تقديم
عبد الرزاق وأنا من قرية واحدة، وهي قرية الطنطورة المستحمة في مياه المتوسط على الشاطئ الفلسطيني. نشأنا نحب الأرض وكل ما عليها. كان عبد الرزاق الفتى النشيط الذكي المتفوق في دراسته، وشهدت الأيام تسلمه مراكز مهمة تلقي على عاتقه مسؤوليات ضخمة.
كان عبد الرزاق ضابطا في الجيش السوري، وضابطا في جيش التحرير الفلسطيني، وتدرج في المسؤوليات، وأصبح قائدا عاما لجيش التحرير الفلسطيني، وعضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ووزيرا في السلطة الفلسطينية.
ورغم مهامه الصعبة كنت أراه مغتبطا لا يشكو ولا يتذمر، ولم أر في حياتي إنسانا مثله لا تهزه الصعوبات، ولا يضعف أمام المسؤوليات الجسام، إلى جانب انه ذو نكتة وروح مرحة في جميع الأحوال. وأنت إذا جلست مع عبد الرزاق أعاد إليك الثقة بان مستقبلنا واعد ولا مكان لليأس فيه.
هذا هو عبد الرزاق كما عرفته وأحببته، لان من تتوثق صلته به يكتشف ثقافته وسعة صدره وصموده مهما كانت الظروف صعبة وباعثة على اليأس، وهو يرسم خطوطه وسط فيض من الأعاصير والنزاعات المحتدة باعتدال واتزان وموضوعية.
عبد الرزاق كثير الأصدقاء، كثير المحبين لدماثته وطيبة قلبه وإخلاصه في عمله وفي علاقاته، وقد ازددت قربا منه عندما جمعت بيننا أواصر القرابة بالمصاهرة. ولا شك عندي أن هذه الذكريات فيها الكثير من المعلومات التي تكشف عن أمور كانت خافية علينا، وهي أمور عاشها وساهم في مسيرتها.
تحية وتهنئة من القلب لابن قريتي وصديقي وهو يطلع الناس على ذكرياته الممتعة والمفيدة، وهي في الوقت نفسه تحمل الكثير من المعاناة والآلام التي عشناها.
د.محمود السمرة *
*أديب ومفكر وناقد معروف، يحظى باحترام كبير ومكانة مرموقة في الأوساط الأدبية والفكرية. وهو نائب رئيس مجمع اللغة العربية في الأردن. كان وزيرا للثقافة ورئيسا للجامعة الأردنية وبعض الجامعات الأهلية. له العديد من الكتب والمؤلفات والدراسات والمقالات والترجمات.
اهداء
.. إلى روح زوجتي فايزة التي رحلت في العام 1975؛
.. وإلى روح زوجتي ملكه التي رحلت في العام 2004
فيما أنا أعد هذه الذكريات للنشر؛
وإلى أبنائنا: جمانة، ولينه، ورلى، ورجوان، ورنا، وأنس،
وفهد.
شكر وتقدير
أود أن أسجل شكري لكل من ساعد في إنجاز هذا الكتاب. فأوجه الشكر للآنسة فداء الزبيدي، التي أشرفت على تسجيل حديثي الشفهي على أشرطة، وقامت بتفريغها على أتم وجه. وأخص بالشكر الكاتب فيصل حوراني الذي حرر المادة. وأغتنم هذه الفرصة لأعبر عن احترامي ومحبتي للكاتب الصديق. وأشكر السيد أحمد نجم، الذي أجرى المراجعة اللغوية، وعني بتصحيح أخطاء الطباعة. كما أشكر مؤسسة شمل والقائمين عليها، خصوصا السادة داود بركات ود. ساري حنفي ومصطفى شتا، لإشرافهم على عملية إعداد المذكرات وطبعها ونشرها. وأوجه الشكر لزملائي في مكتب اللجنة الأمنية العليا في رام الله، لمساعدتهم إياي في ترتيب المعلومات ومراجعة النص. وأخص بالشكر منهم د.حازم الشنّار والقانونية نبيلة أبو عيسى.
يستحق شكري أيضا كل من شجعني من المعارف والأصدقاء، والأهل، فلهؤلاء جزيل الشكر والامتنان.
مقدمة :(الطبعة الاولى )
أحببت منذ صغري مطالعة الكتب، وكان أكثر ما يستهويني فيها قراءة كتب التاريخ، لما تحتويه من معلومات وقصص عن الأمم والدول والقادة. وكان يشدني ويثير اهتمامي كثيرا ما يتعلق بمنطقتنا من حروب، وما ينجم عنها من نتائج وتغييرات واتفاقيات. فكان أن امتلأت ذاكرتي بمعلومات وأسماء وتواريخ وتحليلات وأسئلة، أربكتني وشغلت تفكيري، خصوصا ما كان يتعلق منها بقضية فلسطين. لماذا كان وعد بلفور؟، ولماذا تتدخل دول عظمى في مستقبل بلادنا؟ ولماذا، ولماذا....؟ وما إلى ذلك من الأسئلة. وفي متابعتي الحثيثة للتاريخ وانشغالي بمعلوماته ومتاهاته، أستطيع القول أنه كان له دور مهم في تثقيفي وتوجيهي سياسيا.
لقد لازمني حبي للتاريخ طوال الوقت. فعندما كنت طالبا في الكلية العربية في القدس اشتد اهتمامي بالمسألة الشرقية، لدرجة أني عمدت إلى إضافة مادة التاريخ الإضافي في موضوع تلك المسألة، إلى المواد التي قدمت فيها امتحانات المترك، بالرغم من كوني من طلاب الصف العلمي. والنشرة التي كانت تصدر عن المديرية العامة لمؤسسة اللاجئين الفلسطينيين في دمشق، التي كنت أشرف عليها بصفتي رئيسا لدائرة الإرشاد والنشر، كنت أغنيها بالمعلومات والدراسات التاريخية. وفي الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية، عندما عينت مديرا عاما لها في دمشق في العام 1972، أنشأت المركز الفلسطيني للتاريخ والآثار، الذي لم يستمر طويلا لأسباب مالية.
وامتدادا لاهتمامي الكبير بالتاريخ الفلسطيني، المكتوب منه وغير المكتوب، وضرورة متابعته، قررت العمل على تسجيل ذكرياتي ونشرها، خصوصا أنها تغطي تجربة فريدة، وتحتوي على قدر من المعلومات الموثقة، التي يمكن أن يستفيد منها الباحثون والدارسون وغيرهم.
وردت هذه الذكريات في ستة عشر فصلا، وكتبت حسب التسلسل التاريخي لوقائعها. وهي تغطي أكثر من ستين عاما من حياتي. ونظرا لحجم المعلومات المختزنة في ذاكرتي وتعدد الوقائع وتنوعها وأمكنة حدوثها، وجدت صعوبة بالغة في تضمينها جميعها في كتاب واحد. الأمر، الذي اضطرني إلى إغفال بعض المعلومات والوقائع بالرغم من أهميتها، تجنبا لإطالة النص ومنعا لتشتيت انتباه القارئ، وحرصا على انسجام وتيرة السرد.
عبد الرزاق اليحيى
رام الله في 2005/12/25
1
مرحلة الطفولة والشباب - وعي مُبكّر
دراسة ونضال وهموم
ولدت في فلسطين في قرية الطنطورة ذات الحضور المتميز على الشاطئ الممتد جنوبي حيفا، وفي بيئتها ذات الجمال الأخاذ نشأت، وفي مجتمعها المتماسك تكونت الأسس التي نمت عليها شخصيتي. أطللت على الدنيا في صباح يوم الجمعة الخامس عشر من آذار 1929، فصرت الولد السادس لأبوين أنجبا أحد عشر إبناً وإبنة، فضلاً عن الذين أنجبهم أبي من غير أمي.
أبي هو عقاب اليحيى. وهو رجل ظفر بتعليم جيّد وقت أن قلّ المتعلمون في القرى، ووجيه لم يقتصر نفوذه على الطنطورة بل امتد في المنطقة فصار من زعمائها. وأمي هي بهية الحوري، أبوها عبد الرزاق الذي حملت أنا اسمه وهو لبناني الأصل كان تاجر جملة انتقل من بيروت إلى حيفا وأنشأ في المدينة الفلسطينية تجارة واسعة وبنى لأسرته فيها منزلاً عند رأس الدرج الطويل في شارع ستانتون، وهو المنزل الذي كان بمثابة قصر نشأت أمي فيه. وقد ظفرت أمي هي الأخرى بالتعليم في وقت ندرت فيه المتعلمات من النساء حتى في المدن. وكان أبي ينظم الشعر ويتكلم التركية بشكل قليل شأنه شان المتعلمين من أبناء جيله. أما أمي فقد درست في إحدى المدارس الخاصة المرموقة في حيفا، وكانت تتكلم التركية، وبشكل محدود الفرنسية. ولم يكن غريباً، إذن، أن ينشئ أبواي أسرةً أبناؤها جميعهم متعلمون، ذكورهم وإناثهم، وأن يكون أنسباؤهم أنفسهم من المتعلمين. وأخي الأكبر إبراهيم، أخي لأبي من زوجته الأولى، كان بين أبناء الطنطورة هو أول من ظفر بالدراسة العليا، فقد درس الطب في الجامعة السورية بدمشق، ومارس مهنته بعد التخرج في العاصمة اللبنانية بيروت.
كان منزلنا في القرية هو المكان الذي يقصده المحتاج الى قراءة رسالة أو كتابة رسالة، من ابناء قريتنا وابناء القرى المجاورة. هذا المنزل الذي ولدت أنا فيه كان داراً كبيرة من طابقين، وله ساحة خلفية واسعة طولها 100 متر وعرضها حوالي 30 متراً، تضم مذاود للخيل وحظائر لتربية الماشية، وأماكن إقامة للعمال، ومخازن، كما كانت توجد حواصل في الطابق الأرضي من الدار تمتلئ بشتى أنواع المنتوج والأدوات. وكانت للدار ملاحق: مبنى استخدم في وقت من الأوقات خاناً بلغة ذلك الزمن، وديوان هو المضافة التي لا يقفل بابها لا في الليل ولا في النهار، المضافة التي يؤمها أهل القرية للتداول في الشؤون الخاصة أو العامة، ويجيئها الزوار القادمون من خارج القرية ويحظون فيها بالرعاية والتكريم، ويؤمها الغرباء وعابروا السبيل فيظفرون بالمأوى والطعام مهما امتد أجل إقامتهم فيها، وقد أقيمت هذه الدار على شاطئ البحر عند حد الماء مباشرة لا يفصلها عن البحر سوى الحاجز الذي يطوّق قاعدة المبنى وكان يسمى القماط والذي أقيم ليحمي المنزل من الأمواج.
الطنطورة التي عرفتها أقيمت على أنقاض المدينة الكنعانية دور التي كانت في العهد اليوناني ميناء مزدهراً وبقيت كذلك إلى ان تغلبت عليها قيسارية في العهد الروماني. وقد بقيت بين دور القرية وفي محيطها آثار الحضارات المتعاقبة كالكنيسة البيزنطية والمدرّج الروماني في تل البرج وبقايا سور في شماله. والذين بنوا القرية الحديثة من ناس وفدوا إليها من خارجها، بعضهم وفد من مصر، وبعضهم وفد من جنوب فلسطين أو من قرى أو مدن مجاورة. وحين ولدت أنا، كان عدد منازل القرية قد اقترب من الثلاثمائة وعدد سكانها اقترب من الألف. وكان معظم السكان من المزارعين وصيادي الأسماك، وقد تميزت الطنطورة بالتعاون السلس بين أبنائها. والواقع أن هذا التعاون بلغ شأناً متقدماً حتى لقد أُنشئت في القرية في مطلع الأربعينات من القرن العشرين تعاونيتان كبيرتان ومتماسكتان: واحدة لنقل الركاب وكان اسمها شركة سيارات الشاطئ والثانية لصيد الأسماك.
