صفحة 1
تمهيد:
ليس هذا التمهيد مُجرّد مُقدِّمَة لولوج النصّ، بل جزء عُضويّ منه وفيه، فهو عُنصر حيويّ ومُؤسِّس من مَضمونه وشكله، من معناه ومَبناه.. فَما يَخْتَلِجُ في هذا التمهيد ليس بمعزلٍ عَمَّا يَعْتَمِلُ في مَضمون هذه الوَصَايا والتأَمّلات وفي مُحتواها، في حركتها وَوِجْهَتها، وبِلُغَةٍ غير مُرَكَّبَة وإِنْ بَدَتْ الفكرة كذلك..
كُتِبَتْ هذه «المادة» تدريجيًا، وبتصاعُدٍ لَوْلَبيّ، ونُشِرَ بعضُها تِباعًا، بين السنوات 2009 و 2013، وتصدر اليوم بين دَفَّتيّ هذا الكتاب.. والكتاب هذا هو الأول، وقد يغدو الأخير، أي الكِتاب الوحيد الذي أُنْتِجه.. لأنني لم ولا أسعى لكتابةِ بَحْـثٍ أو دِراسة أو استعراض أو تَأويلٍ أو ترجمةٍ، في أيّ من مواضيع اهتماماتي، لا في الفكر ولا الآداب والفُنون ولا في الإعلام والسِّياسة.. ولَمْ أكتُب تحت وَطْأَة الآنوِيّ واليوميّ مهما بَدا «تاريخيًا»، وإنْ وُجِدَ شيء من هذا، عبر مجموعة مَقالات مُتعدِّدة المواضيع نُشِرَ مُعظمُها، لكنها كانت بمَنْأَى عن الذّهنية الآنوِيَّة.. كما لم أَكتُب «تحت الطلَب»، فقد آثَرْتُ استثمار وقتي وجُهدي فيما هو لا يَقِل أهمية، باعتقادي، أي في ممارسة الحياة حَدّ الثَّمالَة..
وإنني إذْ أكتُب لا لأَتجنَّب موتي، إنما لتحديد ملامحه وتقاسيمه كيفما أَشاء.. فأنا لم اُولَد ولا أحيا لأكتُب، بل أَكتُب لأَزداد حياةً وحيويَّة..
وقد أَكون هنا أقرب الى النَّحات الفنان أَو الى الموسيقار منه الى الكاتِب، لأنني لا أَعرف حُدودًا للكَمال والاكتمال، ولا نهاية عندي للجَمال، ودائم الحَفْر والنّحت والتَّنقيب عَمّا هو أعمق وأرقى، أجمل وأَفضل..
وَبَعْد،
لم تَعُد الكلمات تحتمِل كلّ المعاني، وما عادتْ التعابير قادِرة على تحمُّل الفكرة، بعد أنْ ضاقَتْ جُدرانُها واضمَحلَّتْ مساحات الحياة فيها..
فعندما تسقط المَنظومات الفكرية والأدبية، أو تَضيق، وتتحوَّل كَثافةُ النُّصُوصِ الى تَحايُل الكلمات على المعنى، وتضْمَحِلّ المَناهج وتُفْسِد النَّمَطِيَّة والنَّسَقية غائِيّات الحياة والعقل.. وعندما تَتَشَظَّى الأشياءُ والكائنات والمَفاهيم، تَغْدو المَعاني أفكارًا ورسائلَ قَصيرة وعميقة، صاروخية ومُباشِرَة.. إِنها الكِتابة المقطعيّة غير المَبْتورَة، في اختزال المعنى، وهي بالتالي شكلٌ مِن أَشكال الكِتابة الاحتجاجية، لكنها أَبعد من مُجرّد الاحتجاج، إلى جانب كل شيء آخر..
