eKtab
EN ع
دماء متناثرة
اقرأ عينة مجانية

دماء متناثرة

بقلم بتول مصطفى

صفحة 1
البداية
 
حينما يقلق هدوء الليل صوت صفارات الإنذار تدوي بذاك المبنى القديم الذي يعود تاريخه إلى ما يقارب المائة سنة من الآن، وبالرغم من تلك السنوات إلا أنه حافظ على هيئته التي تشبه قصور الأمراء والنبلاء بالعصور الوسطى، لم يكن ذاك المكان إلا ملجأ أو مدرسة خصصت للأيتام الذين قسا عليهم الزمن بجوره وحرمهم من متعة العيش كالآخرين·
 
ما هي إلا لحظات قليلة من ذاك الإنذار···
 
تجمهرت الفتيات بمختلف أعمارهن بملابس النوم و الراهبات اللاتي وهبن أنفسهن لتربيتهن وإنشائهن بالطريقة المثلى ؛ كي يستطعن إكمال حياتهن بنزاهة وصفاء نية··· لقد بث الإنذار الفزع والخوف بقلوبهن، إذ لم يعتدن على هذا الصوت إلا في حالة هرب إحدى اليتامى، فسيطر الهم والقلق بينهن، وتعالت الهمسات بين الجمع···
 
روسين هربت
 
إنها كارثة على العالم
 
لقد أعادت الكرة
 
لن تستسلم إلا إذا غادرت سجنها
 
لن تحل الرحمة على العالم إلا بموتها
 
الحمد الله بأن لا علاقة لنا بها
 
إنها فتاة بائسة متمردة ضالة
 
عندئذ···
 
يتعالى صوت امرأة حاد النبرة يصدر من الميكروفون وقد بدا على الصوت الجد والأسى:
 
- حاولت جاهدة الحفاظ عليها بسجنها بغرفتها، إلا أنها عزمت هذه المرة على الهرب ولن أمنعها فقد باتت تشكل عبئا ثقيلا علينا··· ثم صمت الصوت قليلا ليعود للحديث··· لقد بلغت سن الثامنة عشر ولها الحق بعيش حياتها بعيدا عن هنا وهذا سيريحنا من الخوف ولعنة العذاب التي وقعت علينا مع نوبات القلق المستمرة التي انتابتنا لحظة دخولها الملجأ··· ثم صمت الصوت مرة أخرى وعاد لينهي حديثه بحزن شديد··· فلتعدن للنوم وتدعـين الرب أن يسلم أرواح العالم من شؤمها·
صفحة 2
في الطرف الأخر والبعيد عن الملجأ···
 
تسمع خطوات تسير بلا انتظام تارة تتسارع وتارة أخرى تتباطأ عندئذ استدار صاحبها للوراء ومعها يعلو صوت تنفس··· شهيق وزفير صاحبها المرعوب الخائف من السير بشارع مظلم يعمه الهدوء المقيت الذي يوتر أعصاب الكثير من الناس· لم يكن هناك أي كائن يسير أو أي صوت يهدئ روع صاحب تلك الخطوات أو يدعوه لإراحة أعصابه وتوتره و صوت تنفسه الهائج يتعالى بينما تتعثر خطاه كلما استدار خلفه محدقا في الظلام يحاول اختراقه بنظراته وكأنه يبحث عن شبح يلاحقه بطريقة مجنونة·
 
ما هي إلا دقائق حتى عاد شيء من الهدوء لصاحب تلك الخطوات حينما سمع صوت بعض المخمورين يتجولون بذاك الشارع ويطربون أنفسهم بصوت أغانيهم الغير مفهومة، أيقن لحظتها بأنه عاد لبر الأمان ونزع القليل من التوتر الذي سيطر عليه منذ دقائق ،فسار بهدوء متناسيا الخوف الذي تملكه وأختبأ داخل ساحة سيارات بالية ومتآكلة، خلف سيارة قديمة مغبرة بمكان قريب من الشارع فتكلم وبان من صوته الدافئ والحزين أنها فتاة في ريعان الشباب:
 
