المقدمة
مما يثيرالعجب أن أغلب من يكتبون عن الحركة الإسلامية لا يكلفون أنفسهم عناء جمع معلومات كافية وموثوقة عن الجماعات الإسلامية المختلفة, بل إن بعضهم لا يعتمد على معلومات أصلا اللهم إلا القليل مما استقاه من مصادر أمنية (وهي لها أغراضها التي لا شك تتنافى مع الصدق والموضوعية) ثم يكملها بحكايات من نسج خياله, كلا الفريقين كثيرا ما يكتبان ما يبعث على الضحك من فرط خياليته وبعده عن الحقائق، لدرجة أن طال التخيل والروايات الأمنية حتى أسماء الجماعات وأفكارها الأساسية.
ولقد كنت وما زلت أؤمن أن كتابة تاريخ الحركة الإسلامية يستلزم جمع وتوثيق الروايات والشهادات الشفهية من صدور صانعى الأحداث من قادة وأبناء الحركات الإسلامية, وإذا كان هذا حتمى بالنسبة لحركات كتب عنها الكثيرون سواء أعداء أو أصدقاء كحركة الإخوان المسلمين, فإن هذا يصير أكثر حتمية بشأن جماعات لا يزال تاريخها وكثير من أسرارها طى الصدور ولم يُكتب عنه شىء ذا بال في كتاب مسطور مثل الجهاد المصرى أو غيره كالقاعدة ومن نحى نحوها.
وانطلاقا من هذا المبدأ كانت لقاءاتى العديدة طوال العشرين عاما الماضية مع العديد من قادة الحركات الإسلامية وأبنائها ذوي الاطلاع على الأحداث وخلفياتها, وقد زاد من فرصي في هذا المجال اعتقالي فترة طويلة مع قادة العديد من الحركات الإسلامية وهذه الفترة امتدت من فبراير 1993م وحتى أغسطس 2007م, هذا فضلا عن اعتقالي السابق عدة مرات لفترات متفاوتة منذ عام 1981م وحتى التسعينيات.
وربما لم يحن الوقت بعد لكتابة كل ما جمعته عن الجماعات الإسلامية المختلفة, ولكن قررت الاسراع بإخراج هذا الكتاب المختصر بسبب أن المعرفة بواقع الحركات الإسلامية في مصر مازال يكتنفها الكثير من الغموض والتخبط, وفي هذا الكتاب القصير نحاول أن نزيل هذا الغموض والتخبط بشرح خريطة مبسطة تمثل واقع الحركة الإسلامية المصرية في القسم الأول, ولقد أطلت قليلا بشأن بعض الجماعات نظرا لقلة المكتوب عنها في المصادر المختلفة أو لكثرة الأوهام الشائعة عنها, كما أنني جعلت الفقرة الخاصة بجماعة الإخوان المسلمين قصيرة لأنني أعد حاليا كتابا عن الإخوان المسلمين وسيكون هذا الكتاب فاتحة لسلسلة كتب عن الإخوان المسلمين (إن شاء الله تعالى) لأنها حركة كبرى نحتاج لإجراء عدة دراسات عنها حتى نوفيها حقها من الدراسة.
وبعد القسم الأول حاولنا أن نلقي الضوء على آفاق مستقبل الحركة الإسلامية المصرية في القسم الثاني, وفي هذا القسم المستقبلي نحاول توجيه هذا المستقبل عبر الإشارة إلى ما يُحَبَذ أن يكون عليه المستقبل وسبل صناعة مثل هذا المستقبل, لكن ذلك كله عبر صيغ مختصرة بلا إسهاب ولا تفصيل ولا إغراق في الأماني.
ولما كانت هناك مؤسسة ذات ارتباط تاريخي وواقعي بالحركة الإسلامية وهي مؤسسة الأزهر فقد خصصنا الفصل الأول من القسم الأول لشرح واقعها الحالي وكيف سارت هذه المؤسسة العريقة إلى هذا الواقع المرير, كما أشرنا في هذا الفصل إلى الطرق الصوفية بسبب علاقاتها بكل من الأزهر والحركة الإسلامية بشكل أو بآخر واستخدام الحكومة لها أحيانا للهجوم على الحركة الإسلامية.
ونرجو أن ينفع اللهُ بهذا الكتاب الحركةَ الإسلامية في هذا المجال الذي رغم كثرة الكتابات فيه إلا أن أكثرها لم يسد حاجة الحركة الإسلامية للأسباب التي ذكرناها، وأيضا لصدور العديد من هذه الكتابات عن كُتاب معادين للحركة الإسلامية تارة أو قاصرين عن إدراك واقعها وعوامل التأثير في حاضرها ومستقبلها تارة أخرى.
وغني عن البيان أنه رغم تركيز هذا الكتاب على الحركة الإسلامية المصرية، إلا أنه سيُفيد من تأمله أبناء الحركات الإسلامية غير المصرية لتشابه الواقع والأهداف والتحديات والخيارات، فضلا عن وحدة المنهج السياسي الإسلامي.
عبدالمنعم منيب
مفهوم الحركة الإسلامية وسبب نشأتها
اختلف الباحثون حول أسباب ظهور الحركة الإسلامية في العصر الحديث، واعتبرها كثيرون ظاهرة جديدة صاحبت انتقال العالم الإسلامي إلى العصر الحديث، وأرجعوها إلى ما اعتبروه حالة اغتراب تعرض لها الكثير من شباب المسلمين بسبب تسارع عجلة التحولات الاجتماعية والثقافية، تلك التحولات التي اقتبست على نطاق واسع من إشعاع الحضارة الغربية المعاصرة بدرجة اعتبرها البعض صداماً مع عقيدة الإسلام التي هي ثقافة الأمة العربية.
كما اعتبر باحثون آخرون أن ظهور الحركة الإسلامية صاحب هزيمة العرب أمام إسرائيل في 5 يونيو 1967م كرد فعل لفشل القومية العربية في مواجهة إسرائيل وكبديل لهذه القومية.
وهناك فريق ثالث من الباحثين رأى أن ظهور الحركة الإسلامية هو رد فعل لسقوط نظام الخلافة الإسلامية والذي تمثل في إلغاء كمال الدين أتاتورك للخلافة العثمانية وإقامة جمهورية علمانية على أنقاضها في تركيا.
ولكننا نرى أن كل هذه التفسيرات غير صحيحة، وذلك لأن الحركة الإسلامية في جوهرها ما هي إلا عمل سياسي واجتماعي إسلامي في الفضاء العام يهدف إلى إحداث تأثيرات إسلامية سياسية واجتماعية وثقافية ودينية في ذلك الفضاء العام عبر عمل عام له صور وأساليب شتى، وما دام هذا هو جوهر الحركة الإسلامية المعاصرة، فلا شك أنها ليست أمراً جديداً بل هو قديم قدم الرسالة الإسلامية المحمدية نفسها.
