صفحة 1
مقدمة
شغلني موضوع هذا الكتاب سنوات طويلة· فمنذ بداية دراستي الأدب الإنگليزي، والشعر منه خاصة، كنت أتساءل: إذا كان الشعر الإنگليزي قد تأثّر في مراحل شتى بشعر لغات أخرى، فهل يا تُرى كان للشعر العربي من أثر في تطوّر الشعر الإنگليزي، وشعر تلك اللغات الأخرى التي أثّرت فيه؟ وبقي هذا التساؤل في ذهني، حتى تيسّر لي شيء من المعرفة ببعض اللغات الأورپية، ثم تيسّر لي قضاء سنة من التفرّغ العلمي في جامعة كمبردج، وجدتُ في مكتباتها قدراً كبيراً من الكتب والدوريات العلمية التي تعنى بالشعر الأندلسي وبشعر التروبادور الذي ظهر في جنوب غرب فرنسا في القرن الثاني عشر، وازدهر لقرنين من الزمان بعد ذلك· كانت الأبحاث والدراسات تُعنى بالعلاقة بين شعر التروبادور باللغة الأوكسيتانية وبين الشعر الأندلسي، في نمط الموشح والزجل بالدرجة الأولى·
كان عليّ أن أدرس الموشّح والزّجل في جذوره المشرقية العربية التي تطوّر عنها، ومقارنة ذلك بشعر التروبادور الجديد على أورپا القروسطية في الشكل والمضمون، وفي موقفه من الحب والمرأة· ثم تابعتُ انتشار شعر التروبادور وفنونه في عدد من اللغات الأورپية الوليدة، التي انسلخت عن اللاتينية القروسطية، لغة الأدب الوحيدة، حتى ظهور الشعراء التروبادور· وقد انتهى بي المطاف إلى الشعر الإنگليزي في ما كتب شكسپير من غنائيات الحب التي تُردِّد أصداء غير بعيدة من غزليات الحب العربية· وبعد شكسپير، لا يشكل الشعر الغنائي في موضوعات الحب قضية يسهر الخلقُ جرّاها ويختصم·
وفي رسم الأعلام الأجنبية، فضّلتُ رسمها كما تنطق في لغاتها الأصلية، قدر المستطاع، لا كما تحوّرت في بعض الكتابات العربية وحتى الأجنبية· فاسمُ شاعر التروبادور الأول گيّوم قد تحرّف إلى وليم وغليوم وجيّوم وغير ذلك، وأرى الأصوب الحفاظ على الاسم كما في الأصل· وقد اتّبعتُ في رسم الحروفِ الأجنبية الحروفَ العربية التي طوّرها الأعاجم عندما انتشر الإسلام خارج بلاد العرب، ومازالوا يستعملونها، وهي أربعة حروف من الصوامت: پ=p، چch=، ف=v، گ=g·
د· عبد الواحد لؤلؤة
دبي- الإمارات العربية المتحدة
كانون الثاني/يناير 2011
صفحة 2
توطئة
من قولنا الـمُعار، الـمُعاد، المَكرور
كان للعرب، في القرون الوسطى، دور في التطوّر الحضاري- الثقافي على المستويات العلمية والعمرانية: في الطب والكِحالة، في الكيمياء والرياضيات؛ في الملاحة وتخطيط البلدان؛ في فنون البناء والزخرفة··· في السرديّات التاريخية وفنون الحكاية··· ولكن، هل كان لهم دور في تطوّر الشعر، والشعر ديوان العرب؟!
مثل جميع شعوب العالم، قديمها وحديثها، عرفت المنطقة العربية صنوفاً من الشعر، بدءاً من ملحمة گلگامش، وتوقّفاً عند الشعر العربي في العصر الجاهلي، ووصولاً إلى ما تطوّر منه عبر العصور· كما عرف الإغريق الشعر، الذي حدّده أرسطو بصنوف ثلاثة: هي الملحمي والتمثيلي والغنائي· وقد ورثت شعوب أورپا عن الإغريق صنوف هذا الشعر، بدءاً بشعراء اللاتين، ومروراً بشعر اللغات التي تفرعت عن اللاتينية· وفي العصور الأورپية الوسطى، بدءاً من القرن الرابع حتى مشارف عصر الانبعاث في القرن الثاني عشر· كانت الكنيسة الكاثوليكية هي المسيطرة على الفكر الأورپي، ومنه الشعر الذي ما كان له أن يخرج عن حدود التفكير الكاثوليكي الكنسي، الذي لم يكن للشعر الغنائي فيه من نصيب، إلا ما كان من تسبيح وتعبير عن محبة المسيح ومريم العذراء·
وفي أواسط القرن الثاني عشر، ظهر في الزاوية الجنوبية الغربية من أورپا نوع من الشعر الغنائي بلغة عامية، بعيدة عن اللاتينية، وفي موضوعات تحتفي بالحب الدنيوي، الشخصي، غير الكنسي؛ يقدّس المرأة، ويشير إلى أن الرجل إذا أحبّ ارتفع منزلةً في عيون الآخرين·
كانت تلك المنطقة الجغرافية التي تقع في جنوب غرب فرنسا وشمال غرب إسبانيا في الخارطة الحديثة، هي إقليم الباسك أو ما يدعوه أهل الأندلس بلاد الباشكنس
لم يكن ذلك الشعر الجديد بلغة پروفنس أي الإقليم من الإمپراطورية الرومية المقدسة، ليرضي الكنيسة، التي حسبته مروقاً، كما وصفت الإقليم جميعه بالوثنية· لكن هذا الشعر الجديد ازدهر وتطوّر وانتشر إلى أصقاع أورپية أخرى، حتى قضت عليه وعلى حضارة پروفنس الوثنية حملة صليبية قادها الپاپا إنوسنت الثالث الذي جاء من پاريس يحمل لقبه البريء، وذلك عام 1209، بما يعرف باسم الحملة الألبيجية
كان إقليم پروفنس وبلاد الباشكنسعلى اتصال بالأندلس الإسلامية، التي ازدهر فيها شعر الموشح والزجل، بدءاً من نهايات القرن التاسع، بما فيه من كلام الحب والهيام، مرصوفا بالقوافي والصور الفنية الدنيوية التي ظهرت أول مرة في شعر هؤلاء التروبادور الشعراء الجوّالين، بلغة غير لاتينية وموضوعات غير كنسية·