- يبدو أني سأقضي ليلتي بهذا المكان المقيت الذي يجلب الشؤم للغربان ذاتها فما بال البشر· و اتخذت لها مكانا بالقرب من الباب الخلفي لسيارة محطمة ثم تقوقعت على نفسها متأمله المكان··· سيارات بالية محطمة متجمعة بعضها فوق بعض وقد خيل لها لحظة رؤيتها إياها أنها جبل شامخ ووعر لولا معرفتها بطبيعة المكان الذي نزلت فيه··· حاملات ورافعات··· قارورات الجعة والبيرة ملقاة وتحركها قليلا نسمات الهواء مرة للأمام ومرة أخرى للخلف مخلفة أصوات تدعو للكآبة وتتداخل معها أصواتا الحيوانات التي كانت تقضي ليلتها بذلك المكان من قطط··· كلاب··· جرذان، وكأنه وكر للكلاب والقطط الضالة··· تكلمت بحزن شديد عندما وصلت أفكارها إلى هذا الحد وقد عضت على شفتها السفلى··· وماذا عني؟··· أنني ضالة أيضا ولا مأوى لي· ثم صمتت قليلا وقد شعرت بخوف شديد عند سماعها حركة سريعة بين تلك السيارات متنقلة بين محركاتها مصدرة صوتا وكأن السيارات المتجمعة ستتساقط معا مرة واحدة، فنهضت قائلة وهي تضم يديها لجيبي البنطلون بسرعة كبيرة:
 
- تبا إن حيوانات هذا المكان بدأت ترعبني· ثم انطلقت خارجة من ذاك المكان تكمل سيرها بالشارع المظلم الذي لم تكن إضاءة القمر فيه كافية لرؤية ما يحويه من معالم فشرعت تحدث نفسها بألم وحنق شديدين كما فعلت لساعات طويلة:
صفحة 3
لقد قتلت طبيبتي يوم أمس والمتهم الوحيد بقتلها هي أنا··· إنني فتاة تجلب الشؤم لكل من يكن لها العاطفة والحنان··· لقد كنت سعيدة ذات مرة بالعيش مع عائلة مكونة من والدي إلا أنه منذ ولادة أخي الصغير مايك بدأت حياتي بالتغير لشعوري بالغيرة من تعلق العائلة به واهتمامهم الشديد به وكأنه شخصية مهمة، في ذلك الوقت وحينما بلغ ثلاثة أشهر من العمر تغير مجرى حياتي كلها في لحظة، فوفاته المبكرة حولت نظرات الاتهام والشبهات نحوي بسبب غيرتي العمياء منه وعدم قدرتي على تقبل وجوده حيث كان يسرق اهتمام والدي مني، وأعلنت كرهي له عدة مرات وأن الحرب ستستمر ضده منذ بلوغه الشهر الأول إلى نهاية حياته، وحينما حانت لحظة وفاته،كرهته أكثر فلقد كانت التساؤلات والتحقيقات تدور حول حلقة مفرغة هي أنا إلى أن بانت الحقيقة حينما أوضحت التقارير بأن الطفل قد وقع من ذاته وبلحظتها شعر والداي بالندم على اتهامهما لي وخلق أجواء الغضب دون دليل قاطع يدينني، فتعلقا بي وتعهدا على الاعتناء بي ومحبتي للأبد وبهذا شعرت بأني عدت لسابق عهدي وأيقنت أن وفاة أخي كانت لمصلحتي فعزمت على نزع ما بداخلي من مشاعر حقد نحوه··· كنت ملكة زماني بذاك الوقت فرغباتي مجابة ولي مصروف لا يحلم به الأطفال الذين كانوا بمثل سني ورحلات أسبوعية لأجمل أماكن التسلية بالمدنية، إلا أن القدر لم يشأ أن أغرق بالسعادة الكاملة وقرر سلفا أن يسرق مني والدي فتعرضا لحادث سير بشع مرعب أدى لوفاة والدي مباشرة بينما نقلت والدتي للمستشفى لسوء حالتها الصحية··· لم أنس تلك الأيام···
 
في تلك اللحظة···
 
قطعت خلوتها وتسامرها مع نفسها قطة سوداء اللون ذات عينين براقتين مخيفة الشكل فقال لنفسها بشيء من الذعر وهي تبتعد بأكبر قدر ممكن عنها···
 
تبا لها فلقد كان مواؤها مخيفا وهيئتها بشعة··· ثم صمتت للحظات وعادت لتذكر ماضيها المؤلم··· كان ذاك الفجر مؤلما لي··· جلست بالمستشفى أمام غرفة والدتي منتظرة الأطباء يخرجون من غرفة العمليات ويقولون لي أن والدتي بخير وبعد مرور الساعات الخمس الأولى من صباح ذاك اليوم خرج الطبيب وقد أرهقته العملية وبدأ يمسح عرقه وينزع الكمامة ثم قال للخال اريك:
 