أما آل اليحيى ومنهم أسرتي، فقد ملكوا أراضي شاسعة في القرية وخارجها. وكانت أسرتنا بالذات من المالكين المتوسطين. وكانت لوالدي مطحنة تقع عند مدخل القرية من الشرق وما زالت آثارها قائمة حتى الآن. ولم يكن أعضاء الأسرة يمارسون العمل الزراعي أو الصيد، بل كانوا يستخدمون الأجراء للعمل في أراضيهم ومشاريعهم وكان معظمهم يعيش في منطقة جسر الزرقاء بالقرب من قيسارية. وإلى الدار الكبيرة والأراضي الزراعية، امتلك جدّي لأبي مطحنة قديمة ضمّها بناءٌ كبيرٌ ما زالت آثاره قائمة قرب الشاطئ، وكان عمي أحمد قد بنى فوقه بيتاً حديثاً له. وكان تاريخ إقامة البناء وارداً في أبيات من الشعر منقوشة على جداره الأمامي تدلّ على أنه بني في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. ولئن غدا هذا كله دماراً فقد بقيت أطلاله مع أبيات الشعر ماثلة تُذكّر كل من يعنيه الأمر بالذي كان وهو يُستعمل الآن من قبل صيادي الأسماك كمخزن لأدوات الصيد.
وأشدّ ما ينطبع في ذاكرتي مما له صلة بالطنطورة هو جمال القرية والطبيعة، الجمال الذي لا مثيل له في أي مكان آخر شاهدته. الدور وتناسق بنائها وانسجامها مع البيئة، وتشكيلات الطبيعة، السهول والبراري والتلال والوديان، من جهة، والشاطئ الأنيق ورمله الأبيض، والجزر الصغيرة الكثيرة المتناثرة بالقرب منه، وامتداد البحر الأزرق، من جهة أخرى.وفي الجهات كلها نباتات زرعها الإنسان وأخرى بريّة تعمر الجوّ بالألوان والعبق الشذيّ، الألوان التي تتماوج في كل فصل وتتنوع تموجاتها مع تعاقب الفصول، والعبق الذي تنثره زهور من شتى الأنواع. وقد كان الزنبق البريّ الأبيض هو أبرز الزهور التي تنمو في الجزر وفي ما كنا نسمّيه المَكْر وهو الرأس الصغير الذي تمدّه القرية داخل البحر. والمكر في اللغة هو نبع الماء، وبالفعل كان عند قاعدة هذا الرأس على الشاطئ بئر ماء عذب في قلب ماء البحر تعتمد عليه القرية قديماً في تأمين ماء الشرب. وقد تغيب عن الذاكرة أشياء كثيرة، ولكن رونق الزنبق ورائحته النفاذة لن يغيبا أبداً. أما السهول والبراري والتلال والوديان المحيطة بالقرية على مدّ النظر من أشد ما تنوعت زهورها وأعشابها وفطورها وطيورها.
ومما يثير الحيرة هو في عدم توفّر مراجع تاريخيّة تشير بشكل واضح إلى أصل اسم الطنطورة، بالرغم من وجود اجتهادات مختلفة حول هذا الموضوع. وفي اعتقادي ان أقرب هذه الاجتهادات الى الحقيقة هو ما نقله إليّ أخي مروان من امريكا، حيث قال أن اسم الطنطورة يعود في الأصل إلى الاسم الذي اطلقته على القرية أوّل مجموعة مصرية استوطنت فيها قادمة من طنطا، وهو اسم( طنطا دورا) الذي تطوّر مع الزّمن ليصبح (الطنطورة) بعد دمج الاسمين معاً.
لقد دمًّر المحتلون القرية الجميلة واستباحوها وأنشأوا مكانها مستوطتنتين لا تنسجمان مع طبيعة المكان وجماله وتاريخه. الأولى وهي نخشوليم أنشئت في العام 1948، والثانية هي دور أنشئت في عام 1949.
كان شاطئ الطنطورة من أكثر شواطئ المنطقة جذباً لطالبي متع الماء، سَمّى الناس هذا الشاطئ المغسل، أو لأقل إنهم احتفظوا بهذه التسمية القديمة التي أُطلقت عليه منذ كان مغسلاً للخيول في الأزمنة الغابرة، وتميز الشاطئ القائم على الخليج الصغير ليس برماله البيضاء النظيفة، فقط، بل بمائه الرائق وأغواره العميقة، وأسماكه المتنوعة، وكان في هذا كله ما يغوي عشاق الطبيعة والسابحين وهواة صيد السمك والمتنزهين. وما أكثر من كانوا يجيئون للتمتع بمزايا الشاطئ الفريد.
ومنذ بدأت أعي ما يدور حولي، تنبهت، كما تنبه غيري، إلى مجموعات من يهود المستعمرات القائمة تجيء في فصل الصيف، خصوصاً أيام السبت، وتقضي نهارها على الشاطئ. كان ناس هذه المجموعات يفدون راكبين على خيول أو في عربات تجرها البغال والخيول، أو سيارات صغيرة أو باصات، وكانوا يحتشدون قرب مبنى قديم يضم مصنعاً مهجوراً للزجاج وفيه أشجار كينا (يوكاليبتوس) عالية وبقربه مقبرةُ القرية. وفي هذا المبنى الذي أطلقت القرية عليه اسم الورشة، كان الوافدون اليهود يخلعون ملابسهم ويلبسون المايوهات، ثم كانوا يسبحون، نساءً ورجالاً، أمام أهل القرية الذين لم يألفوا أن تظهر النساء شبه عاريات في أي مكان.
كان سلوك هؤلاء يستفز الجميع. وكنّا نحن الأطفال نستاء، تسوؤنا أشياء كثيرة في سلوك الغرباء الذين لا يأبهون لمشاعر أهل المكان الذي جاءوا إليه. وكان من الطبيعي أن لا نحمل اي مشاعر ودٍ للمستفزّين وأن نخزن في نفوسنا الحساسة السخط عليهم. وعلى النقيض من هذا، كنّا نبلغ ذروة السعادة عندمايتجمع على الشاطئ حشد كبير من الوافدين الفلسطينيين في موسم صيد السردين.
كان ذلك مهرجاناً يتكرر كل سنة. وكان صيادو سمك محترفون يأتون بقواربهم من كل مكان على شاطئ فلسطين حتى من غزةّ وخانيونس البعيدتين، مئات الصيادين وعشرات القوارب يزدحم بهم الميناء الصغير وشاطئه. وكم كان يبهجنا المشهد الذي يأخذ في التشكل مع اقتراب المساء، حين يفرد الصيادون أشرعة القوارب البيضاء، ويجرون بقواربهم التي لا تلبث أن تسطع أضواء مصابيحها القوية، فتتماوج الأنوار والظلال والأخيلة على صفحة الماء وتسحرنا، وفي الأصباح كانت القوارب تعود وقد امتلأت شباك الصيادين بالسردين اللماع. وكانت كل مجموعة تكوّم ما ظفرت به في كوم يخصها، فتصطف الأكوام على امتداد الشاطئ ويسحرنا مشهدها.
وكان لسردين الطنطورة مواصفات تميّزه. وكان صيادو السمك يجنون منه أطناناً كثيرة. وكان بعض الجنى يذهب إلى الأسواق حيث يحصل عليه المستهلكون طازجاً، كما كان بعضه الآخر يذهب إلى معامل تعليبه في حيفا وتل أبيب.
في هذا الموسم، كان مباحاً لنا نحن الأطفال أن نأخذ من أكوام السردين ما نشاء. وكانت كل مجموعة منّا تذهب بما تأخذه إلى منزل واحد منها حيث يمكن تحضيره لوجبة غدائها. أما في غير هذا الموسم فكنّا نصطاد سمكنا بأنفسنا وكانت لنا وسيلة لم يسأل أي منّا نفسه عمن ابتكرها. فكنّا نستخدم طنجرة نضع فيها حفنات طحين ونغطّيها بقطعة قماش ونثقب الغطاء ونغطسها في الماء فيجتذب الطحين ُ السمكَ الصغير فنخرج نحن الطنجرة من الماء فجأة بعد أن نغلق الثقب بيدنا ونجد فيها في اغلب المرات بعض هذا السمك.
نوع آخر من الناس كان يجيء إلى القرية بين وقت وآخر: جنود بريطانيون يقودهم أمّارهم إلى محيط القرية حيث يجرون تدريباتهم ثم يأتون بهم إلى المغسل من أجل السباحة. وكنا نجمع من وراء هؤلاء أغلفة القذائف الفارغة التي يخلفونها. أما مشاعرنا نحو الجنود فلم تختلف عن مشاعرنا إزاء ناس المستعمرات اليهودية.
التحقت بالمدرسة في العام 1935. وأتذكر أني أُجلست في يومي الأول في مقعد أمامي في الصف أو لأقل إني حشرت في هذا المقعد. ولأني معتاد على الحركة والركض على الشاطئ وفي البراري، فقد ضقت بمحشري في المقعد الخشبي ورحت أتحرك فتحدث حركتي صخباً جعل الأستاذ ينبهني إلى ضرورة التزام الهدوء ويكرر التنبيه، دون أن ينفع تنبيهه في لجم حركتي. وانتهى الأمر بأن خرجت من الصف دون إذن وأطلقت لحركتي العنان.
لم أنتبه وأنا تلميذ في الصف الأول الابتدائي إلى الأحداث التي أشعلت ثورة 1936 - 1939 الفلسطينية في وجه الاحتلال البريطاني والاستيطان اليهودي. غير أن ذاكرتي تختزن ما سأدرك أنه كان من تجليات هذه الثورة في حياة قريتنا. فقد كان يأتي إلى الديوان الكبير مجموعات متعاقبة من الزوار الذين غالباً ما يكونون من الثوار المسلحين يحلّون في الليل ويرحلون قبل انقضائه أو يبقون أطول من ذلك لكنهم يتصرفون بحذر شديد. وكانت هذه المجموعات تتزود بالمؤونة من خزين حواصل الدار، ولم يكن من النادر أن تظفر بالنقود أيضاً.
وفي إحدى الليالي، جاءت فصيلة خيالة وفيها بعض الفرسان من القرية يتقدمها رجل صارت لاسمه شهرة واسعة هو قائد الفصيل يوسف أبو درّة. وأُوقظنا نحن صغار الدار لنقوم بالخدمة. وأنا أتذكر كيف فُتحت الحواصل وأخذ زوار الليل هؤلاء منها ما أمكن أن تحمله خيولهم. وفي هذه الزيارة، حادثني يوسف أبو درّة ذاته. وبالرغم من شهرة الرجل، لم اشعر أني إزاء بطل، بل شعرت أني إزاء وجيه القوم الذي هو أكبرهم سناً. وأنا أتذكر الرجل جيداً، بالرغم من أني لم أره بعد ذلك: قصير القامة، احدب، يلذغ بالراء، كما أتذكر كيف همّ بركوب حصانه فلم يتمكن من اعتلاء ظهره إلا بعد ان ساعده أحد معاونيه.
رحلت الفصيلة قبل أن ينقضي الليل. وفي الصباح، طوقت كتيبة عسكرية بريطانية قريتنا. وجاءت مجموعة من الكتيبة إلى دارنا ووضعت رشاشاً على سطح الدار الذي يشرف على دور القرية بسبب ارتفاعه. وطلب الجنود من الأهالي، عبر مكبرات الصوت، التجمع عند المقبرة. وهناك، فرز الجنود الأهالي إلى مجموعتين، واحدة للإناث وثانية للذكور.
وقتها، طلب أبي مني أن أبقى في الدار مع شقيقين لي أصغر مني هما عدنان ومروان وقال إنه ذاهب مع أمي وأخواتي إلى منزل عمي أحمد ليذهبوا معاً إلى مكان التجمع. وما أن صرنا نحن الصغار في الدار الكبيرة وحدنا حتى جاء إلينا ضابط بريطاني يحمل على كل من كتفيه نجمة واحدة ويتمنطق بمسدس، وجاء معه جندي يحمل بندقية في رأسها حربة، ومترجم دلّت لكنته على أنه يهودي.
