسليمها لتلك الدويبة الصغيرة التي لا حكم في ميزانها إلا الإعدام لكل ما تصل إليه أفواهها·