ستعيش ولكن حالتها الآن حرجة وبحاجة لأن تستقر
 
عندها حملني الخال أريك وقال بابتسامة حزينة وهو ينظر لي:
 
ستعيش والدتك··· إن هذا مفرح
صفحة 4
فسألته عن والدي··· تغيرت ملامحه السعيدة وبراءة ضحكته الهادئة إلى كآبة ونظرات أغرقتها الدموع وقال لي حينذاك:
 
أن والدك بالفردوس الأعلى وحتما سيكون سعيدا بوجوده قرب الرب
 
لم أكن قد تجاوزت سن السادسة من عمري حينما توفي والدي ولهذا كنت أعتقد بأن والدي رحل لمكان ما وسيعود في القريب العاجل، وبينما كانت عائلة والدتي سعيدة بعض الشيء كان الحزن يغرق عائلة والدي الفاقدة لعزيزها الراحل·
 
وإن هي إلا ساعات قليلة من السعادة المنتهية···
 
حتى وصلنا خبر وفاة والدتي فقد نزعت كمامة الأوكسجين عن فيها لسبب مجهول فاعتقد الأطباء أنها نزعتها ولكن التحقيق لم يجد أي دلائل أو بصمات عليها وأشارت الأدلة بعد ذلك أنها لم تكن مثبتة بطريقة جيدة وهذا الذي أدى إلى انزلاق الكمامة ووفاتها على الفور· وعاشت العائلتان بحزن عميق في تلك الأيام العصيبة بينما كنت حينذاك ألعب بالدمى اللاتي أهداني إياها الخال أريك وبداخلي يقين أن والداي سيعودان بعد القليل من الوقت من الفردوس وسيكونان أكثر شبابا كما عرف عن الفردوس وليس هناك داع للبكاء، ومن ثم قررت عائلة والدتي وبرئاسة الخال أريك بأن أكون تحت حضانتهم··· عشت سعادة لا توصف بالقرب من جدي والخال العزيز الذي كان يعاملني كابنة له ويدللني بشكل ملحوظ وقد بان عليه التعلق الشديد بي حينما أهداني دمى أثرية تعود للقرن الخامس عشر إذ إن وظيفته التنقيب عن الأثار، فقد وجد تلك الدمى في صندوق خشبي قديم مدفون بقرية فرنسية قديمة مهجورة حينما كان يدرس طبيعة تلك القرية والآثار التي خلفتها وراءها، وبعد طول وقت وعناء استطعنا اختيار أسماء لها والتي كانت اندي الدمية الفوضوية لما بان على هيئته الرثة وشعره المجعد وملابسه المعتقة، وبينما أطلقت اسم ماري الخبيثة على الدمية ذات الشعر الأسود الطويل والتبرج الغريب وملابسها الشفافة بعض الشيء وأما كيفن فأطلقته على الدمية الضخمة والبشعة قليلا وأخير اسم جوني على أحلى الدمى من ناحية هيئتها الأرستقراطية وأناقة لباسها··· لقد أحببتها كثيرا فتلك الدمى كانت أصدقاء طفولتي ووحدتي ورفيقة حزني وألمي ورثائي على نفسي في تلك الأيام الخوالي التي كان الكل ينجذب فيها ناحية أخي مايك··· إن أكثر الدمى محبة لقلبي هو جوني فشعوري به يلغي كل شعور··· ثم توقفت عن التفكير لبرهة وهي تنظر للشارع الذي انتهى بمفرقين أحدهما لليمين والأخر لليسار فعادت لتحدث نفسها وعلامات الأسى مازلت تعلو وجهها الذي أجهدته تلك الأحداث··· أي التفرعين أسلك؟··· منزل والدي من ناحية التفرع الأيمن بينما التفرع الأيسر يوصلني لمنزل جدي لأبي··· وبعد طول حيرة وانتظار الاختيار، انعطفت نحو التفرع الأيمن ومازال الشحوب والحزن يعلوان وجهها الطويل، وبالرغم من ذلك فقد كانت ذات جاذبية أخاذة من ناحية تقاطيعها المرسومة، كانت بيضاء البشرة بعينين خضراوين حادتين وشفتين صغيرتين بينما أنفها طويل متناسق مع تقاطيع وجهها· أما شعرها فكان كستنائي اللون تسترسل أطرافه الناعمة على كتفيها ومنتصف ظهرها ولها جسد مثير للأغراء متناسق وقد ارتدت بلوزة تظهر ذراعيها النحيلتين وبنطلون أسود اللون ضيق يلف قوامها الممشوق··· أخذت تسير بلا مبالاة ومازالت تحدث نفسها بحزن شديد وكأنها أصرت في تلك اللحظة على الاعتزال والعيش في عالمها الحزين من الذكريات المرة المؤلمة وهي تحاول أن تسرد الأحداث بالتسلل الذي عاشته في تلك السنين الماضية···
صفحة 5
لقد مات الخال أريك بعدما أوصلني للمدرسة ذات يوم بحادث سير مروع، اصطدمت سيارته بشاحنة ضخمة أدت لتحطم السيارة شر تحطيم وقطع رأس الخال المسكين وتهشم جسده··· لم أكن يومها تجاوزت عمر الثامنة وأيقنت بأن كل تلك الأمور تحدث بسببي وأن القدر ألقى علي لعنته متناسيا أني مازلت طفلة لا أفقه شيئا وعزمت من ذلك الوقت أن أغير سلوكي المرح والعفوي إلى الاعتزال والرفض··· كان جداي حزينين لما أصاب ابنتهما الوحيدة ومن ثم أريك الشاب الذي كان لا يزال في عقده الثاني وكنت أتذكر كلمات الخال أريك لوالديه قبل وفاته بساعات وهذا ما دفعهما ربما للتعلق بي بشدة:
 