وسأل هؤلاء عن والدي وأهلي، فقلنا إنهم ذهبوا إلى مكان التجمع. ثم فتّش الضابط وجُنديّه المنزل بعصبية، ومزقوا الفرش، وكسروا كل ما وقعوا عليه مما هو قابل للكسر، وخلطوا خزين المؤن بعضه ببعض، الكاز بالزيت بالسمن وبكل شيء. وجلس اليهودي إلى المكتب الذي يستخدمه أبي وراح ينبش محتوياته ويقرأ الأوراق ويسألني عن الأسماء التي يقع عليها. وكنت أجيب بصراحة تامة على الأسئلة: هذا عمي، هذا خالي، هذا أعرفه، هذا لا أعرفه. بعد ذلك، أخذت إلى الحديقة وسألني الضابط عبر المترجم: من الذين كانوا عندكم في الليل؟ وعندها، نبت الحذر وقلت إني لا أعرف. وكرر الضابط سؤاله، فكررت أنا إجابتي، مرة ومرات. ثم وضع الضابط فوهة مسدسه على صدغي،ووضع الجندي حربة بندقيته على صدري وتكرر السؤال، فلم تتبدل إجابتي.
وصاح الجندي وصرخ وأنذرني بالموت، وأنا أكرر الإنكار. وفي النهاية، لم يقتلوني، لكن الضابط ضربني بعصا غليظة ضرباً موجعاً ما أزال أتذكر وقعه كلما استحضرت تلك الواقعة.
كنت أحمل، أنا الطفل، شعوراً قوياً بالعداء للبريطانيين الذين يحتلون أرض وطني ويساعدون المهاجرين اليهود للاستيطان فيه، ويسممون حياة ناسه. وقد تقوّى هذا الشعور بعد أن شهدت الجنود مرة يطلقون النار على واحد من أبناء قريتي ويردونه قتيلاً. وكانت أحاديث أبي لنا عن الاحتلال وعن الاستيطان الصهيوني الذي يحميه الاحتلال، وعن ضرورة تحرير الوطن وحمايته من الضياع على أيدي الصهيونيين، قد نمّت وعينا الوطني منذ صغرنا. وأظن أن هذا كله، بالإضافة إلى خوف الطفل على أهله، قد حصنني ضد تهديد الضابط لي. وحين ضربني الضابط وجنديّه ومترجمه، ثم حين مُدّدت ونلت فلقة قاسية، كان عنادي، عناد الطفل، قد جعلني أقوى من أن ألين.
وأياً ما كان عليه الامر، فقد اغتنمت فرصة عودة الثلاثة من الحديقة إلى المنزل، ففررت من رقابتهم، وجريت بأقصى ما أسعفتني قوتي حتى بلغت دار المختار داوود الهندي الذي هو زوج أختي لأبي، وهو رجل فاضل وذو شخصية متينة. وقد بلغت دار قريبي فيما هو يتهيأ للذهاب إلى مكان التجمع، فصحبني إليه بعد أن واساني وهدأني.
عند المقبرة حيث جمع أهل القرية، وقعت عليّ عينُ الضابط الذي ضربني، فقال هذا شيئاً لمن بدا لي أنه القائد المسؤول، فناداني القائد وسألني بعربية ركيكة عما إذا كنت خائفاً، فأجبت بالنفي، فتحداني: "بلى، أنت خائف وإلا فلماذا لا تحكي عمن كان عندكم في الليل". كان أبي المحتجز مع مجموعة من كبار السن يراقب المشهد، وكنت أرامقه النظر فتلقيت إشارة منه بأن لا أتكلم. والتقط الضابط إشارة أبي هذه فأمر الجنود بسحبه من المجموعة وإرغامه على السير فوق شوك الصبّار وهو حافي القدمين. وصار علي أن أشهد بأم عيني عذاب أبي ومهانته، ولكني لم أتكلم. ثم إني لم أتكلم حتى بعد أن ضُربت بأمر القائد أمام أبي وأمي وأهل القرية كلهم. وأهاج ضربهم إياي مشاعر أمي والنساء الأخريات، فراحت أمي تصرخ، واشتد صراخ النساء جميعهن في وجه الجنود الذين يضربونني إلى أن توقف الضرب بعد أن كاد يُغمى عليّ.
وفي النهاية، اقتيد أبي إلى المعتقل في عكا مع من اقتيدوا إليه من الرجال، وأسلمني الضرب المبرح إلى أمراض انقضى عام كامل قبل أن أبرأ منها أنا الذي صار علي أن أذهب إلى حيفا كل أسبوع من أجل العلاج. لئن أمكن أن يبرأ جسدي من تأثير الضرب فإن ما خلفه هذا الضرب في روحي كان مما يصعب أن يُمحى. وهل يمكن أن يمحى بسهولة إحساسُ الطفل بالقهر والتأذي! لكن، كما قد تنطوي أيّ ضارة على نافعة، فإن هذا الحادث الذي أوجعني ودمر أعصابي، قد جلب تقدير أقراني لي وتعاطفهم معي. والواقع أني كنت بين الأطفال أحظى بمكانة متميزة قبل هذا الحادث، أما بعده فقد ارتفعت مكانتي في عيون الجميع، الصغار و الكبار، وغمرتني محبتهم.
ومع تقدمنا في رحلة الاهتداء إلى المعرفة، وبتأثير ما يبلغنا من أصداء الثورة، كان وعينا ينمو فيسبق الوعي المقدر لعمرنا، نما وعينا الوطني ووعينا الاجتماعي، ونمت كذلك طموحاتنا، خصوصاً طموحاتنا المدرسية. ونما ولعي بالدراسة، كنت مغرماً بالطبيعة مفتوناً بالتعرف على كائنات البيئة المحيطة بي واكتشاف مكنوناتها. وصرت أعرف مواطن الطيور والزواحف والنمل والأسماك ومواطن كل نبات. وكنت اصطاد الثعابين الصغيرة وأحفظها في علب السجائر، وكنت أستخدمها لإفزاع المعلمين والطلاب. وبالإجمال، كان وقتي موزعاً على دروس المدرسة والنوم في المنزل والتجول بين الماء والبراري والجزر الصغيرة.
وبالرغم من أن سنواتي الأولى في المدرسة تزامنت مع الثورة فإني لا أتذكر كيف أثرت الأحداث العامة في مجرى الدراسة ذاته. ولكني أتذكر يوماً قال مدير المدرسة للتلاميذ إن البلاد حصلت على الاستقلال. ثم توالت احتفالات متنوعة، مسيرات وأغانٍ وأناشيد ورقص ودبكات وأعلام رفرفت في المدرسة وفي أرجاء القرية. وأتذكر أن هذا دام أسبوعاً ثم انطفأ فجأة دون أن نحصل على أي استقلال. ثم عدنا إلى ما كنا فيه، نذهب نحن الصغار إلى المدرسة، ويذهب الشبان إلى معاقل الثوار وإذا جاءوا إلى القرية في زيارات خاطفة يقومون بها وهم مسربلون بالفَخار.
في ذلك الوقت، كانت الرياضة نشاطاً أساسياً نمارسه في المدرسة وفي الطبيعة التي تغري بممارسته. كنا نلعب كرة القدم، ونركض، ونسبح، ونركب الخيل ونصطاد السمك. وقد تعلقت بالخيل حتى قبل ذهابي إلى المدرسة. وكنا نتسلى بالألعاب التي شاعت بين الأطفال، الطميمة أو الاستغماية، وعسكر وحرامية، وطاق طاق طاقية. وكنا نلعب ألعاباً أخرى أظن أنها مقتبسة من ألعاب مصرية لأننا نقرنها بترديد أغان تشير إلى أصلها المصري، أحفظ إلى الآن منها، "أَوَّلَكْ يا اسكندراني، يا عيون الغزلانِ" ولما كان في قريتنا كما في كل قرية حارتان، قبلية وشمالية، فإن أطفال الحارتين كانوا يتنافسون في الألعاب بحميّة كما يتنافسون في المدرسة وخارجها.
وفي إطار الأسرة، ربطتني علاقات حسنة مع الصغار من أعضائها وأقربائها وأنسبائها، لكن علاقتي مع الكبار لم تكن كذلك على الدوام خصوصاً مع بعضهم. ومع سوق أبي إلى المعتقل، فقدنا الحماية التي كان وجوده بيننا يوفرها لنا. وقد كان لنا عمُّ نشأ بينه وبين أبي سوء تفاهم أزمن. ومنذ احتبس المعتقل أبي، صار هذا العم يضربنا أينما وجدنا، بسبب ودون سبب، حتى لقد صار يضربنا أحياناً ونحن نائمين. هذا العم احتاز على أراضٍ أوسع مما ملكه أبي، لكن العم كان على ما يبدو شديد الطموح، وقد وضع سجلاً ضم أسماء قطع الأرض التي يملكها وأسماء القطع التي يطمح في إضافتها إلى ملكيته. واشترى من هذه قطعاً كثيرة ضمنها كرمُ عنبٍ خلف معمل الزجاج يملكه يهودي، وهو كرم كبير، كثيراً ما ذهبت إليه مع ابن أختي مدحت في الليل وأتلفنا ما استطعنا إتلافه من أشجاره. كما بنى مطحنة له شمال شرق القرية لا تبعد كثيراً عن مطحنة والدي.
وكانت شقيقاتي سعاد ونهاد ووداد حنونات على أخوتهن يتفقدن أحوالهم على الدوام ويعتنين بهم. وكان شقيقي الأكبر فؤاد يدرس في صيدا في لبنان ثم عاد ليسكن ويعمل في حيفا. أما أخي من أبي الدكتور ابراهيم فقد بقي في بيروت وتزوج فيها بعد أن حصل على الجنسيّة اللبنانية.
واهتمّت أمي بتربية أولادها الكثيرين والعناية بهم، وكان هذا يشغل وقتها. واعتادت أمي أن تغني لنا بالتركية. وعندما تعدّ تعدّ بالتركية، وما تزال ذاكرتي تحفظ نصوص أغانٍ تركية لا أفهمها.
وقد حظيت أمي في القرية بمكانة خاصة، فهي ابنة مدينة، ومتعلمة، وزوجة وجيه معفاة من العمل الذي تقوم به النساء في المنازل والحقول. وكانوا في القرية يسمون أمي المدنيّة ويغبطونها أو يحسدونها على وضعها المتميز، كما كانوا يصفوننا، نحن أبناءها، بأبناء المدنيّة. وقد تميزنا نحن أبناء المدنية هذه بحسنِ الهندام وزيّه المديني واللهجة المدينية الحيفاوية المختلفة عن لهجة اهل القرية.
وكان للقرية مجلس محلي يضم كبراء البلد ومنهم والدي، وقد وضع هذا المجلس مخططاً اطلّعتُ عليْه لتطوير القرية يعكس طموح أهلها. واشتمل المخطط على بناء دار سينما وقاعة محاضرات وشاليهات على الشاطئ، واستهدف ترميم الميناء العتيق وتفعيله ووصلِ الجزر الصغيرة بعضها ببعض. إلا أن التطورات التي عصفت بالبلاد كلها في زمن الثورة وملاحقات البريطانيين للثوار ومناصريهم عطلت تنفيذ هذا المخطط الطموح.
في غضون ذلك، لم يكفّ يهود الجوار عن المجيء إلى الطنطورة للتنزه والسباحة. ولئن كنت أضيق بوجود هؤلاء في قريتنا وسلوكهم حتى قبل الأحداث فقد اشتد ضيقي بهم بتأثير هذه الأحداث. ومع امتداد سنوات الثورة واشتداد القمع الذي صبّته السلطات البريطانية وأيدها فيه المستوطنون اليهود على أهل البلاد، أنشأ الضيق الكره، ونبتت الرغبة في المقاومة، وقد كنت في الحادية عشرة من عمري، في الصف السادس الابتدائي، حين شكلت مع مجموعة من الأولاد تنظيماً للمقاومة أطلقنا عليه اسم طرزان، وكان للتنظيم نداء يجمع أعضاءه كلما اقتضى الأمر هو نداء طرزان السينما الشهير.
في ذلك الوقت، لم نستخدم السلاح، بل إن استخدام السلاح لم يرد في بالنا. واقتصرت تدريباتنا على الركض والسباحة وتنمية اللياقة الجسدية وما إلى ذلك. كنّا حوالي عشرين ولداً نظمنا أنفسنا في مجموعات وجعلنا لكل مجموعة مهمة تختصّ بها لمقاومة وجود المستوطنين في قريتنا. وقد تخصصت مجموعة في تنفيس دواليب سيارات المستوطنين. وتخصصت ثانية في انتزاع بطاريات السيارات ورميها في البحر. وتخصصت مجموعات أخرى في تكسير دواليب العربات التي تجرها البغال، أو تفكيك أربطة الخيول ودفعها إلى الفرار. وتميز بين نشاطاتنا نشاط اختصّت به مجموعة كانت تلملم ملابس السابحات والسابحين وتجيء بها إلى مكان اسمه الكركون في جنوب القرية.
