eKtab
EN ع
دخان
اقرأ عينة مجانية

دخان

بقلم إيفان تورجنيف

صفحة 1
تقديم

حوالي منتصف القرن التاسع عشر كان يخيّم على الأفق الأوربي ظل كبير.. ظل الثورة الفرنسية ونابليون بونابرت، لقد عاد آل بوربون إلى فرنسا كما كانوا قبل الثورة. ومات نابليون، شبه مجنون، في جزيرة سانت هيلانة، ولكن كلمة الحرية ظلت تتردد في أرجاء أوربا فتتلقفها الملايين. وعلى الرغم من «الحلف المقدس» وهجمات الرجعية المستأسدة فقد استمرت الثورات، كما استمرت حركات المطالبة بالحكم النيابي، فتحررت إيطاليا، وتكررت الثورات الوطنية في المجر، وبولندا، وعادت الجمهورية في فرنسا، وفرض الأحرار الألمان حكومة ديمقراطية.

وفي هذا الجو كانت «روسيا المقدَّسة» وريثة الأمبراطورية البيزنطية، وحامية الدين المسيحي، هي المعقل الأول للرجعية. وكان دور القيصرية في مقاومة الحركات التحررية دورًا متعدد الأوجه. كانت تفرض على بولندا وسائر مستعمراتها في أوربا، وآسيا عبودية أبدية، وتخمد ثوراتها بعنف دموي. وكانت تضع جيوشها في خدمة الرجعية الأوربية المرتبكة، كما فعلت في ثورة المجر وكانت ـ في روسيا نفسها ـ تقمع بقسوة كل نزعة فكرية تشتم منها رائحة الحرية، وكل دعوة إصلاحية تحبذ ـ سرًا أو علانية- الحكومة الشعبية.

وفي حُمّى القمع والإرهاب لم تكن الرجعية تفرق بين الأفكار المعارضة لمصالحها حقيقة وبين الأفكار التي يمكنها أن تستغلها وتستخدمها. كان «السلافوفيل» في كثير من الأحيان يلقون من التنكيل مثلما يلقاه «الغربيون» مع أن السلافوفيل كانوا يقدِّمون للرجعية الروسية تكئة قوية لمقاومة الثورة، وأساسًا نظريًا للمحافظة على القديم، فقد كانوا يذهبون إلى أن الحضارة الأوربية قد دبَّ فيها الفساد، فلا ينبغي أن تستعير روسيا من الغرب، بل يجب عليها أن تحافظ على نظمها «السلافية» الأصيلة وكان خصومهم الغربيون ـ على العكس ـ يدعون إلى الاقتباس من الغرب والتلمذة له، ومعنى ذلك، في ذلك الوقت، اقتباس وسائل الإنتاج الحديث، ونظم الحكم الديمقراطي، وتراث العلم العالمي وأشكال الفن المتطور.

وكان تورجنيف من هذا الفريق الأخير. وقد ذهب إلى أوربا شابًا ليدرس الفلسفة في إحدى الجامعات الألمانية، وليتنفس بحرية في جو فكري بعيد عن إرهاب القيصرية، ولكنه لم يكن «هاربًا» ولم يكن متنكرًا لوطنه، بل لعله كان في فراره من بلاده، وطنيًا حاد الوطنية. وعاطفة تورجنيف نحو وطنه ـ وهي العاطفة التي تجلت في «دخان» وعبر عنها أصدق تعبير على لسان «بوتوجين» ـ تظهر في هذه الكلمات التي وصف بها حالته في صدر شبابه.

«إن الحركة التي كانت تدفع بأترابي من الشبان إلى البلاد الأجنبية كانت تعيد إلى الذاكرة صورة أولئك الصقالبة الأقدمين الذين ذهبوا يبحثون عن أمراء لهم بين «الفارج» وراء البحار(1). فكل منا كان يحس إحساسًا عميقًا أن «أرضه» (ولا أعني الوطن على التعميم بل تراث الآباء الخلقي والفكري) «أرض عظيمة غنية ولكنها خلو من النظام». وأستطيع أن أقول عن نفسي أنني شعرت شعورًا أليمًا بمساوئ هذا الانتزاع من منبتي الأصلي، وهذا القطع العنيف لكل صلة تربطني بالبيئة التي شببت فيها.. ولكني لم أكن أستطيع غير ذلك. فهذه الحياة، وهذا الوسط، وبخاصة هذه الدائرة التي كنت منتميًا إليها، دائرة ملاك الأراض وأصحاب العبيد، لم يكن فيها ما يدعوني إلى البقاء. بل على العكس، كان كل ما أراه حولي تقريبًا يبعث في نفسي شعور القلق والثورة، أو باختصار شعور الاشمئزاز. فلم أستطع التردد طويلا، إذ لم يكن بُدّ من إحدى اثنتين: إما أن أخضع وأسير بهدوء في الدرب المطروق، وإما أن أنتزع نفسي دفعة واحدة، وأتخلص من كل شيء وكل إنسان، وإن أدى ذلك إلى حرماني من أشياء كثيرة حبيبة إلى قلبي. وكان ذلك هو السبيل الذي اخترته. فألقيت بنفسي في «الخضمّ الألماني» ليطهّرني ويجدّد حياتي، حتى إذا خرجت من مياهه وجدت نفسي «غريبًا»، وكذلك بقيت. فلم أستطع أن أتنفس وأعيش وجهًا لوجه مع ما كنت أكره، ولعله كانت تعوزني السيطرة على النفس وقوة الشخصية اللازمتان لذلك. كان علي أن أبتعد عن عدوّي مهما يكن الثمن، كي أسدد إليه عن بُعْد ضربات أشد قوة. وقد كنت أرى لهذا العدو وجهًا واضح القسمات، وكان له عندي اسم معروف. كان عدوّي هو حق الاسترقاق. وتحت هذا الاسم جمعت كل ما كنت عازمًا على مصارعته إلى النهاية، كل ما أقسمت على محاربته بغير مهادنة. كان ذلك عندي هو قَسَم هانيبال. ولم أكن وحدي صاحب هذا القسم. وذهبت إلى الغرب كي أبرَّ بقَسَمي..».

حوالي سنة 1847 كان تورجنيف في روسيا. وبدأ ينشر صورًا من حياة الفلاحين كانت معولا من المعاول القوية التي وُجِّهت إلى نظام الرقيق. وكانت قوتها في واقعيتها الإنسانية التي أظهرت هؤلاء الفلاحين الأرقاء، لأول مرة في تاريخ الأدب الروسي، في مشاهد حياتهم العادية القاسية، وصوَّرت آمالهم وآلامهم، فكأنها نبهت إلى أنهم بشر كغيرهم من الناس، وقد جمع تورجنيف هذه الصور في كتابه «مشاهد من حياة صياد» (1852) وعوقب بالنفي إلى الريف. ولكن الرجيعة لم تستطع أن تمضي في استبدادها إلى النهاية. فإن الفلاحين أنفسهم بدأوا يثورون، وتكررت حوادث العصيان الجماعي حتى بلغ عددها في سنة 1848 وحدها أربعة وستين. وأدت سياسة القيصر نيكولاس الأول العدوانية إلى حرب القرم سنة 1854 ضد الدولة العثمانية، وحاربت إنجلترا وفرنسا في صف العثمانيين وهُزمت روسيا هزائم متلاحقة حتى اضطر القيصر ألكسندر الثاني الذي تولى العرش سنة 1855 إلى عقد الصلح بعد خسائر جسيمة لم تحصل البلاد من ورائها على أيّ فائدة. ثم بدأ سلسلة من الإصلاحات كان أولها وأهمها إلغاء الرق سنة 1861، وجاءت بعد ذلك قوانين التجنيد الإجباري، وفتح الجامعات أمام أبناء الشعب، وإدخال نظام المحلّفين في المحاكم الروسية، ولكن الرجعية كانت تنظر شزرًا إلى هذه الإصلاحات، وتحيطها بمختلف العراقيل ولم تلبث أن كشفت وجهها ثانية، ففي سنة 1865 رفض القيصر طلب النبلاء تأسيس مجلس نيابي، وتلا ذلك تعطيل الصحف الحرة، وإذاعة منشور رسمي يدعو الشعب إلى «مقاومة الأفكار الخبيثة التي تهدم الدين والنظام والملكية الخاصة». وبينما كانت الرجعية تشدد قبضتها بدأ الفكر الروسي يتحول من التحرر إلى الثورة. وكما هي العادة دائمًا في مثل هذا التحول امتلأت أجواء المثقفين بالبدع الفكرية والدعوات الكاذبة والمغامرات الصبيانية. وكان هذا هو الجو الذي كتب فيه تورجنيف «دخان» سنة 1868.
صفحة 2
صوَّر تورجنيف في «دخان» جماعات من المغتربين الروس في مصيف ألماني. فصوَّر المجتمع الأرستقراطي بأناقته وتفاهته وفراغه وانحلاله. كما صور منتديات أكثر شعبية، منتديات أدعياء التحرر بمناقشاتهم العقيمة وخضوعهم الأعمى لشعار أو قائد. والتقط عيوب هؤلاء وأولئك بعين نافذة خبيرة، وصوَّرها بدقة حفار، فجعلها نماذج رائعة للهجاء الواقعي. على أن هذه الصور ليست مجرد هجاء سياسي، بل إن وراءها إحساسًا مرًا، إحساسًا تراجيديًا بضياع الجهد الإنساني واضطراب الفكر الإنساني، وغموض المصير الإنساني. وقد لخص الروائي هذا الإحساس في عنوان الرواية «دخان» الذي أخذه من هذه الفقرة قرب الخاتمة، وهي تذكرنا تذكيرًا قويًا بسفر الجامعة:

«وجعل ينظر من نافذة القطار. كان الجو أغبر رطبًا، لا مطر فيه، ولكن الضباب لا ينكشف، والسحب الدانية تحجب السماء. وهبت الريح في مواجهة القطار، فاندفع أمام النافذة التي جلس إليها لتفينوف موكب متلاحق من أمواج البخار البيضاء، بعضها خالص وبعضها ممتزج بسحب الدخان القاتمة. وأخذ لتفينوف يراقب هذا البخار والدخان. كانت السحب تمر بعد السحب، ولا تزال تصعد، وتعلو وتهبط، وتتلوى وتتعلق بالأعشاب والشجيرات، وكأنها تلعب في إحدى المساخر. ثم تتمدد وتذوب في الفضاء.. كانت تتبدل دائمًا وهي لا تزال كما هي.. لعبة سريعة سخيفة مكررة! وكانت الريح تتغير حين ينحرف الخط يمنة أو يسرة، فيتلاشى الرعيل كله فجأة، وسرعان ما يبدو مرة أخرى من النافذة المقابلة. ثم ينتشر الذيل الضخم مرة أخرى فيحجب عن بصر لتفينوف سهل الرّين الفسيح. حدّق وحدّق، واستولى عليه شرود غريب.. كان وحيدًا في المقصورة، لم يكن هناك من يزعجه، فردد مرات عديدة: دخان. دخان. وفجأة بدا له كل شيء دخانًا ـ كل شيء: حياته هو، والحياة الروسية، وكل ما هو بشري، وعلى الخصوص كل ما هو روسي. الكل دخان وبخار ـ هكذا قال لنفسه ـ كل شيء يبدو دائم التغير، في كل مكان أشكال جديدة، أحداث بعد أحداث، وكل شيء كما هو في الصميم. كل شيء يسرع طائرًا إلى وجهة ما، وكل شيء يتلاشى من دون أن يترك أثرًا أو يبلغ أمرًا وتتغير الريح، فيسرع كل شيء في الاتجاه المضاد، وهناك تبدأ نفس اللعبة المستمرة العقيم. وتذكّر الكثير مما شاهده بنفسه في السنوات الأخيرة من أحداث أحيطت بالضجيج والتهريج، فهمس: دخان، دخان. وتذكر الجدل العنيف والصياح والنقاش عند جوباريوف، وعند أناس أخرين منهم الشبان والشيوخ، والبسطاء والعظماء، التقدميون والرجعيون.. فردد. دخان، بخار ودخان. وتذكر أخيرًا تلك النزهة الأنيقة، وتذكر خُطَبًا وتصريحات وأشخاصًا آخرين يعدون أنفسهم لأكبر المناصب، حتى كل مواعظ بوتوجين.. دخان، دخان، ولا شيء أكثر من دخان وجهوده وعواطفه وآلامه وأحلامه؟ لم يستطع لتفينوف إلا أن يلوِّح بيده في قنوط».

ولكننا ننسى أن «دخان» رواية وليست سياسة. فالسياسة في «دخان» كما هي في معظم الروايات، مرتبطة بقصة حب، والكاتب البارع هو الذي يجعل الحب والسياسة في وحدة، فتتداخل الحوادث السياسية في حوادث الحب، وتؤثر فيها، وقد تتأثر بها. ولكن الكاتب الأبرع لا يحتاج دائمًا إلى اصطناع مثل هذا الربط في العقدة ـ وكثيرًا ما يكون متكلفًا ـ بل يقدمهما معًا كعنصرين في جو واحد، ويحقق التلاؤم بينهما بمبادئ شكلية غير تسلسل الحوادث التي يؤثر بعضها في بعض. وهذا ما نجده في «دخان».

فلتفينوف، الشاب الأمين المثابر الذي يقع تحت سلطان عاطفة غشوم مستعرة نحو امرأة أرستقراطية نارية، وهو في الوقت نفسه قد خطب قريبة له يتمثل فيها نموذج الفتاة الطيبة الحنون في أسر نبلاء الريف المتوسطي الحال ـ لتفينوف لا يشارك في المناقشات السياسية وغيرها إلا متفرجًا، ولا يحتك بالشخصيات الأرستقراطية أو بأدعياء التحرر ألا مرغمًا. لأنه «إن شئت الحقيقة ليس لي آراء سياسية». على أن الحقيقة هي أنه ضنين باستعمال كلمة السياسة لمثل هذا الضجيج المتنافر الذي يسمعه عند أدعياء التحرر وأقطاب الأرستقراطية جميعًا. ولكن كبرياءه الشعبية النظيفة تثور إذا سمع هجومًا على حق الشعب في التعلم أو في التملك أو في الحرية. إن السياسة عنده تتلخص في كلمتين: «الحرية والعمل». وحين يعود إلى بلاده يجد أن أراءه هذه التي رفض أن يسميها أراء سياسية كانت أقرب إلى الصواب من كل ما سمعه من أولئك «الثوريين» الذين تنكروا لمبادئهم بعد قليل. فقد كانت المبادئ الجديدة (مبادئ الإصلاح) لم ترسخ أصولها بعد، والمبادئ القديمة قد فقدت كل قوة. كان الجهل يرتطم بالخيانة، ونظام الحياة الذي اهتز من أساسه يضطرب كوحل زلق، ولم تكن هناك إلا كلمة واحدة عظيمة ترف كروح الله على الماء: «كلمة الحرية». ولعل هذا هو الدرس السياسي الذي أراد تورجنيف أن يؤديه في «دخان»، ولكن هذا الدرس والأجواء السياسية التي مهدت له، لا تكاد تتصل بالقصة العاطفية بالمعنى الشائع من الاتصال وهو التأثير المتبادل بين نوعين من الأحداث. فكيف ربط تورجنيف بينهما؟