ترى، هل كان للشعر العربي الأندلسي، والموشح والزجل منه بخاصة، من تأثير في نشوء هذا الشعر الغنائي الأورپي الجديد، الذي انتشر عبر أورپا، بدءاً من شعر دانته ومن تبعه من أصحاب الأسلوب الحلو الجديد ولغات أورپية تفرّعت عن اللاتينية؟
صفحة 3
شيء من التاريخ
دراسة التأثّر والتأثير بين حضارتين- ثقافتين تدعو إلى النظر في المِهاد التاريخي لدى الجانبين· هذه حقيقة بديهية، هي من الوضوح بحيث غابت عن أنظار بعض الباحثين، أو جرى تجاوزها، سهواً أو عمداً· وقد أدّى ذلك، في بعض الحالات، إلى ادّعاء أن ظاهرة حضارية- ثقافية بعينها قد نشأت في هذا البلد أو ذاك نشوءاً ذاتياً، في تربة ذلك البلد، من دون تأثير خارجي أو تلاقح مع مؤثرات أخرى· هذه صورة من صور التعصّب العرقي أو الديني، يجب تعريتها في أية دراسة علمية نزيهة·
منذ فجر التاريخ كان ثمة تداخلات بين الحضارات- الثقافات، بسبب الحروب والغزوات، والتجارة والتزاوج، بين شتى الأجناس والقوميات· ويهمّنا في هذا المجال مظاهر التأثر والتأثير في اللغة؛ والشعر وفنونه أبرز ما يدل على التلاحم الحضاري- الثقافي عبر عصور التاريخ· وفي بلادنا العربية لدينا مثال بارز على ذلك في تأثر اللغة العربية بمفردات دخلت في لغة قريش، وهي أنشط القبائل العربية في التجارة قبل الإسلام· ولغة قريش هي التي نزل بها القرآن الكريم فاستَوَت معياراً للفصاحة· وبسبب من تجارة قريش مع الأقوام غير العربية من فرس وبيزنطيين وأحباش وغيرهم، دخلت لغة قريش كلمات مثل درهم (دراخما الإغريقية) ودينار (ديناريوس اللاتينية الرومية) ومثلها القنطار وسندس واستبرق وزبرجد ومشكاة وكثير غيرها، نجدها في القرآن الكريم، ويحسبها بعضهم كلمات عربية، لأنها تعرّبت بورودها في النص القرآني· وقد حدث مثل ذلك، وعلى نطاق أوسع، في دخول مفردات عربية إلى اللغة الإسپانية، يقدّرها بعضهم بألوف كثيرة، بسبب الوجود العربي في شبه جزيرة إيبيريا ثمانية قرون، تبعها قرنان من الزمان لبقاء الموريسكيين في تلك البلاد· من تلك المفردات كلمات مثل: الزيتون، المخدّة، القصر، القلعة، الوادي الكبير، وادي الحجارة؛ وقد تحرّفت جميعها لتناسب اللفظ الإسپاني، فصارت: أسَّيتونه، المغاذة، الكاثرا، الكالا، گوادالكيفير، گوادا لاخارا، مع بعض التحريف اللفظي حسب المناطق·
يرى بعض الباحثين أن أول لقاء مهم بين الشرق العربي الإسلامي والغرب الأورپي المسيحي كان في معركة اليرموك عام 636م· وكان لذلك الانتصار الإسلامي الأول آثاره على مستويات شتى، لكني لا أحسب أن الناحية اللغوية/الأدبية كانت من الآثار البارزة لذلك الانتصار العسكري· غير أن فتح الجزيرة الإيبيرية الذي بدأ عام 711م، من جانب المسلمين، من عرب وبربر، كانت له آثار شديدة البروز على مستويات كثيرة، أهمها انتشار الإسلام واللغة العربية، فتحوّل كثير من نصارى الجزيرة من كاثوليك وآريوسيين إلى اعتناق الإسلام، واتخاذ اللغة العربية وسيلة للتفاهم، الى جانب لغة الرومانث المحلية· وكان لهذا الازدواج اللغوي آثاره الواضحة في تطوّر الشعر في تلك البلاد: تطوَّر الشعر العربي الذي حمله الفاتحون العرب من المشرق، فظهر الموشح وبعده الزجل· كما تطوّر شعر محلّي في جنوب غرب فرنسا وشمال غرب إسپانيا، في الخارطة الحالية، بفعل التلاقح الحضاري- الثقافي بين الشمال الأورپي المسيحي، والجنوب العربي الإسلامي، فكان شعر التروبادور الجوّالين، الذي انتشر بدوره إلى الشرق فانتعش مجدّداً في إيطاليا بما يدعى الأسلوب الحلو الجديد dolce stil nuovo ثم انتشر إلى شمال فرنسا، في شعر التروفير ومن هناك عبر إلى الجزر البريطانية بوساطة شعراء البلاط الفرنسي- الإنگليزي في القرن الثاني عشر، وتواصلت حلقات التطور حتى عادت أجراس الشعر الغنائي عند شكسپير تردّد أصداء من غنائيات التروفير والتروبادور وما ورثوه عن أجدادهم الوشّاحين والزجّالين·
صفحة 4
تكاد المصادر العربية تجمع على رواية واحدة عن فتح الأندلس· فبعد انتشار الفتح الإسلامي في شمال أفريقيا أرسل موسى بن نصير اللّخمي، مولاه طارق بن زياد، البربري، والي طنجة ليستطلع أحوال جزيرة إيبيريا؛ فأرسل هذا حملة بقيادة طريف بن ملوك عام 710م ومعه 400 رجل، فاستقرّ في جزيرة صغيرة في أقصى الجنوب الغربي من ساحل إيبريا، تقابل طنجة على الساحل الأفريقي، صارت تعرف باسم تاريفا أو طريف وفي 19 تموز،711م عبر طارق البحر على رأس سبعة آلاف من العرب والبربر، بعد أن اتصل به يوليان حاكم سبتة Ceuta وقدم له المعونة· ولا يهمنا هنا ما دعا يوليان هذا لتشجيع الفتح الإسلامي، انتقاما من خصومة له مع أحد ملوك القوط، ولكن ما يهمنا أن عدد العرب في جيش طارق كان قليلا بالنسبة إلى البربر، فأتبعهم موسى بأعداد أخرى من العرب عام 712م يقدّرهم بعض المؤرخين بثمانية عشر ألفاً، وهكذا استمر زحف طارق على الحواضر الإيبيرية·