وكنا نتجمع كلنا في هذا المكان فنحرق الملابس وندفن بقاياها. وبهذا النشاط المتنوع، كنا نرغم الذين نضيق بهم على مغادرة القرية حفاة شبه عراة ماشين على أقدامهم.
وما أكثر ما كنا نترصد هؤلاء عند البيادر في طريق عودتهم لنضحك عليهم. وكانت البيادر تقع شرق القرية على الطريق المؤدّي الى زخرون يعقوب.
هذا التنظيم كنت أنا المسؤول عنه، قائده بتعبير أدق، لأني أنا صاحب فكرة إنشائه وأنا الذي بادر إلى تطبيق الفكرة وأشرف على تنفيذها. وبعد أن أمعنا في المقاومة في هذا النحو، جاء إلى دار المختار الذي هو قريبي ضابط بريطاني على رأس جماعة من الشرطة الخيّالة وقال للمختار إنهم يبحثون عن ولد اسمه عبد الرزاق اليحيى، وبيّن السبب: التخريب والشغب ضد السابحين اليهود. يومها، استبقى المختار الأريب متين الشخصية رجال هذه المجموعة أمام باب منزله وتركهم، بدعوى الاستعداد للذهاب من أجل إحضار الولد المطلوب، ثم رجع بعد لحظات وفي يده بندقية صيد وضع فوهتها إزاء وجه الضابط وطرده هو ومجموعته طرداً.
مقابل نشاطنا، شكل فتيان يهود أكبر منّا سنّا ًمن نادي كمال الأجسام في مستعمرة زخرون يعقوب "زمّارين" تنظيماً مناوئاً لنا. وبأجسامهم النامية وعضلاتهم التي قواها اضطراد التمرين في النادي، عزم هؤلاء على المجيء إلى الطنطورة من أجل تأديبنا في عقر دارنا. ولأننا عجزنا عن منازلة المتفوقين علينا في قدراتهم، فقد ابتكرنا التكتيك الذي رأيت أنا أنه سيمكننا من ردّ هجومهم علينا. وهيأنا للدفاع ذخيرة أخفيناها في الرمل على شاطئ المسبح، وأبقيناها تحت الطلب. وكانت هذه أكواماً من الزلط الأملس جعلنا منها لكل واحد منّا كوماً عليه علامة تهدي صاحبه إلى مكانه عند الحاجة. وشددنا يقظتنا وحين داهمنا هؤلاء في أول هجماتهم علينا، كنت أسبح ، وقد تمكن واحد منهم من دفع رأسي تحت الماء، لكني تخلصت منه بصعوبة، وأطلقت النفير: نداء طرزان. وما أسرع ما احتشدت مجموعاتنا كلها واستخرج كل مقاوم كوم ذخيرته من الزّلط ليقذفها تجاه المستحميّن الغرباء، وأثبت تكتيكنا فعاليته!
يومها، اندحر مداهمونا مخذولين بعد أن أوجعتهم حجارتنا. ومرة أخرى، جاء ضابط بريطاني على رأس مجموعة شرطة وحاول إلقاء القبض عليّ. وقال هذا الضابط إني سأؤخذ إلى إصلاحية للأحداث. لكني نجوت من القبضة. وهل بإمكان أية شرطة أن تلقي القبض على ولد في قرية إذا كان أهل القرية كلهم يقفون معه ضدّ إلقاء القبض عليه!
كنا نقاوم على طريقتنا. وكان الكبار يقاومون على طريقتهم. لم نتدخل في شؤون الكبار، وقلّما تدخلوا هم في شؤوننا ، إلا إذا اقتضى الأمر أن يوفّروا لنا الحماية.
انهمك والدي في شؤون الكبار هؤلاء. كان في بداية أمره مجلسيّاً، أي مؤيّداً للزعامة الحسينية، وكانت له صلة شخصيّة وثيقة بالحاج أمين الحسيني، كما كان عضواً في أوّل لجنة تنفيذية برئاسة كاظم باشا الحسيني التي تشكّلت في عام 1922 لمقاومة الاستيطان اليهودي والوجود البريطاني. لكنه اختلف فيما بعد مع المجلسيين وأخذ ينتقدهم دون أن ينضمّ إلى مناوئيهم النشاشيبيين.
وفي عام 1933 اندلعت انتفاضة شاملة اعتقل خلالها والدي وزوج أختي داود الهندي وارسلا إلى المعتقل في عكا.
لم تنقطع صلة والدي الشخصية بالحاج أمين فقد كان من طبعه ألاّ يقطع صلته بأحد. وكما كان للزعيم الحسيني الكبير حضور طاغ لدى الكبار، كان له حضوره لدينا نحن الصغار أيضاً، وما أكثر ما هزجنا كما يهزج الجميع: سيف الدين الحاج أمين. وفي وقْتٍ مُبكّر من عمري عرفت أن الحاج أمين حلّ بمنزلنا ضيفاً في الطنطورة سرّاً دون أن ألحظ أنا أو أيّ منا نحن الصغار وجوده. أما كيف عرفت ذلك فلأنيّ لاحظت وجود عصاً على سقيفة المنزل لم أرها من قبل. وقد تبيّن لي فيما بعد أن هذه العصا بندقية تأخذ طلقة واحدة فقط، فسألت والدي عنها فقال أنها للحاج أمين تركها هنا بعد زيارته لنا. ثم عرفت أن الحاج كان وقتها في طريقه إلى لبنان فارّاً من ملاحقة البريطانيين الذين تشدّدوا في طلبه بعد ان اغتال فدائي فلسطيني الحاكم البريطاني للواء الجليل. وهذا يعني كما فهمت فيما بعد أن الزيارة جرت بعد اغتيال الحاكم أندروز في 29 أيلول 1937 بوقت قصير، أي إبان الثورة. ومنذ زالت أسباب الحرص على السر في منزلنا، عرفت أن صاحب قارب صغير من جزيرة الحمام بالقرب من قيسارية اسمه( محمد يوسف) اللّواح، وهو صياد سمك لم ينضمّ إلى المجاهدين، هو الذي نقل زعيم الحركة الوطنية في قاربه من الطنطورة وأوصله برّ الأمان إلى لبنان.
وحين أنهيت الصفوف الابتدائية الأربعة الأولى التي لم يكن في مدرسة الطنطورة آنذاك غيرها، وكان ألق الثورة الفلسطينية قد انطفأ وامتلأت الأجواء بنذر الحرب العالمية، أرسلتني الأسرة إلى قرية الطيرة القريبة لأتابع دراستي في مدرستها التي تضم الصفوف الابتدائية السبعة. وفي منزل أختي سعاد وزوجها عيسى أبو راشد الذي من هذه القرية، عشت ضيفاً عزيزاً ترعاه أخت حنونة ويحميه زوجها. وقد توجب عليّ أن أعيد في الطيرة الصفّ الرابع الابتدائي. وسبب هذا أن مدرسة الطنطورة افتقرت في عامي الأخير فيها إلى معلم للغة الانجليزية التي توجب الأنظمة أن تدرس منذ الصف الرابع هذا. وأوجبت علي إدارة مدرسة الطيرة أن ألتحق بصفها الرابع لا لشيء إلا لأدرس هذه اللغة. كانت الطيرة قرية كبيرة جميلة، تحتضنها طبيعة أخّاذة تكسوها أجراش كثيفة من أشجار الزيتون، وكان عدد سكانها يزيد عن خمسة عشر ألفا، يتميّزون بالصّلابة والطيبة والكرم.
كان في الصف الذي توجب عليّ أن أعيده ثمانيةٌ وسبعون تلميذاً تقدمتهم أنا ونلت المرتبة الأولى في امتحانات نصف السنة فأثار هذا حفيظة التلاميذ على الوافد الغريب الذي نال هذه المرتبة. وتوالت التهديدات. وصار بعض الناقمين علي يترصدني على الطريق بين المدرسة والمنزل وفي الوادي الذي يفصل بين منازل القرية ومدرستها. وكان المترصدون يضربونني ويصرون على أن أفعل ما يجعلني أحصل على مرتبة أدنى من مراتبهم. ولم أقبل، ولما تكرر الضرب، اضطررت إلى تنظيم الدفاع عن النفس. وشكلت مجموعة من سبعة تلاميذ من جيراني وأنسبائي.
وكان هذا العدد ضئيلاً بالقياس لعشرات الناقمين علي، ولكنه كان كلّ ما تيسر لي جمعه. وفي يوم الواقعة التي أُريد لها أن تكون حاسمة، استنفرت المجموعة الكبيرة أعضاءها كلهم وجاءني واحد منهم بإنذار مجلجل: "عبد الرزاق، حضّر نفسك، اليوم إلك قتلة!". وأمعن المنذر في التحدي: "ستكون القتلة عند التينة في الوادي". الإنذار الصريح، والقاف الطيراوية ووقعها الثقيل، لقد كنت حقاً في خطر، لكني قبلت التحدي: "أنا جاهز". وسرى النبأ بين التلاميذ.
كان في حوزتي محفظة جلدية أفرغتها يومها من الكتب وأبقيت الكتب في المدرسة وملأت المحفظة بالأحجار. ورسمتُ خطتي الدفاعية معتمداً على عنصر المفاجأة وعلى سرعتي في الجري، أنا الذي يصعب أن يسبقني في الجري أحد. وعندما بلغت الوادي الذي يفصل المدرسة عن القرية كانت مجموعة في انتظاري عند التينة. وما أن شرع الذي أنذرني في استفزازي والاستهزاء بي حتى فاجأته بضربة قوية بالمحفظة على وجهه وعلى رأسه، ثم أطلقت ساقي للريح قبل أن يفيق الذين أذهلتهم سرعة الضربة وشدتها من المفاجأة. وكنت وأنا أبتعد عن ملاحقي أسمع قائد هؤلاء وهو يشكو: "شوفو قدّيش إنّو سريع، طاير مثل الغزال".
في اليوم التالي، تهيأت المجموعة الكبيرة للانتقام. فتسللتُ إلى المدرسة تسللاً. واشتريت من دكان المدرسة أطعمة، بسكويتاً وأشياء أخرى، ثم صحبت شخصاً من أنسبائي وتسللنا إلى منطقةٍ جبلية شرقي المدرسة يسمونها الجِرد، وهي منطقة عالية مجللة بالأحراش والطريق إليها ضيق ووعر. وهناك، هيأت الدفاع. وكانت أكوام الحجارة هي الذخيرة التي لم يوجد ما هو أنفع منها في ذلك الظرف. وما اكثر ما حاول طالبوا الانتقام الوصول إلينا فردتهم حجارتنا!
لكن، لئن نجونا من الوقوع في القبضة فقد وقعنا في الحصار الذي أحكمه هؤلاء حولنا. وبقينا محاصرين في الجرد حتى منتصف الليل. وحين قلق أقربائي لغيابي سألوا التلاميذ فلم يجرؤ أي من هؤلاء على الوشاية بمناوئينا الأقوياء، إلا واحداً واتته الجرأة في وقت متأخر. وجاءت مجموعة من الشبان وفتحت ثغرة في الحصار وأنقذتنا.
وفي يوم توزيع الشهادات مع انتهاء السنة الدراسية، تعمدت أن آخذ شهادتي في وقت مبكر قبل أن يجيء الناقمون علي أنا الذي ظفرت مرة أخرى بالمرتبة الأولى. لكن الناقمين كانوا قد تحوطوا للأمر وأعّدوا لي كميناً وجدته في انتظاري على طريق العودة عند التينة، فدافعت عن نفسي ما أمكنني ذلك. وأبيت أن أفرط بشهادتي التي شاؤوا أن يأخذوها مني ويمزقوها. وتحيّنت لحظة مواتية عند مرور بعض الرعيان فانفلتّ من بينهم، وأطلقت ساقي للريح، ونجوت مرة أخرى. ثباتي المتواصل سنة دراسية بطولها بدّل مزاج التلاميذ تجاهي.