إنها بحاجة للحنان الأبوي فيجب أن لا نحرمها منه بما أنها فقدته وهي لا تزال صغيرة
 
لقد حضرت مراسيم دفن الخال أريك وبيدي الدمية جوني التي أبيت انتزاعها من يدي حينما أراد جدي أخذها وبعد تعب وإثارة أعصاب رضخا للأمر بدون اقتناع ولكن الخال أريك كان نقطة الضعف لديهما حينما ذكرتهما به وأنها الذكرى المتبقية لدي بعد وفاته·
 
كانت تلك هي المرة الأولى التي أحضر بها جنازة، رأيت حشدا من الرجال يرتدون البدل السوداء وارتدت النسوة الفساتين السوداء مع قبعة ووشاح على وجوههن؛ وارتسمت عليهم ملامح الوقار و الحزن العميق··· حدثت نفسي وأنا احتضن الدمية جوني بكل قوتي لدرجة الخنق، محاولة كتم دموعي التي لم أذرفها مطلقا على أي كان، حتى والداي لم أستطع أن اذرفها لحظة لأجلهما لأنني لم أكن مدركة لما حولي··· فكرت وكنت أخاطب الدمية جوني أكثر مما كنت أخاطب نفسي··· لقد مات الخال أريك ولا أريد أن أفقدك أنت أيضا وحينما أنهيت جملتي أطلقت صيحة عميقة وكأنها كانت محبوسة في أعماقي وأرادت الخروج قبل فترة طويلة وانهمرت الدموع المكبوتة بداخلي منذ زمن بعيد وجثوت على ركبتي وأنا ما زلت أطبق على رقبة الدمية جوني فتقدمت مني جدتي وهي شبه مذعورة من رؤيتها لي بتلك الحالة الرثائية فقالت وهي تحتضنني:
 
فلتهدئي يا صغيرتي الجميلة··· عليك بالصلاة وتلاوة الأدعية من الكتاب المقدس لترسلي أسوار الرحمة إليه
 
