استهلال
عنهم ولهم
لم أشعر، يومذاك، حين تسربلتُ بدهشة ولوج تلك المطارح، سوى بتلقائيّة مترنّحة المشي على خطى علّمت الفضاء بحبل مقفّى من سُرّة الشِّعر. ولم أعِ حين تورّطتُ ذات تحية إلى سعيد عقل، أنهم سيسيلون رذاذ قلمٍ، شعراء وأدباء، فيقتحمون البال ويشرعون منازل الحنين، هناك حيث لا يعتريهم صمتٌ ولا ينتابهم رحيل. فأسرجوا الذاكرة وامتطوا أصداءهم يرجعون إليها الصوت، وإلى الملامح بعض وجوه...
في سلام أو ربما تحية، أو حكاية قصيدة تستحق أن تُروى، أنشدوها ذات صفاء، ابتهالًا لوقوع الزمن في هنيهات التجلّي.
هكذا كان. فإذا بي أتسلّل إلى الذاكرة، إلى حيث كانوا، ذات زمان، يملأون المكان والمدارات. الاختيار لم يكن مقرّرًا أو مدروسًا، ولم أتّبع أي تراتبيّة زمنيّة أو أبجديّة أو أيّ معيار أدبي أو فنّي، لكنني كنتُ أمتثل لرغبتهم في العودة فأفتح لهم الباب.
كانوا يدخلون، بوجوههم المشرقة، إلى الصفحات المنتظِرة قدومهم. فمنهم من أتى في ذكراه، وبعضهم في زيارات أخيرة قبل الرحيل، وبعضهم الآخر استجاب نداء الشوق الملحّ.
كتابات عنهم، تحيّة حبّ، انحناءة تقدير، وعودة إلى أصالة وثراء نفتقدهما في زمننا. لذا كانت هذه المجموعة، اقتطفتها من مقالات نشرتُ معظمها في مجلة "النجوى - المسيرة" اللبنانيّة بين 2007 و2010 . ليست دراسات أكاديميّة أو نقديّة أو بحثًا تقليديًا، إنما اجتهاد شخصي وتنقيب ممتع لاقتفاء آثار وجوه خلقت فيَّ شغفًا لا ينتهي.
مقدّمة
ماجدة داغر
كتابُ ماجدة داغر الجديدُ هذا "بيت الذاكرة والقامات العالية"، يُشبه ديوان شِعر في صلب التّجديد؛ ويُشبه كتابَ مقالاتٍ وِجدانيّة غاية في الحميميّة الصّادقة، المتوهِّجة؛ ويُشبه سيرةً ذاتيّةً غَيْرِيّةً، في الآن عينِه، ضاجّةً، صاخبةً، مُرَوَّسةً، تَقتحم فضاءَ الذّاتِ الحاسمةِ بجرأةٍ أخّاذةِ الألوانِ والعطور.
كيف يكون ذلك، وهو كتابُ مقالاتٍ أدبيّة، مناسَباتيّة، فيها الجَمْعُ والأفقيّةُ والإسقاطيّةُ والموضوعيّةُ الإخباريّةُ الإبلاغيّةُ التّثقيفيّة؟
هو في هذا، كما في سِواه، سِرُّ هذه الكاتبةِ الشّاعرةِ الإعلاميّة الشّابّة. لا تُقحِمُ ذاتيّتَها في كتابتها، لا، إنّما تَنْسَلّ ذاتيّتُها بعفويّة نبْضِ القلبِ وغَلَيانِ الدّماءِ في الشَّرايين، إلى كتابتها: نثرًا وشِعرًا. الكتابةُ عندها فَيْضٌ تلقائيّ. تتدفّق ذاتُها من دون انتباه، حارّةً، حميمةً، هادئة أو صاهلة، خافتة أو صاخبة، لكنّها حُرّةٌ دائمًا، حيّةٌ دائمًا، ودائمًا ناضجةٌ، واثقةٌ، فتّانة.
