eKtab
EN ع
دموع قلم
اقرأ عينة مجانية

دموع قلم

بقلم محمد سعيد عدنان أبو شعر

صفحة 1

الإهداء

إلى من لم يعطني الزمن أكثر من عشرة أعوام أراه فيها غافلاً عن صحبته، أستمع حديثه لاهياً عن فوائده.. إلى من توزعت ثماره في العائلة فما كان نصيبـي منها سوى اسمه، وأنّى لأحد أن يجتمع له ما اجتمع في شخصه.. إلى جدي محمد سعيد أبوشعر طيب الله ثراه.

إلى من نشأتُ زهرةً في ظله، أنقّل بصري بين ثماره وخصاله، إلى الشموخ الباسق الذي لم تحْنِ ظهرَه عواصف الدنيا، إلى وطن الأدب والتاريخ والحكمة.. إلى العلَم الذي نامت على سفحه كل المدن بوداعة وأمان.. إلى الصديق والحبيب والمثل الأعلى.. أبـي.

إليها، بل منها، تنطلق كل الخطى، وإليها تنتهي.. تعود، ومعها إلى مهد النور أعود، هناك حيث يزهر الحب، ويرتوي الحنان، ويضج القلب شوقاً إلى رضاها.. إلى الدمعة التي اختبأت عن كل العيون، إلى الفؤاد الذي افترسته آلام الزمن.. إلى طهر الروح، ونعمة السماء، وبسمة الملائكة.. أمي.

صفحة 2

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم أفتح بها بوابة الخاطر، ليخطوَ عبرها القلم، ويبوحَ للقارئ بسرِّ صداقةٍ لم يحنث بعهدها يوماً، إذ كان المُلْتَجَأَ والصاحب، عديمَ المَطالب، الصادعَ بالأمر والواجب.

يكتبني قلمي بإخلاص، ينثرني على الورق، تتطاير حوله الأحاسيس والأفكار، وتأخذ كل منها مكانها على زاوية من الصفحة، وتغتسل جميعها بإيحاء اللحظة، فتراها حيناً صارمةً في وضوح، وحيناً تراها ليّنةً في رمز.

أنظم النصوص هنا بترتيب كتابتي إياها زمنياً، غفلاً عن التواريخ، فإنما الهدف إلقاء مكنون النفس دون سرد تفاصيل الحدث.

تجربةُ حياة أسوقها بين يدي القارئ، عله يجد فيها قراءة واقع، ورؤى خيال، تكون في مجموعهما عبرة وفائدة.

همسةٌ لمن يقرأ: لسان الضاد به نـزهو، وبه نسمو، وبوح القلوب به يحلو. وكم نكرِمُ مشاعرنا ونرتقي بها حين نسكبها في قوالب متينة من حروف لغتنا العربية الأصيلة.

والله ولي التوفيق

صفحة 3

قلتُ في الحياة

في الحياةِ تجابِهُنا الوحدةُ بجَبرُوتها وقسوَتها، ومندفعين إلى مواجهةٍ غيرِ متكافئةٍ معها، يجدُ كلٌّ منا مؤنساً يرْكَنُ إليه، ليكونَ سلاحَ تلك المواجهة، فإذا به يصيرُ للقلب روحاً، وللعمرِ عزاءً في انقضاءِ أيامه وتَواليها على تلك الشّاكلة.

بسيطةٌ هي أحلامُنا، راقيةٌ، دافئة، وبالرغم من هذا فهي لا تجد لها مكاناً في خارطة الصراع مع الحياة.

هيَ، سَمَّوْها الحياةَ.. تمييزاً لها عن الموت.. وغفلوا عن أنّ فيها من الموتِ ما هو أشدُّ مرارةً من الموتِ نفسه.

الموتُ عندما يأتي يأتي مباغتاً... سريعاً... قاطعاً... فإنما هي لحظةٌ واحدة، تنعدمُ فيها مشاعرُ الألم والعذاب، وتنتقلُ بك إلى عالمٍ جديد.. أما الحياة... فموتُها متكرّرٌ... بطيءٌ... مؤلم..

