صفحة 1
على عتبة النص
قالت لي الغجرية
قال الراوي:
في صيف بعيد، كنت وصديقي في مدينة سخومي، عاصمة إقليم أبخازيا· هناك، على شواطئ البحر الأسود أمضينا إجازتنا الصيفية· نتمتع بالصيف الساخن والبحر الدافئ والطبيعة الخلابة·
في الطريق روى لي صديقي طرفة جميلة، عن شعوب المنطقة·
قال:
ذات يوم سألت المربية تلاميذ الصف الثالث· ماذا يعمل آباؤهم: واحد قال إن أباه يبيع الزهور في موسكو· آخر قال إن والده يحلب المواشي· وثالث قال إن أباه صاحب بسطة في البازار· ورابع قال إن أباه مهندس في المصنع· علا صخب التلاميذ وقهقهوا· قالت المربية، تؤدب الأطفال: عيب! عيب يا أولاد، فلا يجوز الشماتة بالآخرين والضحك على مصيبتهم!!! وعندما جاء دور أندريه تجاوزته المربية، علما بأنه يعيش مع والدته بلا أب· لكن أندريه لا يمكن تجاوزه· وقف وقال: وأنا؟ أنا! أبي حزبي· التوت أعناق الصغار نحوه· دهش الجميع، وخرسوا، حتى هؤلاء الذين يعرفونه جيدا· همست المربية، فهي تخشى أن يسمعها أحد: في القبور وعظامهم تجرح·
ذهبنا إلى بازار. المدينة· إلى السوق· ليس بهدف التسوق وإنما شطحة أو رحلة استكشاف، نتعرف على شعوب أخرى، خاصة تلك الشرائح الشعبية التي تعيش في قاع المجتمع: عاداتها، تقاليدها ومنتوجها· سعيها الدؤوب للرزق وكفاف عيشها· أنماط حياة جديدة، قطعا هي مغايرة لحياة المدينة الأوروبية· عموما فَالسَّيْرُ في البازار فيه متعة للروح وبهجة للنظر· أنا أهوى تلك الأماكن· أعشق روائح البقول والتوابل، وزحمة الناس· أشنف أذنيّ بترنيمة صوت الباعة الرنان····
صياح الباعة، والقرويات اللواتي يعرضن البقول بأنواعها العديدة المتعددة· أعشاب الجبل وتوابل مستوردة وأخرى من مشاتل الريف· كل أنواع منتجات الألبان الدسمة· صيد البحر الطازج والمقدّد وأحيانا المُعَلَّب· وأنواع الفواكه المجففة وتلك التي قطفوها حديثا· أصناف المخللات وأنواع النقانق، تتباين في أشكالها وتتمايز بأنواعها وطريقة تحضيرها البيتي، تتدلى أصابع على أعواد فوق البسطة. التسالي من بذور ومكسرات، لا تحصى أنواعها· الخبز البلدي وفطائر من الأجبان أو البقول، يستلها الخباز، أمامك من بيت النار· دنان الخمور أحمرها وأبيضها···
صفحة 2
كل شيء شهي، معروض على بسطات الفلاحات، في لباسهن: الخمار الملون الزاهي والعباءة المشقوقة نصفين، كقمباز فلاحي بلادي، قبل أن تتبندق. قرانا· الثوب الفلاحي المطرز والعقصة. أو عصبة الرأس، التي تشي بأصولهن الجغرافية والإثنية· كادحات هؤلاء النسوة، أشقاهن التعب وهدتهن أعباء المسؤولية·
بائع القهوة، كهل يحمل جماله بمرضه· والألم يتجسد في كل الابتسامات، التي يوزعها على زبائنه· ابتسامات مغتصبة، مسروقة من الحزن· العوز مسخ ملامحه· الهَمُّ والبؤسُ أدميا مدامعه· في .وجاق. مملوء بالرمل، تحته موقد النار من الفحم الحجري، أربعة أو خمسة أباريق قهوة· قلت له: إنني عربي، وأتمنى أن أحصل على فنجان قهوة صباحية، كما عودتني أمي· ابتهج واحتفى بي كثيرا· في إبريق صغير راح يحضر لنا قهوة جديدة، .بكر. قال: سوف تشكر أمك··· فأنا أحب الإسلام والبترول· قلت، في خلدي· وهل يحب الفقير شيئا غير المال والله؟! استمتعت كثيرا بقهوته فشربت أكثر من فنجان· نقدته كأنني شيخ وهابيٌّ متزمت، يملك بئر بترول·
وقفنا أمام خمارة السوق· البسطة مكتظة بزبائنها· في العراء الفسيح، تحلقنا وقوفا حول طاولة مرتفعة· كان بعض رواد الحانة يرتشف النبيذ والبيرة، وآخرون ينتظرون دورهم، بلا زحام· طلبنا دنا من النبيذ الأحمر،العيون السود.، وبعض أصابع النقانق وأقراص الجبن وخبز الفرن· في أجواء ريفية تشهينا الإفطار والشراب· لا يخلو المشهد من أناس زادوا المعيار قليلا فعلا صوتهم وخشن كلامهم· سوق وخمارة! فكيف، إذا اجتمعا في واحدة؟!