صفحة 2
وليست هذه الأفكار المِعْوَلية «خواطِر» لَحْـظِية مَبْتورَة، أو نصوص مُجْتَزَأَة، إنما هي رُؤى تزدَحِمُ فيها وخلالها الدَّلالات والإشارات، دون أن تختَزِل المعاني، مُتحرِّرَةً من الفهم العقائدي للوجود والحَياة، في المعنى والمبنى.. فحين تأخُذ الأشياء ملامِحَ وجودِها الطبيعيّ ومعناها الحقيقيّ، تسقُط الأفكار الموروثة، وتتبعْثَر المنظومات المنهجية، فتأْتي هذه الشَّذَرَات مُتْرَعَةً بالأسْهُمِ المُوَجَّهَة لتشكِّل دعوة لمزيدٍ من الحياة وقليلٍ من الحَياء والأحياء.. إِنها شَظايا رَصاصات غير طائِشة، تُدْرِك مَراميها تَمامًا، وتواصِل محاولة قتل الموت الذي فينا ومن حولِنا، دونما تردُّد أو توقُّف، ما دامت رائحة الموت تَنْبَعِثُ من سراديبِ حياتنا.. إِنها كِتابة انبِثاقية غير مُقَوْلَبَة، تهدِف إلى تحريك السّاكِن وتحاوِل إِنقاذ الحياة من براثِن الموت.. إِنها باقة قنابل عُنقودية انْشِطارية، في صورة أَفكار، فكلّ فكرة تَتَواصَل مع الأخرى، تكتمِلُ بها وتُكَمِّلها وتتكامَل معها..
وهذه الدَّفَقَات من التأمُّلات الاغترابية لا تَدَّعي المُطْلَقَات، ولا احتكار الحقيقة، لا تَدَّعي الكَمال أو اليَقين، ولا تَسير في مَنهجية صَنَمِيّة، رغم ما تَخْــتَزِنه من نَسَقيَّة في إيقاعها الفكريّ الداخليّ، لكنها لا تتأتّى مِنَ العَدَم ولا تتجه نحو الفراغ، ولا تقف عند حُدود «المفهوم ضِمْنًا». .
ولا تعرف هذه التأمُّلات وطَنًا ولا جغرافيا أو مَكانًا، وتقف خارج تُخوم الزَّمان وتُحاوِل تجاوُز التاريخ، ولا تَتَناوَل قضية أو مَوضوعًا بعيـنِهِ، بل تُحاوِل التسلُّل إلى كل شيء.. لا تسعى لِدَغْدَغة عواطِف القارِئ ولا إرضائِه، وتبحثُ عن عُقولٍ وإرادات حَيّة، وعن أحرارٍ يُساهِمون في تحطيم الأصْنام، وفي حرقِ المَعابِد.. إنها مُحاوَلة ذاتية غير مُتواضِعة، للخروج من التّيه والحيرَة والقَلَق، ومواجَهَة الأرَق، تسعى لأِنْ تَجِد المعنى في اللامعنى او نقيضِهِ، أو في غِيابه وخارج حُدود وُجودِه..
وإضافةً إلى أنّ هذه الشَّذَرات هي مُبادِرَة ومُبادَرَة، فهي أيضًا تُشَكِّل رَدًّا على منهجية الاجتِزاء والانتقاء العقلي والفكري، وعلى كَثافة الرِّياء والالتفاف على الحقائق والمعاني، كما يجري فينا وبيننا ومن حَوْلِنا.. أي، ثَمَّةَ مَهَمَّة إِضافية لهذه الكِتابة، تتجلّى في نزع الأقنِعَة عَمَّا يجري من تشويهٍ في وجه ثَقَافَة الحياة وعقلها وطبيعتها، ومحاوَلَة لإعادة تَمَدُّد الجَمال بعد اضْمِحْلالِهِ..
صفحة 3
إِنها محاولة ارتحال بين الخُلاصات، وإِطلاق سَراح الفكرِ والجَمَال والحُرِّيات.. وقد تبدو هذه المادة، للوهلة الأولى، مُتجاوِزَة للواقع ومُفْرِطَة في الهَذَيان، هَرْطَقة أو جُنونًا، مُقلِّدَةً أو مُتأَثِّرَةً، ما أَعتبرُه إتِّهامًا «طبيعيًا».. !!