للهِ درّكِ أيتها الحياة! يا من يليقُ بكِ اسمُ الموت!

كَمغارةٍ عميقة مظلِمة، مليئةٍ بالصّواعدِ والنّوازل، لا نَعلمُ لها ناظماً أو حُكْماً أو ضماناً...

لا نذكُر من أينَ دخلْناها.. ونجهَل جهةَ الخروج إلى دائرة الأمانِ والضّوء.

كم طالَ بحْثُنا عن ذلك الضّوء،


ونَسِينا أنه أسيرُ القلوب.. قلوبِ الأهل والأحبابِ والأصحاب.

فَلْنُحَرِّرْهُ من قُلوبنا، عَلَّه يغمُرُ عالمَنا بالسّعادة.

يَزيدُكِ الجمالُ قُبحاً.. يزيدكِ الثّراءُ فَقراً.. وتَزيدُني جاذبيَّتُكِ نُفوراً.

صفحة 4

كرهْتك، وكرهْتُ صُحْبَتَك.

مللْتُ رؤيتَكِ كُلَّ يوم،

أسْقَمني الاستماعُ إلى مَشاكلكِ التي لا حلَّ لها.

و أين منكِ المَفَرّ!

فأنتِ الحياة..

بِكُلِّ ما أَعيشه فيكِ من فَرحٍ وتَرْح، كَرٍّ وفَرٍّ، تفاؤلٍ وتشاؤم.

كم غلَب شقاؤُكِ سعادتَكِ، ولا يزال..

أَحِنُّ لو أعودُ لآخرِ ساعةٍ عِشْتُها من دونِ أن تكونَ تناقضاتُكِ رفيقةَ روحي، من دون أن تكونَ همومُكِ الدّمَ الذي يَسْري في عروقي، من دون أن تكونَ بَشاعتُكِ الصّورةَ التي تُطالِعُني في مرآتي كلَّ يوم.

معكِ أنسى أنَّ للشّمسِ شُروقاً، وأنَّ للقمر سطوعاً..

كم تُعْميني صحْبَتُكِ عن الاستماع لغناء العصافير، والتَّنَسُّمِ بأريج الورد، ومتابَعة مَشهد مطر السّماء يُعانقُ ترابَ الأرض بعد طولِ شوقٍ وانتظار.

ألْبَسْتِني أقْبحَ أثوابي مَنظراً، وأخْشَنَها مَلمَساً، وأكثرَها قَتامةً وسَواداً..

أَنّى لي أنْ أسْتمِدَّ منكِ الأمل..؟

صفحة 5

نظرةٌ في العلاقات الاجتماعية

نرى في أيِّ علاقةٍ دنيوية، ماديةً كانت أم معنوية، أنها محكومةٌ بنظام القوة والضعف: فالنبات ضعيفٌ أمام الحيوان، والحيوان بدوره ضعيف أمام الإنسان، وبدوره الإنسان، بكونه مثلاً راقياً للعلاقات والتعامل الاجتماعي نقل هذه السياسة إلى تعاملاته وسلوكه: فالابن ضعيف أمام والديه، والتلميذ ضعيف أمام أستاذه، والموظف ضعيف أمام مديره..

وإن كانت كل هذه الصور ناجمةً عن الحاجة، فإن أنواع الحاجات فيما بينها تختلف: فضعف الابن أمام والديه ناتج عن الحاجة إلى العاطفة، وضعف التلميذ أمام أستاذه ناتج عن الحاجة إلى العلم، وضعف الموظف أمام مديره ناتج عن الحاجة إلى المادة... وهلم جرا.

والصداقة - بكل ما تمثله من صدق وإخلاص وتفانٍ جعلها ترقى إلى أسمى الرتب بين أشكال العلاقات الإنسانية - بكل ما تمثله من هذا، خضعت مرغمةً لتلك السياسة البغيضة، وفقدت الكثير من نقائها وجمالها، فباتت علاقة شبه استغلالية بين قوي وضعيف، أجملُ ما فيها اسمها، ومضمونها لا يكاد يلتقي مع عنوانها في شيء.. وهكذا كان.