إن الرباط هنا رباط شعوري يظهر في الفقرة التي سبقت الإشارة إليها. لقد فكر لتفينوف في «جهوده وعواطفه وآلامه وأحلامه» بعد أن مرت بمخيلته ذكريات الأحداث السياسية التي أحيطت بالتهريج والضجيج، والجدل العنيف والصياح والنقاش عند أناس كثيرين منهم الشبان والشيوخ، والبسطاء والعظماء، والتقدميون والرجعيون. كأنما «جهوده وعواطفه وآلامه وأحلامه» كانت تحمل، عن غير وعي منه، صدى هذا الضجيج والجدل العنيف. وكأن الرواية كلها تمثل أمل تورجنيف في أن تخرج بلاده، أن يخرج أحرار بلاده من الضجيج السياسي إلى العمل الصبور المثمر، كما خرج لتفينوف من ضجيجه العاطفي إلى حب عطوف مستقر. ولابد لهذا الخروج من تضحيات. لا بد من تضحية وهج العاطفة، ونشوة البطولة، وسكرة الحلم، من أجل حقيقة أكثر ثباتًا، ولابد للروائي إذن أن يضحي بقمة شامخة مثل «بازاروف» بطل «الآباء والأبناء» التي كتبها سنة 1862، ليجعل بطله في «دخان» تلّاً صغيرًا، هو لتفينوف. وهذه هي الملاحظة التي أبداها الزعيم الثوري بيساريف ـ على سبيل النقد للتعبير عن الجوهر التراجيدي في روايتنا هذه. الحياة تتقدم، ويجب أن تتقدم. وحين تتقدم الحياة يكسب الأحياء، ولكي يكسبوا يجب أن يخسروا. لن يعرف لتفينوف مع تاتيانا تلك النشوة التي وجدها بين ذراعي إيرينا، ولكنه سيذهب إلى تاتيانا. ولن يصنع الشعب الروسي معجزة بين عشية وضحاها ولكنه سيتقدم بمثابرة وصبر ليؤدي دوره المقسوم. هذه هي حكمة تورجنيف في «دخان»، وهي حكمة كسبها، في مجال التفكير السياسي والعاطفة الشخصية على السواء، بتجربة السنين المريرة. لقد هاجر تورجنيف في شبابه ليستطيع أن يضرب عدوه بقوة أكبر، ولكنه اعتاد بعد ذلك أن يقيم بعيدًا عن وطنه، ولعله كان ينزلق أحيانًا إلى مناقشات جوفاء عن مستقبل روسيا كتلك المناقشات التي يصورها في «دخان». وقد أحب تورجنيف المغنية الفرنسية الأسبانية الأصل بولين فياردو، أحبها بلا سعادة، كما أحب بوتوجين إيرينا، من شبابه إلى كهولته، ولم يستطع قط أن ينجو من أسر هذه العاطفة الجبارة كما نجا لتفينوف.
صفحة 3
وحين جاءته فكرة «دخان» وهو يدلف إلى الخمسين، لم يستغرق في كتابتها وقتًا طويلا، وكأنه وجد سريعًا البديل الموضوعي لحالته النفسية. ومع أنه شكا في بعض خطاباته من الصعوبة التي وجدها عند بدء العمل، لطول انقطاعه عن الكتابة قبل ذلك، فإننا نجد فيها فنه الكامل، الذي جعل «تين» يقول عنه: «أنه أعظم فنان عرفته أوربا منذ سوفوكليس». فمهما سخر أو هجا فإن شخصياته تظل حية حياتها الخاصة، ولا تتحول قط إلى صور خشبية. ومهما ملأ حواره السياسي بالإشارات إلى حوادث معاصرة فإنه يعرف كيف وأين يضع هذا الحوار ليظل جزءًا متممًا لبناء الرواية الفني، وإن نسيت المناسبات التي يشير إليها. ويستطيع القارئ أن يمر بالهوامش التي أضفناها إلى هذه الترجمة ليتمثل الجو التاريخي للرواية، ويستطيع أن يتركها من دون أن يحس أنه ترك شيئًا لا بد منه لفهم الرواية نفسها. فالمناقشات السياسية والاجتماعية الخارجة عن الأحداث الرئيسية تؤدي وظيفتها الفنية الكاملة عن طريق التقابل وتخفيف التوتر والهارمونية، وما إليها من مبادئ شكلية أخرى يمكن أن تكون محلا للدراسة المفصلة، وتفهم في ضوء هذه التقابلات وإن لم يتحدد كل ما تشير إليه.

أما شخصية إيرينا فهي كما يقول عنها الناقد الإنجليزي أدوارد جارنت:

«إن سر هذا الخلق الممتاز هو أنها تجمع بين الخير والشر على سواء حتى لتبدو النسوة الخيرات بجانبها تافهات والنسوة الشريرات مصنوعات. وقد حبتها الطبيعة فتنة آسرة يزيدها الخيال بذلك الموقف الذي يستجد بينها وبين لتفينوف. فهي ترغب في السمو رغبة صادقة وتود لو تبلغ مثل الحب الأعلى الذي يتصوره قلب المرأة. ولكنها لا تقوى إلا على هدم الرجل الذي تحبه.. هل تستطيع أن تكون له بديلا من تاتيانا؟ كلا، أنها لا تستطيع أن تكون كذلك لأي رجل، فقد خلقت لتفسد من دون أن يمسها الفساد، وأنها لتسترد سلطانها على نفسها بعد لحظات اللذة الأولى، وأنها لتظل مشتهاة وإن لم تمنح قلبها كاملا للحبيب».

هذه شخصية مليئة بالحياة. ومع ذلك فقد نتساءل: هل مصدر هذه الحياة أن لها شخصيتها الفردية المتميزة التي نتمثلها في مواقف الهوى والغيرة والعناد والكبرياء والاندفاع والخيانة، أم مصدره أنها نموذج خيالي عام للمرأة الخالدة التي ترمز للحياة نفسها: «المرأة التي تفسد من دون أن يمسها الفساد.. وتظل مشتهاة وإن لم تمنح قلبها كاملا للحبيب؟» إن الجمع في إيرينا بين طرفي الخصوص والعموم مثل من أمثلة فن تورجنيف الناضج، وهو وحده كفيل بأن يحفظ لهذه الرواية مكانة ممتازة بين ذخائر الأدب الخالد.

شكري محمد عياد

دخان

ـ 1 ـ

حوالي الساعة العاشرة من عصر 10 أغسطس سنة 1862 كنت ترى كثيرًا من الناس محتشدين أمام «بهو السمر» الشهير في بادن بادن. وكان الجو رائقًا وكل ما يحيط في المكان يرتع جذلان في أشعة الشمس الحنون: الأشجار الخضراء، البيوت الزاهية الألوان في المدينة الأنيقة، الجبال المشرفة بقممها التي تشبه الموج. كل شيء كان يبسم في سرور مطمئن غافل، فتمس هذه البسمة الحنون الغامضة وجوه البشر شابة وهرمة، حَسَنة ودميمة. حتى وجوه بنات الهوى الباريسيات المبدرة المزوّقة لم تكن لتفسد هذا الجو المرح السعيد. وكانت أشرطتهن وريشهن، وشذرات الذهب والمعدن التي تلمع في قبعاتهن وبراقعهن، تمثل للعين أزهار الربيع المتألقة تميل بخفّة، وأجنحة الطيور ترف بألوان قوس قزح. ولكن الرطانة الفرنسية الصارخة التي كانت تُسمع من كل ناحية لم تكن لتماثل تغريد الطيور ولا لتقارَنَ به.
صفحة 4
على أن كل شيء كان يسير وفق العادة، فكانت الفرقة الموسيقية في شرفة البهو تعزف مزيجًا من «الترافيايا»، وفالسا لشتراوس، ثم «أخبريها» وهي أغنية روسية أعدها للعزف على الآلات موسيقار عظيم. وحول الموائد الخضراء في غرف القمار كانت تحتشد نفس الوجوه، وعليها نفس التعبير: تعبير الغباء والتحفّز والخوف الذي تطبعه حمى القمار على أنبل الوجوه. كان هناك ذلك الشريف الروسي القادم من تامبوف، في ثيابه الفخمة بغير ذوق، وقد انحنى على مائدة القمار بعينين جاحظتين، غير مبال بابتسامات الكروبييه الباردة وهم ينادون Rien ne va plus (2)، بينما يضع الجنيهات الذهبية بلا رويّة ـ ويده تتصبب عرقًا ـ على أركان المائدة الأربعة، فيحرم نفسه كل فرصة للربح... حتى لو حالفه الحظ. ولم يكن جهله بالقمار ليمنعه من أن يردد بحماسة كلمات الأمير كوكو أحد زعماء المعارضة الأرستقراطية المشهورين، والأمير كوكو هو صاحب تلك الكلمة المأثورة التي قالها في باريس في صالون الأمير ماتيلد، وعلى مسمع من الإمبراطور نفسه: «سيدتي، إن مبدأ الملكية في روسيا مزعزع من الأساس». وكان أبناء وطننا الأعزاء وبنات وطننا العزيزات مجتمعين كعادتهم حول الشجرة الروسية à l’arbre russe كما يقولون. كانوا يتوافدون وهم يمشون الهوينى مترفعين غير مكترثين كبدع هذا العصر، ويتهادون التحايا في سمت أنيق كما ينبغي لأناس في الدرجة العليا من المجتمع. ولكن الجمع لا يكاد يلتئم حتى يحاروا كل الحيرة في ما يقول بعضهم لبعض، فيقنعون بتسقّط التافه من الكلام، أو ببذاءة محدِّث فرنسي سخيف كان فيما مضى صحفيًا، وهو الآن مهرِّج ثرثار: في ساقيه الصغيرتين الهزيلتين حذاء غليظ، وفي وجهه الصغير الدنيء لحية صغيرة حقيرة. فيروي لهم كل ما حوته التقاويم الهزلية القديمة مثل «التشاريفاري» و«التنتامار» من بارد الفكاهات، وينفجر هؤلاء «الأمراء الروس» ضاحكين برضا وامتنان كأنهم مرغمون على أن يعترفوا بروعة الفكاهة الأجنبية، وبعجزهم عن ابتكار أي شيء طريف. ومع ذلك فهؤلاء هم «زهرة» مجتمعنا، ونماذج البدع والأناقة عندنا.. هذا هو الكونت «س» محب الفنون ذو الطبع الموسيقي الحساس الذي يستطيع أن يترنم بأجمل الأغاني، ولكن أصابعه تضل على مفاتيح البيان، والذي يغني بطريقة وسط بين طريقة مغنّ غجري بائس وطريقة حلاق باريسي. وهذا هو البارون «ك» الساحر.. أستاذ في كل فن: في الأدب والإدارة والخطابة والغش في القمار. وهذا أيضًا الأمير «ي» صديق الدين والشعب، الذي جمع لنفسه ثروة طائلة من بيع الفودكا مغشوشة بالبلادونا في تلك الأيام المباركة التي كانت تجارة الخمور فيها احتكارا. والجنرال الذكي «و. و.» الذي هزم أحدًا ما وأخضع شيئًا ما، ولكنه لا يزال نكرة ولا يدري ماذا يصنع بنفسه. و«ر. ر.» ذلك الرجل المسلي الذي يظن نفسه مريضًا جدًا وظريفًا جدًا، مع أنه قوي كالثور ومصمت كاللوح... هذا الـ«ر. ر.» يكاد يكون الرجل الوحيد في زمننا الذي حافظ على تقاليد فتيان العقد الخامس، وليام «فتى العصر»(3) والكونتيسة فورتنسكي ـ حافظ على تلك المشية الخاصة المترجحة على الكعبين، كما حافظ على «فن الإشارة» ـ Le Culte de la Pose ـ ومعذرة إذا كانت كل ترجمة قاصرة عن أداء المعنى. إنه فن التكلُّف في الحركات، والتثاقل في التعبير، والجمود المترفّع في الأسارير، ومقاطعة أحاديث الناس بالتثاؤب. فن التحديق في أظافر اليدين، والضحك من الأنف، ودفع القبعة من مؤخر الرأس إلى الحاجبين.. إلخ. وهنا أيضًا رجال من ذوي المراتب العالية في الحكومة: سياسيون أولو شأن خطير، وأسماء أوربية، ورجال ذوو علم ومعرفة، يحسَبون أن «الثور الذهبي» مرسوم أصدره البابا، وأن ضريبة الفقراء في إنجلترا ضريبة تجبى من الفقراء. وهنا عباد «غادات الكاميليا» الدائرو الرءوس المعقودو الألسنة.. فتيان غنادير شعورهم مفروقة بأناقة حتى مؤخر الرأس، وعوارضهم الجميلة مرسلة على صفحتي الوجه، يلبسون ثيابًا لندنية أصيلة.. ظباء لا يعوزهم شيء لينافسوا ذلك المحدّث الفرنسي الشهير. ولكن لا! إن منتجاتنا الوطنية ضئيلة الحظ من تشجيع أهل البدع والأناقة. فالكونتس «س» ملكة الأزياء المبتدعة و«الجران جنر» التي تلقبها الألسنة الحادة بملكة الضبابير، وبميدوزا ذات القبعة(4) ـ هذه الكونتيسة «س» تفضل إذا غاب الفرنسي الطريف أن تتحدث مع الإيطاليين أو المدافيين، أو محضّري الأرواح الأمريكيين، أو سكرتيري المفوضيات الأجنبية المتأنقين، أو النبلاء الألمان ذوي السحر الذي تجتمع فيه النعومة والحصافة المبكرة، والمكان حافل بكل هؤلاء. وتقتدي بالكونتيسة الأميرة بابت التي مات شوبان بين ذراعيها (وفي أوربا نعَدّ أكثر من ألف امرأة مات شوبان بين أذرعهن) والأميرة آنت التي لا يغض من فتنتها إلا تلك الغسالة القروية الساذجة التي تطل من أهابها بين الحين والحين، كرائحة كرنب تختلط بأرق العطور، والأميرة باشت التعسة الحظ التي ظفر زوجها بوظيفة ممتازة، ثم إذا هو Dieu sait pourquoi ـ يضرب عمدة المدينة ويسرق عشرين ألف روبل من مال الدولة، والأميرة زيزي الضاحكة، والأميرة زوزو الباكية ـ فكلهن يمنحن بني وطنهن صدًا وإعراضًا. فلنعرض نحن أيضًا عن هؤلاء السيدات الحسان، ولنبتعد عن الشجرة الذائعة الصيت، التي يجلسن حولها في ثياب غالية ولكنها لا تخلو من سماجة. وعسى الله أن يتوب عليهن من ذلك الملل الذي يفري منهن النفوس!
صفحة 5
ـ 2 ـ

على مسيرة خطوات من «الشجرة الروسية» كان يجلس إلى منضدة أمام قهوة فيبر رجل وسيم يناهز الثلاثين من العمر، نحيل، أسمر، متوسِّط القامة، في محياه بشاشة ورجولة، وكان منحنيًا إلى الأمام وقد اعتمد بكلتا ذراعيه على عصاه، بهدوء الرجل الذي لا يخطر بباله أن أحدًا من الناس يعنى به أو يراعيه. وكانت عيناه العسليتان المعبّرتان تحدّقان في ما حوله مليًا، ويخزرهما أحيانًا ليتقي ضوء الشمس، ثم يتأمل بعض من يمرون به من تلك الشخوص الغريبة، فيختلج شارباه وشفتاه وذقنه البارزة الصغير بابتسامة فيها من الطفولة شيء كثير. وكان يلبس معطفًا ألمانىًا ضافيًا، ويغطي نصف جبهته العريضة بقبعة من الصوف الرمادي. وكان يبدو للنظرة الأولى شابًا أمينًا رزينًا معتدًا بنفسه، ككثير من الشبان في هذا الوجود. كما كان يبدو أنه يستجمّ بعد عمل طويل شاق، وأن أفكاره الشاردة التي تجول في عالم بعيد عن ذلك الذي يحيط به لا تزيده إلا التذاذًا بريئًا بهذا المنظر المنبسط أمام عينيه. وكان روسيًا. وكان اسمه جريجوري ميهالوفتش لتفينوف.

وإذ لم يكن لنا بد من معرفته فلنروِ ماضيه في بضع كلمات، ولن نجد في ماضيه كثيرًا من الغرابة ولا التعقيد.