فهذا الإنتاج ينْبَلِجُ من خارج البيئة الاجتماعية والثقافية والفكرية القريبة والمُحيطة والسَّائِدَة، ورَدًّا عليها، لكن بالتأكيد من داخل إِطارها المَكاني والزَّماني، من داخل وطنها وبيئتها، ما يزيدها غُربةً واغترابا..
والإِمساك بتلابيب معاني هذه النصوص إدْراكِيًا، من حيث مرجعيَّاتها غير المُحدَّدَة وغير المحدودَة، ومن حيث مَراميها، إِنما يتطلب الإِحاطة بالكثيرِ من فَهم الدَّلالات المعرفية والثقافية لتكوُّنِها وانْبِثاقها، بما يتجاوز مُجَرَّد الاِندهاش أو الانْبِهار، التجنّي أو الاتهام، الرفض أو النُّفور.. ففي هذه المادة تَتَأنَّق الفكرة كبطل النَّص، بِما هو أبعد من حدود اللغة الحاضِنَة.. ففيها ما هو جديد وما هو مُتجدِّد، ما هو حديث وما هو مُسْتَحْدَث، وما هو قابِل للتلقيح والاستحداث، وأهم ما فيها هو مُحاولة النُّمو والارتقاء كَضَالَّةٍ مَنْشودَة وبوصَلَةٍ مُوَجِّهَة..
ولَمْ تَمُرّ هذه الأفكار بعملية «تنسيق» ولم يَجْـرِ عليها أيّ «تَنْميق»، قبل وخلال تدوينِها، إلاَّ في المبنى اللّغويّ والفَنيّ لبعضِها، فقد انبثقتْ طبيعية وتَلقائية، وانطَلقتْ على سَجِيَّتِها، دون أن تكون ارتجاليّة أو عَشوائية، لتُشكِّل كُلٌّ منها مَسْكَنًا خاصًا، ولتُؤلِّف في تَتَابُعِها وتَناسُقِها كُلاًّ مُتماسِكًا.. وهي تخلو كلِّيًا من التِّكرار والاجترار، وإنْ بدا غير ذلك، في القراءة الأولى.. كما أنّ تَبْويبَ هذه الأفكار وِفقًا للمواضيع وعَنْوَنَة الفُصول لم تكن بالشَّأْنِ اليَسيرِ، لتداخُلِها وتتابُعِها وتَكامُلِها..
تتحرّك هذه الأفكار بين العقل والجُنون، بين المَأساة والمَلْهاة، بين الوجود والعَدَم، بين الهدم والبناء، لكنها بعيدة عن التَّرَفِ .. وهي مُتَمَرِّدَة ولا تلتزم بمرجعية ومنهجية، لكنها مُنسَجِمَة ومُتناغِمَة مع ذاتها في الجوهر والاتجاه، وفيما تَرْمي إليه من مَقاصِد المعنى، وإن بَدا غير ذلك في المبنى..
صفحة 4
ولا تَدَّعي هذه الكِتابة أنها خارج مَساحات التأثّر والتأثير، بمنأى عن التقليد والتَّبعية، في الشكل والمَضمون، فهي لا تخلو مِنْ تلاقُحٍ فكريّ، من تفاعُلٍ وحِوارٍ ونقد وتجاوُزٍ واستعارَةٍ ومَجازٍ وتَناصّ.. كَمَا لا تَقِف هذه المادَّة عند حُدود التأمُّلات والمُناقَشات والطروحات الفلسفية، وهي تَتَعَدَّى مُجرَّد عملية إسْدَاء النَّصائِح وتوجيه الوَصايا مِنْ عَلٍ.. كما لا تَدَّعي أفكارُ هذه التأمُّلات أنَّ كُلاًّ منها يُساوي أو يتجاوَز كِتابًا أو أكثر، من حيث الماهيَّة، لكنها لا تنفي ذلك، وهي لا تسعى لأِنْ تَكون شَمال البوصَلَة ويقين اتجاهاتها، ففي أحْشاءِ هذه النُّصوص ثَمَّة قُوَّة تدمير لِذاتها، أو تجاوُزِها..