فمنذ بدأ الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الدعوة إلى الإسلام وهو يسعى إلى إحداث تغيرات دينية وثقافية واجتماعية وسياسية في الفضاء العام الذي تحرك فيه وكلل ذلك كله بتأسيس دولة إسلامية وحدت شبه الجزيرة العربية لأول مرة في تاريخها في دولة واحدة وكانت السلطة السياسية والاجتماعية العليا فيها للنبي محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - نفسه، و سار خلفاؤه الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلى والحسن بن علي على نفس المنوال، ثم جاء حكم معاوية بن أبي سفيان ليبدأ معه التغيير في هذا النمط الإسلامي في الحكم، وعندئذ فقط بدأ ظهور الحركات الإسلامية التي تسعى إلى التأثير في الواقع السياسي فظهر "الخوارج" في نهايات عصر علي ونشط بعد معاوية "شيعة أهل البيت" وتحركوا ضد خليفته بما في ذلك الحركة الانقلابية المسلحة التي قادها الحسين بن على وانتهت بمقتله، كما ظهرت حركة "الزبيريون" بقيادة عبد الله ابن الزبير والتي انتهت بمقتله، وكل هذه الحركات مجرد مثال لحركات إسلامية متعددة نشأت واستمرت عبر التاريخ الإسلامي الطويل وسعت إلى إحداث تغيير سياسي أو اجتماعي أو ثقافي أو اقتصادي أو كل ذلك معا وبعضها أقام دولاً مثل الخوارج والشيعة والصفاريين وغيرهم وأكثرها فشل في تغيير الوضع السياسي القائم(1). [(1) ولا نقصد بذلك أن الحركة الإسلامية المعاصرة تشبه هذه الحركات عقائدياً وإنما وجه الشبه في أنها واجهت النظام الحاكم وسعت إلى تغيير الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي بشكل كبير.]
والشاهد من ذلك كله أن الحركات الإسلامية هي إفراز طبيعي لانفصال الدين عن السياسة بدرجة أو أخرى عبر التاريخ الإسلامي والذي بدأ بالتدريج وببطء منذ عهد معاوية ابن أبي سفيان، خاصة في نهاية عهده عندما وَرَّثَ الحكم لابنه يزيد، لقد نشأت الحركات الإسلامية من أجل مكافحة الانحراف عن نظام وأهداف ومقاصد ونمط الحكم الإسلامي الذي أرساه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخلفاؤه الراشدون، سواء وافق البعض في العصر الحالي على هذا النمط من الحكم أم لم يوافق فهذا هو دافع وهدف هذه الحركات التي نشأت منذئذ وحتى الآن.
وبالتالي فالحركة الإسلامية ليست جديدة بل هي ترجع إلى القرن الأول الهجري كما أشرنا.
وحتى في العصر الحديث عندما نشأت جماعات منظمة خارج المؤسسات الدينية التقليدية فإنها انبثقت منها كنتيجة لتكبيل هذه المؤسسات التقليدية من قبل الحكام، فمؤسس أول جماعة إسلامية منظمة في مصر (وهي "الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة") الشيخ محمود خطاب السبكي كان أحد علماء الأزهر الشريف وكان من أشهر تلاميذ الشيخ محمد عليش شيخ المالكية بالأزهر الشريف الذي قيل إن الإنجليز قد قتلوه في المستشفى إثر احتلالهم مصر بسبب مساندته للثورة العرابية ومعارضته للاحتلال الإنجليزي، وكان تأسيس "الجمعية الشرعية" وعملها بدأب ونشاط قد انطلق في نهايات القرن الـ 19 الميلادي لكنها لم تسجل قانونياً إلا بعد ذلك بنحو عشرين عاماً (أي في 1913م) عندما صدر قانون ينظم تأسيس وإدارة الجمعيات.
وهكذا نرى أن ظهور الجماعات الإسلامية في مصر مرتبط بانحسار دور مؤسسة الأزهر- الذي كان يشبه جماعة إسلامية كبيرة - وتزايد سيطرة الحاكم عليه وليس مرتبطاً بسقوط الخلافة الإسلامية ولا بهزيمة يونيو 1967م، نعم يمكن القول بأن سقوط الخلافة أو هزيمة يونيو ألهب كل منهما حماس المزيد من الشباب ودفعهم إلى نشاط متزايد في إطار الحركات الإسلامية المختلفة ولكن لا يمكن القول بأن الحركات الإسلامية لم تنشأ إلا بسبب هذه العوامل لسبب بسيط جداً هو أن ذلك لم يحدث.
أقسام الحركة الإسلامية المصرية المعاصرة
يكاد يتفق كل من كتب عن الحركة الإسلامية المعاصرة على أن الحركة الإسلامية هى نهر عام ينبثق منه روافد عديدة، أو هي حركة عامة تتكون من فصائل أو تيارات متعددة ومختلفة.
لكن اختلف الباحثون حول الأقسام التي تندرج تحتها الجماعات والتيارات والفصائل التي تتكون منها الحركة الإسلامية المعاصرة.
فأشهر تقسيم هو تقسيم سياسي يعتبر أن الحركة الإسلامية تنقسم إلى تيارين رئيسيين هما:
1- التيار الإصلاحي: ويمثله في مصر "الإخوان المسلمون" ومن على شاكلتهم من الجماعات الأخرى التى لا تسعى إلى تغيير فوري وسريع عبر القوة المسلحة، بل تسعى إلى التغيير سلمياً عبر الانتخابات النيابية و العمل الاجتماعي العام.
2- التيار الثوري: وأبرز من يمثله في مصر "تنظيم الجهاد" ومن على شاكلته من المنظمات التي تسعى إلى إجراء تغيير سريع وشامل بالقوة المسلحة.
ولكن هذا التقسيم غير دقيق ويتسم بكثير من السطحية والتبسيط، لأننا نجد في مصر (والعالم) جماعات إسلامية تتبنى الوسائل المسلحة دون أن يكون استخدامها لهذه الوسائل أسلوباً للتغيير الشامل مثل "جماعة الناجون من النار" و"جماعة الشوقيون" و"جماعة التوحيد والجهاد" في مصر و"منظمة القاعدة" في مصر والعالم، فهل نسمي هؤلاء إصلاحيون وهم يستخدمون السلاح أم نسميهم ثوريون وهم لم يسعوا إلى تغيير نظام الحكم القائم إنما سعوا فقط إلى القيام بعمليات مسلحة محددة و محدودة الأهداف؟؟
وبالتالي فإننا نرى أن تقسيم الحركة الإسلامية إلى إصلاحيين وثوريين تقسيم غير دقيق وغير موضوعي.
وهناك تقسيم آخر مشتق من نفس التقسيم و هو تقسيمها إلى:
1- إصلاحيين: كالسابق.
2- راديكاليين: و يقصد بهم الثوريين في التقسيم السابق.
وهذا التقسيم يرد عليه نفس النقد السابق من أنه سطحي وغير موضوعي، إذ كيف نعتبر جماعة لا تسعى إلى تغيير نظام الحكم لا سلمياً ولا عسكرياً جماعة راديكالية؟!