في زحمة المكان، تتجول غجرية· أسمالها البالية فضفاضة، لكنها تعجز عن ستر جسدها النحيل· امَّحت منها الألوان الزاهية، بهت الأحمر القاني وكلح الأصفر الساطع· تشيل على خاصرتها طفلا رضيعا، لم يتجاوز عمره السنتين· في عينيه استقرت المتاهة والحيرة·
في فولكلوري القديم: الموسيقى والغناء الغجري جميلان جدا، والنورية لاعبة بهلوانية قديرة، ولا بأس إن مارست بعض الخداع والنشل.، والزُطِّية سليطة اللسان، معزرة. وكلهن قارِئات كف وأيديهن خفيفة· في بلادي، يعيش الغجر في شمال فلسطين· وفي الغور يعيش النَّور· وحول مدينة الزرقاء يعيش الزط· ترى هل هم، في أصولهم، قبائل هندية نقية؟ أم أنهم خليط من قوميات أخرى؟ هل هم أسماء متعددة للمسمى ذاته؟ سمعت رأيا أكاديمياً يقول: إن الغجر ليسوا نورا، والزط لا هذا ولا ذاك!!! لست أدري·
صفحة 3
على كل حال· اقتربت منا قارئة الكف الغجرية، كما يظهر، شخصتنا كزبائن محتملين· بسطت يدها نحونا وشهقت تستفز فينا هول المصير· وتعدنا أن تنزل النجوم، تقرأ لنا الغيب ومسيرة المآل· تدلنا على طريق السعد والنجاة· قالت: بيض كفي· بيض الله أيامك والليالي· نظرتُ مشدوها إلى هذا الجمال الشرقي المغطى بالأسمال والأوساخ: فتاة جمالها يرتجف مثل الضباب· وفي جسدها قوة تؤجج انفعالا فيه حياة· شابة كرزية الشفتين· لوزية العينين· ظريفة الأنف· عيون البقرة، تسيجها أهداب سوداء طويلة ومعقوفة· تعلق عليها لهب خافت من العشق· مهوى القرط! وكيف استعارته من بقر المها· ملامح وجه مَسَحَتْهُ سُمّْرَةٌ خفيفة لطيفة· خد حنطي تفز منه النضارة· وليل غليظ، بلا نجوم، يحاول إيشاَرْبٌ. صغير لملمته، فينثال بلا نظام على الكتفين حتى العجز·
قال لها صديقي، يعاكسها: أُفَضِّلُ أن أحك لك البطن··· بلا تردد، وبلمح البرق، وضعت وليدها على الأرض وشمرت ثوبها حتى العنق··· تاه نظري، في عريها، من أسفلها إلى أعلاها· يمر على رشاقة القد ونضارته، يكمل جمالها المفضوح··· اغلب الظن أنها جاءت بعد أن علقت سروالها على أغصان الشجر وارتدت العري وخفة الحركة·
ترحمت، في خلدي على ما كان للحسن بن هانئ ورفيقه الفضل بن الربيع مع ابنة البادية، صاحبة الخمار. أما صديقي، فمن دهشته غاص في وحل الخزي· مدت يدها وقالت: إدفع··· من هول صدمته، تباطأ في الرد فظنته يتملص من التزامه· زعقت، تزلزل الأرض: ادفع··· ما عاش من يغتصب حق الغجرية· فأثارت انتباه الحضور· أدار الجمع أعناقه نحونا· وانصبت نظراتهم على المشهد· لحظتها فهمت معنى قول أبي الطيب: إذا رأيت نيوب الليث بارزة \ فلا تظنن أنَّ الليث يبتسم· قُلّْتُ له: ادفع بالتي هي أحسن··· هدأ غضبها، بعد أن أدى دينه لها·
رنت إليَّ بعينين متثاقلتين، فاحصة، وسألت: متى اقتلعوك من أصولك وغربوك عن ذاتك؟· أغلب الظن أنها نسبتني إلى القبيلة، وأن الحضر سرقوني من ثدي أمي· فلون بشرتي وملامحي تنسجم مع أوصافها· على كل حال، فالاقتلاع والتهجير، في كينونتي، مفصلٌ، محددٌ واضحُ المعالم· قلت، أجاريها، في وهمها والخيال: في عام الثمانية والأربعين· قالت: اطلب حقك· بإلحاح··· ولا تساوم· قلت، والتورية تنتصر على المعنى، والخيال يصدم الواقع: وكيف السبيل إلى ذلك؟ قالت: المشكلة في من اغتصب الحق، كيف يؤديه، وليست في من يطلبه··· لا تحمل مشكلة غيرك· يكفيك، من الهم مشكلتك·