لقد اختارتْ كاتبتُنا أعلامًا في الأدب: نثرًا وشِعرًا، ومن كلّ مكان: شرقًا وغربًا. كلٌّ منهم مميَّزٌ بتجربته الصّادقةِ الذّاتيّة، منطلِقًا منها إلى رحاب الكونيّة، من هنا جِدّتُها وشخصيّتُها وابتكاريّتُها. واستطاعت أن تنقلَها إلينا بشفوفيّة رقيقة، وعفويّة مبتكَرة، وثقة جامحة، فبدتْ نصوصُها هذه شديدةَ الخصوصيّة، آسِرةَ التّعبير، شيّقةَ الأسلوب، من دون وقوعٍ في غرائبيّةٍ مُدّعية، أو انسياقٍ في تلقائيّة جَوفاء.
يُشبه ديوانَ شِعرٍ تجديديّ، قلتُ؟ إليك ما يشير إلى هذا. إنّ تعابيرَ مثل: "تَسَرْبَلْتُ بدهشة وُلوج تلك المطارح"، "ناسيًا رمادَه منثورًا في أغنية"،"الورد المُقَفّى"، "ذات عشق"، "ذات لهفة"، ومثلها وفيرٌ وفيرٌ على امتداد الصّفحات، ألا يَشي بشعريّة فائرة، فائضة، حيّة؟ إنّها مَعانٍ ارتدت ثوبَ الكلماتِ الحارّة النّابضة صورًا ورؤى. أوَليس الشِّعر في بعض وجوهِه معنى وصورة ورؤيا، إلى غرائبيّة تعابير مفاجئة لا إبهام يُظلِمُ فيها؟ ألآسِر في الأمر، أنّها تعابير في مقالات/"دراسات" أُدرِجت في صُحُف وما كان همّ صاحبتِها أن يضمَّها كتاب؛ وأنّها سالت على القلم ولا صناعة أو ادّعاء أو "اغتصاب" للألفاظ أو التّعابير. ظلّت الرّشاقة العفويّة سيّدة الكلام.
من هنا كون "بيت الذاكرة والقامات العالية" وِجدانيًّا يَحكي سيرةً غَيريّة انطلاقًا من موقعٍ شخصيّ، لَكأنّما الكاتبةُ مرّرت سيرة فلان من الأدباء الكتّاب أو الشّعراء، لتمرِّرَ، من خلالها، مَلامح من سيرتها هي، في أحلامها، رؤاها والرّغائب. هي تترك تعبيرًا يتهادى، تراه بعيدًا من سِياق كلامِ السّيرةِ الّتي تضع، لكنّه في صميم سيرتها هي. ربّما أنّها لم تتقصّد هذا، لكنّه اللاوعيُ الكتابيُّ الجارف! ولا مُشكِلة.
واللافتُ في الكتاب أيضًا، أنّ الكاتبةَ ارتقت، بمناسبة النّصّ، إلى مُناخ أدبيّ كونيّ. كأنّ المناسَبة حدثٌ يوميّ عامّ، شائع، يهمّ الجميع وأينما كان، ما جعل المقالات "مقامات" فكريّة، إنسانيّة، شموليّة. وهذا عنصر نجاح إضافيّ؛ فمن صفات الأدب الحيّ المُخَلِّدة: "الفكرويّة"، "الإنسانويّة"، الشّموليّة.
الكتاب الجديدُ هذا، إضافةٌ لافتة. في الإضافة جِدّة. في الإضافة الجديدة المُفيدة، تَمَيُّزُ شخصيّةٍ وقلم. هنيئًا لمَن يمتلك مثلَ هذا التَّمَيُّزِ، وهو لا يزال في بداية مشروعِه الأدبيِّ الطَّموحِ المُغاير.
إيلي مارون خليل
الفصل الأول
من العالم إنهيدوانا الشاعرة الأولى في التاريخ
سومريّة العطر والقصيدة
"أنا الكاهنة إنهيدوانا
حاملة سلّة البخور، أنشد ترنيمتك السعيدة
لكنّني، الآن، لم أعد أسكن المعبد المقدّس الذي شيّدَته يداك.
أتى النهار وجلدتْني الشمس
وأتى ظلّ الليل وأغرقتْني الريح الجنوبية.
صوتي الرخيم الحلو كالعسل صار نشازًا
وكل ما أمتَعني تحوّل غبارًا.