الحلقةُ الأضعف، لقبٌ بائس لزم طرفها الضعيف، والذي يعود ضعفه بشكل أساسي للافتقار إلى الصحبة والصدق والوفاء والأُخُوّة العميقة، وألزمه كثيراً من الواجبات وروتين التعامل دون سعيٍ منه إلى ذلك.

صفحة 6

فمنه ترى إخلاصاً لا حدود له، وتواصلاً لا ينقطع، وتفانياً في وهب المشاعر والمبادرات الطيبة، فلا يتلقى سوى تتابُعٍ لا نهاية له من الصدمات المؤلمة... وعليه فوق هذا أن يراعيَ كل ما يتعلق ببيئة الطرف الآخر والثوابت الناظمة لها والمتغيرات الداخلة فيها، فلا بدَّ من مراعاة الظرف، والعمل، والبيت، والزوجة، والطفل، والأسرة والأهل، ومواعيد النوم، ومواعيد الراحة، ومزاجية الاستماع، والظروف المادية التي تأبى أن تتخلى عن ممارسة دورها المقيت في هذا كله مهما تدنّت في التفاهة.

ما أجمل الصداقة كما يراها الطرف الآخر - الحلقة الأقوى-! فهي تعفيه من كل التزام، وتراعي ظرفه ووقته ومزاجه، وليس عليه بالمقابل إلا أن يختار الرفض أو القبول، تبعاً لهواه، فيتكلم متى أحب، ويجيب بالطريقة التي تحلو له، فتارة يُنهي ويقطع وتارةً يبدأ ويصل كيفما شاءت له نفسه، فهو أكيد من الحقيقة الساطعة القاطعة: أنه كان وسيبقى الحلقة الأقوى، يتكرم بصداقته على من يريد ومتى يريد، فالرافض الواحد يأتي مقابله عشراتٌ من الراغبين، لذا: ليس على الطرف الضعيف سوى الرضوخ والقبول، ولْيهنأْ بكونه ممن تم اختيارهم، وبتقلُّده اللّقبَ السعيد: الحلقة الأضعف.

صفحة 7

خطابٌ مع القمر

كم يُناديني قمرُكَ أيُّها الليل، كم يهتمّ لأمري.. وجميلٌ منه ذلك، يتفوّقُ على الكثير ممن أتشاركُ معهم في الانتماء الخَلْقيّ.

يأبى القمرُ إلا أن ينشرَ ضياءَه على كلِّ بقعة مظلمة في هذه الدنيا، لتتسلّلَ خيوطُ أشعّته إلى كلّ ركنٍ قاتم، وأين يجدُ مثلَ نفسي في ظلامها؟

في نفسي دياجيرُ متداخلةٌ في بعضها، أراها كشبكةٍ من الخلايا العصبية، عقدٌ لا حصرَ لها ضاعت فيما بينها خطوطٌ واصلةٌ في كل الاتجاهات، الفرقُ هنا أنّ الإشاراتِ مهما كَثُرَت وتعدّدت يبقى لكلّ منها تميّزٌ ودلالةٌ واستجابةٌ وتأثير، سبحانَ من أعطاها القدرةَ على التّنسيقِ والإمساك بكلّ الخيوط دون تعبٍ أو اضطراب.

أما في نفسي، فإشارةٌ واحدةٌ كفيلةٌ بأن تُحْدِثَ اضطراباً وفوضى عارِمَيْنِ في كل الكَيان، دون أن تجدَ سبيلاً للسّيطرةِ عليها.

صفحة 8

وعبرَ نافذتي أخاطبُ القمر: أقول:

ما أبدعَ خلقَ الله فيكَ أيها القمر! بنورِكَ الذي قهر ظلمةَ الليلِ ووَحشتَه وسكونَه، وقفْتَ صامداً قوياً ليلتفَّ حولَكَ جيشٌ من النّجومِ السّاطعات، فوَهبْتُمُ اللّيلَ زينةً وملأتموه بهاءً، وقلبتُم وحشتَه أُنْساً وجمالاً!