كما أن تفحص تفصيلات الفكر الديني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي لبعض الجماعات التي يجري تصنيفها على أنها راديكالية يكشف عن ميول تقليدية متجذرة، فكيف ننعت من كان هكذا بالراديكالية أو الثورية؟!
ولقد حاول بعض أبناء الحركة الإسلامية نفسها تقديم تقسيم أكثر دقة للحركة الإسلامية، ومن أبرز وأهم من فعل ذلك دكتور أسامة عبد الله حميد أستاذ الجغرافيا السياسية بجامعة بنها وأحد أبرز المفكرين السياسيين في تنظيم الجهاد المصري، وورد هذا التقسيم في ورقة قدمها لمؤتمر عن "الفكر السياسي الإسلامي" كان قد نظمه المعهد العالمي للفكر الإسلامي بلندن في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، وقد قسم أسامة عبد الله حميد الحركة الإسلامية في دراسته إلى أربعة تيارات:
1- تيار الإسلام الإصلاحي: ويمثله "الإخوان المسلمون" ومن على شاكلتهم ممن يسعون إلى تغيير متدرج سلمياً وربما جزئياً.
2- تيار الإسلام الثوري: ويمثله "تنظيم الجهاد" في مصر ومن على شاكلته ممن يسعون إلى القيام بتغيير شامل وفوري بالأساليب المسلحة.
3- تيار الإسلام السياسي: ويمثله في تاريخ مصر الحديث "جماعة مصر الفتاة" بقيادة أحمد حسين، ويقصد به كل من يتبنى الإسلام كمنهج ومرجعية سياسية في مواجهة الحاكم دون أن تتجذر لديه المفاهيم الإسلامية الأصيلة سواء كإسلام إصلاحي أو كإسلام ثوري، فالإسلام بالنسبة مجرد شعار ولوثة حماسية يواجه بها ظلم الحاكم، واعتبر أسامة عبد الله حميد أن جمال عبد الناصر كان ينتمي إلى هذا الاتجاه الفكري قبل أن يصل إلى الحكم.
4- تيار الإسلام المزيف (حسب توصيف وتعبير د.أسامة حميد): وهو التيار الذي يمثله جمال عبد الناصر بعد وصوله إلى الحكم وهو التيار الذي لا يتخذ من الإسلام سوى مظهر وشعار لتحقيق مصالح ومئارب أخرى لا علاقة لها بالإسلام، ويعتبر أسامة حميد أن كل شخص أوجماعة تنتمي إلى تيار "الإسلام السياسي" يتحول إلى الانتماء لتيار "الإسلام المزيف" عند وصوله إلى الحكم.
ورغم ما في تصنيف أسامة حميد من دقة نسبية تمثلت في تحديد سمات و هوية حركات لم تدخل في التصنيفات الأخرى مثل "مصر الفتاة" (ويشبهها الآن حزب العمل المجمد) و"الناصرية" إلا أنه وقع فيما وقع فيه التقسيم السابق من حصر الجماعات ما بين ثوريين و إصلاحيين فقط، وهو تقسيم كما سبق وأشرنا لا يراعي سوى السلاح فقط للتفريق بين سمات وأوصاف الجماعات بغض النظر عن الأفكار والأهداف والطبيعة الاجتماعية و السياسية لكل جماعة.
وقد سبق وأن قمنا بتصنيف الجماعات الإسلامية على أسس عقائدية في دراسة غير منشورة بعنوان "التيارات الفكرية في الحركة الإسلامية المعاصرة"، وقد قسمنا الجماعات الإسلامية هناك على أساسين:
الأول- عقيدة كل منها أو موقفها الغالب في مجال أصول الدين، و بناء على ذلك قسمناها إلى:
1- جماعات أهل السنة: وهي كل الجماعات التي تتبنى في مجال العقيدة أغلب مواقف ومذهب أهل السنة والجماعة، وتشمل بذلك (فيما يتعلق بمصر) "الإخوان المسلمون" و"القطبيون" بعد عام 1981م و"السلفيون" و"أنصار السنة" و"الجمعية الشرعية" و"تنظيم الجهاد" ونحوهم.
2- جماعات الفرق: وهي كل الجماعات التي تتبنى آراء وعقائد تخالف مذهب أهل السنة في أغلب القضايا العقيدية، وتشمل بذلك (فيما يتعلق بمصر) "جماعة المسلمون" المعروفة إعلامياً باسم "التكفير والهجرة"، و"الشوقيون" وجماعات "التوقف والتبين" كـ"الناجون من النار" و"القطبيون" قبل عام 1981م ونحوهما.
الثاني- أسلوب كل منها في الحركة والعمل السياسي، وبناء عليه قسمناها إلى:
1- جماعات سلمية: وهى تلك التي تتخذ من الوسائل السلمية أساليب للعمل والحركة من أجل تحقيق أهدافها مثل (فيما يتعلق بمصر) "الجمعية الشرعية" و"أنصار السنة" و"السلفيين" و"الإخوان المسلمين" بعد منتصف السبعينيات، وبعض جماعات "التوقف والتبين" ومثل "جماعة المسلمون" بعد عام 1982م، و"القطبيون" ونحو ذلك.
2- جماعات مسلحة: وهي تلك التي تتخذ من الوسائل المسلحة أساليباً للعمل والحركة من أجل تحقيق أهدافها، ومن أمثلتها (فيما يتعلق بمصر) "تنظيم الجهاد"، و"منظمة القاعدة"، و"جماعة التوحيد والجهاد"، و"الجماعة الإسلامية" قبل 1998م، و"الشوقيون" قبل 2006م، و"جماعة المسلمين" قبل 1982م و نحوهم.
وتأتي أهمية التدقيق في تصنيف وتحديد تيارات وفصائل وجماعات الحركة الإسلامية في الماضي أوالحاضر من تأثير ذلك في تحديد اتجاهات السلوك السياسي المستقبلي لهذه الجماعات وكذلك تحديد احتمالات التطور واتجاهاته سواء في بنيتها الفكرية أوالتنظيمية أوحتى الاجتماعية.
وعلى كل فإننا لن نتبع في هذه الدراسة التقسيمات التي عرضنا لها لعدم دقة التقسيمات الثلاثة الأولى، ولأننا نعتبر أن التقسيم الرابع الذي اقترحناه ما زال يحتاج إلى مزيد من الدراسة والتعميق عبر مزيد من نقده والجدل حوله، وكنا قد اعتمدنا في بحثنا "خريطة الحركات الإسلامية المصرية" على تقسيم أكثر حيادية وعمومية، وهو تقسيم يعتمد على المزج بين الجانب التاريخي لنشأة الجماعات والخلفية الاجتماعية لمؤسسيها والطبيعة الفكرية لمناهج هذه الجماعات وأهدافها، فاعتبرنا أن الجماعات التي أنشأها علماء من الأزهر واحترمت التقليد أو التمذهب كمنهج فقهي وهدفت إلى تحقيق تغيرات محدودة في البلاد سواء اجتماعية أو دينية أو سياسية اعتبرناها "حركة إسلامية تقليدية" أما الجماعات التي أسسها قادة لم يتخرجوا من الأزهر الشريف ولم ترتكز في منهجها الفقهي على التقليد أو التمذهب وهدفت لتحقيق تغيرات واسعة وشاملة في البلاد على كل المستويات الدينية أو الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية فقد اعتبرناها جماعات تنتمي إلى ما اسميناه بـ"الحركة الإسلامية الحديثة".