كان أبوه موظفًا على المعاش، وكان ينتمي إلى طبقة العامة، ولكن الابن لم يتلقَ تعليمه في المدينة كما يُتوقع في مثل هذه الحال بل تلقاه في الريف. أما أمه فكانت سليلة أسرة من النبلاء، تعلمت في إحدى المدارس الرسمية، وكانت إنسانة سليمة الطوية سريعة التأثر، ولكنها لم تكن تافهة الشخصية، فعلى الرغم من أنها كانت تصغر زوجها بعشرين عامًا فقد غيرته قدر الإمكان، وأخرجته من وضاعة حياة الموظف الصغير إلى عيشة المالك الكبير، ورققت من عنفه، وهذّبت من عناده، وبفضلها أصبح يعتني بهندامه وشارته، وصار يحترم العلم والعلماء ـ ولو أنه لم يفكر قط في أن يقرأ كتابًا ـ وترك السباب وحاول بكل وسيلة أن يكتسب مظاهر النبل، حتى إنه صار يمشي متئدًا ويتحدث بصوت خفيض. وكثيرًا ما كان يتحدث في موضوعات جليلة، وكان ذلك يجشمه عناء غير قليل، فكان يقول في نفسه: «والله يا هذا لا تستحقّ إلا الضرب» ولكنه يرفع صوته قائلا: «نعم نعم، هذا صحيح. بالطبع. إنها مسألة مهمة». وقد جعلت أم لتفينوف منزلها أوربي الطراز أيضًا، فلم تكن تشتم الخدم، ولم تكن تسمح لأحد بأن يبقى على مائدتها حتى يكبسه النعاس. أما الأرض التي كانت تملكها فقد عجزت هي وزوجها كل العجز عن العناية بها، فبقيت مهملة زمنًا طويلا. مع أنها كانت أرضًا واسعة تضم مراعي وغابات وبحيرة، وكان يشرف على البحيرة في ما مضى من الزمان مصنع أقامه مالك متحمّس ولكنه لا يألف النظام، وراج على عهده تاجر مخادع، وخرب بإشراف مدير ألماني مدقّق. وكانت مدام لتفينوف راضية قانعة بأنها لا تبيع أرضها ولا تستدين ولكنها لم تكن موفورة الصحة، فماتت بالسلّ في السنة التي دخل فيها ابنها جامعة موسكو. ولم يُتِمّ الفتى دراسته لأمور سيعلمها القارئ في ما بعد، فعاد إلى منزله الريفي حيث قضى فترة من الزمان بلا عمل ولا واجب ولا صديق. وجُنّد في سنة 1855، والفضل في ذلك لنبلاء إقليمه الذين كانوا لا يحبونه، وكانوا يؤمنون بالحكمة الشائعة: «خلّص نفسك وارم جارك»، وأكثر إيمانهم بالنظرية الأجنبية التي تقول: إن المالك يجب أن يقيم في أرضه. وكاد يهلك بالتيفوس في القرم حيث قضى ستة أشهر في كوخ من الطين على شاطئ البحر الأسود من دون أن يقع بصره على رجل واحد من «الحلفاء». واشترك بعد ذلك في مجالس النبلاء، ولم تخل هذه الفترة من حياته من تجارب أليمة ولكنه أغرم بالزراعة بعد أن عاش في الريف زمنًا قصيرًا. وأدرك أن ثروة أمه كانت في يد أبيه العاجز الضعيف الكسول لا تغلّ عُشر ما يمكن أن تغلّه، وأنها إذا تعهَّدتها يدٌ مجرّبة ماهرة أصبحت منجمًا من الذهب. إلا أنه أدرك أيضًا أنه لا يعوزه شيء كما تعوزه المهارة والتجربة. فسافر إلى الخارج ليتخصص في الزراعة والتكنولوجيا أو على الأصح ليتعلّمهما من مبادئهما الأولى. وأمضى أكثر من أربع سنوات في مكلنبورج وسيليسيا وكارلسروهه، وسافر إلى بلجيكا وإنجلترا، وعكف على العمل، وحصّل كثيرًا من المعارف، وما كان ذلك بالأمر اليسير، ولكنه ثابر وقاوم الصعاب إلى النهاية. وقد أخذ يتأهب الآن للعودة إلى وطنه، مؤمنًا بنفسه ومستقبله وبنفعه لجيرانه، بل ربما للإقليم كله، تستحثه دعوات أبيه اليائسة الضارعة، وقد حار فكره في تحرير الرقيق، وإعادة توزيع الأراضي، وشروط حيازتها.. الخ. أو باختصار في النظام الجديد.. ولكن لماذا كان في بادن؟
صفحة 6
لقد كان في بادن لأنه كان ينتظر من يوم إلى يوم قدوم ابنة خالته وخطيبته «تاتيانا بروفنا شستوف» التي عرفها منذ الصغر، وأمضى الربيع والصيف معها في درسدن حيث كانت تعيش مع عمتها. وقد حمل لهذه القريبة الشابة حبا صادقا واحتراما عميقا. فلما انتهى من أعماله التمهيدية المملة وأخذ يستعد لاقتحام ميدان جديد ـ ميدان العمل الحقيقي الحر ـ رأى فيها المرأة الحبيبة والرفيق والصديق. فتقدم إليها يسألها أن تربط حياتها بحياته، على السعادة والشقاء، على الجهد والدعة، على الخير والشر، فوافقت. وعاد إلى كارلسروهه حيث كان قد خلف كتبه وأوراقه وأمتعته. ولكنك تسأل مرة ثانية: لماذا كان في بادن؟

حسنًا. لقد كان في بادن لأن عمته تاتيانا كابيتولينا ماركوفنا شستوف، وهي سيدة عانس في الخامسة والخمسين، متقلبة الطبع على الرغم من طيبتها وإخلاصها، مفكرة حرة تشتعل رغبة في التضحية، «عقلية ثورية» (فقد كانت تقرأ شتراوس(5)، وإن أخفت هذه الحقيقة عن ابنة أخيها)، ديمقراطية، خصم لدود للأرستقراطية والمجتمعات الراقية ـ كابيتولينا اركوفنا هذه لم تستطع أن تقاوم الرغبة في إلقاء نظرة واحدة على بادن الأنيقة ومجتمعها الراقي. فقد كانت كابيتولينا ماركوفنا لا تلبس «رواقع»(6)، وكانت تقص شعرها الأبيض قصة مدورة بسيطة، ولكن الترف والفخامة كان لهما تأثير خفيّ في نفسها، فكانت ملهاتها المحببة أن تسخر منهما، وتبدي احتقارها لهما!! فكيف يستطيع المرء ـ بعد هذا كله ـ أن يرفض للعجوز الطيبة رغبة؟

لهذا كان لتفينوف هادئًا كل الهدود، وكان ينظر حواليه واثقًا بنفسه كل الثقة، لأن مستقبله كان مبسوطًا أمامه خريطة ظاهرة المعالم، ولأن حياته كانت مرسومة ومحدّدة، وكان بهذا المستقبل فخورًا وسعيدًا، لأنه كان من صنع يديه.

ـ 3 ـ

فجأة سمع صوتًا رفيعًا ينبعث بالقرب من أذنه:

ـ أمسك! ضبطتك!

وحطت يد سمينة على كتفه. رفع رأسه، وإذا هو بصاحب من أصحابه المسكوفيين القليلين يُدعى بمبايف. مخلوق طيب من ذلك الصنف الفارغ العقل، تخطى سن الشباب، له أنف منتفش وخدّان مسترخيان كأنهما غُليا في ماء، وخصل شعثاء ملبدة، وجسم قصير سمين، كان روستيسلاف بمبايف لا يزال يقطع وجه أمنا الصبور ـ الأرض ـ بلا هدف ولا غاية، ولكن بضجيج كثير. وكان مفلسًا دائمًا، ومتحمسًا دائمًا لسبب من الأسباب.

ظل يردد وقد فتح عينيه الغائرتين، ومط شفتيه الغليظتين، اللتين بدا عليهما الشاربين الهزيلين المصبوغين:

ـ أهلا أهلا! أي مصادفة غريبة.

ثم أردف:

ـ آه! شكرًا لكِ يا بادن! إن الناس جميعًا يجرون إلى هنا كالخنافس خلف الموقدة! ماذا جاء بك يا جريشا؟ (ولم يكن في العالم أحد لا يناديه بمبايف باسم التدليل).

ـ أنا هنا من ثلاثة أيام.

ـ وأين كنت؟

ـ لماذا تريد أن تعلم؟

ـ لماذا أريد! اصبر عليّ قليلا. لعلك لا تعلم من قدم إلى هنا أيضا؟ جوباريوف! إنه جوباريوف نفسه.. تصور! لقد جاء أمس من هيدلبرج. طبعًا أنت تعرفه!

ـ سمعت عنه...