أمّا بعد،
تَساءَلتُ مرةً: لِمَ لا أفعل ما يفعله الآخرون، فأعيش في تناسُقٍ مع بيئتي ومجتمعي وعصري وأتقبَّل، في صمتٍ، «عدم التناسُق»، مُتجاهِلاً إِيّاه باعتباره خَطأ صغيرًا في الحِساب الهائل؟!
فسُرعان ما أصابني الصُّداع، وعدتُ الى رُشدي، مُتناسِقًا مع ذاتي، مُتناغِمًا مع عقلي، مُبْحِرًا في قلقي، مُنْسَجِمًا بتأمُّلاتي..فقد قررتُ ارتشاف الحياة، واخترتُ مساراتها الطبيعية والحقيقية، حتى آخر قطرة موت..
ولا أدّعي هنا التميُّز، ولا أصطنعه، بل لا أُحاوِل ذلك ولا أسعى إليه، إنما أدَّعي مُمَارَسة الحياة التي تستحقها أرض الحياة، لكونها ارض البدايات والنهايات.. وما أكتبُه لكم هو ما أقوله لي، مُمْتَطِيًا صَهْوَة نَصّي، مُبْحِرًا في سَفينةٍ ليست كباقي السفن، فسفينتي لا تبحث عن شَواطِئ الأمان ولا تطمَح لاستقرار الإنسان، لا شَغَف الأُصول ولا فَرح الوصول.. فأنا بحرٌ بِلا شواطِئ حينًا، وشاطِئ بلا مَوانِئ أحيانًا، وقد أمْتَطي العَدَم في سبيل مُلامَسَة المعنى، فليس العدم سوى آخر المعاني وبدايات الغُروب..
وتَسَاءَلتُ مِرارًا: لماذا أكتُب ولِمَنْ، سيّما أن الإِرث الإنساني كله آيل للأُفول؟! وهل أكتُب لمجرد البقاء بَحْثًا عن خلودٍ محتمَل؟! وماذا تعنيني العَظَمَة وما حاجتها، وهل هي ضَرورَة حياتية ؟! أمْ أنني أكتب لقراءَة ذاتي ونقدها؟! فسرعان ما انتصبَتْ أفكاري، مُتَلَمِّسًا سبيل الإِجابات بحواسٍ سَبْع..!!
صفحة 5
لقد كُتِبَتْ هذا الشَّذَرات بِمَدَاد القلق والتشاؤُم العقلي، بَحْثًا عن بَقايا تفاؤُل، لا بروح الجِدال والمُماحَكة، وبرغبةٍ جامِحَة للدَّلالةِ على طريق نحو مُستقبلٍ ما زال مُمْكِنًا، وللإِشارة الى وِجْهَة حياة تتجاوز مُجَرَّد البقاء على قَيْدِها.. فهذه الرسائل، بِما تكْتَنزه، تُمَثِّل قَطيعة وتَواصُلاً في آنٍ واحِد، استئصالاً وتأصيلاً جديدَيْن، وهي نِداء وحافِز لكل مَنْ يحب الحياة ويرغب باستِزادَة نوعية وبمستقبل مختلِف، يكون فيه القول الفَصل لقدَح الفكر المُلْتَزِم بالحياة، لا لكبح الفكر الباحِث عن دُروبٍ للنّجاة..
وعليه، فإنّ هذه «المادَّة» لا تحترِم التواضُع، ولا تَصْبو الى الاستعلاء، لكنها ترنو نحو العَلياء، عبر أخاديدٍ فكرية مَسْبوكَة لا تقبل اليَقين ولا يتوارى في سراديبِها المُطْلَق، لا تحترِم الأصنام ولا هي من طبائع العَبيد..