ولكننا اضطررنا إلى عمل استثناء بسيط في ذلك وهو اعتبار "جماعة التبليغ والدعوة" من "الحركة الإسلامية التقليدية" رغم أن مؤسسها في مصر ليس من الأزهر لكن ذلك جاء بسبب طبيعتها الفكرية وأهدافها فضلاً عن أن مؤسسها الأول "محمد إلياس" (وقد تأسست في الهند) خارج مصر جاء من مؤسسة دينية تقليدية في تلك البلاد، وكذلك وضعنا جماعة د.أسامة عبد العظيم ضمن الحركة الإسلامية التقليدية بسبب الطبيعة المبهمة لأهدافها وتقليدية منهجها الفقهي رغم أن مؤسسها د.أسامة عبد العظيم لم يتخرج من الأزهر إلا بعدما وضع البذور الأولى لتأسيس جماعته، كما اعتبرنا أن حزب التحرير من الحركة الإسلامية الحديثة لعدد من الأسباب منها أن مؤسسه رغم أنه درس بالأزهر فإنه أيضا درس بدار العلوم كما أن هناك اعتبار آخر هو أن حزب التحرير طرح أطروحات جديدة نسبياً وغير تقليدية بل فارق الحركات الإسلامية التقليدية والحديثة في العديد من الأمور التي حتمت علينا ألا نعتبره حركة تقليدية أو ذات طرح تقليدي.
ولقد اندرج تحت كل من "الحركة الإسلامية التقليدية" و"الحركة الإسلامية الحديثة" فصائل أو جماعات عدة، وبعض أسماء هذه الفصائل والتيارات هي أسماء حقيقية اختارها مؤسسو الفصيل أوالتيار لأنفسهم مثل "الجمعية الشرعية للعاملين بالكتاب والسنة"، لكن العديد من التيارات الإسلامية لا تهتم بأن تسمى باسم محدد بل تعمل دون أن تطلق على نفسها اسم ويلاحظ أن المحتكين بها قد يطلقون عليها اسماً غير دقيق أو ملتبس مع اسم جماعة أو جماعات أخرى، وفي حالة لم يطلق فصيل ما على نفسه اسماً محدداً فإننا هنا حددنا اسماً يمثل وصفاً دقيقاً لحالته ومواقفه الفكرية والسياسية مثلما فعلنا مع كل من "السلفية الحركية" و"السلفية التقليدية الجديدة"، كما توجد حالة أن فصيل ما قد يطلق على نفسه اسماً ملتبساً مع العديد من الفصائل الأخرى كما هى الحال في "الدعوة السلفية" ومن على شاكلتهم من السلفيين فأطلقنا عليهم جميعاً اسم "السلفية العلمية"، وذلك كله يرجع إلى أن أكثر الجماعات الإسلامية لا تهتم بمسألة التميز باسم معين ولا شعار معين وليس أدل على هذا من جماعة الجهاد التي لم تطلق على نفسها اسماً محدداً حتى أطلقت عليها وسائل الإعلام في البداية حزب التحرير (أيام عملية الفنية العسكرية 1974م) ولم تهتم الجماعة بذلك ثم أطلقت عليها وسائل الإعلام اسم الجهاد عام 1977م، ومنذئذ فقد ارتضت الجماعة بهذا الاسم ولكنه صار مشتركاً بين كل الجماعات التي انشقت عن نفس الجماعة، إلى أن تبنته الجماعة التي أعيد تأسيسها عبر توحيد العديد من الجماعات في بيشاور أواخر عام 1988م وأصدرت مجلات ونشرات مطبوعة تعبر عن نفسها بذات الاسم واستقر على هذه الحالة حتى الآن.
وفرض واقع الحركة الإسلامية علينا خطوة منهجية أخرى ذلك أن هناك جماعات متعددة تتشابه أفكارها وأهدافها و ظروف نشأتها وطبيعتها الاجتماعية ورغم ذلك كله فهي جماعات منفصلة تنظيمياً وفي هذه الحالة جمعت كل هذه الجماعات تحت مسمى واحد ليصبح هذا المسمى علماً على التيار الذي يضم كل هذه الجماعات، و قد فعلنا ذلك في كل من "التوقف والتبين" و"السلفية التقليدية الجديدة" و"السلفية العلمية"، ولم نفعل ذلك بشأن التيار الجهادي، لأن هذا التيار يمر الآن بمرحلة تغير سيكون لها ما بعدها من تبلور القوى داخل هذا التيار وفقاً لأسس وشكل جديد يصعب توقعه الآن، ومن ثم عالجنا الجماعات الجهادية كلاً منها على حدة إلى أن تنتهي المرحلة الحالية وتتبلور الأمور داخل هذا التيار.
ولكن مع صدور الكتاب وجد كثير من القراء تعقيد في هذا التقسيم كما اعتبر آخرون أن الضوابط التي اعتمد عليها هذا التقسيم غير دقيقة كما اعترضوا على عدد من هذه الضوابط، و من هنا فقد تخلينا في هذا الكتاب عن أي تقسيم وسقنا الجماعات في الكتاب بشكل متسلسل دون ترتيب معين اللهم إلا أننا خصصنا فقرة لكل جماعة وجعلنا ذلك في الباب الثاني بينما خصصنا الباب الأول للكلام عن كل من مؤسسة الأزهر والطرق الصوفية بسبب علاقتهما بشكل أو بآخر بالحركات الإسلامية سواء كانت هذه العلاقة علاقة تعاون أو تنافس أو صراع.
مصادر هذه الدراسة
كانت المشكلة عند كتابة هذا البحث أن تاريخ معظم الحركات الإسلامية ما زال غير مكتوب بسبب السرية التى تضربها معظم هذه الحركات على أنشطتها حيناً، وبسبب إهتمام هذه الحركات بالجوانب العملية في نشاطها على حساب الجوانب النظرية أحياناً أخرى، كما يوجد سبب آخر لذلك وهو أن هذه الحركات دائماً لا تهتم بكتابة تاريخها.