قدمت لها ما جادت به نفسي وسمحت به ميزانيتي··· ردته وقالت: لا· الغجرية تعيش من عرق جبينها· قلت: إذن هو للرضيع·
سألتها: أين والده؟ أجابت: يتمتع بـ تقصير يوم الدَّجْنِ. يفلي غواني العشيرة، ويتلذذ بطقطقة احتراق قملهن في الموقد··· يسعى في متاهاته··· إذا نظر للخلف يرى تلالاً من زجاجات الخمر الفارغة· وإذا سار إلى الأمام، فكل طفل يلقاه يقول له: صباح الخير، بابا···
استدارت تغادرنا، كأنها شجرة في غاية الوحدة· كلما هطل المطر تبكي· راحت تبحث عن زبون آخر· تمنيت لها أن تنظر فقط إلى الأمام· ردت ببشاشة عذبة وشحتها بنعومة ورقة: أشكرك· هذا دعاء جميل· أتمنى أن يكون أمامك الأجمل والأوضح·
صفحة 4
فيلنوس
عاصمة جمهورية ليتا
قال عبد الباقي:
ليتا، بلد صغير جدا· يومها، كانت واحدة من أربع عشرة جمهورية، يؤلفن، مجتمعات، ما كان يسمى يومها الاتحاد السوفييتي العظيم. قبل أن يتفرفط. في الحقيقة سبق الفرفطة. ترهل شديد في هيبة المؤسسة الحاكمة· وفوضى عارمة اجتاحت النخب السياسية· وتقليد أعمى، بلغ درجة العدمية أمام كل ما هو غربي· لعل الفلكلور الشعبي عبر بصدق عن تلك العدمية· بعض النكات الشعبية قالت:اكتشف. الساسة السوفييت أن بيوت الدعارة في الغرب ترفد على الاقتصاد الوطني دخلا ضخما، فقرروا تقليدها· في الأسبوع الأول تحققت تخميناتهم، حيث جنوا أرباحا طائلة· بعد ذلك بدأ التراجع، حتى سجلوا خسارة·
اجتمعت اللجنة المحلية تبحث الأمر· كيف يمكن لهذا النمط الإنتاجي. أن ينجح في الغرب ويفشل عندنا؟ فرضيات واحتمالات كثيرة نوقشت ثم استبعدت· قال سكرتير اللجنة المحلية: لعل المشكلة في البنات؟ اعترض نائبه: لا يمكن أن تكون البنات سبب الفشل! كلهن رفيقات قديمات مجربات· بعضهن شارك في الثورة· وبعضهن قاتل على الجبهة وساهم في النصر على النازية· ولا يجوز التجني عليهن أو الشك في إخلاصهن للحزب والاشتراكية···
تقع ليتا على بحر البلطيق· في الجهة الغربية من الاتحاد السوفييتي، على حدوده مع بولونيا· فيلنوس عاصمتها· وهي من أقدم المدن، وفيها جامعة وطنية قديمة جدا· يقول أهلها، المتعصبون لحبها، إنها أقدم جامعة في العالم، على الأقل في أوروبا· جئت إليها أثناء عطلة الشتاء·
إلى فيلنوس استقللت قطار المساء من لنينغراد، حيث مكان دراستي، - قبل أن غُيَّر اسمها، بعد الفرفطة، لـ سانت بيتر بورغ. فالوالي الجديد يفرض هيبته على المكان-· كان القطار مجهزا بكل وسائل الراحة: مطعم يتوفر فيه، إضافة إلى الطعام، مشروب كثير· أَسِرَّة نظيفة، في كل قمرة أربعة منها· وسائل التدفئة كافية لطرد البرد القارس، فلا يضايقك أن درجة الحرارة، في الخارج، ثلاثون تحت الصفر··· أنظر من شبابيك القطار· أفق رحب وسهوب واسعة تتمدد تحت بياض ليل القطب الشمالي· تتدلى من أشجار غاباتها عناقيد الثلج· أكوام قطن محلوج ساطع البياض· السماء والأرض، وكل ما يحيط بك، له لون واحد· أبيض· يا لهيبة البياض الشاسع المتوحد! ليل أبيض يملأ أفقا شاسعا، بلا حدود· منظر واسع، يمتد على البعيد مع الطريق، بين الغابات العالية والغيوم المتلوية اللا متناهية· وصفير القطار يمخر صمت الليل، تردد صداه الفيافي، في سكينة الكون· احتكاك العجلات على قضبان الحديد واهتزاز العربات، ودوي ارتطامها· ترنح المسافرين··· كلها، مجتمعة، تؤلف اوركسترا، احتفاء بمسافر الليل·