إن الفارق بين الكلام والثرثرة كالفارِقِ بين المعنى والعَدَم، فيمكِن ان تقولَ كلامَك دون الوقوع في مَتاهات ما لا يلزَم، من تفاصيلٍ وتَكرارٍ ولَغْو.. والإيجاز لا يعني الإخْتِزال.. من هنا تأتي هذه التأمُّلات موجَزة الى أقْصى الحُدود، إنطلاقًا من: كلما اتَّسَعتْ الفكرة ضاقَتْ العِبارَة، وفي الإيجاز بلاغَة، والإيجاز روح الصَّواب.. وهي ترمي أيضًا الى تحرير الأفكار واللغة من أغلال الموروث والمَحْظور والمقدَّس والترهُّل، وإعادَة إحْياء وتطوير ما غابَ من معانٍ، باتَتْ، لدى الإنسان المُعاصِر وفي دَياجير الرّاهِن، أقرب الى الهَذَيان، بينما تتسَرَّب الى حَياتِهِ كل قِيَم الموت والفَناء والغيبوبَة، اللاهوتيَّة حينًا و»العِلمية» أحيانًا، وتأتيه بِصُوَرٍ عِدَّة وعلى حين غَرَّة..
وهذه الرسائل الصاروخيّة، باعتبارِها تأمُّلات ما بعد وجودية، وليست ماوَرائيَّة أو طوباوية، إنما تُحاوِل تجاوُز الأسئلة والتساؤُلات الوجودية، بعد أن وَضَعَتْ أوزارَها، في طريق بحثها عن ماهِيَّة الوجود والموجود، وفي محورها، وتَأسيسًا لها، ماهيَّة الوجود الإنسانيّ الحَيّ..
وعليه، لا تقِف الرسائلُ هذه عند حدود مُستوى الموجود، إنما تُحدِّق نحو مَكنونِهِ.. فحين تُشَكِّل الموجودات تجلِّيات الوجود، يغدو الأمر مُرَكّبًا بطبيعة تكوينه، لا بوسائل ولغة تفكيكهِ، ولا بِفَضَاءات تجاوزه، فحَسْب..
صفحة 6
فهذه النُّصوص تحْمِل أكبر مما يبدو، وتحتمِل أكثر مما هو ممكِن، وترنو الى أبعد مما يُرى، وتصبو الى تجاوُز ما يبدو مُستحيلاً.. ورُبَّما تكون هي بدايات للفلسفة الدُنْيَوِيَّة اللاميتافيزيقيَّة، أو مُكَمِّلَة لها، تلك الفلسفة اللادوغمائية والتي تتحرَّك بين العالَم الظاهِر والعالَم الواقِع، بين تَجلِّي الحياة وحقيقتها، وهي فلسفة ما زالت عَذْراء، لكنها غير مُحَصَّنة من الاختراق.. وهي أيضًا تحاوِل أن تَتَجَسَّد كفلسفة « ما بعد الخيرِ والشرِّ».. !؟
إنها وَصَايا الحياة الأَرضية في مواجَهَة وصايا الموت السماوية، وهي لا تحتاج ولا تَحْتَمِل، بل لا تريد، أن تُلْصَق أو تُنْطَق بلسان نبيٍّ أو راهِبٍ أو ناسِكٍ أو حكيم، لا من شرق الغرب ولا مِن غرب الشرق.. لكنها وَصايا لا تتناوَل التفاصيل ولا تتعامَل مع الحَيْثيّات، إنها مبادئ وقِيَم، إنها مسارات تفكير ومسيرة حياة، تَحْمِلُ في ثناياها دعوةً جامِحَةً لتغييرٍ جَذْرِيٍّ بُنْيَوِيٍّ شامل..
فمسألة العِلاقة بين الإنسان والحياة في الوجود، كمسألة العلاقة بين الصحيح والجيّد في الأخلاق، ما زالت حادَّة وحالِكَة وإشكاليّة، مِنْ حيث من يقف بالمركِز، الإنسان أم الحياة؟! الصحيح أم الجيّد؟! تعاليم الارض والحياة أم تعاليم السَّماء والموت؟! وفي غِمار هذه التساؤُلات المِطْرَقيّة يَتَسَرَّب التّيه والقلق الى مختلف معالِم حياتنا، ويغزونا الشَّك في مسيرة البحث عن يقين، فنرتاح حيناً في ظِلِّ المنفى، وأحيانًا في لهيب الاغتراب الإراديّ.. فَذات المنفيّ مُتحرِّرَة، وشخصية المُغْتَرِب مُتجاوِزَة لتضاريس الواقع وطُقوس المجتمع وحدود المستحيل..