ولقد اهتممت منذ أكثر من عشرين عاماً بمحاولة توثيق تاريخ الحركات الإسلامية المصرية من أفواه صانعى أحداثها والمشاركين فيها والمقربين من صانعي الأحداث، حتى إننى من كثرة ترددى على هؤلاء الأشخاص ومناقشتى لهم في رواياتهم عن هذه اإلى إحداث قد حفظت معظم هذه الأحداث عن ظهر قلب ولم أعد أحتاج إلى الاحتفاظ بها مكتوبة، وقد نفعنى الله بهذا الحفظ عندما استولت الأجهزة الأمنية على كتاباتى التى لم تكن قد نشرت حتى ذلك الوقت عند اعتقالي في فبراير عام 1993م، صحيح أننى قد دفعت ثمن جمع وتوثيق مثل هذه اإلى إحداث 15 عاماً من الاعتقال لأن أجهزة الأمن اعتبرت أن هذا العمل هو نوع من الترويج لهذه الحركات، لكن على كل حال فقد كان لهذا الاعتقال فوائد عديدة منها أنني تقابلت مع عدد لابأس به من قادة منظمة القاعدة و كذلك قادة الشوقيين وقادة جماعة شكري مصطفى في السجن وغيرهم من قادة الحركات الإسلامية المختلفة مما مكني من استكمال أرشيفي التاريخي والسياسي والفكري عن الحركات الإسلامية بجميع فصائلها.
ومن هنا فإن أهم وأول مصدر اعتمدت عليه في كتابة هذا البحث هو ما سبق وجمعته من أفواه صانعي الأحداث من قادة الحركة الإسلامية بمختلف فصائلها أو المقربين منهم.
ثم يأتي ثاني هذه المصادر وهو الأدبيات الفكرية التي اعتمدتها هذه الحركات الإسلامية، وقد استفدت طبعاً من شبكة الانترنت نظراً إلى وجود الكثير من هذه الأدبيات على الشبكة، وهو ما وفر فرصة جيدة وسهلة لتجميع هذه الأدبيات والاطلاع عليها، صحيح أنني كنت قد اطلعت على هذه الأدبيات من سنوات طويلة عندما كانت معظم هذه الأدبيات سرية ويصعب الحصول عليها، ولكن طبعاً احتجت الرجوع إليها الآن مرة أخرى في أثناء كتابة هذا البحث، ومن هنا أتت أهمية شبكة الانترنت في الحصول على هذه الأدبيات الآن.
كما انتفعت بعدد قليل من الكتب التي تعرضت لتاريخ الحركة الإسلامية أوبعض فصائلها خاصة جماعة الإخوان المسلمين لأنها أكثر جماعة إسلامية حظيت بالعديد من الكتابات، وفي نفس الوقت فقد عزفت عن عدد من الكتب التي كتبت عن جماعات إسلامية كالجهاد والجماعة الإسلامية والقاعدة بسبب أن ما لدي من معلومات عن هذه الجماعات هو أهم وأوثق مما جرت كتابته وتم نشره حتى الآن.
الأزهر الشريف
ظل الأزهر الشريف قلعة الإسلام عبر العصور ولقد كان الجامع الأزهر في مصر هو الذي يمثل الدعوة الإسلامية والعمل السياسي الإسلامي المستقل عن الحكام في عصر المماليك والعثمانيين وحتى بداية عصر "محمد علي" و الذي في عهده بدأ تقييد حركة الأزهر وتجريده من نفوذه السياسي على مراحل عدة انتهت إلى ما هو عليه الآن.
ومن هنا بدأ بعض علماء الأزهر في التفكير في التحرك بعيداً عن القيود التي طوقت الجامع الأزهر، ومن ثم ظهرت الحركة الإسلامية بفصائلها المختلفة، ومنذئذ ظل الأزهر يخرج للحركات الإسلامية أو لكثير من الحركات الإسلامية كوادر إسلامية على مستوى عالٍ جداً ومتميز من العلم في العلوم الشرعية، وسوف يظهر في صفحات هذا الكتاب الدور الهام الذي ما يزال يلعبه الأزهر في عدد من كبرى الحركات الإسلامية المعاصرة.
ورغم أن الحركات الإسلامية المختلفة أخذت في منازعة الأزهر في دوره كمرجعية وحيدة في مجال العلوم الشرعية والفتوى إلا أنها لم تنجح في إلغاء دور الأزهر كمرجعية للمسلمين السنة بشكل كامل، فقد نجحت فقط في هز هذه المكانة وذلك الدور ومشاركته فيها دون أن تزيحه منها إزاحة كاملة.
ولا يرجع نجاح الحركة الإسلامية في تحقيق هذا القدر من الدور والمكانة المرجعية إلى قوة وفاعلية الحركة الإسلامية بقدر ما يرجع ذلك إلى تراجع القوة الذاتية للأزهر نتيجة للحصار الذي فرضته السلطة الحاكمة عليه بدءاً من عصر محمد علي باشا وذريته وانتهاء بالجهود التي قام بها جمال عبد الناصر بعد ثورة يوليو 1952م.
فالأزهر الذي يعد أهم مؤسسة إسلامية على الإطلاق في مصر والعالم الإسلامي كان لجمال عبد الناصر معه نهج يمكن أن نعتبره استمراراً للنهج الثابت الذي بدأ الحكام في مصر ينهجونه منذ نابليون بونابرت وحتى الآن وهو نهج الاحتواء والسيطرة تحت ستار التطوير والتجديد، وفي هذا الإطار نتذكر ما فعله محمد علي ومن بعده خلفاؤه مع الأزهر الشريف وذلك النهج تلخصه كلمة الخديو عباس حلمي التي قال فيها محدداً دور الأزهر: "أول شىء أطلبه أنا وحكومتي أن يكون الهدوء سائداً في الأزهر والشغب بعيداً عنه فلا يشتغل علماؤه وطلبته إلا بتلقي العلوم الدينية النافعة البعيدة عن زيغ العقائد وشغب الأفكار لأنه مدرسة دينية قبل كل شىء.
إن كل ما يهم الحكومة من الأزهر استتباب الأمن فيه.
وأطلب منكم أيها العلماء أن تكونوا دائماً بعيدين عن الشغب وأن تحثوا إخوانكم العلماء وكذلك الطلبة على ذلك.
ومن يحاول بث الشغب بالأقوال أو بواسطة الصحف والأخذ والرد فيها فيكون بعيداً عن الأزهر" (يقصد أن من يفعل ذلك عليه أن يبتعد عن الانتماء إلى الأزهر)
فالحكام منذ نابليون حتى الآن حرصوا على منع الأزهر من العمل السياسي، كما حرصوا في نفس الوقت على توظيف الإسلام وعلماء الإسلام لتحقيق أهداف الحاكم السياسية كلما أمكن ذلك.
ولم يشذ جمال عبد الناصرعن ذلك النهج فاتخذ العديد من الخطوات للسيطرة على الأزهر وتوظيفه لصالح أهداف نظام ثورة يوليو1952م.