يجيبُني القمرُ قائلاً:


أجَلْ صدَقْت! أبدَعَ اللهُ في خَلْقي، ولكنّه لم يهبني نوراً! لقد وهَبَني اللهُ قدرةً على عكس نور الشمسِ إلى الأرض، وبها وحدَها قهَرْتُ ظلامَ الليل.

ولم أقِفْ عند هذا، بل قلبتُ غلَبَتي للّيل صداقةً وشراكة، وجيشُ النجوم الذي ذَكَرْتَهُ شكَّلَ معنا فريقاً ووحدةً لا تتجزّأ، فهل باتَ الليلُ يُذْكَرُ دون القمر؟ وهل تسمعُ عن قمرٍ بلا نجوم؟

أتأملُ في كلامِ القمر، وأخْلُصُ للحقيقة بأن صِعابَ الحياة لن تتغيّر، وإنما تتغيرُ قدراتُنا وطرائقُ مواجهتنا لها، فبذا نقلبُ صراعَنا معها إلى شراكةٍ وقوّة.

صفحة 9

كانت أربعة

قديماً، كانت الفصولُ الأربعةُ أربعةً بامتياز، لكلٍّ منها استقلاليّةٌ وزمنٌ متفرّدٌ وطقوسٌ تميّزهُ عن سواهُ من الفصول.

كان الشتاءُ شتاءً، بكلِّ ما تعنيه الكلمة، وكلّ ما تقتضيهِ من مظاهرَ: برْدٍ، وغيومٍ، ومطرٍ، وثلج. سطوعُ الشمسِ يكادُ يكونُ طفرةً في الشتاء، فهو ممتدٌّ طوالَ أشهره بانتظامٍ لا ينازعهُ عليها فصلٌ آخرُ. كان الشتاءُ ذلك الكساءَ البارد الذي يغمر الأرض بخيرٍ منهمر دون انقطاع.. ولم يكنِ الناسُ يَدْهشون لرؤيةِ المطرِ كما حالُهم الآن، ربما باعتيادهم على نظام الشتاء الذي لا يتغيرُ قد ألفوا رؤيةَ المطر كلَّ يوم، وزيادةً على ذلك كانت نفوسُهم تسْعدُ إذا ما أطلَّتِ الشمسُ يوماً بخجلٍ من وراء الغيوم، حتى أنهم تمادوا وألزموا الشتاءَ صفةَ الكآبة والقسوة. بل حتى الثلجُ! ذلك الزائرُ الأبيضُ الذي لم يكن ضيفاً بقدْرِ ما كان يُعْتبرُ من (أهل البيت) إذا صحَّ وصفُه بذلك حينها، فالثلجُ كالمطر، لازمةٌ من لوازمِ الشتاء.

كم كان الخيرُ يغمرُ الدنيا! وما أسعدَ الناسَ الذين عايشوه وباغتهم الموتُ في زمانهم! وما أتعسَ أولئك الذين عاصروا ذاك الزمنَ، وكُتبَ عليهم أن يطولَ بهم الأمدُ ويعيشوا زماننا، ويروا ما نراهُ الآن.

والصيفُ، كان ذلك الفصلَ السعيد، الذي فيه تتباهى الأشجار بما تقدّمه لنا من ثمارٍ وفواكهَ، وأشعةُ الشمسِ تغازلُ الأرضَ وساكنيها بلطفٍ كلَّ صباح، تتخلى عن لطفها أياماً ثم تعودُ لسابقِ عهدها، والأطفال يجرون تحت أشعتها بمرح، لم يكن عليهم انتظارُ أحد العيدين ليذوقوا طعمَ السعادة، فالصيفُ كان عيداً طويلاً بأيامهِ كلِّها.


بساطةُ الحياةِ كانت الحاكمةَ آنذاك، لم تكن السعادة فيها حكراً على أولئك الذين يتباهَوْن برفاهيتهم الزائفة، كان الناسُ كلُّهم شركاءَ في كلّ شيء، كانوا أصدقاءَ مع الطبيعةِ كذلك، فبادلَتْهُم الطبيعةُ صداقةً عاشوا بها وكأنهم في جنّات النعيم.