آه أيها الإثم، يا ملك السماء، يا قدري المرير
إلى الإله "آن" بلّغي شكواي وهو سوف يخلّصني
...أنا إنهيدوانا، أتضرّع إليك إنانا!".
من قصيدة "تسبيح من أجل إنانا"،
التوقيع: الكاهنة الكبرى
المكان: مدينة أور - بلاد الرافدين
الزمان: الألف الثالث قبل الميلاد...
أن نستحضر الأزمنة السحيقة، مغامرة تقود إلى النشوة. وأن نستدعي الشعر من تلك الأزمنة، معابثة تؤدي إلى الإدمان. أمّا وأن نستجلب الشاعرة من خَدَرها السرّيّ الموغِل في الانسياب، والكاهنة من عبق بخورها وأسطوريّة مذبحها، ونقتلع المحاربة من غمد سيفها الطاعن في الممالك، ونسرق قمرًا من حضن العاشقة، فَذُروة إدمان النشوة!
"الكاهنة الكبرى زينة السماء"، سومريّة الاسم والعطر والقصيدة. "إن - هيدو- آنا"، هذا هو اسمها، ومعنى مقاطعه الثلاثة المنقوشة على تاريخ حفظه رنين اسمها من التلف. إنهيدوانا أميرة "ميزوبوتاميّة"، رفَدت إلى حاضرنا في قصائد طينيّة عمرها أربعة وأربعون قرنًا. مع الرافدَين هدَرت ابتهالاتها "الإنانيّة"، وليس المقصود هنا حرفيّة الصفة، بل انتماء مطلقًا لإنانا إلهة الحب والخصب والجمال عند السومريين، تمامًا كعشتار الأكاديّة، وفينوس اللاتينيّة، وأفروديت الإغريقيّة، وكما عشتروت الفينيقيّة، فرنّمت لها هذه الشاعرة ثلاث تراتيل طويلة من أناشيدها الخمسة والأربعين المكتوبة بالسومريّة على رُقُمٍ مسماريّة قبل 4400 سنة. وكان اكتشافها على ألواح من الطين في جنوب العراق في عشرينيّات القرن الماضي، حدثًا تاريخيًّا شعريًّا سبَر قرائح الشعراء، ونصّب إنهيدوانا ملكة الشاعرات وأولاهنّ في التاريخ. أقدم الحضارات هي السومريّة التي استمرت نحو ألفي سنة، بين 3000 و1000 ق. م. في جنوب بلاد ما بين النهرين، وكان الشعر من أرقى اهتمامات هذا الشعب الذي اهتمّ بالفنون والأدب والفلك والعمارة، والكتابة التي امتازت عن الهيروغليفيّة باستخدامها الحرف عوض الصورة، فكانت منهل الحضارات المتعاقبة.
خادمة إله القمر "نانا" والد الإلهة إنانا. على لوحة من المرمر هكذا اكتُشف وجه إنهيدوانا في طقس عبادة إله القمر عام 1927 في معبد في مدينة أور العراقيّة، فأطلّت أوّل شاعرة في التاريخ وفي سِماتها دَفقٌ لا ينتهي، لتلك الأرض الغائرة خلف الحضارات والأساطير والآلهة والممالك وإنكيدو وجلجامش، وفي ملامحها قصة أميرة شاعرة، وفي أسفل اللوحة: "إنهيدوانا ابنة سرجون ملك الجميع". سرجون الأكاديّ أو "الأعظم"، مؤسّس السلالة الأكاديّة وأوّل إمبراطوريّة في التاريخ التي امتدّت من عيلام إلى البحر المتوسّط، عهد إلى ابنته الشاعرة درع المقاتلة، بعدما أولاها عباءة وبخورًا لتكون أوّل امرأة تشغل منصب "الكاهنة الكبرى". وها هي تحمل قصائدها وابتهالاتها ودرعها الجديدة لتبني أوّل دولة مركزيّة في العراق القديم، وتجمع بين الحضارتين السومريّة والأكاديّة المختلفتين ثقافيًّا ودينيًّا. وها هي أناشيدها، ولا سيّما "تسبيح من أجل إنانا"، تكشف، بلغة شعرية متألّمة متضرّعة، هول ما عانته من تعذيب ونفي ثمنًا لقيام دولتها، فتستعطف إنانا وتستثير قوّتها وألوهيّتها:
"أستعطفك أقول لك كفى/ هذا القلب الحقود المرير والحزين/ يا سيّدتي في أيّ يوم ستساورك الرحمة/ وكم سيطول عويل صلواتي النائحة/أنا لك فلِم تذبحينني؟
(...) مليكتي/ أنتِ الافتراس كله في قوّتك/ جميع الآلهة العظام/ فرّوا أمامك مثل خفافيش مرفرفة/ لم يستطيعوا الاقتراب من جبينك المهيب/ مَن يستطيع أن يهدّئ قلبك الغاضب/ يا مَن لا يمكن تهدئة غضبها، يا ابنة الإثم/ يا ملكة، يا الحاكمة المطلقة في البلاد/ الجبل الذي امتنع عن تقديم الولاء لك/ يبست أعشابه وصارت قاحلة/ أحرقت النار بواباته العظيمة/ أنهاره جرت دمًا بسببك/ ورجاله الأقوياء خرّوا أمامك... أنا إنهيدوانا أتضرّع إليك/ كل ما أمتعني تحول غبارًا/ ودموعي مثل شراب حلو/ أنا من أنا بين المخلوقات البريّة/ آه أيتها الملكة التي ابتكرت النواح/ مركب النواح سيرسو في أرض معادية/ وهناك سأموت، أنشد الأغنية المقدّسة...".
"في منتصف الليل، كوّمتُ الجمر في المبخرة وولدت القصيدة". هكذا تولد القصيدة الأولى في التاريخ من إرهاصات أوّل شاعرة، ابتكرت خيالًا للقصائد، وأوجدت تاريخًا للشعر. فصارت هذه الترانيم جزءًا من التاريخ الأسطوريّ السومريّ المليء بالملاحم والحكايات والأناشيد التي استعارت منها الآداب القديمة، ولا سيما العبرية، الكثير من رموزها ودلالاتها وبُنيتها. فقصة موسى التوراتيّة، تشابه إلى حد بعيد، قصة الملك السومري سرجون المدوّنة على رقيم طينيّ: "والدتي الكاهنة حملتني جنينًا وأنجبتني سرًّا، ووضعتني على فُلك من ورق البردى وأحكمَت رتاج الباب. حملني النهر الى فلّاح اسمه أكي فربّاني كابنه. وخلال عملي في الحدائق، رأتني عشتار وأحبّتني وعلى مدى أربعة وخمسين عامًا كان المُلك لي". وربما حمل العبرانيّون معهم شذرات من هذه الحضارة في فترة السّبي، فبعض ما اكتُشف من القصائد السومريّة المغنّاة، يتماهى مع بعض الآثار الشعريّة في التوراة، وخصوصًا "نشيد الأناشيد" الذي تذكّر به الى حدّ بعيد تلك القصيدة للمغنيّة السومريّة "بلبالة"، التي فكّ رموزها عالِم الآثار صامويل كريمر:
"أيّها العريس الحبيب إلى قلبي/ جمالك باهر حلو كالشهْد./أيّها الأسد الحبيب إلى قلبي/ لقد أسرْتَ قلبي فدعني/ أقف في حضرتك وأنا خائفة مرتعشة/ أيّها العريس ستأخذني إلى غرفة نومك/ دعني أدلّلك/ فإن تدليلي أطيب وأشهى من الشهْد/ نمْ في بيتنا حتى انبلاج الفجر/ ولأنك شهوانيّ، هبني بحقّك شيئًا من تدليلك وملاطفتك/ يا مولاي وسيّدي الحامي/ موضعك جميل حلو كالشهد/ فضع يدك عليه/ قرّب يدك عليه كرداء".