أردت حينها أن أرد عليها بغضب وألم خانق إلا أن لساني لم يساعدني على التفوه بكلمة واحدة فأحسست وكأني فقدت قدرتي على الكلام· مرت الأيام والشهور وجداي يعاملاني كابنتهما الصغيرة، فلم يحرماني من أي شيء يذكر سوى الحلويات التي أدت لتسوس أسناني الخلفية وعدم رغبتي للذهاب لطبيب الأسنان ليقتلع لي سنيً اللذين أصابهما التسوس، وتبا للطريقة التي اتبعاها لجعلي أرضخ للأمر وأذهب!، لقد أخفيا الدمية جوني وأخبراني بأنهما سيعيدانه لي في اللحظة التي انتهي فيها من نزع سني··· أتذكر لحظتها الشعور الذي انتابني وأنا أدخل ولأول مرة عيادة طبيب الأسنان، كنت خائفة حتى الموت من أدواته التي يستخدمها لنزع الأسنان··· جلست على المقعد وبدا يحدثني محاولا استمالتي لفتح فمي الذي أطبقت عليه بقوة وبعد مرور حوالي الثلاث ساعات خرجت وأنا أطبق فمي وعلامات الألم والذل تعلو وجهي العابس والبائس فعرفا أن الطبيب نجح بنزع سني المتسوس، بعد عناء مرير خدر جسدي لعدم استجابتي له بفتح فمي··· حينئذ شعرت بأني من نبيلات العصور القديمة حيث يجب أن أكون ذات هيئة جميلة وسنا التسوس لم يكونا إلا ملابس غير أنيقة وعلي عدم الاحتفاظ بهما، ورسخت تلك الفكرة بداخلي وبها اتبعت إرشادات غسيل الأسنان اليومي·
صفحة 6
توقفت الفتاة قليلا عن السير لتنظر لمحل زجاجي يتوسطه رسم رجل بزي طباخ وبجانبه قطعة من الكعك الضخمة فقالت بابتسامة باهتة:
 
إنه محل أيسر مارك··· ألا يزال حيا؟، كنت ألقبه بالبخيل المتعجرف الذي كان يتباهى بلذة حلوياته، وبالرغم من طعمها الشهي إلا أنني عزمت على إفساد سعادته في يوم احتفاله بمرور عشر سنوات على إنشائه لهذا المحل، فأقدمت على جمع كم هائل من مختلف الحشرات التي بلغ عددها حوالي الألف ونيف وجعلتها تحضر احتفاله· وأفرغتها بدون شعور من الموجودين في مكب النفايات الخاص بالمحل وخرجت وأنا أحمل معي علبة الحلويات الروتينية وكأن شيئا لم يكن وانقلب يوم سعده ليوم شؤم، تارة يحاول أن يوضح لزبائنه بأن هذا الأمر ليس إلا محض شر مقيم من أحد حساده، وتارة أخرى يندب حظه الذي بسببه أغلق محله لمدة أسبوع، وبها شعرت بفرحة الانتصار عليه فقد كان لا يطيقني و يحدثني وكأني حثالة ونكرة، وشعرت بلذة الانتقام وأنا أرى الغباء الذي سيطر عليه بتلك اللحظة، ولم يشك بأني وراء تلك المصيبة التي حلت عليه، ولو كان يملك القليل من العقل لاستخدمه ولأكتشف بأن ليس هناك من كائن يرغب بأذيته أكثر مني··· صمتت لبرهة ثم أكملت حديثها البائس وهي تسير وقد عقدت ساعديها بشيء من الغضب المرير···
 
بعد مرور أسبوع من حادثة انتصاري مات جداي حرقا وأنقذت أنا ومعي الدمى الأربع ثم شاهدت لحظة هوى الدور العلوي من المنزل والنيران تستعر به وأنا أحتضن الدمية جوني بكل قوتي بألم وحزن شديدين وراقبت رجال الإطفاء وهم ينتقلون بين فناء المنزل محاولين إخماد النار التي استعرت به عن طريق رشاشات الماء المنطلقة من أنبوب طويل يمتد من سيارة الإطفاء، وباءت محاولتهم لإنقاذ جدي بالفشل المرير· وبعد مرور دقائق معدودات أخرجت جثتا جدي على حمالة مغطاة بملاءة بيضاء وعرفت بأن روحيهما ازهقتا، وعندئذ قررت الهرب والابتعاد بأكبر قدر ممكن إلا أن جدي لأبي كانا أمامي وأمسكا بي وأنا أحاول أن أبعد يديهما عني بغضب متوقد ودماء مثارة ولكني فشلت، وقد تشتت فكري بعد تلك الصدمة بسبب حديث جدي غير المفهوم:
 