كان دخول المسلمين من عرب وبربر إلى إيبيريا لغرض الاستقرار، لا للغزو والعودة إلى الديار محمّلين بالغنائم والأسلاب، كما كان الأمر في الفتوحات الإسلامية في المشرق العربي· لكن كثرة البربر في المراحل الأولى للفتح سببه دخولهم الإسلام في وقت مبكّر، ومرافقتهم طارق البربري· غير أن الجيش الذي أرسله موسى بن نصير عام 712م ليعزّز قوّة طارق كانت غالبيتهم من العرب ومواليهم، الذين ذهبوا للاستقرار لا للغارات· وقد تعرّب هؤلاء الموالي وانتسبوا إلى القبائل العربية، وصاروا مع مرور الزمن عرباً بالولاء والدين والثقافة· وفي عام 716م وليَ الأندلس الحرّ بن عبد الرحمن الثقفي الذي جاء من أفريقيا على رأس 400 من النخبة بين العرب· ثم عيّن الخليفة عمر بن عبد العزيز السَّمحَ بن مالك الخولاني سنة 719م، فجاء ومعه جيش من العرب، في رواية، و500 في رواية أخرى· وإثر ثورة البربر سنة 740م أرسل الخليفة هشام بن عبد الملك حملة من ثلاثين ألفاً من أجناد الشام إلى شمال أفريقيا قائلاً والله لا أتركنّ حصناً بربراً إلاّ جعلتُ إلى جانبه خيمة قيسي أو تميمي (1)·
على الرغم من هذا كلّه، بقي المسلمون من عرب وبربر أقلية في البلاد المفتوحة، التي تغيّر اسمها من إيبيريا (الإغريقية) إلى الأندلس، وهو تحريف فندالوس إحدى جماعات القوط الغربيين التي كانت تسيطر على باطقة Bética في جنوب البلاد؛ وتوسّع الاسم ليطلق على عموم البلاد التي فتحها المسلمون· وبدأت هذه الأقلية من الفاتحين المسلمين بالزواج بالنساء المحليات، وأولهم عبد العزيز بن موسى بن نصير، الذي تزوج أرملة لذريق Rodrigo الذي قتل في أول الفتح· لقد جاء الفاتحون إلى الأندلس دون أهليهم، فكان الزواج من الأندلسيات، إلى جانب دخول أعداد متزايدة من المسيحيين في الإسلام، واتخاذ اللغة العربية وسيلة التخاطب والتعامل الأساس، مما جعل للعرب والبربر المتعرّبين بالولاء، والمسيحيين من مُسالمة ثم مُولََّدين، قاعدة لمجتمع جديد، ذابت فيه الأصول الإسپانية· وقد تنامى التعريب والأسلَمة في المجتمع الأندلسي الجديد، حتى وجدنا بعد مرور قرن ونصف من الزمان عدداً من رجال الكنيسة المسيحية يعبّرون عن بَرَمِهم بهذه الظاهرة، إذ وجدوا أهل البلاد الأصليين قد نسوا دينهم المسيحي وثقافتهم الكنسية، وحتى اللغة اللاتينية، لغة الصلوات والعبادة الكنسية؛ فقد حلّ محلّ ذلك كلّه دين جديد وثقافة جديدة، بلغة جديدة هي العربية·
وفي حدود أربع سنوات كان الفتح الإسلامي قد امتد إلى أهم المدن والحواضر الأندلسية مثل إشبيلية وطليطلة وما حولهما، والتقى موسى بن نصير مع طارق بن زياد في طريق العودة إلى طليطلة، حيث أمر موسى بضرب أول عملة في الأندلس مزدوجة اللغة· وفي هذه الأثناء، أرسل الخليفة الوليد بن عبد الملك يستدعي موسى ومولاه طارق إلى دمشق لكي يعرضا عليه نتائج حملاتهما· فخلّف موسى ابنه عبد العزيز على الولاية الجديدة وتوجّه مع طارق إلى دمشق حاملَين الكثير من الذخائر والكنوز، وكان الخليفة على وشك الموت، فسلّماه ما حملا من الغنائم، مما أثار حفيظة ولي عهد الخليفة، سليمان بن عبد الملك، الذي أراد أن يستأثر بالغنائم عند وفاة الخليفة أخيه· وكان أن أوقع سليمان بموسى بن نصير فحبسه وأغرمه، وضاع ذكره بعد ذلك كما ضاع ذكر طارق، بسبب تصرّف سليمان بن عبد الملك، وهو أمر يبعث على شديد الأسف، ويشكّل وصمة عار في تاريخ الخلافة الأموية·
لا تورد المصادر اللاتينية المعاصرة ما يوازي الرواية العربية لفتح الأندلس· بل ربما يمكن القول إن بعضها يتحدث بتعاطف سلبي عن الفتح الإسلامي، الذي وجدوا فيه خلاصاً من تسلّط القوط الغربيين، من برابرة القبائل الجرمانية، التي انقضّت على الإمپراطورية الرومية عام 904· وثمة من المؤرخين من يشكّك في وجود شخصية طارق بن زياد، وفي قدرة سبعة آلاف محارب من العرب والبربر من التغلّب على ملايين من الإسپان يعيشون في أهم مدن العالم ازدهاراً في تلك الأيام· ومن الأبحاث الأورپية الحديثة كتاب الإسپاني إيناثيو أولاگوّي Ignacio Olage الذي صدر عام 1974 بعنوان: الثورة الإسلامية في الغرب، ونقله إلى العربية ملخّصاً إسماعيل الأمين بعنوان: العرب لم يغزوا الأندلس: رؤية تاريخية مختلفة· يرى هذا المفكّر الإسپاني المعاصر أن الدعوة الإسلامية في إسپانيا لقيت مناخاً ملائماً بحيث لم يُجر الإسپانيون الذين سادت في مجتمعهم الديانة الآريوسية خلال القرن الثامن إلاّ تعديلات طفيفة على معتقدهم وفكرهم وثقافتهم وعاداتهم ليتحوّلوا إلى الإسلام (2)· كان آريوس هذا كاهناً من أصل ليبي (256-336م) عاش في الإسكندرية ومارس نشاطه الكنسي فيها· وكان يؤمن بأن يسوع كائن فانٍ وليس إلهاً وبهذا أمكن الحديث عن المسيحية التوحيدية في مقابل مسيحية التثليث الكاثوليكية، التي اعتنقها الإمپراطور الرومي قسطنطين (274-337م) عام 313م فصارت الديانة الرسمية للإمپراطورية، ومنها شبه جزيرة إيبيريا· ولكن الآريوسية التي تنفي ألوهية المسيح والثالوث المقدس هي أحادية ترى أن يسوع والروح القدس ذات واحدة· ومن هنا يشير ابن كثير صاحب تفسير القرآن العظيم إلى صاحب هذه الديانة التوحيدية باسم عبد الله بن آريوس انتشرت الآريوسية في إيبيريا وغدت المسيحية الكاثوليكية في حالة انحلال كامل في نهايات القرن السابع، إذ غدت الآريوسية هي الديانة الرسمية في دولة مزدهرة· ويشير ليفي پروفنسالإلى وجود عبارات التوحيد الإسلامية على بعض النقود التي تعود إلى بدايات القرن الثامن، أي قبيل فتح الأندلس، محفوظة في المكتبة الوطنية في پاريس، وعليها صورة النجم المثمّن، مما يشير إلى سيطرة المذهب الآريوسي في جزيرة إيبيريا·(3) بناء على هذا، يرى المؤلف الإسپاني أن العرب والمسلمين لم يفتحوا إسپانيا عسكرياً، وأن التحوّل إلى الإسلام في الأندلس لم يتم إلاّ عبر حركة الأفكار وتصارعها ثم هيمنة ما يسمّيه بالفكرة/القوة التي شكّلت عصب الحضارة العربية الإسلامية في ثلاثة أرباع عالم تلك الأيام (4)·
صفحة 5
ثم يستطرد المؤلف فيقول إن اختلاف الروايات عن الفتح··· خرافات لكن الروايات التاريخية غير العربية تتحدث عن حروب الكرّ والفرّ منذ 713م يوم دانت شبه جزيرة إيبيريا إلى الإسلام· وقد تواصلت هذه الحروب حتى سقوط غرناطة ونهاية الوجود العربي- الإسلامي في الأندلس عام 1492م· إنني أرى في هذه الآراء خدمة للفتح الإسلامي للأندلس، فهي تقف بوجه الشائع من الآراء الغربية عموماً التي تقول إن الإسلام انتشر في العالم بحدّ السيف· إن شكوى إلفارو مطران قرطبة، في أواسط القرن التاسع، التي نقلها دوزي عن النص اللاتيني الأصلي، هي شكوى عن اضمحلال المسيحية في بلاده (ومن المفارقة أن إلفارو هذا كان من أصل يهودي) (5) وعن تضاؤل المعرفة باللغة اللاتينية والكتب الكنسية، التي حلّت محلها الديانة الإسلامية واللغة العربية وثقافتها· ولا توجد أية إشارة في شكوى المطران وأمثاله إلى أن ذلك التحوّل قد جرى بحدّ السيف، بل كان تطوّراً سلمياً حضارياً في كنف تعايش وتزاوج بين المسلمين من عرب وبربر وبين أهل إيبيريا·
هذه الظروف في الأندلس، التي ازدهرت مع اتساع الفتوح إلى الأصقاع المختلفة من جزيرة إيبيريا، هي التي مكَّنَت من التبادل الحضاري، تأثرا ًوتأثيراً· وكان من طبيعة الأشياء أن تتأثر البيئة الأندلسية، فكراً وحضارة، بمظاهر الحضارة العربية الإسلامية التي انتقلت إلى إيبيريا القروسطية المسيحية مع موجات من تدفّق العلماء والأدباء من حواضر المشرق، وبالأخص دمشق وبغداد· وقد جرى هذا على الرغم من الاضطرابات السياسية التي بدأت بعد غياب موسى وطارق وبداية عصر الولاة، التابعين إلى سلطة الخليفة في دمشق· كان الخليفة الأموي يخشى من تنامي قوة الولاة التي قد تدفعهم إلى الاستقلال في تلك الأصقاع البعيدة، لذلك تنامت ظاهرة تبديل الولاة بسرعة حتى وصل عددهم 22 والياً في مدة 40 سنة تقريباً· وكانت هناك الصراعات القبلية والعرقية، بين القيسية واليمنية، وهناك ثورات البربر من أتباع طارق· ولكن على الرغم من ذلك كله كان تعرّب البربر والموالي مستمراً، كما استمر التمازج مع أهل البلاد الإيبيريين في ظل التسامح الديني واستمرار الفتوحات· فقد عبر عبد الرحمن الغافقي إلى بلاد الغال (فرنسا) فوصل بوردو وضواحيها عام 732م وهزم دوق آكيتين وتقدم نحو تور وپواتييه حيث دارت معركة بلاط الشهداء التي أوقفت تقدم الفتوحات في بلاد الغال· وقد سبق الغافقي في امتداد الفتوحات في بلاد الغال السَّمح بن مالك الخولاني الذي استشهد في حصار تولوز ثم أعقبه في حملات الفتح عنبسة بن سحيم الكلابي الذي استولى على كاركاسون ونيم وبعث ما جمع من أسرى الفرنجة إلى برشلونة التي كانت آنذاك تحت حكم المسلمين، ثم دخل بعدها إلى إقليم بورگونّ وعلى الرغم من هزيمة المسلمين في پواتييه لم تتوقف حركة الفتوحات في بلاد الغال، إذ بقيت في أيدي المسلمين أراضٍ واسعة في منطقة پروفنس، ثم جاء دور والي الأندلس الجديد عقبة بن الحجاج السلولي الذي قاد حملة فاستولى على فالنس وفيين وليون، واستمرت الفتوحات حتى عام 758م عندما انحسر التقدم العربي الأندلسي إلى ما وراء جبال الپيرانيس