وحين جئت إلى المدرسة في أول أيام العام الدراسي التالي بعد أن قضيت عطلة الصيف في الطنطورة، وجدت مزاجاً مختلفاً تماماً. وقال قائد خصومي السابقين وهم يحتفون بعودتي: "أنت أول غريب يصمد هذا الصمود"، وأضاف: "ستكون واحداً منا منذ الآن، وستكون حمايتك واجبة علينا". وبالفعل، تمتعت منذ ذلك الوقت بصداقة من كانوا خصوماً وصارت لي بينهم مكانة خاصة ومعزّة كبيرة، وصرنا نذهب معاً الى تجمّع القوات البريطانية المنتشرة بين اشجار الزيتون الكثيفة التابعة لقرية الطيرة، ونشتري من جنودها علب المرملاد (المُربى) والجبنة والبسكويت، كما كان بعض الاهالي يحصلون من القوات البريطانية على دواليب السيارات المستعملة ويبيعونها بأسعار جيدة.
وبعد ان أنهيت الصف الخامس في سنة إقامتي الثانية في الطيرة، أضيفت إلى مدرسة الطنطورة الصفوف الابتدائية التي كانت تفتقر إليها، فرجعت إلى قريتي. ومن جديد، انهمكت، أنا الذي صرت تلميذاً في الصف السادس، في حياة القرية التي أحبّها. وفي هذه الفترة، أنشئت تعاونيتا النقل وصيد الأسماك التي تحدثت عنهما، أسهم في إنشائهما المتعلمون في القرية، الذين انهوا دراستهم، ونشطت حركة اتجهت إلى بناء مدرسة جديدة وساهمت التعاونيتان في نفقات البناء. وأسس مبادرون متعلمون، منهم جودت الهندي ومحمود اليحيى، نادياً ثقافياً ونادياً رياضياً باسم نادي النهضة الرياضي، فاتسع النشاط الثقافي وانتظم النشاط الرياضي. وفي هذا السياق، زادت المحاضرات التي يقدمها ناس من القرية أو ضيوف ويحضرها الفلاحون وصيادو السمك والرعاة، وتشكلت فرق رياضية عدة. وغلب فريق كرة القدم فرق المنطقة وتغلب عليها كلها بما فيها الفرق اليهودية.
وقد انهمكت أنا أكثر ما انهمكت في النشاط الرياضي، فتدربت على كرة القدم، وظفرت بالمرتبة الأولى في المباريات السنوية لمدارس فلسطين في عكا في سباق المائة متر، وظفر زميل لي هو بهجت عبد الأمين من الطيرة بالمرتبة الأولى في سباق الثلاثمائة متر.
وقد حدث مع تقدم الإعداد لبناء المدرسة الجديدة أن نشد القائمون على المشروع مساعدة حاكم اللواء البريطاني، فجاء هذا إلى الطنطورة ومعه زوجته، واحتفت القرية الراغبة في بناء المدرسة بهما. وكُلّفتُ أنا الذي صرت تلميذاً في الصف السابع أن ألقي كلمة الترحيب بالزائرين باللغة الانجليزية التي كتبها معلّم اللغة الانجليزية في المدرسة، ولبست في هذه المناسبة زيّاً خاصاً هو زيّ البّحارة الكحلي. ثم أتيح لي أن أصحب الزوجين على وليمة الغداء التي أقامها عمي محمد اليحيى في منزله. وكان هذا العم محامياً يعمل ويقيم في حيفا ويملك في القرية فيلا يأتي إليها بين وقت وآخر، وكانت عبارة Your Excellency، سعادتكم، قد استقرت في ذلك الحين على لساني، فاستخدمتها في مخاطبتي الضيفين، ولعلي كنت الوحيد بين الطلاب في ذلك الوقت الذي أستخدمها.
يومها، اجتذب سلوكي وطريقة خطابي نظر زوجة الحاكم فتحدثتْ إلي ووجهت أسئلة، تحدثت طبعاً بالانجليزية، وتلقت إجاباتي باللغة ذاتها. ويبدو أن السيدة البريطانية أعجبها الولد الطالع الذي كنته. وقد قالت السيّدة لوالدي إنها راغبة في أن تتبناني، هي التي لم تنجب أولاداً، وعرضت أن تأخذني معها فوراً إلى منزلها في حيفا، وتعهدت أن تعتني بي، هي التي توسمت فيّ كل خير وقالت إنها سترسلني إلى لندن لأتم دراستي فيها. وبالطبع، لم يقبل والدي طلب السيّدة، وقد أبلغ إليها رفضه، فتشبثت هي بالطلب، واستنجدت بعمي محمد ليدعمها. ولئن لم تحقق زوجة الحاكم ما رغبت فيه، فقد نشأت بداية صداقة استثمرها شقيقي محمود الذي يكبرني سنّاً عندما أقام في حيفا لإكمال دراسته فيها فصار يزور منزل الحاكم ويحظى فيه بالترحيب والرعاية، وحصل من زوجته على ألبوم من طوابع البريد القديمة. وكان جمع الطوابع هواية دارجة في ذلك الوقت.
وفي ذاكرتي من وقائع تلك الفترة حضور كبير لرحلة مدرسية قمنا بها مشياً على الأقدام وأنا في الصف السابع، حتى بلغنا قيسارية. وفيما الأستاذ منصرف إلى شرح المعالم التي أخذنا لزيارتها، انفصلت أنا عن الجماعة وتوجهت إلى متحف البلدة، وكان هذا، آنذاك، مجرد غرفة غير فسيحة تضمّ أوراقاً وأشياء قديمة أخرى قليلة. وحين استفهمت المشرف عما يمكن لي أن أراه، سألني الرجل عن البلدة التي جئت منها، فعرف أني من الطنطورة، فجاء بمخطوطة وقرأ لي نصاً يصف بناء قريتي وتطورها. وعرفت يومها أن ميناء الطنطورة كان فيه في وقت غابر سفنٌ حربية إسلامية لم يفصح النص الذي سمعته عن سبب وجودها فيه. ولم يفدني أستاذ صفي الذي سألته عن الموضوع بما يطفئ فضولي. وعلى كثرة ما شغلني بعد ذلك، بقي هذا الموضوع في البال، ثم وجدت الإجابة بعد سنوات، بل عقود، حين أتيح لي أن أشاهد فيلماً وثائقياً يصوّر غطاسين سويديين جاءوا إلى الطنطورة المهدمة بعد استيلاء إسرائيل عليها. وقد أظهر الفيلم بقايا سفينة إسلامية حربية فيها سيوف ودروع وبقايا سفينة يونانية حربية أيضاً عثر عليها الغطاسون في ميناء الطنطورة المهجور خلف الجزر الصغيرة المتناثرة حول الميناء، محفوظة جميعها الآن في مصنع الزجاج في الطنطورة الذي حُوّل إلى متحف بعد الاحتلال. وبهذا، وبغيره مما وقعت عليه أثناء قراءتي في التاريخ، استخلصت أن ميناء الطنطورة كان حتى العصر الوسيط هو الميناء الرئيس في المنطقة، وليس ميناء قيسارية، وأن الاغريق احتلوها في القرن الثاني قبل الميلاد، وانها كانت أول موطئ قدم للفلسطينيين الذين جاءوا من كريت.
وفي تلك الفترة من إقامتي في الطنطورة، اشتد افتتاني بطبيعتها الأخاذة، وزاد تواتر جولاتي وسط هذه الطبيعة، ونمت عندي هواية الرسم التي لازمتني لزمن طويل. وكنت كثيراً ما أتجول في محيط القرية والقرى المجاورة حاملاً حقيبة فيها بعض الملابس وأدوات الرسم لأرسم مناظر الطبيعة. وفي هذا النحو، تعرفت بعين عاشق الطبيعة على قرى منطقة حيفا جميعها، عتليت، وجبع، وعين غزال، وإجزم، وصبّارين، وعارة، وعرعرة، واللجون، وغيرها، ورسمتها.
وأتذكرني مرةّ جائلاً في عتليت قرب أهرام الملح وأنا ألبس الشورت الكاكي الذي شاع استخدامه مع وجود الانجليز في البلاد. كما أتذكر كيف ظهرت فجأة دورية من رجال الشرطة البريطانيين، وكيف أخذني هؤلاء إلى مخفرهم ظانين اني مهاجر يهودي أوروبي ضل طريقه وأنا محتفظ بالصمت إلى أن بلغنا المخفر. لقد حظيت يومها بحفاوة رجال الشرطة بي إلى أن تكلمت، إذ ما أن عرف هؤلاء أني عربي حتى أوسعوني ضرباً ثم طردوني من مخفرهم طرداً.
رسومي كلها، ما رسمته في تلك الفترة وما رسمته بعدها، جمعتها في المنزل الذي انتقلنا إليه قبل 1948 عندما سكنا في حيفا. وقد سكنت منزلنا بعد النكبة عائلة يهودية إيرانية قامت ببيعه إلى طائفة البهائيين في المدينة، وفقدنا، أنا وأسرتي، المنزل وكلّ ما بقي فيه، رسومي وملفّي الدراسي في الابتدائي والثانوي وغيرها. وها هو العمر قد تقدم دون ان أعثر على أي من رسومي أو يبقى لي أمل بالعثور عليها.
وقد ينبغي أن أستحضر هنا واقعة زيارتي وأنا في الصف السابع إلى كيبوتس معيان القريبة من زخرون يعقوب والمقامة على المرتفعات شرق الطريق الساحلي حيفا – يافا. أمضيت في هذه المستعمرة نهاراً كاملاً بدعوة من معلم اللغة العربية فيها، وهو يهودي عراقي اسمه نعيم. وقد جاء هذا المعلِّم إلى مدرستنا في الطنطورة في زيارة خاصة، وأعجبه مستواي في اللغة العربية فدعاني لزيارة الكيبوتس. ولم يجد أهلي ومدير مدرستي بأساً في أن أُلبّي الدعوة.
فذهبتُ إلى معيان وحدي حيث استقبلني المعلّم نعيم الذي أخذني بجولة شاملة في تلك المستعمرة مبتدئاً بمكتب الإدارة. أطلعني في المكتب على رسوم بيانية معروضة على الجدران تُظهر ما استصلحوه وما سيستصلحونه من أراضٍ. وقد أعجبتني طريقة إعداد الرسوم البيانية، كما أعجبني نظام العمل التعاوني، ولكن لم تعجبني الحياة الاجتماعية فيها لخلوِّها من الحرّية الفردية. وشبّهتُ الكيبوتس بالمعسكر الصّغير الذي يعمل فيه الناس كالآلات في غياب العائلة، فالأب في العمل والأم في العمل أيضاً، والأطفال في الحضانة، والطعام في مطعم مشترك. إن إعجابي بالعمل التعاوني لم يغفل عيني، حتى وأنا الولد ابن الصف السابع، عن حقيقة أن الأرض التي تظهرها الرسوم هي أرض فلسطينية مغتصبة كان من الممكن أن يستمتع أبناء الشعب الفلسطيني بها لو لم تصادر دولة الانتداب بريطانيا استقلاله وحريته وتقمع تطلعه إلى التقّدم وتجنّد قواها في البلد لخدمة المعتدين على أهله.
في نهاية الصف السابع، وضعتني العلامات المدرسية التي حصّلتها في المرتبة الأولى، ليس بين أبناء صفي وحدهم، بل بين تلاميذ الصف السابع في فلسطين كلها. وكان الحصول على المرتبة الأولى في نهاية المرحلة الابتدائية هذه يؤهل الظافر بها لدخول الكلية العربية في القدس، أهم معاهد فلسطين وأرقاها، المعهد الذي لا يقبل غير المتفوقين. وقد قابلت مدير الكلية لهذا الغرض. وكان المدير آنذاك هو المربي ذائع الصيت الأستاذ أحمد سامح الخالدي. وبالرغم من إقرار الأستاذ الخالدي بأهليتي وتعاطفه الكريم معي، فقد تعذر أن أدخل هذه الكلية في ذلك العام. لا لشيء إلا لان أخي محمود الذي يدرس في ثانوية حيفا حقق تفوقاً هو الآخر فأُخذ قبلي إلى الكلية الرشيدية، والأنظمة لا تبيح جمع أخوين في هذين المعهدين اللذين يتنافس الجميع من أجل الظفر بالدراسة فيهما. وبفقدي الفرصة، سُجّلت تلميذا في الصف الأول الثانوي في مدرسة حيفا، وكنت اذهب كل يوم من القرية إلى مدرسة حيفا الثانوية وأعود مساءً في احد باصات شركة الخالدي وكنّا نطلق عليه باص شكيب حسب اسم سائقه.