شرّعت إنهيدوانا أبواب التاريخ الواسعة أمام بحوث في شعريّة تلك الحضارة، فصار اسمها دليلًا إلى تلك الأرض الخصبة استخدمته باحثات وشاعرات وأديبات، لتقصّي ماضٍ ثقافي يؤرّخ لحضور المرأة شعريًّا واجتماعيًّا ودينيًّا، إنها "صوت حازم وقوي تحتاج النساء سماعه" كما تقول الأكاديميّة الأميركيّة روبرتا بنكلي. وفكّت قصائدها المكتشفة لغزًا قديمًا أحاط بالأبعاد النفسيّة لامرأة ما قبل التاريخ، التي أظهرت إبداعًا وسطوة لحضور أنثويّ شغلته قضايا إنسانيّة ومجتمعيّة كبيرة. فصار أريج أنهيدوانا الكاهنة الشاعرة العاشقة والمقاتلة، يفوح مع كلّ نسيم سومريّ، فيضوع تاريخ من بين أبياتها، يضجّ في صداه صوتٌ شعري رقيق، مرفرفًا فوق حضارة أسّست لحضارات لاحقة، حاملًا منها أسرار آلهة وأساطير وممالك مندثرة، واسم أول شاعرة دوّنت إلهامها في التاريخ.
المعلّمة سافو ربّة الشعر العاشرة
لا العسل تشتهيه نفسي ولا النحل
من القيثارة ذات الأوتار الشَّبِقة، أنفاسٌ متثاقلة تفوح أنغامًا منتشية، يداعبها رنين كؤوس الحب الممزوج بالنبيذ، فتتنهّد "أفروديت الواقفة بخفّيها الذهبيين".ومع تلك القيثارة المتعرِّقة ألحانًا وطقوس حبٍ وجمال، تنشد عاشرة ربّات الشعر والفنون قصائدها المحترِقة بخورًا، لـ "إروس الهابط من السماء مرتديًا عباءة جندي بلون الأرجوان"!
هذا ليس احتفال الآلهة بولادة قوس قزح، ولا طقسًا وثنيًّا ولا أسطورة، على الرغم من الميتولوجيا الملوِّنة مدارات سطوره. وهي ليست إلهة، على الرغم من الخلق المتدفّق في شِعرها ومن شفتيها. وحتى بحضورها الخرافيّ السطوة، هي حتمًا... ليست خرافة!
هي بألَقٍ، "الإغريقيّة "سافو": أعرق شاعرات التاريخ. Sappho أو "الصوت النقيّ". مَن لم يستمتع بنقاء هذا الصوت الإغريقي الآتي من بلاد الحكماء وأرض الألياذة، لا بدّ من أن يحبس أنفاسه لالتقاط كلماتها الأبدية: "على الرغم من أنها ليست سوى أنفاس، فإنّ الكلمات التي تصدر عني هي أبديّة". عجبًا! كيف حدسَتْ شاعرة "ليسبوس" التي عاشت بين القرنين السادس والسابع قبل الميلاد؟ فكلماتها قطعت شوطًا كبيرًا نحو الأبد!
ربما لم تكن سافو أولى شاعرات التاريخ، هذا إذا توغّلنا عميقًا في الأزمان الغابرة. فـ "إنهيدوانا" السومريّة سبقتها بأكثر من ألف وسبعمئة عام. وربما لم تكن سافو شاعرة الإغريق الوحيدة: بريسيللا، كورين، أنيتي، إيرينا وغيرهن، كنّ أيضًا شاعرات زمنذاك. لكنّ "السافويّة" صارت مفردة ملاصقة للملكة الشعرية الراقية، وهذا ما قصده ديورانت عندما قال: "إذا ذكر الأقدمون كلمة "الشاعر" فإنهم يعنون هوميروس، وإذا قالوا "الشاعرة" فإنهم يقصدون سافو".