صفحة 5
قال زميلي المسافر: نتسلى؟ نلعب الورق؟ رد عليه المسافر الثاني: من زمن بعيد لم ألعب، وقد نسيت قوانين اللعب· قال الأول: أترانا مقامرين؟ كلنا في الهوى سوا· نتسلى· سأله: إن كان لديه ورق· أخرج من حقيبته علبة الورق وقدمها له· وضعها في كفه، كمن يزنها· ثم أردف قائلا: ناقصة ورقة واحدة· تدخَّل المسافر الثالث وطلب أن يرى الورق· وضعه في كفه ومرّ عليه، بسرعة، كما تمر آلة عد النقود، تعدها· قال: نعم· ناقصة ورقة تسعة كبة· دهشت وطلبت الورق أبحث عن تسعة الكبة· فعلا لم أجدها، بين الورق· حمدت الله، الذي نجاني من مقامرين· لكن الأول بحث في حقيبته ووجد تسعة الكبة· كانت ليلة، ليست ككل الليالي، كنت فيها الأبله الوحيد· والخاسر الدائم··· الطش.
في الصباح وصلنا محطة القطار في فيلنوس· كان مضيفنا في استقبالنا· وضعنا أمتعتنا القليلة في بيته وخرجنا نستكشف معالم المدينة· بلد قديم، تداخل في عمرانه: الحديث مع القديم· شأنه في ذلك شأن جميع المدن السوفييتية القديمة· عمار كلاسيكي قديم في غاية الجمال· وأبنية حديثة، نبتت بعد الحرب، تسد، على عجل، احتياجات من تهدمت بيوتهم· كان الانطباع العام: بشاعة الحداثة، ونفورها من القديم· بيوت كأنها علب لا تنسجم مع القديم وليس فيها لمسات الحداثة· علب تكدست فوق بعضها البعض، بلا انسجام·
خرجنا من المدينة، إلى مطعم، في إحدى الضواحي· إلى قرية، بيوتها، القليلة مصنوعة من سيقان الشجر، رتبها البناؤون ساقا فوق ساق· نزلنا بضع درجات، إلى بهو واسع· علقت على جدرانه جلود ورؤوس لحيوانات برية، كثيرة: غزلان وأيائل، دببة بيضاء وأخرى بنية، خنازير برية، أرانب وغيرها··· كلها من صيد البراري· كما علمنا فإن المطعم يقدم فقط لحوم حيوانات اصطادوها من البر· فرقة من الصيادين تكفل للمطعم ما يحتاجه من لحم· جميع أنواع الخضروات من بساتين الفلاحات أو من بقول البراري· وخبز، من الشوفان، شديد السُمّْرَة سميك يستله الفران، أمامك، من قلب النار· كُلْ ما تشاء واشّْرَبْ ما تشاء من النبيذ البيتي·جميلتك على حالك، والشاطر من شطارته. سعر الوجبة موحد·
بعد صحن الحساء، من مقادم الحيوانات، تناولنا تتارسكي بيف ستيك. لحمة حمراء، من الفلي، نيئة، مهروسة جيدا وفي وسطها صفار البيض، أيضا نيئ· عليها أنواع كثيرة من توابل الشرق، الذي يذهب زنخة. البيض واللحم النيئ· مذاق النبيذ البيتي كفيل بأن يروض نفور الشهية ويزيل ما تبقى من أثرللزنخة. الوجبة الرئيسية كانت شرائح من اللحم نقعها الطاهي زمنا طويلا في النبيذ الجيد· قدمها لنا على أطباق خشبية، طبلية مستديرة، بعد أن استلها من فوق الجمر· سكين الطعام، خنجر أو شبرية· أكلت كثيرا جدا من لحم الغزال، لدرجة أنني تذكرت أشعب.