حدث هذا في العام 1943، وهو العام الذي كانت أسرتي فيه قد انتقلت إلى العيش في حيفا من أجل تعليم الأولاد دون أن تفقد صلتها بالطنطورة بالطبع وفي مدرستها الثانوية التقيت عبد الفتاح يونس الذي أصبح زميلاً في الجيش وواحداً من أعزّ أصدقائي، غير أني لم أستمر في الدراسة في حيفا وذلك لاني حصلت في نهاية الفصل الأول من سنتي المدرسية فيها على المرتبة الأولى، فظفرت من دائرة المعارف الحكومية بمنحة لإكمال دراستي في مدرسة عكا الثانوية والإقامة المجانية في بيت الطلبة الذي يسمونه المنزل. فسعدت بهذا التكريم، وانتقلت إلى عكا، وأقمت في المنزل القائم على سور المدينة الشهير بجانب سينما البرج، وساعدني شقيقي الأكبر فؤاد بنفقاتي الشخصية أثناء دراستي هناك. وفي الفصل الدراسي الثاني، هذا الذي درسته في عكا، نلت المرتبة الأولى أيضاً. وحين جاءت المجموعة التي تقابل المتفوقين، وعدني الأستاذ أحمد سامح الخالدي بإلحاقي بالكلية العربية في القدس في العام المدرسي التالي أياً ما كانت عليه نتيجة امتحاناتي في نهاية عامي في عكا. وجزم الرجل الذي بدا أنه يتدارك أمراً كان ينبغي أن يفعله منذ البداية: "اعتبر نفسك مسجلاً في الكلية منذ الآن".
استمرت اقامتي في عكا حوالي سنتين. لكن ما اكثر ما تختزن ذاكرتي من وقائع الشهور التي امضيتها فيها، وما أشد تنوع هذه الوقائع!
ففي عكا، توقفت عن ممارسة رياضة الجري، وانتسبت إلى فريق كرة قدم في مدرستها. وكان هذا الفريق وقتها ضعيفاً. أما الفرق القوية في فلسطين فكان منها آنذاك فريقان شهيران: فريق النادي الإسلامي في يافا وفريق النادي الإسلامي في حيفا. وكان في عكا فريق مدرج في المرتبة الثالثة بعد هذين الفريقين هو فريق الكابري. وقد اجتهد فريق مدرستنا ليطور نفسه وأنا فيه، ولن أنسى أبداً اليوم الذي لعبنا فيه مع فريق الكابري ففزنا عليه بهدف واحد مقابل صفر، وكنت أنا هو من سجل هدف الفوز هذا. ولكم ارتقى طموحنا بعد هذا الفوز، حتى لقد تطلعنا إلى مباريات مع فريقي القمة في يافا وحيفا!
وفي بيت إقامتنا، في المنزل، كان المشرف هو مدير المدرسة الابتدائية واسمه محمد أمين. وكان على متعهدٍ موكلٍ بجلب ما يلزم من تموين أن يوفر حاجة التلاميذ منه. غير أن هذا المتعهد كان يرغم التلاميذ على أن يجلبوا من منازل ذويهم ما يمكن نقله من مواد التموين المحفوظة، البامية المجففة، والملوخية الناشفة، والسكر، والرز، وما إلى ذلك، وكان يحسب ما يجلبه التلاميذ في عداد ما يشتريه هو. وقد أثارني هذا الغش الصارخ. وانضاف ضيقي بالغش إلى ضيق الجميع بإهمال المشرفين على المنزل دواعي النظافة ووجود البق والحشرات الضارة الأخرى في كل مكان، فاشتد إحساسي بالتأذي، ولم أسكت على الضيم، بل قدمت شكوى إلى مدير المدرسة الثانوية سامي عيد. وكان هذا المدير يحبني فتقبّل الشكوى وأحالها إلى إدارة المعارف طالباً التحقيق. وجاء مفتش المعارف جميل الزنانيري واختلى بي فأطلعته على تفاصيل الوقائع التي اوجزتها في الشكوى. وحين انكر المتعهد والمشرف التهم، شهد التلاميذ جميعهم بما يؤكدها. وتلقى اللذان ثبتت إدانتهما العقوبات والإنذارات الحازمة. وانصلح الحال. ومنذ تلك الواقعة، وجدتني وقد صرت ممثل التلاميذ عند الإدارة، وبقيت على هذه الحال إلى أن غادرت عكا.
وغني عن البيان إني اهتممت بالتعرف على المدينة. فقد جلت، أنا الجوال المثابر، في كل مكان في عكا، وتفحصت آثار الغزوات التي تعرضت لها في تاريخها الطويل، وتتبعت آثار محاصرة نابليون للمدينة والقذائف التي صبتها مدافع الفرنسيين عليها، وشاهدت الجنود البريطانيين وهم يجرون تدريباتهم ومناوراتهم عند التل الذي يحمل اسم نابليون. وكنا نحن طلاب المنزل، نذهب أيام الجمعة إلى هناك على الدراجات الهوائية لنأكل الخسّ.
ولقد فتنتني أشياء كثيرة في عكا التاريخ والثبات في الحصار. أما أكثر ما فتنني فكان سور المدينة العتيق واستعصاؤه على محاولات زعزعته، المحاولات التي اقدم عليها الإنسان أو ثابرت عليها ظواهر الطبيعة. ومن الجدير بالذكر أن نابليون بعد أن فشل في عكا تركها وانسحب جنوباً حيث قام بتدمير الطنطورة أثناء مروره منها في شهر آب عام 1799م. واعتقد أن نابليون أقدم على فعلته هذه ثأراً لهزيمته في عكا، فكان إن فش غليله بخبطة غضب مدمّرة في الطنطورة.
ومن الزيارات التي تركت في نفسي أثراً عميقاً زيارتي مع تلاميذ الصف لسجن عكا ووقوفي فيه إزاء المكان الذي أعدم البريطانيون فيه بعد سنة واحدة من مولدي المجاهدين الثلاثة الذين أصبحوا أشهر من فتك بهم البريطانيون من شهداء فلسطين، محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي. وكان من البديهي أن يحضرني في وقفتي تلك ما قاله إبراهيم طوقان عن ساعة إعدام هؤلاء:
أنـا ســاعةُ الــرجل العـتيدِ أنا ساعة البأس الشديــدِ
أنـا سـاعة الموت المشرِّف ِ كـــــل ذي فعـــل مجــــيد
مـا نـال مـن خَــدَمَ البـــلاد أجــلَّ مـن أجـر الشــهيد
كانت تلك في عكا سنة من سنوات الحرب العالمية الثانية. وكان البريطانيون يبثون الدعوة إلى دعم المجهود الحربي ونبذ الإسراف ويحثون على التقشف. ولئن لم يُعن أهل البلاد بدعم المجهود الحربي لمحتلّي وطنهم ولم تتوفر لمعظمهم القدرةُ على الإسراف حتى لو رغبوا فيه، فإن الدعوة إلى التقشف لم تبق بغير فائدة. وأنا أتذكر كيف تعلمت الاستفادة من القناني الفارغة بدل إلقائها في القمامة، بقطم الجزء العلوي من القنّينة بوسيلة بسيطة شاع استخدامها هي الخيط، لتصير بقيتها كأساً يُنتفع به. كما تعلمنا الاقتصاد في استخدام الورق والمغلفات وغير ذلك. والواقع أن الحرب كانت قد بدأت وأنا في الطنطورة واستمرت وأنا في حيفا ثم رافقتني في عكا. وقد شاهدت وأنا في الطنطورة هجوم الغواصات الألمانية على قافلة بواخر تجارية بريطانية وإغراقها عدداً من هذه البواخر، وكان المنظر مأساوياً مرعباً. وعاينت في اليوم التالي جثث القتلى من بحّارة تلك البواخر التي دفعها الموج إلى الشاطئ، وخالجني شعور عميق بالحزن والأسى.
وفي حيفا، شاهدت غارات الطائرات الألمانية على الميناء التي نجحت في إصابة محطة تكرير النفط فيه أكثر من مرة ودمّرت عدداً من حاويات التخزين الكبيرة وأشعلت النار فيها. وكان البريطانيون، في إطار خطة الدفاع الجوي، قد أنشأوا عدداً كبيراً من الحرّاقات على طول السّاحل بين حيفا وعكا، تُطلق دخاناً كثيفاً يُغطّي الميناء عند الانذار عن غارة جوية محتملة، كما نصبوا المدافع المضادة للطائرات على قمّة جبل الكرمل، وأطلقوا مجموعة كبيرة من المناطيد الثابتة تعلو في سماء المدينة لمنع الطائرات الالمانية المغيرة من الانقضاض على أهدافها. وكانت الطائرات الالمانية تستهدف هذه المناطيد قبل القاء قنابلها فتفجرها فتسقط البقايا في الاحياء المأهولة أو خارج المدينة. ولأن قماش المناطيد كان من نسيج ناعم فما كان انفعه للناس الذين صنعوا منه أفخر القمصان والقنابيز وتباهوا بها. وفي عكا، لاحقتنا اندياحات الحرب، وكنا نتقصى أنباءها في الإذاعات، ونبحث عما تخفيه الإذاعات التي يراقبها الحلفاء في ما تبثه إذاعة برلين باللغة العربية ومذيعها الشهير حسن البحيري والذي كان يبدأ إذاعته بصوته المجلجل وعبارته المشهورة: حيِّ العرب، هنا برلين هنا برلين.
وفي هذا كله، كنت أفرح كلما تعرض البريطانيون لخسائر. وأظن أن معظم أهل فلسطين كانوا يفرحون. وهل يمكن ألا يفرح الإنسان إذا تعرض عدوّه للخسارة!
بقي أن أقول عن عكا إني تعرفت فيها على جماعة الشاذليّة، عرفني عليها زميل صفّي أحمد اليشرطي، ابن شيخ الجماعة آنذاك والذي حلّ فيما بعد محل أبيه. وكان أستاذ اللغة العربية في المدرسة رفيق اللبابيدي شاذلياً، وقد زرت زاوية الجماعة أكثر من مرة كنت ألتقيه فيها هناك. أما اليهود فلم يكن بيننا وبينهم اتصال. حتى المهرجانات الرياضية والمسابقات التي تنظمها دائرة المعارف الحكومية كانت تقام في مستويين أحدهما منفصل عن الآخر، واحد للتلاميذ العرب وآخر لليهود.
وفي العام 1945، انتقلت إلى القدس، وكانت تلك المرة الأولى التي أجيء فيها إلى المدينة، والتحقت بالصفّ الثانوي الثالث في الكلية العربية تلميذاً في القسم العلمي الذي اخترته بالرغم من تفوقي في المواد الأدبية أيضاً وولعي بها. وأقمت في القسم الداخلي.
وكان تلاميذ هذا القسم موزعين على منزلين، أحدهما قائم في مبنى الكلية مخصص لأبناء المدن أو الذين يلتحقون بالكلية بشكل مبكّر، وثانيهما مخصص للقادمين من الأرياف أو الذين يتأخرون في الالتحاق بالكلية. وكان هذا المنزل الثاني منفصلا عن مبنى الكلية، وهو المنزل الذي حللت أنا فيه. وساعدني هنا أيضا شقيقي الأكبر فؤاد بنفقاتي الشخصية، وفي المنزل التقيت ذوقان الهنداوي ومحمد نوري شفيق موفدين من الأردن. والى التدريس الذي تتولاه نخبة من خيرة اساتذة البلاد، كان النشاط الرياضي بأنواعه المتعددة متاحاً في الكلية، بل مطلوباً. ولأني كنت لاعب كرة قدم وعداءً وسباحاً متميزاً، فقد صرتُ في الكلية رئيس الفريق الأول لكرة القدم، والسباح الأول وممثل الكلية في سباقات الجري. ولكني اعتذرتُ في سنة الدراسة الأخيرة، سنة المترك، عن ممارسة هذا كله، فحَلَّ محلّي أحمد زيد الكيلاني الذي كان يأتي بعدي في عدو المائة متر، واستطاع أن يكون الأول في سباق الركض السنوي.