ـ سمعت عنه فقط؟ يا عزيزي! يجب أن نأخذك إليه حالًا، في هذه الدقيقة كيف لا تعرف رجلا مثله؟ انظر. لعلك لا تعرف هذا أيضًا؟ يسرني أن أعرفكما، فكلاكما من رجال العلم! إنه من الأفذاذ! تعانقا!
صفحة 7
والتفت بمبايف وهو ينطق بهذه الكلمات إلى شاب وسيم واقف بالقرب منه، له وجه نضرٌ مورد، ترتسم عليه رزانة مبكرة. ووقف لتفينوف، ولم يعانق «الفذ» بل اكتفى بأن تبادل وإياه انحناءة مبتسرة، إذ كان مظهره الصارم العبوس يدل على أنه لم يسرّ كثيرًا بهذا التعريف المفاجئ.

واستمر بمبايف يقول:

ـ قلت لك إنه من الأفذاذ، وهذا صحيح. اذهب إلى المدرسة الحربية في بطرسبرج، وانظر إلى لوحتها الذهبية.. فمن عساك ترى اسمه في أول القائمة؟ إنه فوروشيلوف، سيميون ياكوفليفتش فوروشيلوف! ولكن جوباريوف.. جوباريوف يا صديقي هو من يجب أن نطير إليه! إنني أعبد ذلك الرجل عبادة! ولست وحدي الذي أعبده! كلهم، كلهم! آه، ما أعظم هذا الكتاب الذي يؤلفه! أووه...

فسأله لتفينوف:

ـ عن أي شيء؟

ـ عن كل شيء يا بني. يشبه كتب «بكل» تقريبًا(7)، إلا أنه أعمق.. أعمق.. سيقرر كل شيء ويوضح كل شيء.

ـ هل قرأت هذا الكتاب؟

ـ لا لم اقرأه، والحقيقة أنه لا يزال سرًا. ولكن جوباريوف لا يعجزه شيء! أجل! ـ وتنهد بمبايف وضم ذراعيه ـ آه لو كان لدينا عقلان أو ثلاثة كهذا! إذن لرأينا منهم العجب! ـ سأقول لك شيئًا واحدًا يا جريشا: مهما تكن أعمالك في هذه الأيام ـ فأنا لا أعرف عنها شيئًا ـ ومهما تكن معتقداتك ـ فأنا لا أعرف عنها شيئًا أيضًا ـ فسوف تتعلم من جوباريوف. إنه لسوء الحظ لن يطيل إقامته هنا، فيجب ألا نضيِّع وقتًا قبل رؤيته. هيّا إليه! إليه!

وبينما كان يتحدث مرَّ فتى متأنق ذو خصل صهباء مجعدة، يلبس قبعة قصيرة مزينة بشريط أزرق، وجعل يحدِّق فيه من خلال نظّارتيه وعلى وجهه ابتسامة ساخرة. فقال لتفينوف مغيظًا:

ـ لماذا تصرخ هكذا؟ من يسمعك يحسب أنك تزعق على كلاب صيد! إنني حتى الساعة ما تعشيت.

ـ حسنًا! عندي فكرة. نذهب حالا إلى مطعم فيبر.. ثلاثتنا معًا..

ثم أضاف همسًا:

ـ معك نقود لتدفع حسابي؟

ـ نعم نعم. ولكن في الحقيقة لا أدري...

ـ كيف!.. ستشكر لي هذا الجميل. سيسرّ بمعرفتك..

ثم صاح فجأة:

ـ يا للسماء؟ إنهم يعزفون ختام هرناني.. ما أروعه! آسوم موكارلو... يا لي من رجل! ما أقرب دمعتي! ألا تأتي معنا يا سيمون باكوفليفتش؟

وكان فوروشيلوف قد ظلّ واقفًا في وضع مهيب، فلم يلطّف شيئًا من سيمائه المتكبرة، بل عقد حاجبيه، وخفض عينيه، وتمتم شيئًا بين أسنانه.. ولكنه لم يرفض. وقال لتفينوف في نفسه: «لا ضرر من هذا. عندي وقت». وأمسك بمبايف بذراعه، ولكنه لم يمض به إلى المطعم إلا بعد أن أشار إلى ايزابيل بائعة الأزهار الشهيرة في نادي الفروسية، فقد بدا له أن يشتري منها باقة زهر. غير أن بائعة الأزهار الأرستقراطية لم تتحرك من مكانها.. فما الذي يرغمها على الدنو من سيد بغير قفاز، يلبس سترة من القطن، ورباط عنق مخططا، وحذاء مكعوبا، سيّد لم تر مثله حتى في باريس؟ وعندئذ أشار إليها فوروشيلوف بدوره، فاقتربت، وتناول من سلتها باقة صغيرة من البنفسج ورمى إليها فلورينا. وكان يحسب أنه سيدهشها بكرمه، ولكن هدبًا واحدًا لم يهتز على وجهها، بل زمّت شفتيها باحتقار بعد أن التفت منصرفًا.. فقد كان فوروشيلوف يرتدي ثيابًا أنيقة فاخرة، ولكن الفتاة الباريسية لمحت بعينيها الخبيرة أن هندامه ومسلكه ومشيته التي لم يخفى طابعها العسكري ـ كل ذلك كان خاليًا من «الأناقة» الحقيقية الأصيلة.

وبعد أن جلس أصحابنا في قاعة الطعام العامة وطلبوا طعامًا أخذوا يتحدثون. وتكلّم بمبايف بصوت مرتفع وحماسة بالغة عن مناقب جوباريوف، ولكنه سرعان ما كفّ عن الحديث وجعل يصب كوبًا في إثر كوب وهو يشهق ويزفر. أما فوروشيلوف فقد أكل قليلا وشرب قليلا، وكأنه لم يشارك في الطعام والشراب إلا مرغمًا. ثم سأل لتفينوف عن طبيعة أعماله، وأخذ يدلي بآرائه في شتى المسائل العامة أكثر من هذه الأعمال ذاتها. وما لبث أن أخذته الحماسة، فانطلق كالحصان الأرن، ومضى ينبر المقاطع والحروف كتلميذ واثق بنفسه ذهب ليؤدي الامتحان النهائي. وكان يصحب حديثه بإشارات حماسية لا داعي لها، ولم يقاطعه أحد فزاد اندفاعًا وتأكيدًا، حتى كأنه يتلو بحثًا أو محاضرة وكانت تنهمر من فمه أسماء أحدث العلماء الثقات، مع تاريخ ميلاد كل منهم أو تاريخ وفاته، وعناوين الرسائل التي ظهرت حديثًا في أفق البحث العلمي، وأسماء وأسماء وأسماء... وكانت هذه الأسماء تهبه رضاً عميقًا ينعكس على عينيه اللامعتين. كان فوروشيلوف في ما يظهر يحتقر كل قديم، ولا يقدِّر إلا زبدة الثقافة، أي أحدث المسائل العلمية وأرقاها. كان يلذّ له ويسعده أن يشير ـ ولو بغير مناسبة ـ إلى كتاب لشخص يدعى الدكتور تساوربنجل عن السجون البنسلفانية، أو إلى مقالات ظهرت بالأمس في «ألاسياتك جورنال» عن الفيدات والبورانات (وكان ينطق كلمة «جورنال» نطقًا إنجليزيًا مع أنه لم يكن يعرف الإنجليزية). وأصغى إليه لتفينوف ثم أصغى بغير أن يستطيع معرفة ناحية اختصاصه. فقد أفاض في الحديث عن الدور الذي لعبه الجنس الكلتي في التاريخ، ثم شطح إلى التاريخ القديم فتحدث عن الألواح الإيجينية، وتكلم بحماسة عن المثال الذي عاش قبل فيدياس ـ وهو أوناتاس ـ وسماه «جوناثان» فجعل للحديث كله نكهة بين نكهة الكتاب المقدَّس والنكهة الأمريكية. ثم قفز فجأة إلى الاقتصاد السياسي وسمى باستيات أبله أو غبيًا «مثل آدم سميث وسائر الفزيوقراطيين»، فتمتم بامبايف: «الفزيوقراطيين؟... الأرستقراطيين؟» وأثار علائم الحيرة على وجه بمبايف بقوله عن ماكولي ـ عرضًا وفي ثنايا الحديث ـأنه كاتب عتيق. لم تعد له قيمة بعدما وصل إليه علم التاريخ الحديث. أما جنايست، فقد صرح أنه ليس بحاجة حتى إلى ذكر اسمه، وهز كتفيه، فهز بمبايف كتفيه. وقال لتفينوف لنفسه وهو ينظر إلى صاحبه الجديد، بشعره الأصفر وعينيه الصافيتين وأسنانه البيضاء (وقد ضايقته على الخصوص هذه الأسنان الكبيرة الناصعة البياض وهاتين اليدان بإشاراتهما النابية): «هكذا بلا ترو ولا مناسبة وأمام غرباء.. في مطعم! ولكنه يبدو فتى طيبًا ساذجًا». وأخيرًا بدأ فوروشيلوف يهدأ! وتكسّر صوته الرنان كصوت ديك صغير، وانتهز بمبايف الفرصة فأنشد أبياتًا من الشعر، وتهدج صوته بالبكاء حتى روَّع مائدة قريبة كانت تجلس حولها أسرة إنجليزية، وأضحك مائدة أخرى كانت تجلس إليها غانيتان فرنسيتان مع مخلوق يشبه طفلا من عصر قديم بشعر مستعار. ثم أحضر النادل التذكرة ودفع الأصدقاء الحساب.
صفحة 8
ونهض بمبايف عن مقعده متثاقلًا. قال:
ـ حسنًا.. نشرب الآن قدحًا من القهوة، ثم نمضي مسرعين. وزاد وهو يجتاز العتبة ويشير في شيء من المرح بيده الحمراء اللينة إلى فورشيلوف ولتفينوف:
ـ هذه هي روسيا... بلادنا. ما قولكما فيها؟
فقال لتفينوف في نفسه: «حقًا إنها روسيا»، أما فوروشيلوف الذي استعار وجهه مظهر التفكير العميق، فقد ابتسم ثانية في ترفّع ودق عقبيه دقًا خفيفًا.
وبعد خمس دقائق كان ثلاثتهم يصعدون درج الفندق الذي يقيم في ستيبان نيكولايتش جوباريوف.. وكانت تنحدر على السلم نفسه سيدة فارعة القامة، رشيقة القد، تلبس قبعة ذات نقاب أسود قصير. فما إن بصرت بلتفينوف حتى التفتت إليه بغتة ووقفت وكأنما تملّكها الذهول، واحمرّ وجهها ثم شحب سريعًا تحت نقابه الأسود الكثيف. ولكن لتفينوف لم ينتبه إليها، فانطلقت تهبط الدرج مسرعة.