لقد كان ذلك غضبا من الرب
 
لقد رحم الرب هذه الطفلة المسكينة
 
وبمرور القليل من الوقت استوعبت حديثهما بأن جدي ماتا بسبب قسوتهما علي وحاولت أن اخبرهما بخطأ ما بداخلهما من أفكار سيئة عن جدي لأمي إلا أنهما قالا لي معتقدين أني أحاول أن أخفي شيئا عنهما:
صفحة 7
فلتترحمي على روحيهما التعستين و اجتهدي بالصلاة كي لا يحل عليهما العذاب الإلهي
 
وبها بدأت التساؤلات تجوب عقلي منتقلة بين الغضب العارم والخوف الشديد··· لماذا تسود حياتي الظلمة؟··· لماذا يموت كل من أحبهم؟··· هل هذا لعنة أم شؤم؟ وحينما تفوهت بكلمة شؤم تيقنت بأني الشؤم ذاته، فملت للانفراد والبقاء وحيدة وتكومت على نفسي محاولة نزع كل مشاعر الحب من داخلي؛ كي يتسنى لما تبقى من عائلتي العيش دون لعنة مني تسلبهم حياتهم بأبشع طريقة··· حاول جداي إخراجي عما كنت غارقة فيه من عزلة ووحدة شديدة ولكن دون جدوى، إذ بقيت ولمدة سنة أعاملهما بازدراء واضح ومع ذلك كنت محبوبة لديهما ورسخ بعقليهما أن كل ما أفعله ليس إلا بسبب قسوة السنين الماضية علي وما آلت له حياتي ، لم يهمهما ما كنت أصنعه بهما وإنما كان همهم الوحيد توفير كل ما أرغب به وجعل حياتي تبدو أفضل من السابق ولو ظاهريا، وكم من مرة صددتهما بحديثي القاسي وألفاظي المبتذلة إلا إنهما أصرا على أن يعاملاني بأحسن معاملة، ورغم أني لم أكن لهما العاطفة إلا أن لعنة الشؤم حلت عليهما إذ انقلبت بهما السيارة عند الجسر وماتا على الفور ولمعت مرة أخرى فكرة الشؤم بداخلي وتوصلت إلى أن الشؤم لا يعود لحبي للآخرين، إنما لحب الآخرين لي وبدأت أستوعب ما غاب عني بالأيام الماضية وأن حبي لا يمثل شيئا يذكر من حب جميع من ماتوا جراء ذاك الحب المنحوس·
 
سعدت باللحظة التي رفض بها عمي وعمتي حضانتي حيث لم أكن قد تجاوزت الحادية عشر من عمري ورسخ في عقلي قولهما:
 
أننا خائفون على حياتنا وحياة أولادنا من لعنة الموت التي تصبها على كل من يستقبلها بمنزله
 
أحسست بأني سأكون قادرة على العيش وحدي دون تدخل أي كان بي، أو أنني يجب أن أتلقى رصاصة على جبيني ترديني قتيلة وبها سيموت نذير الشؤم الذي غلف حياتي السابقة ولكن كما قيل الرياح تجري بما لا تشتهي السفن فنقلت للعيش بالملجأ، وأذكر يومها أني شعرت بالأسى على كل اللذين سيموتون جراء محبتي، وتمنيت أن تنتشر لديهم فكرة الشؤم التي غلفت حياتي بطابع الموت والحزن منذ ست سنوات مضت وتحققت الأمنية، فحينما وصلت للملجأ لاحظت النظرات التي تختلسها الفتيات، والهمسات التي كن يتداولنها فيما بينهن:
 
هذه هي الفتاة التي تجلب الموت لكل من يستقبلها
 
يجب علينا عدم الاقتراب منها لنكن بعيدات كل البعد عن لعنة الموت التي تصبها على كل من يقترب منها
صفحة 8
تبدو فتاة حقودة مثل تلك الساحرات الشريرات
 
سنتحرش بها ونسبب لها الأذية وبهذا ستهرب من الملجأ أو تقتل نفسها
 
أنظرن لها وهي تحمل صندوق الدمى ··· تبدو حمقاء وخرقاء
 
أنني خائفة منها قد تصب جام غضبها وتقتلنا جميعا دون شعور
 
إنها ملعونة بلعنة الحب وليس بلعنة الغضب
 
أرجو أن تحبس بغرفتها ولا تخرج منها إلا جثة هامدة
 
بينما الراهبات كن يتلين صلواتهن لحظة عبوري أمامهم وقد تجمع على وجوههن توتر وخوف العالم كله، أما مديرة الملجأ فاستقبلتني بكلمات قاسية توحي بأني مجنونة أو مختلة:
 