حتى الربيعُ والخريف، لم تكن فصولاً انتقاليةً كما يسمّونها الآن!

صفحة 10

كان الربيعُ عيدَ الطبيعةِ الأخضرَ، جَوقتُه زهورٌ فوّاحةٌ وعصافيرُ مغرّدة، آذارُهُ محمَّلٌ بالفرح تهيئةً لاحتفالِ الطبيعة، نَيْسانُهُ مَزْهُوٌّ بما يملأُ يديه من خيراتٍ مغرورٌ ببهاءِ زينتِه، أيّارُه يختِمُ جمالَ مواسمِ الزّهر، ويُعلنُ بدءَ دورةٍ جديدةٍ للحياة.

وربّما يقلّ الوصفُ في الخريف، وتبهُتُ الكلماتُ كما هو حالُه، لكن يكفيه فخراً أن يهيِّئ للخيرِ بأمطارٍ لطيفةٍ رقيقةٍ تبلُّ وجهَ الأرض بعد حرِّ الصيف. فهو عيدٌ من نوعٍ آخرَ، مقدمةٌ لبشائرِ الشتاء.

هكذا... كانت صداقةُ الطبيعة للبشر، أفراحاً وأعياداً، لكن الإنسانَ، بما هو مجبولٌ عليه من طبعٍ دنيء، خانَ هذه الصداقةَ، وبادلَها قَطْعاً وهَدْماً ورَدْماً، فلا أبقى فيها دماءً، ولا عظاماً، ولا لحماً. فلا الأنْهُرُ سلِمَت من بطشه، ولا الأشجارُ نجَتْ من همجيّته.

وليعاقبَ الله الناسَ بما جَنَت أيديهم، استحالَ كلُّ الجمالِ بشاعةً، وندُرَت أيامُ الأعيادِ في الطبيعة حتى صارت لا تكادُ تُذكَر:

أضحى الشتاءُ خجولاً، مبالِغاً في لطفه إلى حدٍّ يحرُم الناسَ من الاستمتاعِ بمظاهره، ضنيناً بأمطاره، برْدُه صقيعٌ ضارٌّ كريه، وثلوجُه عجائبُ أو معجزات!


والصيف تحوّلَ فصلاً عنيفاً، مديداً، مقيتاً... طمِعَ بشهورِ غيره من الفصولِ، لينضويَ الربيعُ والخريفُ تحت لواءِ حرارته - هذا إذا استثنينا الأيام التي يُظهِران فيها فنونَ الأذى: فإما عواصفُ ترابيةٌ صفراءُ تملأ الأجواءَ وتخنق الأنفاس، وإما فراشٌ للأرض أبيضُ تحسبه لؤلؤاً وما هو إلا حجارةُ برَدٍ سماويٍّ يمزق أوراق الأشجار الغضّةَ وأزهارَها الفتية - وحتى الشتاءُ كاد ألا ينجوَ من هذا، فلا يزالُ الصيفُ ينازعُه - في مواجهاتٍ شبهِ محسومةٍ لصالحه- على ما يخصُّه من أشهرٍ باتت أياماً وأحياناً ساعات!

شمسُه طاغيةٌ لا ترحم، فبعدَ أن كانت رمزَ الفرحِ يرسمُها الأطفالُ كما هي في مخيِّلةِ الناسِ بوجهها المشرقِ الذي لا تفارقُه الابتسامةُ، أصبحت رمزاً للتشاؤمِ والجفاف، أراها مصدراً للكآبة عندما تطالعني وتقتحمُ نافذتي حتى في أعْتى أيام الشتاء!

ونفسي، باتَتْ كالفصولِ الأربعةِ في هذا الزّمنِ، صارَ لها طابَعٌ عامٌّ أَوْحَدُ، عُكِسَتْ فيها مفاهيمُ السّعادةِ والكآبة، ليزيدَها هذا تخبُّطاً، وما يُفترَضُ به أن يسعدَها أصبحَ يشقيها ويثقلُ كاهلَها.

فهلاّ نظرت، كيف عكسَ الزمنُ أصالةَ المفاهيم...؟