بعد وجبة دسمة، امتدت لبضع ساعات، قدم لنا، صاحب المطعم، قهوته المحلية· علامته التجارية، كما قال· أاطفأ الأنوار وجاء النادل يحمل صينية القهوة: كؤوس خزفية، من الحجم الكبير· صناعة محلية، تشتعل، في فوهتها، باللهب المتوهج، يضيء عتمة المكان، ويبطل مفعول البرد· جو رومانسي أخاذ· للقهوة نكهة الكحول ورائحته· ألسنة اللهب المشرئبة من الفناجين، فاكهة الشتاء، كما تقول جدتي، النار فاكهة الشتاء، وإللّي ما يصدق بِنْصلي. مذاق غريب متفرد في نكهته اللذيذة·
في تلك الليلة، عدنا إلى بيت مضيفنا في ساعة متأخرة جدا· سكارى نترنح مرهقين من اللهو والمرح وزيادة في الرقص والطرب· كان قد مضى على نومي، فقط بعض ساعة، عندما جاء مضيفي يحمل الهاتف· على الطرف الآخر كانت تانتشكا·
سلطان النعاس والتعب عطبا لديّ الوعي وعطلا الحواس تماما· على كل حال، كانت المكالمة قصيرة· ومن طرفي، كانت مقتضبة، لم أقل خلالها ولو جملة مفيدة واحدة· اكتفيت: بنعم· لا· وفي الغالب هنهنات·
سألت مضيفي· كم الساعة الآن في جبال الأورال؟ قال: عندنا الخامسة، إذن عندهم العاشرة·
لاحقا، كان، لتلك المكالمة الهاتفية القصيرة، أثر طويل ومفصلي في حياتي···
صفحة 6
عسل الذكريات
عبد الباقي، لمن لا يعرف، زعيم سياسي كبير وقائد شعبي مهم· يتقن فن الخطابة ونثر المقالة· يرطن بألسن عديدة ومتعددة· مثقف كبير، دائرة معارفه واسعة جدا، ملأها من البحور السبعة· وله، فوق ذلك صداقات قديمة مع هيغل وآدم سميث، فولتير وروسو· وهو قارئ متحمس لـرأس المال. والبيان.، وأن الاستغلال يلازمه النضال، فهما أساس الوجود· والقيمة الزائدة هي أساس البنيان، وحجر الزاوية- الذي يرفضه البناؤون-·
يستضيء بنور أدسون وينجذب إلى نيوتون ويرتكز على نقطة أرخميدس· يعيش بوفاق مع كانط ونيتشة وديكارت وأرسطو وأستاذه، صاحب المدينة الفاضلة. يجافي تهافت الفلاسفة. ويتقرب من تهافت التهافت. لكنه، دائما، يبدأ من المقدمة. إلى أهله ينسب الجبر واللوغرثمات، وكل الذي أساسه الصفر·
دارس للحركات الشعبية، قديمها وحديثها: شعوبية القرامطة، وتمرد ابن عطاء، وإحلال الحلاج، وتنقيب أصحاب الكلام، وانعزال المعتزلة، وتحليل أصحاب المنطق، مرورا بنهضة الأفغاني واحتجاج عبد ربه، إلى بعث عفلق وتجارب ناصر·
رفاقه البيان والتبيين. وبلاغة الأقدمين· سبحته قلائد نظمها أبو الطيب وصاحب الرباعيات. له شأن مع لزوميات. رهين المحبسين· وفي زوايا قلبه ركن، حميم للشنفرى ورفاقه الصعاليك·
إذا جلس، لقهوة صباحه، تأمل الدمار والنهوض في لا-غورنكا.، وأمعن النظر في نفسية الموناليزا. واحتار من اصفرار الوجه لدى المجنون. ولا يخفي انبهاره من المنمنمات الإسلامية· يسترخي لصبا الشرق، عند عايدة.، وأنين الناي وشدو العندليب على درب عودتنا·