السؤال الذي ينهض أمام الباحث هو كم من أسرى العرب استقر في بلاد الفرنجة بعد هذه الفتوحات؟ ويهمّنا في هذا الصدد منطقة پروفنس التي ظهر فيها أول نوع من الشعر الغنائي بلغة أورپية عامية غير لاتينية تماماً· وكم من الأسرى الفرنجة استقر في برشلونة التي بقيت في أيدي المسلمين حوالي ثلاثة قرون؟ كانت فتوحات الأندلس حروب كرّ وفرّ، ومثل جميع الحروب في العالم هنالك أسرى من الطرفين مثلما هنالك قتلى من الطرفين· والعرب أهل شعر، يستوي في ذلك طارق ابن زياد البربري المستعرب، الذي تنسب إليه ثلاثة أبيات من الشعر العربي الفصيح، كما يستوي في حالة عبد الرحمن الداخل، حفيد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، ولو أنه ابن جارية بربرية من قبيلة نفزة (6) وثمة حقيقة بديهية أخرى شديدة الوضوح بحيث نسيها أو تناساها أغلب الباحثين في أوضاع الأندلس وظروف مجتمعها الجديد· ذلك أن الفاتحين المسلمين، من عرب وبربر، دخلوا الأندلس بدون زوجات، فتزوجوا من الأندلسيات بعد إسلامهن، أو حتى بعد بقائهن على النصرانية في كثير من الأحوال· وكان من الطبيعي أن يتكلم الأبناءُ من هذه الزيجات اللغة العربية مع الأب واللغة اللطينية كما يدعوها العرب والمستعربون، مع الأم· كانت هذه الثنائية اللغوية عند الأجيال الأولى وما بعدها من أهم عوامل التأثّر والتأثير الحضاري- الثقافي· وقد ظهرت آثارها في السفارات والعلاقات التجارية، وفي تأثير الشعر العربي الأندلسي في نشوء وتطوّر شعر جديد في ذلك العالم الجديد البديع، بعبارة شكسپير، يسهّل تطوّره ويسرّع فيه عندما يكون الشاعر الأندلسي ناطقاً بالعربية وبالرومانث معاً· كم من الأسرى العرب كان ينظم الشعر وينشده على مسامع آسريه من اللّطين ويفسّره لهم بلغة الرومانث التي أتقنها فيفهمونها؟
وفي أوقات السلم كذلك، على ندرتها في التاريخ الأندلسي، نجد الثنائية اللغوية معيناً على توطيد العلاقات بين الإمارات الأندلسية والممالك المسيحية· فقد تكاثر السفراء على قرطبة في عهد الخلافة بشكل خاص· ففي عهد الخليفة الأول عبد الرحمن الناصر لدين الله (300-350هـ /912-961م) كانت الممالك المسيحية في الشمال تشكل خطراً على الإمارات الأندلسية، مثل مملكة ليون ونافار لكن فترة من السلم الهشّ ظهرت بين قرطبة ومملكة نافار بعد وفاة ملكها سانچو الأول الذي خلفه ابنه الصغير گارثيا الأول وكان تحت وصاية أمّه تودا التي حملته مع حفيدها سانچو المعروف بالبدين el carso إلى قرطبة عام 958 من أجل عقد الصلح مع قرطبة، وعلاج الأمير البدين من مرضه؛ وقد تم ذلك بتوجيه من الخليفة الناصر· لاشك أن عقد المفاوضات للصلح وإجراءات علاج الأمير البدين ما كانت لتتم بسهولة من دون وجود الثنائية اللغوية والحكمة السياسية لدى الخليفة الناصر وصحبه من ذلك الجيل من الأندلسيين· ومن السفارات العديدة التي تقاطرت على بلاط الناصر سفارة من الإمپراطور البيزنطي قسطنطين عام 949م حيث حمل السفير معه فيها نسخة من كتاب ديوسكوريديس في الأعشاب الطبية، أمر الناصر بترجمته إلى العربية·
وفي عهد الحجابة العامرية، تزايدت أعداد الأسرى والسبايا من الفرنجة الذين حلّوا في الديار الإسلامية وزادوا من عملية الاختلاط السكاني وثنائية اللغة· فقد قاد المنصور بن أبي عامر (977-1002م) اثنتين وخمسين غزوة على دول إسپانيا المسيحية الثلاث: نافار وليون وقشتالة، وكان يعود من كل غزوة بآلاف من الأسرى والسبايا (7)· أين كانت تذهب هذه الألوف من الفرنجة والمسيحيين، ومع من كانوا يختلطون، وأية لغة كانوا يتكلمون أو يتعلمون؟ هذه الأوضاع جميعاً جعلت من المحيط الأندلسي على امتداد ثمانية قرون بوتقة انصهرت فيها شعوب مختلفة في أعراقها ودياناتها، حتى غدت عملية التأثر والتأثير الحضاري- الثقافي من الممكن تبيُّنُها بملاحقة جذور الظاهرة عند بروزها في اللغة أو الشعر· ومن طريف العلاقات بين الممالك المسيحية والإمارات الأندلسية أن بعض الحروب كانت تنتهي بمعاهدة سلام، وكان هذا السلام يختم بمصاهرة! ففي عام 992م انعقد الصلح مع مملكة نافار التي كان ملكها سانچو قد أهدى ابنته إلى المنصور، الذي أعتقها وتزوّج منها بعد إسلامها، فأنجبت له ولده عبد الرحمن الذي لُقّب سَنچويلو وهو تصغير سانچو وفي عام 993 أهدى ملك ليون أيضاً ابنته تيريسا إلى المنصور، الذي أعتقها وتزوجها· هكذا كان عربون الصلح بين الدولتين! فهل بعد هذا اختلاط؟(8)
إلى جانب هذه الأمثلة من الاختلاط بين مسلمي الأندلس وشعوب الممالك المسيحية، على امتداد القرون الثمانية، في ظروف الحرب والسلم، والتجارة والدبلوماسية، كان ثمة تواصل دائم بين إقليم قطالونيا في أقصى الشمال الشرقي من شبه الجزيرة، وفيها برشلونة التي بقيت بيد المسلمين حوالي ثلاثة قرون، كما أسلفنا، وبين لانگدوك وپروفنس في الجنوب الغربي من فرنسا(9)· وهي مما شملته الفتوحات الإسلامية، وهذه هي منابت الشعراء التروبادور في القرن الثاني عشر·
صفحة 6
هوامش الفصل الأول:
(1) د· عبد العزيزالدوري، مقدمة في كتاب الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس، ج1، ص 22 (تحرير د· سلمى الخضراء الجيوسي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1998)·
(2) إسماعيل الأمين، العرب لم يغزوا الأندلس: رؤية تاريخية مختلفة (رياض الريّس للكتب والنشر، لندن، 1991) ص01·
(3) نفسه، ص، 158·
(4) نفسه، ص، 106·
(5) نفسه، ص، 252·
(6) د· محمود مكي، تاريخ الأندلس السياسي في كتاب الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس ج، 1- ص70·
(7) نفسه، ص 92·
(8) نفسه، ص 93·
(9) Joseph F. OصCallaghan, A History of Medieval Spain, Cornell University Press (Ithaca and London, 1990) p.2
صفحة 7
شيء من الشعر
الشعر كائن حيّ، ينمو ويتطوّر···لكنه لا يموت· وإذا ما غاب عن الساحة زمناً، لا يلبث أن يعود بلُبوسٍ أخرى· يروى عن امرئ القيس بن حجر الكندي أنه أول من وقف على أطلال دار الحبيبة وبكى لغيابها عنه، وكان واقفاً، يخاطب صاحِبَيه· ثم راح يصف المواقع من الصحراء العربية القريبة من دار الحبيبة، أو البعيدة عنها· ويخبرنا الجاحظ أن الشعر العربي يعود تاريخ المعروف منه إلى مئة وخمسين سنة قبل الإسلام· غير أننا لا نعرف إن كان من سبق من شعراء الجاهلية قد وقف يبكي الأطلال ويخاطب صاحِبَيه· لكن معلّقة امرئ القيس رسمت حدود عمود الشعر في التراث العربي: بكاء على الأطلال، ذكر الحبيب، التغزّل الذي قد يذهب مذاهب بعيدة من الوصف، ثم شيء من الحكمة أو المديح··· وقد درج المعروف من شعراء الجاهلية بعد امرئ القيس على خطى سيّد الشعراء وقائدهم إلى النار إذا صح ماروي عن الرسول(ص) في مخاطبة ابنة امرئ القيس أو حفيدته! غير أننا لسنا واثقين أن الشاعر قال لصاحبيه: لننظم قصيدة على بحر الطويل، وقوامه فَعولُنْ مَفاعيلُنْ فَعولُنْ مَفاعِلُ· فالتسمية خليلية لاحقة، أطلقها الخليل بن أحمد الفراهيدي في البصرة قبل أن يتوفى في حدود عام 170 هجرية 786م· ولم يلتزم الشعراء بعد امرئ القيس بالبحر الطويل، بل طوّروا في إيقاعاتٍ وأوزانٍ جمعها الخليل، أو جمع المشهور منها بخمسة عشر بحراً، زاد عليه تلميذه الأخفش بحراً هو السادس عشر، المتدارك· وهذا بحدّ ذاته نموّ وتطوّر· كما أن خطاب الاثنين لم يبقَ على حاله عند الشعراء اللاحقين· فامرؤ القيس نفسه، ربما في آخر ما روي عنه، يخاطب صاحباً واحداً، لا اثنين، ما كان أحوَجَه لهما، وهو يضرب في الفيافي والقفار قاصداً القسطنطينية:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
وأيقنَ أنّا لاحِقان بقيصرا
ليس الشاعر هو الذي يبكي هنا، بل رفيق رحلته الوحيد· وهذا تطوّر آخر، ونحن لمّا نبارح صاحب أول معلّقَة جاهلية· لكنّ خطاب الاثنين بقي ماثلاً في بعض الشعر العربي اللاحق، ربما من باب احترام التراث، لكنه تطوَّر خطاباً، ليس في صحراء، بل في رياض وجنان:
يا صاحبيّ تقصّيا نظرَيكما
تَرَيا وجوهَ الأرض كيف تُصوَّرُ
تَرَيا نهاراً مُشمساً قد زانَه
زهرُ الرُّبى فكأنما هو مُقمرُ
وإذا كان الفراهيدي قد حدّد لنا ما جمع من معروف الشعر في أيامه وقطّع إيقاعاته على إيقاعات المدقّة في سوق القصّارين بالبصرة، فإن بعض تلك القصائد لم تستجب تماماً لتفعيلاته، فكان الزّحاف والخَبنُ والطيّ··· وكانت قصيدة/معلّقة عَبيد بن الأبرص(25 ق· هـ /597م) التي تتحدّى العروضيين إلى يومنا هذا:
أقْفَرَ من أهلِهِ مَلحوبُ
فالقُطَّبيّات فالذَّنوبُ
أيُّ بحر خليلي هذا؟ أهو من الرَّمَل؟ أهو صحيح أو مطوّر عن بحر آخر؟ أيصحّ تقطيعه على: فاعلاتُن فاعلُ فاعلُ في الشطر الأول، ثم: فاعِلاتُن فاعِلُنْ فعولُ، في الشطر الثاني؛ وأيّ تنويع على أي بحر خليلي هذا المطلع من قصيدة جاهلية استحسنها أغلب الرواة، وعدَّها بعضهم مع المعلّقات إلى جانب معلّقة امرئ القيس وزهير وبقية العِشرة الطيبة؟ وهل يلتزم عبيد بن الأبرص هذا الوزن في بقية الثمانية والأربعين بيتاً من قصيدته/معلّقته؟ وكيف يستقيم البيت الثامن في وصف عينين دمعها سَروبُ بقوله:
واهيةٌ أو مَعينٌ مُمِعنٌ
من هَضْبَةٍ دونَها لُهوبُ؟
أيمكن تقطيعه على: فاعِلاتُنّ فاعلاتُن فاعِلُن في الشطر الأول، الذي يخبرنا العروضيون أنه من بحر الرَّمَل، لكنّ شطره الثاني يجري على: مُستفعِلُنْ فاعِلُن فَعولُ، وهو من البسيط، بعد لَيِّ عُنُقه وتقطيع أوصاله؟ ثمة أبيات رائقة الوزن مثل البيت الحادي عشر:
تصبو، وأنّى لك التصابي
أنّى، وقد راعك المشيبُ؟
صفحة 8
ويبدو لي أنه من البسيط، ولو أنه يجري على مستَفعلُن فاعِلُن فَعولُن/ مستفعِلُن فاعِلُن فعولُ· وكيف نقطّع البيت الثالث عشر:
أويَكُ قد أقفرَ منها، جَوُّهاَ
وعادَها المحلُ والجُدوبُ؟
أم كيف نقطّع البيت السادس والأربعين:
فجدَّلَتْهُ، فطَرَّحَتْهُ
فكدَّحَتْ وجههُ الجَبُوبُ؟