ـ 4 ـ

صاح بمبايف وهو يقدم لتفينوف إلى رجل ربعة له هيئة شريف من أشراف الريف، يلبس خفًا وسترة قصيرة وبنطلونًا صباحيًا رمادي اللون، ويقف في وسط حجرة ساطعة الضوء حسنة الرياش: «جريجوري لتفينوف، جلمود صخر، قلبٌ روسيٌّ حقٌ، أوصيك به خيرًا». ثم أردف مخاطبًا لتفينوف: «وهذا هو، هو نفسه، إنه جوباريوف وحسب».

وحدق لتفينوف فيه «هو نفسه» بدهشة وتطلع، فلم يرَ فيه للوهلة الأولى شيئًا غير عادي. رأى رجلا وقور المظهر في شبه بَلادة عريض الجبين، واسع العينين، غليظ الشفتين، مرسل اللحية، مكتنز العنق، له نظرة ثابتة يصوِّبها إلى الأرض. ابتسم ذلك السيد وهمهم قائلا: «آه.. إنني سعيد جدًا». ثم رفع يديه إلى وجهه وأولى لتفينوف ظهره وسار بضع خطوات على البساط في مشية بطيئة منحرفة، كأنه يحاول أن ينسلّ غير ملحوظ. وكان من عادة جوباريوف أن يديم السير ذهابًا وجيئة، ممسكًا لحيته بين لحظة وأخرى، يمشطها بأطراف أظافره الطويلة الصلبة. وكان في الحجرة مع جوباريوف سيدة في نحو الخمسين، تلبس ثوبًا حريريًا باليًا، ولها وجه أصفر كالليمونة مفرط الحركات، وشعر أسود كثيف على شفتها العليا، وعينان سريعتا الدوران حتى لكأنهما تقفزان من رأسها، ثم رجل ضخم يجلس منحنيًا في ركن.

تكلم بورجايوف مخاطبًا السيدة، من دون أن يرى ـ في ما يبدو ـ ضرورة لتعريفها إلى لتفينوف:

ـ حسنًا يا عزيزتي ماترونا سميونوفنا زوهانتشيكوف. فيمَ كنت تحدثيننا؟

فشرعت تلك السيدة ـ وكانت امرأة عاقرًا رقيقة الحال، قضت عامين متنقلة من بلد إلى بلد ـ شرعت تقول بحدة لاهثة غريبة:

ـ نعم، لقد ذهب إلى الأمير وقال له: «إن مركزك يا صاحب السعادة يمكِّنك من رفع الظلم عني. أظنك تقدر نُبلَ أفكاري! وهل يمكن أن يضطهد إنسان في هذا العصر من أجل أفكاره؟» فماذا تظن الأمير قد فعل... ذلك السيد المثقف ذا المركز الممتاز؟

فسأل جوباريوف وهو يشعل لفيفة وعلى وجهه سيماء التفكير:

ـ نعم، ماذا فعل؟

فنصبت السيدة قامتها ومدت يمناها المعروقة وقد باعدت بين سبابتها وسائر أصابعها:

ـ لقد نادى خادمه وقال له: «هيا انزع معطف هذا الرجل وخذه لنفسك فهو هدية لك!».

فسأل بمبايف ملوحًا بذراعيه:

ـ وهل نزعه الخادم؟

ـ لقد نزعه وأخذه... هذا ما فعله الأمير بارنولوف. ذلك الشريف الثريّ المعروف.. رجل الحكومة ذو المنصب الرفيع! فماذا يتوقع المرء بعد ذلك؟
صفحة 9
وكان جسم مدام زوها نتشيكوف يرتعد كله غضبًا، ووجهها يتقلص بحركات تشنّجية، وصدرها الذاوي الأمسح يعلو ويهبط محتدمًا تحت صديرتها. أما عيناها فكادتا تقفزان من رأسها قفزًا... ولكن الحقيقة أنهما كانتا تقفزان مهما يكن الموضوع الذي تتحدث فيه. وصاح بمبايف:

ـ فضيحة صارخة! فضيحة صارخة! أي عقاب يكفي؟

فهمهم جوباريوف معقبًا:

ـ الفساد شامل. العقاب.. ليس هو المطلوب في هذه الحالة بل.. أمور أخرى.

وسأل لتفينوف معلِّقًا على القصة:

ـ ولكن هل حدث هذا حقًا؟

فانفجرت مدام زوها نتشيكوف صائحة:

ـ حدث حقًا، كيف؟ إنه فوق كل شك! كل شك ـ ك! ونطقت بهذه الكلمات في حماسة بالغة جعلتها ترتجف من الجهد، لقد سمعته من رجل ثقة، أنت تعرفه يا ستيبان نيكولايتش. إنه اليستراتوف، كابيتون الستراتوف. وقد سمعها بنفسه من شهود عيان رأوا ذلك المنظر المخزي.

فسأل جوباريوف:

ـ اليستراتوف؟.. أهو ذلك الذي كان في قازان؟

ـ نعم. إنني أعلم يا ستيبان نيكولايتش ما أشيع عنه من أخذ الرشى من بعض التجار أو مقطِّري الخمور هناك.. ولكن من الذي زعم هذا؟ إنه بليخانوف! وكيف يصدق المرء بليخانوف وكل إنسان يعلم أنه.. جاسوس؟

فقاطعها بمبايف قائلا:

ـ كلا. اسمحي لي يا ماترونا سميونوفيا. إن بليخانوف صديقي، ولا وجه لاتهامه بالجاسوسية.

ـ أجل، أجل، إنه جاسوس!

ـ مهلا.. أرجوك!..

فصرخت مدام زوها نتشيكوف:

ـ جاسوس! جاسوس!

فصرخ بمبايف بدوره:

ـ لا، لا، دقيقة واحدة... سأخبرك بالحقيقة... فأصرّت مدام زوها نتشيكوف على صياحها:

ـ جاسوس! جاسوس!