كانت الكلية العربية التي تجمع نخب طلاب فلسطين وأساتذتها الذين لعب كثير منهم أدواراً مهمة في حياة البلاد العامة تشهد نشاطاً سياسياً واسعاً. إلاّ أنّ هذا النشاط لم يجتذبني أنا المنهمك في الدراسة والرياضة والمعني بالشأن الثقافي منذ كنت في مدرسة الطنطورة وليس السياسي.
وكنّا، وأنا في عكا، نتلقى المجلتين الشهيرتين، "الثقافة" و"الرسالة"، ونلتقي في اجتماعات أسبوعية نتناوب فيها لمناقشة المقالات الواردة فيهما، والتي يكتبها كبار الكتاب في مصر أمثال طه حسين، وعبد القادر المازني، وعبّاس محمود العقاد، وتوفيق الحكيم، وغيرهم.
وكان يعجبني طه حسين بسلاسة كتاباته وعمقها، وعبّاس محمود العقّاد بأفكاره وجرأته في عرض هذه الأفكار. وقد تركت متابعتي لمقالات هؤلاء الكتاب الكبار أثرها في نفسي وفي تفكيري وثقافتي العامة، وظلّ اشتراكي في الثقافة والرسالة حتى بعد تخرجي من الكلية العربية. أما في القدس، فقد اختلف الأمر عنه في عكا، وطغى النشاط السياسي على ما عداه. وتوزّع الطلاّب بين مؤيّدين للمجلسيين ومؤيّدين للمعارضة. لكنّي لم أنجذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، بل ثابرت على ما كنت فيه مع اهتمامي بالشأن العام المسكون بالهمّ الوطني كغيري. أما ما لم أنجذب إليه فهو النشاط الحزبي أو الانغماس في العمل السياسي المباشر. لقد قررّت أن أستغلّ وجودي في الكلية العربية لأستفيد أكثر ما يمكن من الدراسة هناك تمهيداً لمتابعة دراستي العليا في واحدة من الجامعات الأجنبية العريقة المعروفة للتخصّص في أحد فروع الهندسة. لقد تابعت نشاطي السياسي العام مع امتناعي عن الخروج مع الطلاب حين يتظاهرون تلبية لدعوة أي حزب.
وقد وقع عليّ الأستاذ الخالدي مرة وأنا جالس في الصف وحدي بعد أن خرج الجميع للتظاهر وسألني عن سبب إحجامي عن المشاركة في ما انهمك فيه الجميع، فقلت إني هنا من أجل التعليم، والتظاهر يحرمنا من الدروس اللازمة للتقدم فيه، وطلبت أن يجيء الأساتذة ويلقون دروسهم ولو من أجلي وحدي، ويومها، تعاقب على الصف الذي أجلس فيه وحدي أساتذة المواد المدرجة في برنامج ذلك اليوم كلهم، فلم يفتني أيّ درس. وتكرر هذا في أيام تظاهر أخرى. وما كان أعدل الأستاذ أحمد سامح الخالدي وأحرصه على الاستجابة لأي طلب مشروع!
في ذلك الوقت، كان أبي قد انفك عن المجلسيين إلا أنه لم يلتحق بالمعارضة النشاشيبية، بل انضمّ إلى معارضة من نوع خاص. وكان نفوذ أبي قد امتدّ في المنطقة وبلغ حيفا. وفي حيفا، كان عمي المحامي محمد اليحيى عضواً ناشطاً في قيادة الحركة الوطنية في المدينة، وكانت تربطني به علاقة قويّة، كما كانت تربطني علاقة مماثلة مع عمي يحيى اليحيى. ومن الجدير بالذكر أن عميّ هذين عملا مستشارين للقيادة العامة للجيوش العربية عام 1948. كانت قيادة حيفا قد اختصت بالشأنين السياسي والعسكري، كان عمي محمد هو المسؤول عن الشأن السياسي، أما الشأن العسكري فتولاه نمر الهوّاري رئيس حزب النجّادة. ويمكن القول إن عمي وأبي ومن اتفق معهما في الرأي من بعض وجهاء العائلات شكلوا كتلة في القيادة تنتقد بعض وجوه سلوك القيادة الحسينية وتأخذ على الحاج أمين خصوصاً ما نسب إليه من أعمال الاغتيال والتصفية.
وفي ذلك الوقت، كان الاهتمام بالمجلسيين والمعارضة، أي بالحسينيين والنشاشيبيين، وما بينهما من خصومة، طاغياً على أي شأن سياسي آخر. ومع الحضور الطاغي للطرفين في المدينة التي تتمركز فيها قيادتاهما، لم يتبدل موقفي الرافض لموالاة أي منهما. ولعلي كنت في هذا الموقف متأثراً بأبي، غير أن الموقف ذاته واءم طبيعتي.
أما النشاط المناوئ للصهيونيين، النشاط الذي أمارسه بطريقتي الخاصة، فقد واصلت في القدس ما كنت قد شرعت فيه من قبل، أنا الذي كنت قد تجاوزت بالطبع مرحلة تنظيم طرزان الطِفْليّة وفكرت بعدها مع شقيقي محمود وعبد الرحمن مفلح سعد من عين غزال -والذي أصبح فيما بعد زميلي في العسكرية- وغيرهما بإنشاء تنظيم يقاوم بيع الأراضي لليهود، وانضجت الفكرة هذه في حيفا ثم في عكا وغيرهما مع اتساع معرفتنا بالشأن العام وزيادة تحسسنا لمخاطر هيمنة الصهيونيين على الأرض. وحين انتقلت إلى القدس، لقيت تلاميذاً من المدرسة الرشيدية أكبر سنّاً مني وأوسع خبرة وهم يحملون الفكرة ذاتها ويسعون إلى تنفيذها ومنهم بالإضافة الى شقيقي محمود وصديقه عبد الرحمن مفلح اسامة النقيب الذي أصبح فيما بعد عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وغيرهم من الطلاب، وبالتعاون في ما بيننا، أسَّسنا تنظيماً سميناه "الساعد الحديدي"، وجعلنا مهمته محاربة بيع الأراضي. وكان في الساحة آنذاك تنظيم أوسع شهرة حمل هذا الاسم ذا الدلالة: الكفّ الأسود، تتقاطع مهماته مع المهمة التي نذر الساعد الحديدي نفسه لها. غير أننا تميزنا عن الكفّ الأسود الذي يعتمد العنف بتجنبنا استخدام العنف. وقد اعتمدنا نهجاً يقوم على التنوير والإقناع، التبصير بمخاطر انتقال الأراضي إلى حوزة الصهيونيين والتحذير منها. وكنّا نُعدّ الملصقات ونعلقها في الشوارع. كما كان الأعضاء يذهبون إلى القرى ويلتقون الفلاحين. وكثيراً ما لاحقت الشرطة نشطاء التنظيم كما كانت تلاحق أي ناشط مناوئ لبريطانيا أو للصهيونيين. لكنا واصلنا العمل وتوسعنا فيه، إلى أن تخرجنا وصار على جمعنا أن يتفرق فسلّمنا أوراق التنظيم إلى الكف الأسود.
وفي الكلية، درست الموسيقى الكلاسيكية، درّسنا الموسيقى جبرا إبراهيم جبرا. الذي صار من أهم أدباء فلسطين. وعلى يديّ هذا المبدع الكبير، عرفتُ الموسيقى الكلاسيكية وتاريخ كل قطعة هامة فيها وأنواعها، كما عرفت أنواع الآلات، وسير الموسيقيين العظام. وأغتنيت بهذا كله. لكننا لم نتعلم العزف.
أما الرسم فكان مدرّسه في الكلية هو فنان الزخرفة الكبير جمال بدران الذي كان يمنحنا ساعتين كل يوم جمعة والذي تعلمتُ على يديه الرسم والزخرفة بالألوان المائية.
وما اكثر ما رسمت في تلك الفترة. وقد صار لرسومي بعض الشهرة واشتهر منها كثيراً لوحة المحروسة التي تمثل السفينة المصرية "المحروسة" التي غرقت أمام شاطئ الطنطورة في بداية الأربعينات وكانت تحمل شحنة من الخروب، وقد شاهدت غرقها بنفسي. ولوحة فلاحي الأرض أو الأرض الطيّبة التي تمثّل فلاّحينا وهم يزرعون أرضنا الجميلة الخصبة.
وكان معنا في الكلية حنّا أمين أبوحنا الذي يرسم بشكل جيد، واشتهرت من لوحاته واحدة تصور التلاميذ حفاة بثياب النوم يتسللون من حجرات النوم إلى قاعة المطالعة. وفي معرضٍ شارك فيه رسامون من فلسطين كلها، ظفر حنّا بالجائزة الأولى، وظفرت أنا بالثانية والثالثة. أما أين هي هذه الرسومات الآن فقد يكون العلم بها عند الذين أخرجونا من حيفا واستولوا على منزلنا وما فيه.
في ذلك الوقت، ندبني الأستاذ جمال بدران لدراسة الفنون الجميلة في القاهرة أو لندن، لكني رفضت. كنت هاوياً للرسم وغيره من الفنون ولعل انشغالي بها أن يكون قد ساهم في رسم سلوكي في الكلية. إلا أني كنت مولعاً بدراسة العلوم والرياضيات، وكنت أرى مستقبلي في هذه الدراسة.
وفي المطالعة، كانت الكتب التي تتحدث عن الأرض وما يكتشف فيها تجتذبني، كنت مولعاً بالطبيعة وما يظهر من مكوناتها. أما الأدب الذي قرأت من كتبه الكثير فكنت أهتم فيه بأسلوب التعبير أكثر مما اهتم بوقائع السرد. وكنت أحفظ عن ظهر قلب تعابير بعينها فتنني أسلوبها وأظل أرددها، وما أزال أحفظ الكثير إلى الآن، بالعربية، والانجليزية. وقد كانت الكتب الفكرية تستهويني وما أزال مهتماً إلى الآن بقراءة الموضوعات الفلسفية، وتستهويني الكتب التي تحلل الأحداث أنا الذي كان يتابع ما يجري حوله ويحاول دائماً تحليله وتعمق فهمه.
وكنت أتابع الأحداث الأدبية. وفي ذاكرتي حدث أثّر في نفسي تأثيراً سلبياً. فقد زار توفيق الحكيم فلسطين وكنت أنا من المعجبين بأسلوب التعبير المتميّز لدى الأديب المصري المشهور دون أن أعجب بكلّ ما يكتب، وشاقني أن أتابع أنباء الزيارة. وما أشدّ ما انزعجت حين رأيت في الصحف الفلسطينية صورة الحكيم وهو يتنزه على شاطئ تل أبيب، وقرأت ما قاله عن إعجابه بالمستعمرات اليهودية المنظمة وضيقه ببؤس القرى العربية! ولئن كان في فلسطين قرى بائسة فقد كان فيها قرى الحياة فيها أيسر وأكثر تطوراً وحرّية مما في المستعمرات اليهودية. أما تعميم البؤس على الجميع فقد حلّ بالتدريج مع اشتداد السطوة البريطانية والتوسع الصهيوني المستند إليها.
كان الإحباط من زيارة توفيق الحكيم عاماً وهو الأديب الكبير المتميز. وحين جاء هو إلى كليتنا في زيارة مقررة في برنامجه، كان استقبالنا له فاتراً في ظل مشاعر وطنية متأججة. كان هذا الموقف إجماعياً، حتى من تلاميذ الصفوف قبل المترك.
أما دراستي فكانت علمية بكل معنى الكلمة. وبالرغم من أني أوليت الدراسة جلّ اهتمامي وحصلت في الامتحانات على مراتب متقدمة، فإني لم أظفر في أي مرة بالمرتبة الأولى. فهذه المرتبة احتكرها زميل اسمه إبراهيم العدوي من قرية طرعان- الناصرة.