وعلى الإنسان أن يكون قانِعًا وصادِقًا بأفكارِهِ حَدّ القَسْوَة.. وقد تكون هذه الافكار، أو بعضها، طَموحَة حَدّ العُزلَة، لانها تُكْتَب وتحيا لأجلِ قِلَّةٍ من الناس، هم في كلِّ مكان وغير موجودين في مكانٍ بعينه، وهم في كلِّ زَمانٍ وليس في زَمانٍ مُحَدَّد..
وقد تَتَماهى الافكارُ هذه، تتقاطَع وتَتَواصَل في بعض الجوانب، مع عَدَدٍ مِمَّن مَضَوْا، لكنها تُحَاكي بالتأكيد مَنْ لَمْ يولَدوا بَعْد.. وقد تُولَد من جديدٍ في الغَدّ، أو بعد الغد أو بَعْدَ بعده.. وهذا الكتابُ يَحْتَمِل، وفقَ مضامينه، أكثر من تسميةٍ وعُنوان، منها: رسائل مَفتوحة من المستقبل والماضي الى أبناء الحاضِر، أو رسائل مفتوحة الى الأحياء، أو وَصايا غير لاهوتيَّة لأبناء الحياة، أو الإنجيل السَّابِع، أو هكذا تتكلَّم الحياة، أو هكذا يتكلم الإنسان ابن الحياة، أو الإنسان في مواجهة بشريّته.. لكنهُ يبقى في ماهيّته: بيانُ الفردوسِ المُحتَمَل أو المُمكن..!!
صفحة 7
فهذه الوصايا تُوَجَّه أساسًا لِمَن يَحْتفي بالحياة، لا لِمَنْ يحتفل بها وفيها، وقَطْعًا ليس لمن اختارَ نقيضَها.. فمنذ ما قبل إعلان «موت الله» مات «الانبياء» والرُّسُل، فَما عاد «المُرْسِلُ» يُرْسِل رُسُلاً، وقد توقَّفَتْ عملية «إنقاذ البشرية»، أو محاولة خَلاصها «السَّماوية»، مُنذ قرون، ولم يَعُد مِنْ مُرْسِلٍ ورسولٍ ومُنقذٍ للإنسانية، سوى الإنسان ذاته..!؟
وتأتي هذه الكِتابة لتبدو نَوْعاً من «إعلان النُّبوَّة»، لكنها نُبوّة من نوع آخر، من نوع مُختلِف حتى النقيض.. فهي تنطِلق من الأرض، «هذه المرَّة»، وليس فيها مُرْسِلٌ وأنا لستُ برسول، رغم أنها تحمل الرِّسالة.. رسالة تخلو من تَبْشيرٍ ومواعِظ ومُعْجِزات، لكنها تزدَحِم بالإشارات والدَّلالات نحو البَدائِل والاتجاهات.. رسالة ترفُض دعوات الطاعة والسَّكينة والموت، وتدعو للتمرُّد والثورة والحياة.. رسالة الخَلاص الحقيقي، الفردي والجماعي.. رسالة تَقْضي في جوهرها الى الاعتماد على الإنسان، الحقيقي والطبيعي، وتهدِف الى إنقاذه من جهله ومن ضعفه، من تَسْطيحِهِ وتَدْجينِهِ، من محدوديَّتِهِ ومن ذاتِهِ، تهدِف الى إنقاذ الإنسان الإنسان من بشريَّتِهِ..
إنها آيات غير مُقَدَّسَة، وليست «مُنَزَّلَة» بل مُرفَّعَة عن التنزيل، تنطلق من الارض، وتصلُح لأبناء الحياة في كلِّ مَكانٍ وزَمان.. وهي لا تَدّعي أنها دين بديل ومختلِف، إنها أبعد من ذلك وأرْفَع.. وهي تعتمِد على أقانيمٍ مِحْوَريّة ثلاثة: الحياة، الإنسان، الإقْتِدار، وتخلو من الطّقوسِ والشَّعَائِر..