جاء، على ذمته، أنه روى لرفاقه، عن أيام غربته. في بلاد هناك· وأعوذ بالله من شاب تغرب. احذروا الراوي· ولا تثقوا بكلامه· عنده، الكذب ملح الرجال. إنه لا يوفر أية كذبة لتكون حكايته جميلة ونصدقها·
لكنه قال:
بعد ليلة ثقيلة، في فيلنوس.، صحوت من نومي، في الحادية عشرة ظهرا، ملهوفاً مضطرباً من مكالمة تانتشكا، التي جاءت باكرةً، ومقتضبة جدا· على وجه السرعة أخذت حمامي الصباحي· وأسرع من ذلك تناولت فطوري· ثم خرجت إلى البريد المركزي، أُهاتفها، في بيتها، على الأورال·
صفحة 7
على الطرف الآخر كانت أمها· سألتها أين تانتشكا؟ قرأتْ لهفي واضطرابي· قالت: ما سِر هذه العجلة وما دواعي هذا القلق؟ عندك وعند تانتشكا· هل حدث شيء كبير، يوجب مغادرتها· لتقطع إجازتها وتعود، على عجل، إلى لنينغراد؟ وأنت! ما بالك لم تطرح عليَّ السلام؟ وغابت من حديثك الحواشي اللطيفة، التي أعرفها؟
على كل حال أوصيك خيرا بتانتشكا··· ولا تنسَ أنها تحبك كثيرا·
غمرني الخجل· كأنها غرفت من ثلج الشارع سطلا دلقته فوق رأسي وعلى وجهي· وضعت يدي على جبيني، أفركه بأصابعي المرتجفة· أتحسس السقعة. وألوذ من خزوتي.
تلعثمت· أعتذر··· وأعتذر· أكدت لها احترامي العظيم لشخصها، وحبي الكبير لتانتشكا، وأنني أصونها برمش العين ورجفة القلب··· وأن كل ما في الأمر أن مكالمتها الباكرة جاءتني على غير موعد ولم أكن في أفضل حالاتي، بعد ليلة طويلة مرهقة···
قالت: أكيد قلت كلاما يقوله السكارى!
قلت: المشكلة أنني لم أقل شيئا· بعض هنهنات. مبتورة، جافة وبلا معنى···
على كل حال، لا تقلقي، سأعود الآن إلى لنينغراد، ومن هناك سنهاتفك كلانا·
أبرقت لتانيا أعلمها بعودتي إلى لنينغراد، في قطار العاشرة مساء· ألغيت مشاركتي في الرحلة المقررة إلى جبال الكربات· تلك الرحلة التي استعددت لها كثيرا وانتظرتها، بشوق، طويلا·
في النهار نتزلج وفي الليل ننام في كوخ للصيادين· نشعل المدفأة الكبيرة، ننام على سطحها· ثلاث ليالٍ· نفترش جلود الحيوانات البرية، ذات الوبر الطويل، ونتدثر بها· نشاهد قطعان الذئاب ونرصد عواءها باحتراس شديد· نراقب أسراب النسور وهي تبحث عن جيفة لحيوان قد نفق من شدة البرد· نغسل عيوننا بأسراب الغزلان وجوقة الدببة· ونأكل من صيد البراري· ربما غزالاً أو ما يقودنا الحظ إليه···
جبال الكربات هي موطن زهرة الإدل فايس· لطالما حلمت أن أقدمها، في يوم ما، هدية، لتانيا···
زهرة الإدل فايس- ترجمتها الحرفية الأصيل الأبيض. أما اسمها اللاتيني فهو كف رجل الأسد. وهي تعتبر رمزا لأمور ثقافية تربوية عديدة: شعار متسلقي الجبال، شارة السياحة السويسرية، وشركة الطيران المحلية، وصورتها على السنت الأوروبي··· لها أغنية جميلة في المسرحية الغنائية والفلم الموسيقي أنغام الموسيقى.