ستهتم بعلاجك الطبيبة مليز
 
ولكني لست مريضة
 
لا تجادليني بالحديث لقد قررت سلفا هذا الأمر ولا رجعة فيه وستحبسين بغرفتك ولن تخرجي منها إلا لحضور الصف الدراسي أو الصلاة وبصحبتك الراهبات
 
كنت في ذاك اليوم أنظر لها بغضب متوقد، حيث كانت تتعامل معي وكأني شيء مصاب بالجنون أو بمرض خطير معد ومميت في حين أن كل ما كان يدور بداخلها هو خوفها على الملجأ من لعنة الشؤم التي عرفت عني، فحدثت نفسي بأن هذا هو الحل الأمثل لبقاء المحيط الخارجي سليما معافى من لحظات الشؤم التي أسببها ولكنها أرادت انتزاع الدمى مني وما إن رأيتها ترفع صندوق الدمى وتحمله بعيدا عني حتى سألتها بشيء من القلق:
 
ما الذي تنوين فعله بهن ؟
 
هذا ليس من شأنك، واعتقد بأن هيئتها القبيحة وحدها قادرة على جلب الشؤم
 
انطلقت إليها بسرعة خاطفة وانتزعت صندوق الدمى بغضب خانق وأنا أحدث نفسي··· إن هذه الدمى لي ولن تصدر منها لعنة الشؤم أو تحل عليها··· فشعرت بأن الخوف سيطر عليها من حمرة وجهها ونظراتها المشدوهة من طريقة استلالي الدمى منها ونظراتي التي تعلن عن نذير شؤم قد يلحقها فاستجمعت قواها وقالت لي وهي تضغط زر النداء محاولة أن تعود لحالتها الطبيعة:
 
لك هذا ولكني أحذرك من رؤيتها خارج غرفتك
صفحة 9
لم تكن قسوتها غير طبيعية فقط بل كانت خارجة عن المعقول، لقد ظن الكثير بأن الحقد والغضب والخوف تجمع بداخلها لتصبه علي فتعمدت حبسي لعدة مرات ولأيام كثيرة بداخل غرفة مظلمة بالعلية تحوي عفنا من فضلات الجرذان وخيوط العناكب التي أضافت عليها مزيدا من الرهبة، لم يدخل تلك الغرفة أي من يتامى الملجأ وقد كنت أول زائريها منذ ما يقارب المائة سنة· وأقدمت مرات على ضربي بالسوط لاعتقادها بأني كنت أخرج الدمى من الغرفة لأخيف بها فتيات الملجأ اللواتي لن أنسى ما أقدمن على فعله لتزداد قسوة العقاب علي فكم من مرة دارت بيني وبينهن مشاجرات بالأيدي وشد الشعر لما ينزلونه بي من أفعال شائنة كوضع الحشرات بحساء الجزر خاصتي وتلطيخ الخبز برمال قذرة بالدوس عليه، وأما بالصف الدراسي فقد عمدن إلى إلصاق التهم بي كالعبث بدرج الراهبة وسكب الحبر على الكتب المقدسة وكان العقاب يتضمن إجباري على المثول بين يدي الأب جيرالد ومحاولة التكفير عن خطايا لم أرتكبها· الأب جيرالد هو الوحيد الذي كان يصدق أني لم أرتكب أيا من تلك الأمور المزعومة· وحدثني مرة بأن حياتي ستتغير لمجرد الإيمان بما يجول بداخلي:
 