إنها آيات إنسانية، لا رَبّانية وغير شَيْطانية.. وهي مُوَجَّهَة الى أولئك الذين يُؤمِنون بأن حياة الإنسان لم توجَد لكي يقبَل وينتقِد فحسب، إنما لكي يبدأ ويخلِق كالربّ، ففي كُلٍّ مِنّا قُدْرَة «الآلِهَة»، لكن أكثر الناس لا يعلمون، وإن علموا فإنهم لا يعملون..
وقبل هذا وبعده،
إنّ الصَّدَأْ، كحالةِ تَأَكْسُد، لا يصيب المادة فحسب، بل الكلام والكِتابة والأفكار، ومن ثَمّ العمل أيضاً..سيّما عندما نكتب أكثر مما نقرأ، ونقول أكثر مما نفهم ونُفكر، ونَدّعي أكثر مما نستطيع، فيحضر الصّمت مُحَمَّلاً بعواصِف السُّكون وهموم المَكنون..
صفحة 8
نعم للصَّمْتِ صَدى، وما هذه الرسائل سِوى صدى الصمت في مواجَهَة صَدَأْ الكلام..
إنها عُصارَة عقلٍ تَخَلّى عن ديباجَتِهِ وآثَرَ العَراء، عُصارةٌ تُحاوِل التَّسلُّل، اختِراقاً، الى معظم مفاصِلِ حياتِنا وفُصول وجودِنا، دونَما استئذان، بالرغم من كَثْرَة الهراء.. وهي أيضًا عُصارة تجربة حياة، ما انفكَّتْ تواصِل هديرها رغم أنف الموت.. وعدم القدرة على تفكيكِ رُموز هذه الوَصايا، ورُؤية خلفياتها واستيعاب وِجهتها، ولا استشعار نسبة المُتفجِّرات الى تضمرها حينا وتُعلنها أحيانًا، لا يعني أبَدًا انتهاء فترة صلاحيّتها أو نَفاد حاجتها، بل ازدياد التأْكيد على ضَرورتِها، ومَدى الحاجة للاكْتِواءِ بلهيبِها، بَحثًا عن احتمالٍ آخر مُختلف للحياة وفيها.. ما يتطلب أنْ تُقرَأْ قراءَةً ما فوق عقلية ومعرفية ونفسية وفكرية، إن لم يكن هُنا فهناك، وإنْ لم يكن الآن فَغَدًا.. وبهذا المعنى، إنما هي مُحاوَلة جديدة ومُتجَدِّدَة لِشَدِّ الرِّحال خارج زَنازين العقيدة، وخارج سُجون القَبيلة، وهي بالتالي وَصايا خارج النَّص، بعدما غَدَتْ الحقيقة مَجازًا وبات المجازُ واقِعًا..
فما عادت تعنيني انطِباعات الآخرين، بقدر ما باتت تُؤرِّقُني قَنَاعاتي.. وها أنا أقول لكم صَمْتًا وإنْ بَدا ضَجيجًا، فأكثر اللحظات قيمة هي لحظات الصَّمْت، وكلما ازدادت الحاجة الى الكلام ازدادت الرّغبَة الى الصمت، وتَدَفَّقَت الضرورة للكِتابة..
وعلى تُخوم استكمال أسباب وجودي، وبعد احترافي الحياة ومحاوَلة احتواء جُلّ معانيها، بظروفٍ وإمكانات مُرَكَّبة، فإنني أعكف، غير جاهِدٍ، على رسم النهايات وضَبْط إيقاع الرّحيل، بحَيَوِيَّةِ عاشِقٍ للحياة.. فأُطِلُّ الى موتي من شُرفَةِ الحياة، ومن ثَنايا نَصّي، بما يحملُهُ من سيرتي وصورتي، في مُحاوَلة جديدة، وقد تكون الأخيرة، لاحتمال المُستحيل.. فليست هذه النّصوص صَدى ولا انفصام فيها وإنْ بَدا، إنما تنقيب بين الشَّظايا والمَدى..
عبد عنبتاوي
الجليل - 2013
صفحة 9
الفِكرة كبطلِ النَّص.. في الكِتابة واللغة..
النَّص الذي لا يحمِل فِكرةً، تستفزُّكَ وتساهِم في تحريرِكَ، لا يستحق الحياة..