أعادت سافو زمن الشعر الغنائي الذي ازدهر في تاريخ الأدب اليوناني، من خلال أناشيد ملتهبة جامحة ترشح من موسيقاها الرغبة والحب وألوان الجمال، وترقص على إيقاعها المتهدّج فتياتها المحبوبات أو "صحبها" خادمات إلهة الوحي. وفي أوج تأثير هوميروس والشعر الملحميّ على الأدب الإغريقيّ، تسلّلت قصائد سافو لتشكّل حالة شعرية ليريكيّة تصدح في نواحي ميتلين من جزيرة ليسبوس على شواطئ آسيا الصغرى، حيث كان لهذا النوع من الشعر وقعٌ محبّب امتدّ إلى ما جاورها من المدن. فكانت أفسوس وسميرنا وفوكايا وميليتوس أيضًا مدنًا شاعرة في عهد من الاستقرار والثراء. في ليسبوس إذًا، برزت هذه "المرأة الفذّة العجيبة" كما سماها المؤرّخ اليوناني الكبير سترابون، شاعرة، موسيقيّة، "معلّمة"، تغنّي شعرها برفقة قيثارةٍ من واحد وعشرين وترًا، ابتكرتها لتعزف عليها وتبثّ خلجات قصائدها:
"أخذتُ قيثارتي وأنشدتُ/ تعالي الآن يا صدفة سلحفاتي المقدّسة: كوني آلةً صادحة... سوف نستمتع بالغناء معًا/ مثل مَن تجد في الخطايا، وربما في الحماقة والحزن ما ينسيها...".
في فضاء من الغنائيّة الكثيفة المُغرقة في الجماليات الشعرية، كتبت سافو أشعارها التي تحتفي بالحب والزواج وتفيض متعة ورغبة ووجدًا، في تداخلٍ حسيٍّ مفرط وروحانيّ مُسرف، فتناجي آلهة الإغريق في طقوس من الابتهال، ويزخر معجمها بمناخ ميتولوجي يضفي على قصائدها جلالًا وسحرًا وغِنى. فتظهر"هيرا" (زوجة الإله زيوس وراعية الأعراس)، و"ليتو" الفتاة التي حملت من زيوس بالتوأمين الشهيريَن "أبولون وديانا" إلهَي الحب والجمال، في مونوديا (أناشيد منفردة) حالمة تنشد عوالم الآلهة. فها هي تنادي "إروس" إله الحب: "هزّ إروس روحي مثل ريح الجبل/ عندما تهبّ على شجرات السنديان". و"حين رأيت إروس هابطًا من السماء/ كان يرتدي عباءة بلون الأرجوان". ولأفروديت المحبوبة التي استحوذت أبلغ المناجاة والأناشيد قصيدتان كاملتان: "أنشودة أفروديت" و"إلى المحبوبة". كانت سافو تقيم لها طقوس الإجلال في المعبد المقدّس على شاطئ الخليج الكبير في مدينة ميتلين:
"سألتُ نفسي ماذا يمكنك يا سافو أن تمنحي مَن في يديها كل شيء مثل أفروديت؟ وأجيبها: سأحرق قربانًا من عظام الفخذ المكسوّة بالدهن لعنزة بيضاء، على مذبحها". ولشدّة هيامها بإلهة الحب كانت تراها: "واقفةً إلى جوار مخدعي بخفَّيها الذهبيَين.../ في تلك اللحظة أيقظني الفجر". وشكّلت أغاني الزفاف القسم الكبير من شعر سافو، فكانت تمتد حتى الفجر غناء ورقصًا للعروسين، "وأقدام فتيات كريت الرقيقة، تتحرّك على الإيقاع/ وتتراقص حول مذبح العشب الزهري الأملس الناعم".
الوزن "السافويّ" أو مقطوعات عُرفت باسمها ابتكرتها سافو في ما يشبه الرباعيات، تتألّف من ثلاثة أبيات طويلة ورابع قصير، استخدمها شعراء بعدها مثل كاتوللوس الذي ترجم لها قصيدة مستخدمًا أوزانها، وكذلك هوراس. هذه "سافو الجميلة" كما ناداها سقراط، على الرغم من أنها لم تحظ بمقدار كافٍ من الجمال، فهي تصف نفسها في قصيدة إلى حبيبها البحّار "فيون":
"إن كان القدر القاسي قد حرمني جمال الجسد/ فإن نبوغي يعوّضني هذه العيوب/ إن بدا لك قوامي ضئيلًا/ أو أنني أحمل مقياس اسمي الصغير/ فلا تنظر إليّ نظرة احتقار، (...) أنا أتقن فنّ الحب/ الإتقان كلَّه".