وزأر بمبايف بكل ما في رئتيه من قوة:

ـ كلا، كلا. إن كنت تقصدين تنتليف فهذا شأن آخر.

فصمتت مدام زوها نتشيكوف برهة، واستمر بمبايف يقول بصوته العادي:

ـ إنني أعلم من مصدر وثيق أن هذا السيد حين استدعاه البوليس السرّي سجد عند قدمي الكونتيسة بلازنكرامبف ومضى يئن وينتحب قائلا:

ـ «انقذيني! ساعديني!» ولكن بليخانوف لم يهبط قط إلى هذا الدرك.

فتمتم جوباريوف:

ـ مم.. تنتليف.. يجب.. يجب ألا ننسى هذه.

وهزت مدام زوها نتشيكوف كتفيها باحتقار وقالت:

ـ كلاهما شرّ من أخيه، ولكنني أعلم عن تنتليف هذا قصة أبدع. إنه كان ـ كما يعلم الجميع ـ مستبدًا ظالما لرقيقه، على الرغم من دعواه أنه من أنصار التحرير. وقد حدث مرة أنه كان في صالون إحدى السيدات في باريس، ودخلت مدام بيتشرستو ـ وهي كما تعلمون صاحبة «كوخ العم توم»(8)، فألحّ تنتليف على مضيفته ـ وتنتليف شخص ملحف رذل ـ كي تقدمه إليها، ولكنها ما كادت تسمع اسمه حتى قالت: «ماذا؟ أيطمع أن يُقَدَّم إلى مؤلفة كوخ العم توم؟» وصفعته على خده قائلة «أخرج!» فماذا تظنه فعل؟ لقد تناول قبعته وانسحب كالكلب الذليل.

فقال مبايف:

ـ أظن أن في هذه القصة بعض المبالغة. لقد قالت له: «أخرج»، هذا صحيح، ولكنها لم تصفعه.

فجعلت مدام زوها نتشيوف تكرر بعنف عصبي:

ـ أجل لقد صفعته على وجهه! إنني لا أختلق الأخبار! هؤلاء هم أصدقاؤك!

ـ معذرة يا ماترونا سيمونوفنا. إنني لم أقل قط أن تنتليف صديق لي، لقد كنت أتحدث عن بليخانوف.

ـ تنتليف أو واحد من أمثاله... عندك مينوف مثلا..

فسأل بمبايف وقد ظهرت على وجهه أمارات الفزع:

ـ ماذا فعل مينوف؟

ـ ماذا؟ أتراك لا تعرف؟ لقد صاح في شارع بوزنسنزكي بحيث سمعه الناس جميعًا «إن الأحرار كلهم يجب أن يُرموا في السجون!». وواحدة أخرى: زاره زميل له من أيام التلمذة ـ رجل فقير بالطبع ـ وسأله: هل يستطيع أن يبقى معه إلى العشاء؟ فأجابه مينوف: «لا يمكن.. سيتعشّى معي اليوم كونتان، أعفنا من وجودك!».

فزعق بمبايف:

ـ أقسم أن هذا تشنيع!
صفحة 10
ـ تشنيع؟ تشنيع؟ إن الأمير فاروشكن الذي كان هو أيضًا مدعوًا للعشاء على مائدة صديقك مينوف...

فقطعها جوباريوف بشدة:

ـ إن الأمير فاروشكن قريبي، ولكني لا أسمح له بدخول منزلي.. فلا ضرورة أيضًا لذكر اسمه.

فاستمرت مدام زوها نتشيكوف تقول وهي تحني رأسها بخضوع نحو جوباريوف:

ـ وثانيًا، إن براسكوفيا ياكوفلفنا نفسها أخبرتني بذلك.

ـ لقد وقعت على راوية أمينة! كيف! إنها هي وزاكيزوف أكبر مشنّعين على وجه البسيطة!

ـ معذرة، إن زاكيزوف كذاب بلا شك.. لقد سرق الكفن الحريري من تابوت أبيه، أنا لا أجادل في هذا، ولكن براسكوفيا ياكوفلفنا!.. شتّان ما بينهما! أنسيت كيف كان فراقها لزوجها فراقًا كريمًا؟ ولكنك دائمًا...

ـ كفى كفى يا ماترونا سميونوفنا. لنترك هذه الثرثرة ولنتحدث في موضوع أسمى. إنني لست ضئيل الخبرة بهذه الموضوعات كما تعلمين، هل قرأت «مدموازيل دولاكنتيني» هذه رائعة بلا ريب! وهي في الوقت نفسه تتفق مع مبادئك كل الاتفاق!

فأجابت مدام زوها نتشيكوف بجفاء وحدة:

ـ إنني لا أقرأ الروايات الآن مطلقًا.

ـ لماذا؟

ـ لأني لا أجد وقتًا لذلك. أنا لا أفكر إلا في شيء واحد: ماكينات الخياطة.

فسأل لتفينوف:

ـ ماكينات ماذا؟

ـ الخياطة.. الخياطة، يجب أن تحصل النساء جميعًا على ماكينات خياطة، وأن يؤلّفن جميعات، فبهذه الطريقة يستطعن أن يكسبن قوتَهُنّ ويظفرن باستقلالهن في أقصر وقت، وبغير هذا لن يحصلن على حريتهن. هذه مسألة اجتماعية هامة جدًا. لقد تناقشت فيها مع بولسلاف ستاد نتسكي، إن بولسلاف ستاد نتسكي شخصية ممتازة ولكنه يستخف بهذه المسائل.. لا همّ له إلا الضحك. أحمق!

فتكلم جوباريوف ببطء وفي نبرة تشبه نبرة حكيم أو نبي:

ـ سيأتي يومٌ يحاسَبُ فيه الجميع، ويُوَفّون ما عملوا.

فردد بمبايف:

ـ أجل، أجل، سيحاسَبون بالضبط.

ثم أردف بصوت خفيض:

ـ ولكن خبرني يا ستيبان نيكولايتش.. ماذا فعلت في كتابك الكبير؟

فأجاب جوباريوف عاقدًا حاجبيه:

ـ إنني أجمع المواد.

ثم التفت إلى لتفينوف الذي بدأ رأسه يدور من ضجة الأسماء الغريبة والتشنيع المحموم. وسأله عما يعنى به من الموضوعات، فأجابه لتفينوف عما سأل.

ـ آه بلا شك، العلوم الطبيعية، إنها نافعة إذا كانت نوعًا من التدريب، لا غاية في ذاتها، إن الغاية يجب أن تكون.. مم... يجب أن تكون... شيئًا آخر. هل تسمح لي أن أسألك عن آرائك الخاصة؟

ـ أي آراء؟

ـ آرائك أو بالأحرى آرائك السياسية، ما آراؤك السياسية؟

فابتسم لتفينوف وقال:

ـ إن شئت الحقيقة فليس لي آراء سياسية.

فرفع الرجل الضخم الجالس في الركن رأسه عند سماع هذه الكلمات ونظر إلى لتفينوف مليًا، وسأله جوباريوف بلطف:

ـ كيف؟ ألم تفكر في الأمر بعد، أم تراك تعبت من التفكير فيه؟

ـ لا أدري كيف أقول. ولكن يبدو لي أننا نحن الروس ما زلنا بعيدين عن أن تكون لنا أفكار سياسية، أو أن نتوهّم أن لنا مثل هذه الأفكار. وأود أن أنبّهك إلى أني أريد «بالسياسة» ذلك المعنى الذي تختص به هذه الكلمة، وأن...

فقاطعه جوباريوف بلطف أيضًا:

ـ آه! إنه لم ينضج بعد.

واتجه إلى فوروشيلوف وسأله هل قرأ البحث الذي أعطاه إياه؟ وكان الأمر الذي أدهش لتفينوف أن فوروشيلوف لم ينبس بكلمة منذ جاء، بل زوى حاجبيه وجعل يدير حدقتيه (ويظهر أنه كان معتادًا أن يخطب أو يلزم الصمت). فلما وجّه إليه جوباريوف ذلك السؤال شد صدره بحركة عسكرية وأومأ إيجابًا وهو يدق عقبيه.

ـ حسنًا. وكيف وجدته؟ هل أعجبك؟

أما من حيث المبادئ الأساسية فقد أعجبت به، غير أني لم أسلِّم بالنتائج.