صفحة 8
تنبت بين نتوءات الصخور الجيرية· على علو يقارب ثلاثة آلاف متر· شأنها في ذلك، شأن بيت النسر، خبأه في جرف عال· هي لا تحتاج إلى تربة قط·
قليلة الحجم· نحيفة الساق· زهرتها بيضاء مخملية، ذات حراشف صوفية، في داخلها خمس أو ست تويجات شديدة الصفار، لا يزيد طول الواحدة، منها على خمسة مليمترات· ألوانها زاهية بشكل خاص، ورائحتها فواحة منعشة، تبقى لزمن طويل نضرة، شذية· منظرها في غاية الروعة والجمال·
ربما تكون الندرة الشديدة أعظم صفاتها، فهي تنبت في جبال الكربات وجبال الألب، دون بقاع العالم· حتى هنا فهي نادرة جدا· في الموسم، عندما تبدأ الثلوج بالذوبان، بين شهري تموز وأيلول، يبحث عنها صيادو البراري ومتسلقو الجبال·
العائد بها كـالعائد برأس كليب.
في محطة القطارات، في الساعة الثانية ظهرا، افترقنا· رفاقي في طريقهم إلى الجنوب، يكملون مشروعهم إلى جبال الكربات· وأنا إلى الشمال، صوب لنينغراد·
بين تحسري على ما وعدني به الجنوب، من لذة ومباهج وتجربة فريدة، في مغامرة محسوبة وبين اضطرابي من عودتي إلى الشمال، وما يخبئه لي الغد، قال صاحبي، مازحا: لا تقلق· فقد يهبنا الحظ، في غير موسم، الزهرة.، فهي لك، تقدمها هدية لتانتشكا···
قلت له: استمتع بوقتك ولا تفوت لحظات السعادة· احذروا الذئاب والخنازير البرية والمنحدرات الشديدة، وانهيارات الثلوج والبرد القارس·
قطار النهار ليس فيه عربات نوم· عليَّ أن أتكيف داخل المقعد· لهذا أمقت سفر المسافات الطويلة، في النهار· أمامي، حتى لنينغراد، ثماني ساعات من الأرق والقلق والتفكر في مسائي الآتي، وربما أيامي اللاحقة··· في الحقيقة أحسب لزعل تانتشكا حسابات كثيرة·
هي، في تلك اللحظات العصيبة تستنهض أصولها الألمانية وما بها من حزم وصرامة ووضوح اليقين· تطالب بالكمال ولا ترضى بغير التمام· لا تقبل بأنصاف الحلول ولا أواسط الأمور· تطلب الكل أو تفوت الكل· ليس سهلا إرضاؤها وتكاد تكون مستحيلة زحزحتها عن قناعاتها·
صفحة 9
تحرك القطار وشرد الخيال يستذكر أيامنا الجميلة· يسترجع اللحظات الهنية والبدايات الحلوة· رجعت بذاكرتي في محاولة لجعلها نافعة بشكل ما، إلى بداية البدايات· لا بد من وجود نقطة عبور بين ما سبق وما لحق، لا بد من وجود أثر للماضي في هذا المكان، وعليّ البحث عن هذا الأثر· أغرق في بركة أحلامي وماضيَّ والذكريات·
كان ذلك، قبل أربع سنوات· في ليلة الخامس من ديسمبر، يوم الدستور السوفييتي· مناسبة للفرح والاحتفال واقتناص مباهج الحياة· حوَّل الطلاب مقصف سكن الطلبة إلى مرقص·
بدت، تانتشكا فتاة بمنتهى الجمال والإيناس، رشيقة كالفراشة، بارعة تفيض حيوية وحراكاً· امرأة من لحم ودم وجسد مشتهى· بجمالها الكامل تعيد صوغ الرغبات والأحلام·
ترتدي ثوبا أزرق سماويا يموج، كالبحر على قدها، من أولها إلى آخرها، ورأسها، يشمخ فيه كأنه سارية سفينة تمخر زرقة البحر· كستنائية الشعر الطويل، ينسدل فوق الكتفين ويهفهف على الخدين· وذات عينين عميقتين متأملتين، فيهما زرقة تتواءم مع شُقرة بشرتها· وملامحها تفصح عن توقد في العاطفة واعتداد بالنفس···