ونجد عبد الناصر يحدد دور العلماء في "إرشاد المواطنين إلى حقيقة وأهداف الثورة" و"تعبئة الرأي العام في كل البلاد الإسلامية وجميع دول العالم على اعتبار أن الجهد الذي يبذله علماء المسلمين في العالم الإسلامي أو الأمة العربية في مجال مواجهة إسرائيل ما زال جهداً متواضعاً" وقد دعى جمال عبد الناصر في إطار ذلك إلى "عمل لجان في كل بلد إسلامي من أجل متابعة العمل لنصرة القضايا العربية وذلك في إطار مواجهة إسرائيل والاستعمار العالمي الذي يقف خلفها".
ولكن كيف وظف جمال عبد الناصر الأزهر لتحقيق أهدافه هذه؟؟
تضمن المرسوم بقانون رقم 180 لعام 1952م أي في أول خمسة أشهر من حكم الثورة إلغاء الوقف الأهلي كما كانت هناك إجراءات صحبت ذلك كله وأخرى تتابعت في السنوات التالية أدت فيما بعد إلى وضع الدولة يدها بشكل كامل على الأوقاف عبر وزارة الأوقاف التي سلمت هذه الأوقاف بشكل أو بآخر إلى الهيئة العامة للإصلاح الزراعي، حتى أن الهيئة تسلمت 137 ألف فدان من أراضي الأوقاف بسعر 17.5 مثلاً لضريبة الأطيان المربوطة عليها أي أن قيمة الفدان بلغت خمسين جنيهاً في حين زادت قيمته الحقيقية بسعر السوق في ذلك الحين على ألف جنيه، ولذلك عجزت وزارة الأوقاف عن تأدية رسالتها لأن هذه الأراضي كانت تدر على الأزهر في السنة الواحدة 8 ملايين جنيه وبتطبيق هذه القوانين انخفضت الإيرادات إلى 800 ألف جنيه إذ أن الريع تم تحديده بـ3% أو 4% من قيمة سندات سلمت لها كبديل للأرض ورغم ذلك امتنعت الهيئة العامة للإصلاح الزراعي عن سداد الريع المستحق، الأمر الذي جعلها مدينة لوزارة الأوقاف بمبالغ مالية هائلة، هذا فضلاً عن تبديد الهيئة لأغلب هذه الأوقاف لا سيما أوقاف الخيرات الموقوفة على المساجد، وبهذا ضربت ثورة 23 يوليو 1952م الركيزة الاقتصادية لعلماء الأزهر تلك الركيزة التي كانت تجعلهم في غنى عن أموال الحكومة الأمر الذي كان يكفل لهم الاستقلال عن الحكومة ويتيح لهم معارضتها دون الخوف من قطع مرتباتهم أو تشريد أسرهم من بعدهم.
وعلى حين عوملت أوقاف المسلمين هذه المعاملة استثنيت أوقاف غير المسلمين من أحكام هذه القوانين حيث وضعت لها قوانين خاصة وتركت لكل كنيسة أوقافها في حدود مئتي فدان وما زاد عن هذا كانت الدولة تأخذه وتدفع ثمنه بسعر السوق وهو ما أدى في أواخر السبعينيات إلى مناداة عدد من الأصوات في مجلس الشعب بمساواة أوقاف المسلمين بأوقاف المسيحيين.
ثم كان إلغاء المحاكم الشرعية خطوة بارزة قامت بها ثورة يوليو لتقليص دور مؤسسة الأزهر في الحياة العملية للمصريين خارج توجيه الحكومة إذ أن ممارسة هذه المحاكم الشرعية لنشاطها كانت تتمتع بقدر كبير من الاستقلالية عن الحكومة خاصة في مجال المنطلقات الأيدولوجية، وعبد الناصر وثورة يوليو كانا يهدفان إلى تأميم الدين لصالح نظام الحكم فكان لزاماً القضاء على هذه المحاكم التي كان يستحيل تأميمها لصالح النظام الحاكم، و كانت ثورة يوليو واعية بذلك منذ البداية إذ ألغيت هذه المحاكم بقانون رقم 462 لعام 1955م، وبذا بدأت هيمنة ثورة 23 يوليو على القوة الإسلامية الأكبر في مصر وفي العالم الإسلامي وهي الأزهر الشريف وعلمائه، حيث شكل إلغاء المحاكم الشرعية تحدياً لنظام الشريعة الإسلامية نفسه في دولة إسلامية يعلن دستورها أن دينها الرسمي هو الإسلام.
وبإلغاء المحاكم الشرعية وبالهيمنة على إدارة الأوقاف نجح الرئيس جمال عبد الناصر فيما فشل فيه الاحتلال الغربي من الهيمنة على أبرز مؤسسة لعلماء الإسلام في العالم كله.
وقد شنت أجهزة إعلام الدولة - الثورة حملة إعلامية صاحبت ذلك كله، ووصفته بأنه ثورة جديدة تجري داخل الأزهر وتقودها الدولة من أجل التجديد والتقدم لخدمة الأزهر والإسلام، وبلغ الأمر أن هاجم د.محمد البهي في جلسات مجلس الشعب (1961م) ما وصفه بأنه جو العداوة والجمود الذي يسود الأزهر وقال: "إن الثورة أعطت الإصلاح للأزهر لأن الشيوخ لم يريدوه"، و كان محمد البهي أحد الموالين لعبد الناصر داخل الأزهر.
وبعد أن هيمن عبد الناصر على الأزهر وموارده الاقتصادية كان عليه أن يكرس هذه الهيمنة بقانون رسمي محدد المعالم فتم إصدار قانون تنظيم الأزهر (103 لسنة 1961م).
وكي يتضح المدى الذي كبلت به الحكومة مؤسسة الأزهر لابد أن نعود إلى أحداث جلسة مجلس الأمة (البرلمان) التي أقرت قانون تنظيم الأزهر، يقول فتحي رضوان: "لإجبار المجلس على الموافقة حضر رجال الثورة وجلسوا أمامنا على المنصة، وتحديداً كان على المنصة أنور السادات وكمال حسين وكمال رفعت، وهدد أنور السادات المجلس عندما علت أصوات تعارض مشروع القانون قائلاً: كانت ثورة في 23 يوليو 1952م والذين حاولوا الوقوف أمامها ديسوا بالأقدام واليوم ثورة جديدة وسيصاب الذين يقفون أمامها بنفس المصير".
ووفقاً للوثائق الرسمية فإنه تغيب عن جلسة إقرار القانون بمجلس الأمة 179 عضواً أي ما يعادل 49% من إجمالي أعضاء المجلس، ووفقاً لنفس الوثائق الرسمية فإنه لم يعترض من الأعضاء الحاضرين سوى النائب صلاح سعدة، بينما ذكر فتحي رضوان أن أكثر من نصف الحاضرين عارضوا القانون.