في وصفِ لِقوَةٍ وهي أنثى العُقاب، أطبقت على ثعلبٍ سريعٍ يجري في سَبْسَبٍ جديب؟
عن هذه الأوزان التي أراها مضطربة، مالم تكن بسبب أخطاء النُّسّاخ، وهو مَهرَبٌ قد يُعين في بيت أو اثنين، لا في قصيدة/ معلّقة بأكملها، يقول ابن كِناسَة: لم أرَ أحداً ينشد هذه القصيدة على إقامة العروض (1) وكلمة ينشد هنا ذات دلالة· فالشاعر الجاهلي كان ينشد القصيدة، لا يقرأ القصيدة· وكلام ابن كِناسة يشكّك في عروض هذه القصيدة، فكيف يراها الفراهيدي والعروضيون؟ لابد أن الإنشاد كان يمدّ ويقصّر بطريقة عرفها الجاهليون ولا نعرفها نحن· ولكنّ العروضيين وجدوا لها تفسيرات من المجزوءات والمحذوفات والعلل، لا تخلو منها المعلّقات الأخرى· نقرأ البيت الثالث والسبعين من معلّقة امرئ القيس:
قَعَدتُ له وصُحبتي بين ضارج
وبين العُذَيبِ بُعدَ ما مُتأمّلي
هل يمكن إقامة العروض في هذا البيت على:فَعولُن مفاعيلُن فعولن مفاعِلُ؟ أم يجب علينا أن ننشد البيت ونمدّ الضمّة في قعدتُ والفتحة في وَصحبتي لتغدو واصحبتي فيستقيم الوزن؟ وتغدو مثل هذه الأسئلة أكثر إحراجاً في قصيدة عبيد بن الأبرص، إلا إذا قلنا إن الإنشاد في الشعر أحدث تطويراً في أوزانه، على مرّ العصور بين شعراء الجاهلية وشعراء الموشّح والزجل في الأندلس، وهو شعر إنشاد بالدرجة الأولى، تطورت فيه الأوزان عبر قرون، حتى قال عنها ابن بسّام الشنتريني (ت 1147م) في كتابه المعروف الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (1106-1118م) إن أوزان الموشّحات أغلبها على غير أعاريض العرب وقد تلقّف بعض الباحثين من غير العرب هذه العبارة، وفهموا أن أوزان الموشحات على أعاريض العجم، وبنوا على سوء الفهم هذا نظرية معطوبة حول نشوء الموشّح في الأندلس في أواخر القرن التاسع الميلادي، ومن بعده نشوء الزَجَل بعامية الأندلس، مع أن دراسة متفحّصة لهذين النمطين الأندلسيّين من الشعر العربي تظهر أنهما تطوير في أعاريض العرب في سلسلة طويلة من التطوير بدأت في الشعر الجاهلي حتى وصلت إلى الأندلس، مروراً بشعراء الشام وبغداد العبّاسية·
على الرغم مما في قصيدة عبيد هذه من اضطراب الأوزان بالنسبة لقوانين الخليل، نجد نقّاد القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي مثل ابن قتيبة (ت276 ) في الشعر والشعراء يقول إن قصيدة عبيد هذه هي من القصائد السبع· وهذه ملاحظة مهمة، لأن بعض المؤرخين والنقاد القدامى جعلوا المعلقات سبعاً لا عشراً، مما يعني أن قصيدة عبيد هي من مستوى المعلقات، لا من القصائد الملحقة بها· وفي نسخة المتحف البريطاني (المكتبة البريطانية) من جمهرة أشعار العرب إشارة تقول وكان يخطب بهذه القصيدة في الجاهلية (2)· فإذا كان الفعل يخطب مبنيّاً للمجهول، فمعنى ذلك أن القصيدة كانت على مستوى عالٍ من التقدير عند الجاهليين، وهم أعرف الناس بشعرهم· يورد الأصبهاني (ت 356هـ /967م) في الأغاني أن عبيد ابن الأبرص كان شاعر بني أسد، غير مُدافع أي لا ينافسه في الشعر أحد· وقيل: سأل سعيدُ بن العاصي الحُطيئةَ: مَن أشعر الناس؟ فقال: الذي يقول:
أفْلِحْ بما شئتَ فقد يُبلَغ با···
ضَّعفِ، وقد يُخدع الأريبُ
صفحة 9
هذا هو البيت الحادي والعشرون من القصيدة· ولكن، كيف نقطّع هذا البيت؟ مستَفعِلُن فاعلاتُن فاعلاتُن/فاعلاتُن فاعلُن فَعِلُ؟ هل يبدأ البيت بداية المجتثّ: مُستفعِلُن فاعلاتُنْ: إن جُثتِ الحركاتُ؟ ثم يصير إلى ما يشبه المديد في الشطر الثاني : فاعلاتن فاعِلُن فَعِلُ؟ كيف نقيم عروض هذا البيت الذي أعجبَ الحُطيئة بالمقارنة مع الأبيات الأخرى؟ هذه الاضطرابات في أوزان القصيدة لم تخفَ على النقاد عبر القرون· قال الجوهري عن البيت التاسع:
أو فَلَجٌ، ببطن وادٍ
للماء، من تحته قَسيبُ
لو رُوي: في بُطون وادٍ، لاستقام وزن البيت (3) وفي حاشية أبو العلاء على البيت الحادي والعشرين: أفْلح بما شئت فقد يُبلغ بالضَّعف··· البيت يُنشد بالفاء في قوله: فقد· وهي تُفسد الوزن· ]فاذا[ سقطت فالوزن مستقيم وفي نسخة المتحف البريطاني من جمهرة أشعار العرب هي بإسقاط الفاء(4)·
هذه الملاحظات الدقيقة من النقاد القدامى، والشهادات التي تُعلي من قيمة قصيدة عبيد بن الأبرص، سواء عند الجاهليين أو عند أهل عكاظ أو عند الحطيئة، على ما فيها من تجاوزات على قوانين العروض، لم تجعل القصيدة على غير أعاريض العرب فقد كانت تُنشد بالفاء وبغيرها، وليس لنا أن نشكّك في قدرة الجاهليين والشعراء اللاحقين على التمييز بين معلقة تلتزم عروضاً خليلياً التزاماً صارماً، وبين أخرى تتساهل في التزام العروض· قد يبدو هذا الكلام نوعاً من التجديف الأدبي أو النقدي· ولكن النص أمامنا، وقد بقينا نتدارسه عبر العصور، ولم يطلب أحدٌ أن يُقذف به في النار!