إلّا أن صاحبة القوام الضئيل أتقنت أيضًا فنّ الخلود، فتفوّقت على الأسطورة وصارت الأيقونة المذهّبة وربّة الشعر والفنون التي فتنَت أفلاطون الفيلسوف فقال: "ما أعظم غباوة من يقولون إن ربّات الشعر تسع، فليعلموا أن سافو ابنة مدينة ليسبوس هي العاشرة".
ليسبوس التي أعطتها سافو منزلة في تاريخ الشعر والفن، أعطت بدورها الشاعرة صفة لازمتها مع ذكر اسمها، فاسم هذه الجزيرة تشتقّ منه لفظة Lesbanisme أو المثليّة الأنثوية، التي لاصقت سافو وصارت رمزًا لها. ففي بعض أشعارها ما يدلّ على انجذابها لهذا اللون من الحب الجارف الذي كانت تنشده بشغف لتلميذتها أفيس، هذه القصيدة الملتهبة أشعلت كل ما قيل عن حياتها الحميمة:
"لقد أحببتك يا أفيس منذ زمن بعيد"، "إذا رأيتك لحظة قصيرة، خشع صوتي وانعقد لساني، وسَرَت في أضلعي نار يحسّ بها مَن حولي، ولا تبصر عيناي شيئًا، وفي أذني تطنّ أمواج من الصوت عالية، ويتصبّب جسمي عرقًا فيجري أنهارًا، وترتجف كل أعضائي". وعن أفيس تقول متحسّرة: "لن أرى أفيس بعد اليوم، ولا فرق عندي بين هذا والموت". على الرغم من العشق المتغلغل في سطور هذه القصيدة إلى أفيس، بقي هذا الجانب الحار من حياة سافو ضبابيًا، فأنكر بعضهم ميولها المثلية ووضعها من ضمن الافتراضات. وسبب ذلك أن الشاعرة الغنية المواهب، كانت تملك مدرسة من أشهر المدارس في ميتلين، لتعليم الفتيات أصول الأناقة وآداب اللياقة والسلوك، والقيم (والمثلية منها؟) التي تهجرها الفتاة عشية الزواج. وكانت تعلّمهن الشِّعر والفن والرقص وإعداد الأكاليل والورود، وكانت تُشرك الفتيات اللواتي كنّ على مستوى عال من الجمال والذكاء والمهارة، في الحفلات وأعياد الجمال التي كانت تقام لأفروديت. كانت فتيات سافو من أرقى العائلات اليونانية والأرستقراطية، لذا يرى بعض الباحثين أن إقبال هذه العائلات على مدرستها يبعد عنها هذه المزاعم. لم تكن سافو أول من أسّس مثل هذه المعاهد، فقد ذكرت، وبنبرة غاضبة، مدارس أخرى كانت تُخرّج مغنّيات وراقصات وكاهنات للمعابد، منها "أندروميدا" و"جورجو"، لكن مدرستها كانت الأشهر.
حياة سافو الغامضة بقيت لغزًا خلال عصور، وخصوصًا أن ما تبقى من قصائدها هو المرجع الوحيد لاكتشاف سيرتها الملأى بالأسرار والأحداث والمغامرات التي جعلت منها امرأة استثنائيّة. لكن الأكيد أنها تزوجت من رجل ثري يدعى سركولاس وأنجبت منه فتاة هي كليس التي أنشدت لها الكثير من القصائد:
"نامي يا حبيبتي/ لي ابنة صغيرة اسمها كليس، تلك التي/ تشبه زهرة ذهبية/ ما كنت أبدلها/ مقابل مملكة كرويسوس".