وهذا القانون وإن كان أعاد تنظيم الأزهر فعلاً وقسمه إلى هيكل تنظيمي جديد لكنه ربط هذا التنظيم كله بجهاز الدولة خاصة رئاسة الجمهورية بشكل مباشر، فشيخ الأزهر ووكيل الأزهر ورئيس جامعة الأزهر يعينهم رئيس الجمهورية، كما أن جميع أجهزة الأزهر الرئيسية كالمجلس الأعلى للأزهر وجامعة الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية ينفرد رئيس الجمهورية بتعيين القيادات العليا فيها، فمجمع البحوث يرأسه شيخ الأزهر وأعضاء المجمع يعينهم رئيس الجمهورية، أما جامعة الأزهر فبالإضافة إلى انفراد رئيس الجمهورية بتعيين رئيس جامعة الأزهر فعمداء الكليات يعينهم أيضاً رئيس الجمهورية، وبصفة عامة فالهيكل العام الإداري والمالي للأزهر أصبح وفقاً لقانون تنظيم الأزهر جزءاً من الهيكل المالي والإداري للحكومة (أي السلطة التنفيذية).
وبعد كل هذا فكيف للأزهر أن يعصي لرئيس الجمهورية أمراً فضلاً عن أن يعارضه؟؟
ولكن ما النتيجة العملية لهيمنة نظام ثورة يوليو على الأزهر؟؟
النتيجة أن الأزهر لم تصدر من داخله أية مواقف أو تصريحات تعارض النظام الحاكم لا من قريب ولا بعيد، بل بالعكس وقف إلى جانب جمال عبد الناصر في كل مواقفه ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر الفتوى التي أصدرها شيخ الأزهر يساند بها جمال عبد الناصر في صراعه مع محمد نجيب (الأهرام 17 فبراير 1954م)، وأيضاً التأييد الذي قدمه الأزهر لنظام حكم جمال عبد الناصر فيما يتعلق باتفاقية الجلاء (الأهرام 26 فبراير 1954م)، وكذلك المساندة التي قدمها الأزهر لنظام حكم جمال عبد الناصر إثر الأزمة مع إسرائيل التي سبقت هزيمة يونيو 1967م بإعلان تأييده لجمال عبد الناصر ومباركته لخطواته في صد عدوان الصهيونية والاستعمار (الأهرام 25 مايو 1967م ).
واستمر الأزهر على هذا النهج مع خلفاء جمال عبد الناصر الرئيس السابق أنور السادات والحالي حسني مبارك، وقد أدى ذلك كله إلى إضعاف مكانة الأزهر في نفوس المسلمين وبالتالي تدهور دوره ومكانته كمرجعية عليا للدعوة الإسلامية والإفتاء لكل المسلمين، وبدأ الكثير من المسلمين يضعون ثقتهم في العديد من الناشطين الذين ينتمون إلى الحركات الإسلامية والذين يطلق عليهم الدعاة.
وهذا كله زاد من مكانة ودور الحركة الإسلامية بجميع فصائلها.
الطرق الصوفية
لابد أن نشير إلى جانب آخر من التحرك الإسلامي وهذا الجانب عاصر الأزهر وتداخل معه وتمثل في الطرق الصوفية، ولقد مرت الطرق الصوفية بتطورات شبيهة بما مر به الأزهر وانتهت إلى ما انتهى إليه من سيطرة الحاكم عليه.
فالطرق الصوفية التي كانت تمثل مع بداية ثورة 23 يوليو 1952م نحو 3 ملايين منتسب ينتظمون في 60 طريقة، أيدت جمال عبد الناصر بوضوح في القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية والخارجية من البداية فعلى سبيل المثال وقفت مشيخة الطرق الصوفية مع عبد الناصر في صراعه ضد الإخوان وأصدر شيخ مشايخ الطرق الصوفية محمد علوان بياناً في مولد الرفاعي عام 1965م أبرز فيه هذا الموقف، كما أصدر المجلس الأعلى للطرق الصوفية بياناً استنكر فيه ما سماه المؤامرات الرجعية التي يدبرها الملك فيصل (ملك السعودية) وشاه إيران والملك حسين (ملك الأردن) ورئيس تونس الحبيب بورقيبة (الأهرام 12ابريل 1967م)، وكذلك أصدر شيخ مشايخ الطرق الصوفية بياناً يبرر فيه ويؤيد قرارات عبد الناصر بسحب قوات الطوارئ الدولية من سيناء في مايو 1967م (الأهرام 27 مايو 1967م)، وفي ديسمبر 1967م سار أكبر موكب صوفي رسمي في مصر تأييداً لعبد الناصر في أعقاب هزيمة 5 يونيو 1967م.
وما زالت الطرق الصوفية تسير على هذا النهج حتى الآن من تأييد الحاكم وعدم اتخاذ أية مواقف معارضة له، وعدم تأييد أية قوى معارضة.
وهذا كله أضعف من إقبال الناشطين الإسلاميين عليها، فلا يقبل عليها إلا راغبي الراحة النفسية والبعد عن مشكلات الواقع بكل تعقيداته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومن هنا أقبل الناشطون الإسلاميون على الجماعات الإسلامية المتعددة التي لها مواقف أكثر فاعلية واندماجاً مع المجتمع ومشكلاته.
الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة
الشيخ محمود خطاب السبكي (رحمه الله) هو مؤسس "الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة" وقد أسسها في تسعينيات القرن 19 الميلادي وكان من علماء المذهب المالكي في الأزهر الشريف، وعندما تم إصدار قانون الجمعيات سجل الشيخ جمعيته وفق هذا القانون عام 1913م، وظلت تعمل حتى اليوم ولها فروع كثيرة بكل محافظات مصر وعادة ما يقودها علماء من الأزهر الشريف حتى الآن رغم أن من بين دعاتها أشخاص من خريجي المدارس والجامعات المدنية وهؤلاء يتلقون دورات علمية لمدة سنتين في معهد إعداد الدعاة التابع للجمعية، قبل أن تعتبرهم الجمعية دعاة وتسمح لهم بالخطابة وإعطاء الدروس في مقراتها.
و"الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة" لا تمارس السياسة ولا تتكلم فيها ولا تتخذ أية مواقف سياسية، لكنها لسبب عندما أصدر الحاج عيسى عاشور صاحب دار الاعتصام للنشر مجلة اسمها "الاعتصام" اتفق مع الجمعية الشرعية على اعتبارها لسان الجمعية الشرعية، وظلت هذه المجلة تكتب عن السياسة في العصر الملكي ثم امتنعت عن ذلك في عصر جمال عبد الناصر ثم عادت إلى نفس النمط في عصر السادات ومارست المعارضة السياسية الإسلامية بحدة وكأنها إحدى صحف المعارضة مما دفع رئيس مصر السابق أنور السادات إلى جعلها في زمرة الصحف والمجلات التي صادرها ضمن القرارت القمعية التي أصدرها ضد جميع قوى المعارضة المصرية في 5 سبتمبر 1981م، ولكن المجلة عادت إلى الصدور بعد مقتل السادات إلى أن توقفت مع انتهاء ترخيصها بوفاة صاحبها، لكن الجمعية الشرعية أصدرت في السنوات الأخيرة مجلة باسم "التبيان" وهى تنحو منحى سياسياً أشبه بالاعتصام لكن الاتجاه الإخواني الذي تميزت به الاعتصام خفت قليلاً في "التبيان" وإن ظل بارزاً بها، ويعكس التوجه السياسي لهاتين المجلتين رغم تعبيرهما عن جمعية تنأى بنفسها عن السياسة حالة عدم الاقتناع بالالتزام الحرفي لقاعدة عدم الاشتغال بالسياسة التي كان محمود خطاب السبكي قد التزم بها منذ تأسيس جماعته كما يعكس أيضاً اختراق جماعة الإخوان المسلمين القوي لهذه الجمعية الكبيرة والقديمة والهامة، والتي يقدر أعضاؤها الناشطون بعشرات الآلاف.