ثقي بما يحويه إيمانك الداخلي
 
لقد كان يعلم بأن حياته خلال أيام ستنتهي ولكنه أصر على البقاء ليحدثني عن كل أولئك الناس الذين شاع عنهم النحس··· فحدثني عن فيدريدك الطباخ المنحوس الذي عاش طيلة حياته يخدم الملك دون الشعور بأنه كان يدس السم إليه، وعن توم الولد الأسود الذي اتهم بقتل سيده وهو بريء وقتل بإحدى عشرة طلقة وفيما بعد ظهر القاتل الذي تمثل بزوجته، وعن الفتاة جاديمر التي تحدث قريتها كل يوم بما سيحدث لهم جراء قدرتها على التنبؤ من خلال أحلامها ولم يدخل جفون سكانها النوم لما كانت تتفوه به من أمور بشعة ومحزنة وارتاحوا حينما قتلوها وعلقوا جسدها أمام بوابة القرية معلنين أن روحها دنسها الشيطان فحولت حياتهم الهادئة إلى رعب وقلق··· وحدثني عن الطفل الذي دنس حياته بروح الشيطان معتقدا بأن حياته ستتغير حينما تكون له روح كروح الشيطان وبعد فترة لم يجدوا لا الطفل ولا جثته· فلم يكن يحدثني بتلك القصص والراويات إلا لأبعد فكرة الشؤم من داخلي؛ كي يتسنى لي العيش دون الشعور أن ما أصاب الآخرين من موت كان بسببي··· لم أعتد في منزلي على الذهاب للكنسية كل أحد والصلاة وطلب المغفرة وأما في تلك السنة الأولى التي قضيتها بالملجأ فكنت أذهب كل يوم احد، ليس للصلاة وإنما لسماع حديث الأب الشيق فقد أطرب حياتي بنوع أخر من الشعور لم أختبره من قبل، فأصبحت عاشقة حالمة وأغرمت بتلك القصص التي يحدثني بها، حدثني عن قصة الفتى الذي ضحى بحياته لينقذ الفتاة التي أحب من الشر الذي استتب بقريتهم وسيطر على كل شيء وبروح حبه الصادق قضى عليه قبل أن يصل إلى فتاته وباتت ذكرى تضحيته وصدقه يتحدث بها الناس لأولادهم كل عشية ليمتدحوا نبل ذاك الفتى وما فعله لإنقاذ قريته من الشر·
صفحة 10
كان الأب جيرالد متيقنا أنه سيموت عما قريب وطلب مني أن لا أنسب موته إلي، فهذا يعود لسيكولوجية غريبة تحدث بالعالم وأنا القادرة على حلها وحينما حاولت استمالته ليخبرني بما يجول بداخله حول تلك السيكولوجية كان يقول لي وهو يطفئ شموع التقديس الموجودة أمام الصليب الكبير المعلق بالواجهة الداخلية للكنسية:
 
لا تقلقي تفكيرك بتلك السيكولوجية وإنما فكري بما يجب أن تفهميه عما مر وما قد يمر بحياتك
 
كنت حينذاك أجزع من طريقة حديثه غير المفهومة فأنهض لأساعده على رش الماء المقدس حول مقاعد الكنيسة وأنا أحدثه بشيء من الاستحسان:
 
أبت ما دام عقلك يمتنع عن الحديث عن تلك السيكولوجية فأخبرني عما يجب أن أفعله؟
 
كان ينظر لي مبتسما ويقول وهو يرش القليل من الماء المقدس على رأسي من القنينة ويحركها نحو قلبي قائلا بإيماء:
 
لديك قلب استخدميه
 
لم افهم ما كان يقصده من ذلك فأخرج من الكنيسة وأنا شبه يائسة وشعور بداخلي يقول بأن الأب جيرالد لديه حل للمعضلة التي تنتابني ولكنه لا يرغب بإخباري بها· فعكفت على قراءة معظم الكتب الموجودة بالمكتبة المقدسة محاولة الوصول إلى شيء يبطل لعنة النحس التي تصاحبني، وفي تلك الأيام انتشر خبر بأني قررت أن أكون راهبة، ولم تفدني تلك القراءة إلا إضاعة وقتي والعبث بلا شيء، فأعود خائرة تعبة أبث همي وحزني للدمى لعلها قادرة على تغيير ما بداخلي من ألم، وأحيانا أشعر أن العالم أصبح على حافة الانهيار ولا أعود قادرة على تحمل المزيد من الألم فأسحب جوني من بين أصدقائه وأضمه بقوة عارمة وكأنه شيء حقيقي وأخاطبه برثاء:
 
لو لم تكن دمية لكنت حبيبي
 
وبعدها أغط بنوم عميق دون التفكير بما قد يحدث في الغد ولا يوقظني من نومي العميق إلا دخول المديرة وهي تخنقني بنظراتها الغاضبة والراغبة بقتلي، لولا حديث الأب جيرالد ونصحه لها بأن هذا خطيئة ترتكبها بحقي··· نظرت لها ومن ثم أزحت جوني من على ذراعي ورفعت شعري للوراء وقلت بهدوء وبلاهة:
 
إنه يوم الأحد