وبسبب نشاط زوجها السياسي (وربما عملت هي أيضًا في الشأن السياسي لأنها أنشأت جمعية نسوية اسمها Thiasos ) نفاها الطاغية بيتا كرس إلى صقلية بين 603 و595 قبل الميلاد، لتعود بعدها إلى ليسبوس وتستعيد حياتها الفنية والأدبية. لم يستطع الزمن النَيل من حضورها، ولا القرون المتتالية تمكّنت من اختطاف بريقها، فبقيت صاحبة "لا العسل تشتهيه نفسي ولا النحل"، مثار جدل وإعجاب امتدّا من عصرها، إذ عمد الميتليون (مواطنو ميتلين) إلى طبع صورتها على عملتهم، وحفروا وجه شاعرتهم على الآنية والتحف. كما ثمل كثرٌ من خمرتها الروحية، واستلهم كثرٌ من شِعرها وعطرها في العصور، فقال أحد النقّاد: "كل فكرة في إحدى قطع شعرها الباقية، استعارها شاعر إغريقي أو روماني، أو حتى شاعر معاصر". وكانت الـ "ديفا" التي حلم بها "صولون" حاكم أثينا وأحد المشرّعين الأوائل وقال: "أتمنى أن أحفظ شِعر سافو قبل أن أموت". هي من أكثر الأسماء الشعرية استحضارًا امتدادًا إلى عصرنا، على الرغم من تلك الهالة المبهمة التي تحيط بحضورها السوسيولوجي-التاريخي-الشعري، وعلى الرغم من الجزء اليسير المتبقّي من شعرها في شكل كلام غير مكتمل أو شذرات، لكنّه كان كافيًا لينبعث منه نور كُتب به ولم يندثر، فيقول غي دافنبورت، أبرز مَن عمِل على ترجمة أعمالها: "الكثير من الأجزاء هي كلمات وتعابير كانت يومًا قصائد، وهي تشبه التماثيل المحطّمة التي تنطق حتى في خرابها"!
هذه الأنقاض الشعريّة التي وصلت إلينا، والتي جعلتنا نحتفي بشاعرة من قبل التاريخ، كانت نتاجًا كاملًا يضمّ عصارة فكرها وإبداعها، في تسعة مجلّدات جُمعت في القرن الثالث قبل الميلاد، احتوى أحدها ألفًا وثلاثمئة وعشرين بيتًا من الشعر. أما ما تبقى من هذا الإرث الأدبي، فهو فلذات من شطر أو أربعة شطور أو شذرات وفتات قصائد، فيما كانت تتألف قصائدها من مئة شطر. أما كيف اختفت آثارها الشعرية، فهذا ما يرويه المؤرّخون بغصّة مَن فقدَ كنزًا أدبيًا نادرًا. ففي العام 380 م أحرق المسيحيون كتبها بأمر من الكنيسة وعلى رأسها البابا غريغوري نازين، وفي العام 1037م طال حريق آخر أمَر به البابا غريغوري السابع آخر كتاب لسافو، ماحيًا بذلك تاريخًا عظيمًا من الآداب الإنسانية.
وفي انبعاث للحضارات التي لا يقوى الزمن على إخفائها، كانت الحضارة المصرية الفرعونية الرافد الأساسي لظهور هذه القامة الشعرية في التاريخ الحديث. فعثر الباحثون، العام 1897 في توابيت الفيّوم المصرية، على لفائف من أوراق البردى تحتوي مئات القصائد، عمل الدارسون على إنقاذ ما أمكن من كلماتها المعمّرة آلاف السنين. أما آخر اكتشاف لنص سافويّ فكان في العام 2004 داخل تابوت لمومياء مصرية قديمة، أُعلن عنه في جامعة كولون على أنه مخطوطة لسافو من القرن الثالث قبل الميلاد، ومنه: "أثقلت الأحزان قلبي/ ولن تقدر ركبتاي على حملي/ ركبتاي اللتان كانتا ذات يوم/ رشيقتين في الرقص كما صغار الظباء...".
كتاب "الشاعرة الإغريقية سافو: لا العسل تشتهيه نفسي ولا النحل"، هو آخر ترجمة حديثة إلى العربية، قام بها الشاعر الأردني طاهر رياض بتعاون مع د.أمينة أمين، صدر في دمشق عن دار كنعان. وكان الكاتب المصري عبد الغفار مكاوي أول من ترجم أشعارها إلى العربية في الستينيات، وأعيد نشرها حديثًا.
"لم يكن يخطر لي أنّني سألمس السماء بيدي...سوف يذكرني بعض الناس، في زمن متأخّر...".
في زمنٍ تأخّر كثيرًا يمرّ ذكرك اليوم سافو، وأنفاسك- الكلمات التي كانت لهاثك منذ الفين وسبعمئة عام، هي أبديّة. أما السماء التي لمسَتها يداك، فقد علّمتْ فيها أناملك قصيدة خلود زرقاء...