لا يوجد نصٌّ نهائيّ للفكرة، لأن الفكرة ذاتها لا نهائية..
الفكرالحقيقي هو الذي يُلقي إطلالَتَه في الأرضِ البِكْر، ويُشِعّ بنورِهِ في مناطق الظُّلْمَة، ويَجول في مساحات القَفْر..
الفِكرة غير القادِرَة على إنتاج أجْنِحَة، غير قادِرَة على التَّحليق..
ما كان الفكر يومًا، إلاّ بحثًا عن دُروبٍ للحياة وفيها، فلا انفِصام بين دروبِ الفكرِ وبين دروبِ الحياة..
إذا كانت الحياة قد بَدأت بكلمة فسوف تنتهي بالضرورة بفكرة..
أعظم النّصوص هي تلك التي تحمِل أكثر المعاني في أقَلّ الكلمات..
عندما تُفَكِّر وتكتُب لا تأْخُذ «بعين الاعتبار»..
الأفكار التي يُفجّرها العقل أعظم من تلك الأفكار التي يُبلوِرها العقل، لان الثانية غالِبـًا ما تُفْسِدها الواقعية والعواطِف والانفِعالات، وقد يُفسدها العقل ذاته، أحيانًا..
حُرّية الفكر أرقى من عقلانيته، لأن الأُولى تُحرّر العقل، في حين تقوم الثانية بترويض الفكر وتقييده، بأدوات العقل المَحْدودَة..
الاعتدال في التفكير خِيانة للعقل، أما الاعتدال في السُّلوك فهو خِيانة للأخلاق، وتبرير الضعيف لغياب الإرادة..
اللُّغة والمَفاهيم والمُصْطَلَحات تُدَلِّل على ذِهْنيةِ مُسْتَخْدِمِها..
الحِوَارُ الحِوَار، بعيدًا عن الجَدَلِ والمُمَاحَكَة، يمنح الأفكَارَ قيمَةً وقامَةً وحَيوِيّةً..
حين يكون الفكر خارج إدراك الضَّرورات يفقِد مُبَرِّرات وجوده، والفكر الذي لا يهدِم لا يعرف البناء..
صفحة 10
الكِتابة التي لا تشكّل خَطراً لا تبقى، فالخطر يمنح الكِتابة معنى ومُبرِّرًا لوجودِها وبقائها..
الأفكار الحقيقية هي تلك التي تحمِل المُتفجِّرات في معناها..
إن الفِكرة التي لا تَنْبَثِق من الحياة، ولا تَحْتَكِم لِمَنْطِقِها، ولا تعود إليها، لا تستحِق الحياة، كما هي حال الأخلاق والقِيَم..
الفِكرَة الحَيَوِيّة هي تلك التي تُقال وتُكتب للأحياء والمُقْبِلِين على الحياة..
تَصِل الأفكار الى حيث لا تستطيع الأقدام أن تَصِل..
الأفكار الحقيقية، هي تلك التي تبدو كالعواصِف، وأبْلغها هي تلك التي تغدو كالصَّوَاعِق..
اللّغة أكبر من مجرّد وسيلة تعبير وأصْغَر من فكرة..
أتْفَه الكلمات هي تلك التي تجتهِد في صياغتها، وأحقرُ الأفكار هي تلك التي تُصاغ بالكلمات لا بالمعنى..
الاعتدالُ في التفكيرِ أساس السَّكينة والرُّكود، ومَبْعَث تحويل النهر الدافِق الى مُسْتَنْقَعٍ آسِن..
لا بُدّ أن تُوضَع جميع الأفكار والعقائد خارج اليقين، وعلى مَذْبَح التَّساؤُل والشّك..
حَذارِ من تقديس الأفراد والأفكار، الى درجة مَنح الأموات وِصَاية على الأحياء، وتحويل الحاضر والمستقبل رَهينةً للماضي..
السَّنَد الفِكري التَّنويري هو أساس الفِعل التَّثويري..
التَّأمُّل ليس حالة ماوَرائيَّة، إنما هو قِراءَة ما لم يُقْرَأ ورُؤية ما لَم يُرَ والتفكُّر في اللامُفَكَّر فيه..