لكن لابد من ملاحظة أن الخطاب السياسي لمجلات هذه الجمعية ولبعض دعاتها في المساجد قائم على أسلوب الإصلاح الجزئي العشوائي، فهو لا يطالب بتغيير شامل ومتكامل كما أنه لا يطرح برنامجاً متكاملاً ومحدداً للإصلاح أياً كان جوهره، بل يكتفي بتوجيه النقد للعديد من الجوانب السلبية وقضايا الفساد والفشل السياسي والاقتصادي وإن كان تركيزهم الأكبر على قضايا الفساد الأخلاقي، ويقتصر تناولهم لأي من هذه القضايا على بعض جوانبها الجزئية دون الإطار الكلي لها الذي ينتظمه النسق السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي العام.
وتركز الجمعية اهتمامها الأكبر في مجال تنقية الدين من البدع والخرافات ومكافحة التبرك والتمسح بالأضرحة أو النذر لها والصلاة فيها ورغم أنها لا تدعو إلى التمسك بمذهب فقهي محدد فإن من بين علمائها من يلتزمون بمذهب محدد بحكم دراستهم الأزهرية أما دعاة الجمعية الشرعية فمرجعهم الأساسي كتاب الشيخ محمود خطاب السبكي "الدين الخالص" وهو موسوعة فقهية ضخمة تذكر معظم الآراء الفقهية بأدلتها ثم ترجح أحدها.
وترى "الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة" أن مشكلة الأمة الإسلامية تكمن في البدع والخرافات التي دخلت على الدين ومنها العديد من طقوس التصوف، وأنه إذا تم تنقية الدين من هذه البدع سوف يعود إلى الأمة مجدها وعزها.
وبالرغم من ذلك فإن موقفهم من الصوفية ليس بحدة فصائل إسلامية أخرى، بسبب الطبيعة الصوفية التي تربى عليها السبكي في الأزهر، وبالتالي فإن الجمعية الشرعية تميل إلى تقسيم التصوف إلى نوعين نوع معتدل وهو الملتزم بالسنة ونوع متشدد وهو الذي يتضمن انحرافات عقائدية وفقهية.
جماعة أنصار السنة المحمدية
فصيل من الحركة الإسلامية حاد جداً في موقفه من التصوف والصوفية ذلك الفصيل قام بتأسيسه الشيخ محمد حامد الفقي عام 1926م تحت اسم "جماعة أنصار السنة المحمدية" وهي تعمل بنشاط حتى الآن، وكان الشيخ محمد حامد الفقي من علماء الأزهر كما كان من مرتادي الجمعية الشرعية، لكنه اختلف معهم في إحدى جزئيات مسألة صفات الله تعالى وهي جزئية من علم العقيدة وهي من المحددات التي تفرق بين الفرق الإسلامية المختلفة (كالمعتزلة والأشاعرة وأهل السنة والشيعة وغيرهم)، ولذلك أنشأ الشيخ حامد الفقي "جماعة أنصار السنة المحمدية" وهي في فكرها العقيدي أقرب إلى أهل السنة أكثر من الجمعية الشرعية وتركز في خطابها على محاربة بدع المساجد والأضرحة والصوفية وتعتبر أن البعد عن الإسلام الصافي هو أحد أسباب تخلف الأمة الإسلامية كما أن مسألة وجوب الحكم بالشريعة على مستوى نظام الحكم في الدولة حاضرة ومنصوص عليها في أدبيات الجماعة وميثاقها ولكنهم عندما يطالبون بها عبر الخطابة والكتابة والدروس المسجدية فإن ذلك لا يصحبه أي عمل سياسي آخر ومعظم علماء"جماعة أنصار السنة المحمدية" هم من علماء الأزهر الشريف حتى اليوم، ولها فروع كثيرة في كل محافظات مصر لكنها أقل حيوية من الجمعية الشرعية رغم أن فكرها الفقهي أكثر حيوية من فكر الجمعية الشرعية.
وتصدر "جماعة أنصار السنة المحمدية" بانتظام مجلة شهرية اسمها "التوحيد" تتسم بأنها بعيدة إلى حد كبير عن الكلام في السياسة وهي بذلك عكس مجلات الجمعية الشرعية، بل إن هذا مثير للدهشة لأن الطرح الفكري لجماعة أنصار السنة أكثر التصاقاً بالسياسة إذا قارناه بالطرح الفكري للـ"الجمعية الشرعية" بسبب حرص "جماعة أنصار السنة" الواضح والصريح في ميثاقها على طرح قضية الحكم بالشريعة والدعوة لها و الإصرار على أنها واجب شرعي لا سبيل إلى الفكاك منه وأنه السبيل الوحيد إلى الإصلاح والخروج من أزمات الأمة الراهنة.
وفي مقابل الاختراق القوى والواضح الذي حققه الإخوان المسلمون للجمعية الشرعية، فإنه من الواضح أن هناك اختراق مماثل حققته السلفية العلمية والسلفية الحركية لجماعة أنصار السنة.
ويقدر عدد نشطاء جماعة أنصار السنة في مصر بما يزيد قليلاً عن عشرة آلاف ناشط، لكنها قوية بما تملكه من مؤسسات خيرية ومعاهد علمية ومكتبات ومساجد وإن كانت الأخيرة تم ضمها إلى إشراف وزارة الأوقاف في محاولة حكومية لتكبيل الجماعة والحد من توسع نشاطها وزيادة أعداد أعضائها.
وتوجد امتدادات لجماعة أنصار السنة المحمدية في بعض الدول العربية لكنها لا تتبعها تنظيمياً، وأهم جماعات "أنصار السنة المحمدية" خارج مصر توجد في جمهورية السودان وهي هناك أقوى وأكبر من جماعة أنصار السنة في مصر رغم أن جماعة مصر هي الأصل، ولكن ربما يرجع السبب إلى حرية الحركة المتاحة للجماعة هناك بالمقارنة بالجماعة في مصر.
كما يوجد متعاطفون فكرياً مع جماعة أنصار السنة في العديد من دول العالم بما فيها أوروبا لكن مع مرور الوقت يزداد تماهي أنصار السنة مع السلفية العلمية والسلفية الحركية لتشابههما الشديد في المنهج الفكري.