دنوت منها أثني على جمالها ورشاقة قدها وبراعة رقصها· قالت في حياء، وقد تورد خدّاها، فازدادت نغاشة.: لك الرقصة القادمة···
بعدها· كانت، لي كل الرقصات اللاحقة والاحتفالات المتعاقبة··· بين رقصة وتابعتها اكتشفت أنها تتمتع، في كلامها بموهبة التنسيق والاتزان· وفي خيالها خصوبة نادرة· بين نادرة خفيفة مبهمة وسرد جميل، ظهرت عذوبة نطقها وخفة روحها···
رحت، في خيالي، أتفحص ما فيها من غموض وغرائب· وأمعن النظر في الشكل الذي امتلأ بالجوهر·
أحببتها من أول نظرة· أعتقد أنني ذو حظ سعيد؛ لأنه ليس من اليسر أن يلتقي المرء بأناس يشعر أن بوسعه أن يحبهم من النظرة الأولى·
أصابتني بسهم الحب، المشدود حتى منزعه الأخير· نبت حبها في الأرض البكر··· اندفعت أنقل لها مشاعري الصادقة وإعجابي الشديد وسعادتي العارمة···
صفحة 10
يخطئ من يعتقد، أنَّ على المرء أنْ يخجل حينما يتحدث عن مشاعره أمام الآخرين· من يومها لم نفترق···
أنا مدين لهذا العشق، كثيرا؛ لأنه فتح الطريق لانحيازي نحو التفاؤل بالحياة والعالم، وجعل حياتي مشمسة واحتفالية· تتفتح أيامها بالسعادة· أكدت لي أيامي اللاحقة، أنها كانت، بالنسبة إليَّ، الضوء ونور الحياة··· من يومها أصبحنا نحتفل بهذا اليوم، ذكرى ميلاد حبنا···
يا الهي!!! استدرك··· أقفز في مقعدي··· اليوم هو الخامس من ديسمبر· كيف نسيت؟ كيف أهملت هذا الحدث؟ هذا، بالتأكيد سبب اتصال تانتشكا· وهنا تكمن خيبة أملها الكبيرة وحماقتي وقلة مبالاتي المخزية···
في مقعد القطار، غارقا في أحلامي الوردية، تمر أمامي أيامنا البهية وتتبعها الليالي المؤنسة· كلها تتتالى عبر شريط الذكريات الحميمة·
تلك الفتاة فتحت لي أمهات الكتب والأدب الجميل وصفحات تراث تلك الشعوب العظيمة· هنا كتاب كنا قد قرأناه· وحكاية حكيناها· ورواية مثلناها·
بفضلها تعرفت على روائع الأدب الرفيع وحضارة الأمم· كان التجوال، في التراث الإنساني ممتعا ومثريا·
بين الأبله والإخوة كرامازوف (دستيفسكي)· الأنفس الميتة وشارع نفسكي (غوغل)· بين آنا كارنينا والحرب والسلام (تولستوي)· بين يفجيني انيجن (بوشكن) وبستان الكرز وجمال فيينا (تشيخوف)· إلى الأم (غوركي) ومصير إنسان (شولخوف) والفولاذ سقيناه (استروفسكي)··· والقائمة طويلة جدا· جدا··· بفضلها، اغتنيت بدرر الأسلاف وارتويت من عصارة تجاربهم·
تمر أمامي جولاتنا الكثيرة، أيام الآحاد والعطل، في المتاحف: الإرمتاج، أمامه ساحة القصر، ينتصب في وسطها عمود ألكسندر الضخم· ومتحف الفن الروسي··· أستعرض، في مخيلتي، سويعات التنزه في الحدائق العامة: يتوسطها تمثال بطرس الأول يمتطي جوادا جامحا فوق صخرة ضخمة، قصر المرمر أمامه تمثال الإمبراطور ألكسندر الثالث، ومحطة قطار فنلندا، في الصدر تمثال لينين مؤسس الدولة السوفييتية، وسفينة أورورا، شرارة الثورة ترسو في نهر النيفا···