وتقدمني آخرون غير إبراهيم. وكان طموحي أن أذهب بعد الثانوية إلى جامعة وأن أدرس الهندسة. وتمنيت لو أمكن أن أتخصص في هندسة الموانئ، تأثراً بميناء حيفا، كما أن جوّ الكلية هو الذي حفز على الرغبة في متابعة الدراسة بعدها، فالأساتذة الذين حققوا لأنفسهم في مجتمعنا مكانة عالية وأحيطوا بأتم الاحترام كانوا هم أنفسهم، بمعظمهم، تلاميذ في هذه الكلية ذات يوم ثم واصلوا الدراسة بعدها فأمكن أن يظفروا بما ظفروا به.
في غضون ذلك، لم يكفّ الجوّال العتيق فيّ عن التعرف على المحيط الذي أقام في مركزه، وما أكثر ما تجولت في القدس ومحيطها وما أكثر ما فتنني فيها، وأستذكر هنا أول زيارة لي مع مجموعة من الطلاب برئاسة استاذ اللغة العربية الدكتور محمود الغول إلى دير مار سابا وكان من بين الطلاب ذوقان هنداوي ونوري شفيق القادمين من الأردن. إن الحديث عن تأثير القدس في روحي يحتاج وحده إلى مجلد مستقل. ويكفي أن أقول إني خصصت أيام العطل الأسبوعية، السبوت والجمع، للتجول وسط الجلال الذي يتمركز في المدينة ويشعّ على محيطها. وليس غريباً أني لم انشئ في القدس علاقات زادت عن العلاقات التي لا بد منها مع تلاميذ كليتي، ذلك أن استغراقي في استثمار الوقت المتاح للتمعن في معالم القدس ومحيطها لم يبق لي وقتاً للصلات الاجتماعية. وما أعمق الأثر الذي حفرته القدس في نفسي!
وخلال سنوات دراستي في القدس، كنت أذهب في عطلة الصيف الطويلة وحدها إلى الطنطورة التي كان أهلي يصطافون فيها. وجرت العادة عندي أن أبقى في الكلية لمدة اسبوع بعد انتهاء الدراسة مع صديقين حميمين هما سميح دروزة ومحمود مرضي. في ذلك الوقت كانت عائلات حيفاوية ويافاوية قد التجأت إلى قريتنا ومنها من بقي في القرية بعد توقف الحرب مثل آل البياري والحيفاوي والعايدي. وقد تعرفت أثناء زياراتي الصيفية على أبناء بعض هذه العائلات وامتدت معرفتي بهم بعد ذلك. وفي ذاكرتي من أحداث ذلك الوقت مشاهد الطائرات الألمانية وهي تغير على حيفا، كما كنت أراها وأنا في الطنطورة، وحكاية اتصال الحاج أمين الحسيني بالألمان وإقامته في برلين، والمحاولة اليتيمة الفاشلة لإنزال سلاح من طائرة ألمانية على أرض فلسطين بدعوى إيصاله إلى ثوار مفترضين فيها. ولقد كان المزاج العام، بأغلبه، يستنكر أن يترك البلاد الزعيم الوطني الكبير الشيخ الجليل ذو المهابة في وقت حرج وصعب ليلجأ إلى المانيا. كان الكثير من الناس ضدّ ذهاب المفتي إلى برلين بالرغم من كراهيتهم للبريطانيين، لكنهم، وجدوا له المبّررات بسبب الوضع الصعب في فلسطين، وحرصاً على حياته
وكان الوضع يزداد سوءاً كلما اقتربت الحرب من نهايتها. كان مزاج الناس يتقلّب حسب طبيعة الاخبار من جبهات القتال، وكانت معنوياتهم في حركة دائمة صعوداً وهبوطاً، كانوا يخشون من مزيد من ممارسات البريطانيين القمعية ضدّهم لصالح المشروع الصهيوني إذا ما انتصروا في الحرب، لقد خَبِروا الاستعمار البريطاني، واكتووا بناره، وعرفوا نواياه حق المعرفة، فلماذا لا يقلقون على مستقبلهم ومستقبل وطنهم وقضيتهم!. ظلّ الوضع على حاله، قلق ووَجَل حتى وضع الحرب أوزارها.
وأنا أتذكر يوم انتهاء الحرب، لقد احتفل بانتهاء الحرب في الوسطين البريطاني واليهودي بابتهاج شديد، أما نحن أهل البلاد فكانت احتفالاتنا باهتة، إذ أن القلق على المصير طغى على أي بهجة.
وكنّا في الكلية، بالحرب ودونها، خاضعين لنظام صارم وقاسٍ. كنّا نصحو باكراً ونبدأ نهارنا بحمام هو إجباري في الصباح كما في المساء، ثم نتناول الفطور، الفطور البسيط في واقع الأمر، على أن ننتهي منه قبل السابعة والنصف. وكنا ندرس على فترتين بينهما استراحة نتناول خلالها الغداء. وفي السادسة مساء، كان العشاء يقدم، لتليه الفترة المخصصة لنا في قاعة المطالعة بين السابعة والتاسعة كل مساء. وكانت العقوبات التي تطال من يخالف هذا النظام قاسية. وإذا كرر أحدهم المخالفة مرتين بعد المرة الأولى فإنه يطرد من الكلية. فإن كان المطرود طالباً في السنة الثانوية الأخيرة فقد كان يمنع من التقدم لامتحانات الشهادة الثانوية، المترك، حتى لو شاء أن يتقدم لها عن غير طريق الكلية.
والدراسة نفسها كانت متعبة، فمستوى المترك الفلسطيني كان أرقى من امتحان شهادة GCE البريطانية، والمواد التي يدرسها التلميذ حتى يظفر بالمترك أصعب، خصوصاً المواد العلمية. ونظام التدريس لم يكن يوجب على الأساتذة الذين يُدرسون المواد العلمية أن يفيضوا في الشرح، فكان الأستاذ يلقي درسه وينصرف، مثل المحاضر في الجامعة. أما الموادّ الأدبية فالإفاضة في الشرح أو الاقتضاب مرهونان لطبيعة الأستاذ، فواحد يفيض وواحد يختصر، يقول واحد رأياً ويقول آخر رأياً مغايراً، وتتعقد أمورنا.
كانت فقرات برنامجنا اليومي الإجبارية تستنفد معظم وقتنا. ولم تكن الساعتان المخصصتان للمكوث في قاعة المطالعة كافيتين لمذاكرة الدروس، خصوصاً في أزمان التحضير للامتحانات.
فما أكثر ما كنا نتحايل لكي نمدّ أمد مكوثنا في هذه القاعة!
وفي خواتيم سنتي الأخيرة في الكلية، وكنّا في أواخر شتاء العام 1947، جاءت الإشارة ذات الدلالة الحازمة على اقتراب موعد الامتحانات في الاحتفال الذي يجرى في هذا الوقت من كل عام، الاحتفال الذي يسميه التلاميذ احتفال المائة يوم والذي يعني أن امتحانات المترك ستبدأ بعد مئة يوم. وكنّا نتداول نشيداً "من الشعر" الذي نسميّه الحلمنتيشي ونردده في هذا الاحتفال الذي تتنوع في العادة فقراته. وكان مطلع النشيد هو هذا:
قرّب المترك يا خي وِحْنا والله مشـــلطين
قرّب المتــرك والله ليس عَ المترك معين
ولم تكن الكلمات وحدها ساخرة، بل اللحن أيضاً، والأدوات التي نعزفه عليها، خصوصاً أداة ضبط الإيقاع التي قد تكون طنجرة أو حتى نونيّة. وكان استخدام الشعر الحلمنتيشي شائعاً بيننا لأغراض شتى لعل أهمها كان التشنيع على الأساتذة.
في هذ الأيام المئة، اشتدت حاجتنا لمزيد من الوقت، فابتكرنا نحن تلاميذ القسم العلمي وسيلة لتمديد وقت مكوثنا في قاعة المطالعة دون أن يكتشف المراقبون مخالفتنا للأنظمة، المخالفة التي كانت تعدّ في الكلية بين الكبائر. وكان لي أنا بالذات قصب السبق في هذا الابتكار. وقد ربطنا مغاليق الأبواب بأسلاك تدور على بكرات، واخترعنا نظاماً ينطفئ به الضوء آلياً وتنغلق الأبواب الأخرى إذا فتح أحدهم الباب المفضي إلى حيث نكون في القاعة، فيصير بامكاننا أن نفرّ من النوافذ دون أن يلحظ الداخل أننا كنّا في المكان.
وفي إحدى الأماسي، تفقد أستاذ الفيزياء فايز قدورة الذي من صفد القاعة، ففعل نظامنا فعله. لكن هذا الأستاذ ذا الفطنة عرف بطريقة من الطرق أني كنت في القاعة فطلبني إليه. وكان الوقت يقترب من منتصف الليل حين توجّب أن أواجه الأستاذ. وكان أن اعترفت بأني كنت موجوداً، وأقررت بأني ساهمت في اختراع النظام الذي انكشف. وها أنا ذا أتذكر تعليق أستاذ الفيزياء: "هل علمناكم العلوم كي تطبقّوها ضدنا"، لكن لم يكن ساخطاً، بل بدا في واقع الأمر متفهماً لحاجتنا إلى الوقت الإضافي حتى وإن لم يفصح عن رأيه بالكلام. وشجعني ما لمسته من الأستاذ فايز، فأشرت إلى علبة حلوى دمشقية موضوعة أمامه على المكتب، وتساءلت عما إذا كان بإمكاني أن أظفر بقطعة من هذه الحلوى الشهية، فمّد العلبة إلي وطلب أن آخذ منها ما أريد. وتبادلت معه حديثاً شيقاً جئنا فيه على ذكر صفد، وقلت إني زرتها ولي فيها أصدقاء سميتهم له فعرف من هم. وراق الجوّ بيننا أتم رواق. ثم أصرّ على أن آخذ قطع حلوى لزملائي. وكان هؤلاء في انتظاري وهم في أشدّ القلق. وحين رجعت إليهم سالماً ورائق المزاج ومحملاً بالحلوى، حلّت محلّ قلقهم الشديد الدهشة الشديدة.
وفي تلك الليلة، تأسست بيني وبين الأستاذ فايز صداقة قدر لها ان تستمر وتنمو بعد ذلك. ومما أستذكره هنا هو أن الأستاذ فايز كان يقصّ علينا قصصاً عجيبة عن الحياة الاجتماعية في لندن أثناء الحرب وعن انتشار الخرافات وهوس استحضار الأرواح فيها.
كان على طالب المترك أن يتقدم إلى امتحانات مواد أساسية مفروضة على الجميع، وهي الانجليزية، والعربية، والتاريخ العام، والرياضيات الابتدائية. كما كان على هذا الطالب أن يختار من بين قائمة طويلة من المواد التي يسمونها الإضافية عدداً بعينه ليتقدم إلى امتحاناته. وقد اخترت أنا من هذه المواد ما فاق العدد المطلوب. وكان عدد ما اخترته أكثر من عدد الفراغات المتاحة لتسجيل النتائج في الشهادة، فأرغموني إرغاماً على التخلي عن بعض ما اخترته. وقد أنهيت امتحاناتي كلها وأنا واثق من النجاح.
وبعد الفراغ من همّ الامتحانات، أمضيت في القدس اسبوعاً احتفلت خلاله مع زملاء الصف بانتهاء دراستنا الثانوية. وفي هذا الأسبوع، انطلقنا على سجيتنا ولم نقتصد في إنفاق ما كان قد بقي معنا من نقود. وما أكثر ما شاهدنا من أفلام، وما أشهى ما تناولنا في مطاعم شارع يافا! وكانت تلك هي خاتمة إقامتي في القدس. ولم أعلم وقتها أن عقوداً كثيرة ستنقضي دون أن أتمكن من العودة إليها. وإذا جاز لي أن أحكي بإيجاز عما تعنيه القدس بالنسبة لي، فإني أقول إن القدس عندي هي روح فلسطين، روح الأرض وروح الناس، وهي أيضاً العلم أو روح المعرفة.
وما خطرت القدس ببالي مرة إلا حضر الأمران: الأرض والعلم.