ليس من الصعب أن نجد أمثلة من الزحاف والخبن والطيّ في المعلقات الأخرى، وهي خروج على بحور الخليل بما لا يُرضي غُلاة العروضيين· معلّقة طرفة بن العبد مثلاً تبدأ بما يشبه بحر الطويل:
لخولةَ أطلالٌ ببُرقةِ ثَهمَدِ
تلوحُ كباقي الوشْم في ظاهر اليد
فَعولُ مَفاعيلُن فَعولُ مَفاعِلُ/فعولُ مَفاعيلنْ فَعولُنْ مَفاعلُ· غير أن هذا الاختلاف عن بحر الطويل في عروضه الصحيحة لا يفسدُ للودّ قضية لكن البيت الرابع والثلاثين يقارب الطويل في عروضه الصحيحة من وراء حجاب طرفة مُغرم بناقته إذ يصف أذُنَيها بقوله:
مؤلّلتانِ، تعرفُ العتقَ فيهما
كسامِعَتيَ شاهٍ، بحَومَلِ مُفَرَدِ
فعولُ مفاعِلُن فَعولُن مفاعِلُنْ· هل نتنكّر لهذا الوصف الجميل في سبيل تقديس عروض الخليل؟ ألا يمكن أن نُشيح السمع عن هذه الوقفة الناتئة بعد مؤلّلتان لنستمتع بالوصف والتشبيه؟ الشعر كلام موزون مقفّى، يفيد معنى، فإن لم يُفِد معنى بَطُل أن يكون شعراً، وإن جاء بوزن وقافية· قالها قُدامة بن جعفر (ت 320هـ/ 239م) وآمن بها نقّاد القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي ومن تبعهم· هذا الخروج عن القوانين الموضوعة لاحقاً أتاح للشاعر الجاهلي أن يطوّف في الشعر كما يطوّف في صحرائه، يختار من المرابع ما يشاء، ومن الأهل والصحب من يشاء كما قال الشنفرى في حالة غضب:
ولي دونَكمُ أهلون سيدٌ عَمَلَّسٌ
وأرقطُ زُهلولٌ وعَرفاءَ جَيْألُ
فإذا كان عبيد بن الأبرص قد بالغ في الخروج عن قواعد العروض أكثر من غيره، فنحن لا نعرف ما أهمله الخليل من الشعر الجاهلي لنبوّ أوزانه، ولربما وجدنا قصائد أخرى تشبه خروج عبيد بن الأبرص لكنها لا تقلّ عنها، أو عن غيرها من المعلّقات، في جمال الوصف وإصابة المعنى
الخروج عن قواعد العروض في بقية المعلّقات، قليلاً أو كثيراً، زحافاً أو خبناً أو طيّاً، بشكل واعٍ أو غير واعٍ، هو نوع من التطوير الذي مرّ به الشعر الجاهلي في حدود ما نعرف· كما أن الأسلوب أصابه تطوُّر هو الآخر، بشكل واعٍ أو غير واعٍ· وهذه نقطة لها دلالتها· وقف امرؤ القيس يبكي ويخاطب صاحبين اثنين· لكن طرفة ابن العبد يفتتح معلقته بالوقوف على أطلال خولة من دون بكاء·
وفي البيت الثاني يخاطب صحبَه وهم أكثر من اثنين:
وقوفاً بها صَحبي، عليَّ مطيَّهُم
يقولون: لا تهلك أسىً، وتجلَّدِ
وكأنه بذلك يخالف امرأ القيس في مطلع قصيدته، إذ اصطحب أكثر من اثنين، ولم يبكِ، ولم يطلب من صحبه البكاء على أطلال خولة، بل أصغى إلى نصيحتهم أن لا يهلِك أسى، بل عليه أن يتجلّد· أليس في هذه البداية كفاية من تطوير في الأسلوب؟ غير أن هذا البيت الثاني في معلَّقة طرفة يكاد يكون صورة من البيت الخامس في معلّقة امرئ القيس:
وقوفاً بها صحبي، عليّ مطيّهم
يقولون لا تهلك أسى وتجمَّل
صفحة 10
وقد تسبب هذا التقارب جدلاً بين النقاد اللاحقين مثل ابن رشيق القيرواني(390-456هـ/ 999-1063م) في العُمدة وابن قتيبة في الشعر والشعراء وغيرهما· فإن كان طرفة قد حاكى بيت امرئ القيس، أو كان الأمر مُوارَدَةً كما يقول النقّاد، فإنّ هذا التردّد في البكاء أو عدم البكاء على الأطلال هو بحدّ ذاته وعي بنوع من التطوير في الأسلوب· وقد تفرّع هذا التطور حتى أصبح إنكاراً واستهجانا للبكاء على الأطلال، كما نجد عند أبي نواس (145-198هـ /762-813م) وشعراء العصر العباسي· قال النواسي:
عاجَ الشقيّ على رسم يُسائِلُهُ
وعِجتُ أسأل عن خمّارة البلد·
ليس هذا محض شعوبية من أبي نواس الذي أفحشَ في قوله:
يبكي على طَلَلِ الماضين من أسَدٍ
لا دَرَّ دَرُّك، قُل لي: من بنو أسد؟
ومن تميمٌ ومن قَيسٌ ولفُّهما
ليس الأعاريب عند الله من أحد
لا جَفَّ دمعُ الذي يبكي على حَجَرٍ
ولا صَبا قلبُ من يصبو إلى وتَدِ
وقال أيضاً:
قُل لمن يبكي على رسْم دَرَس
واقفاً، ماضَرّ لو كان جَلَسْ؟
وهي عبارة ملغومة خُبثاً، لأن البدوي لا يجلس إلاّ لقضاء الحاجة
إني أرى في هذا مبالغة في الخروج على أساليب الأقدمين من الشعراء، وتطويراً لمطالع القصائد وتنويعا في أسلوبها·
يرى أغلب الباحثين أن التطوير في الوزن والقافية وشكل القصيدة العربية التراثية قد بدأ بشكل واعٍ في القرن الثالث الهجري· ويرى آخرون أن أشكالا من القصيدة العربية التي ظهرت في العصر العباسي، مثل المخمّس والمسمّط والمزدوج لها أمثلة سابقة عليها، يُرِجعها بعضهم إلى امرئ القيس نفسه· وفي الشعر المسمّط (الذي يشبه نظام السِّمط، أو القلادة) يأتي الشاعر ببيت ذي شطرين يشبه المطلع في القصيدة التراثية، ويعقبه بأربعة أشطار تشكل بيتين من قافية مختلفة، يختمهما بشطر خامس من قافية بيت المطلع:
توهَّمتُ من هندٍ معالمَ أطلالِ
عفاهُنّ طولُ الدهر في الزمن الخالي
مرابعُ من هندٍ خَلَت ومصايفُ
يصيح بمغناها صدى وعوازِفُ
وغيّرها هوجُ الرياح العواصفُ
وكلُّ مُسِفٍّ ثم آخر رادفُ
بأسحَمَ من نَوءِ السِّماكين هطّالِ (5)
إذا لم يكن هذا المسمّط من نظم امرئ القيس نفسه، فلا شكّ أن من انتَحلَه ونسبه إلى امرئ القيس كان نظّاماً بارعاً، بل شاعراً، استوعب بيئة امرئ القيس وتقمّص لغته الجاهلية· فإذا كان حمّاد عَجْرد الراوية، أو غيره، قد انتحل أربعة آلاف حديث نسبها إلى الرسول الكريم [ فليس بمستغرب أن ينتحل شاعر/ نظّام عباسي مسمطات ينسبها إلى امرئ القيس، أو غيره· وثمة تسميط من نوع آخر، يخلو من المطلع، قوامه أربعة أشطار، ثلاثة منها بقافية والشطر الرابع بقافية مختلفة:
غزالٌ هاج لي شَجَنا
فبِتُّ مكابداً حَزَنا
عميدَ القلب مُرتَهنا
بذكر اللَّهو والطربِ
هذا نظم تفوح منه روائح القصور العباسية في أواخر أيامها، بل تخيّم عليه أجواء العصور المظلمة وصور الجمناستيك اللفظي· ومهما يكن من أمر الانتحال والمنتحلين، هذه ظاهرة من رغبة في التطوير في شكل القصيدة العربية ولغتها· نجد امتداداً لذلك في العصر العباسي الذي شاعت فيه حرّيات لم تألفها العصور الأموية، أو عصور صدر الإسلام، أو عصور الجاهلية التي كان الحاكم في شعرها سَدَنةُ عكاظ·