eKtab
EN ع
دور النخبة القانونية في تأسيس الدولة العراقية
اقرأ عينة مجانية

دور النخبة القانونية في تأسيس الدولة العراقية

بقلم عبد الحسين الرفيعي

صفحة 1

الإهــــــــداء

حلمي ....

ظمأ هو مت على رؤاه خيالات ظل صباح قادم.

غراس ما زال أنينها يورق رفيف طماحي، في إشراقه للأحبة تتسع لذرات تراب أرضي الطيبة.

عيون يترقرق فيها الحرف النير وهو يتوج مهابة التاريخ ونجواه.

أمل، أن تتحضن براعمي، أولادي وأمهم، وهي كليَّ صراط العلم اللاهب فهو وصيتي ورجائي. وجد يخترق جراحي لهم ولكل من عرف نفسه.

عبد الحسين

صفحة 2

المقدمة

يسعدني أن أقدم للقارئ الكريم كتاب (النخبة القانونية ودورها الفكري والسياسي في العراق 1908-1932) تأليف عبد الحسين إبراهيم الرفيعي، وكان هذا الكتاب وقبل نشره رسالة علمية قدمها المؤلف إلى مجلس كلية التربية ابن رشد جامعة بغداد وكجزء من متطلبات نيل درجة الماجستير في التاريخ الحديث.

إن كتاب النخبة القانونية ودورها الفكري والسياسي في العراق (1908-1932) دراسة عميقة وجادة لنشأة وتطور مدرسة الحقوق في بغداد في العهد العثماني ثم كلية الحقوق بعد الحرب العالمية الأولى ودورها في المجتمع العراقي كمؤسسة علمية وكذا دور طلابها وخريجيها في الحياة القانونية والسياسية والثقافية في المجتمع العراقي وخلال أهم حقبة في تاريخه الحديث والمعاصر وهي نهاية مرحلة الحكم العثماني وبدء مرحلة الاحتلال البريطاني للعراق بعد الحرب العالمية الأولى وما رافقها أو تلاها من كفاح وطني عراقي سياسي وعسكري من أجل الاستقلال الوطني.

لقد تناول الكاتب مادة كتابه بتسلسل تاريخي وموضوعي بدأ بنبذة عن التاريخ السياسي والاجتماعي للعراق في عهد الحكم العثماني والعهود السابقة له وحتى تأسيس مدرسة الحقوق، ثم درس مبررات وظروف تأسيس مدرسة الحقوق ونظمها، وفي الفصل الثاني تناول النشاط الفكري والسياسي لطلاب وخريجي مدرسة الحقوق أو يطلق عليهم النخبة القانونية وذلك خلال الفترة من عام (1908 وحتى عام 1920) أي في مرحلة الاتحاديين وسنوات الحرب العالمية الأولى وبدء مرحلة الاحتلال البريطاني للعراق وثورة العشرين.

ثم يدرس الكاتب في الفصل الثالث دور ومواقع النخبة القانونية العراقية في أحداث العراق خلال ترشيح الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على العراق وتأسيس الدولة العراقية الجديدة خلال الأعوام (1920-1925).

ثم يختتم الكاتب دراسته بالفصل الرابع الذي يتناول دور النخبة القانونية في الحياة الفكرية والسياسية العراقية في المرحلة الأخيرة لعهد الانتداب البريطاني أي من عام (1925 وحتى عام 1932) يدرس أيضاً في هذا الفصل تطور مدرسة الحقوق وتحويلها إلى كلية الحقوق وبرامجها العلمية وأنظمتها الإدارية والعلاقة المتبادلة بين الكلية والنخبة القانونية وبين الطرفين والمجتمع العراقي.

لقد قيم الكاتب دور مدرسة الحقوق ولاحقاً كلية الحقوق والنخبة القانونية التي درست فيها أو تخرجت منها بشكل موضوعي فهو أبرز الجانب الإيجابي للنخبة القانونية في الحياة السياسية والفكرية في العراق في مرحلة التحول أو الولوج إلى مرحلة تاريخ العراق المعاصر وإلى جانب هذا أوضح أيضاً الجانب السلبي لجزء من هذه النخبة والمتمثل في تغليب المصالح الشخصية والوصول إلى كراسي الحكم والاستماتة للبقاء فيه وعلى حساب المصالح الوطنية العليا لوي رقبة القانون نفسه أحياناً لتبرير المصالح الشخصية السياسية.

إن هذا الكتاب ليس دراسة تاريخ مدرسة وشريحة من المجتمع بل إنه ومن خلال دراسة تاريخ المدرسة وتاريخ شريحة النخبة القانونية يدرس الكثير من جوانب المجتمع العراقي خلال الفترة من (1908 وحتى 1932) ومنها:

تاريخ نشوء التعليم العالي في العراق.

تاريخ الصحافة العراقية في نهاية الحكم العثماني وسنوات الحرب العالمية الأولى ومرحلة الانتداب البريطاني.

تاريخ الحركة الطلابية العراقية في زمن البحث.

تاريخ الحركة الوطنية العراقية أثناء الحرب العالمية الأولى وخلال مرحلة الاحتلال البريطاني.

معلومات حول نشوء الدولة العراقية الجديدة بعد الحرب العالمية الأولى والعلاقات العراقية مع الدولة العثمانية في عهد الاتحاديين ومع بريطانيا خلال سنوات الحرب العالمية الأولى وحتى انتهاء مرحلة الانتداب عام (1932).

إن الكتاب مادة علمية تاريخية موثقة ومعتمدة على مصادر أساسية بعضها لم يستخدم من قبل ومصادر أخرى ثانوية ولمرحلة هامة في تاريخ العراق الحديث والمعاصر، ولذا فهو جدير بالقراءة المتعمقة والفاحصة فما أشبه البارحة باليوم مع كثير من الفوارق ولكنه يعطي الأمل بأن النخب القانونية وغير القانونية التي قادت حركة التنوير والتحرير بالأمس سوف تقود حركة تحرير العراق من الاحتلال الأمريي البريطاني وترسي دولة وطنية عراقية جديدة وذات سيادة حقيقية على الأرض والثروة وفي إطار عراق حر وديمقراطي وموحد قائدة لوطنها ومتفاعلة مع قضايا الأمة العربية والإسلامية.

في بداية القرن العشرين قادت الجزء الأكبر من حركة التنوير والتحرير مدرسة أو كلية واحدة هي مدرسة الحقوق ثم كلية الحقوق لاحقاً، أما اليوم فالعراق يزخر بالكثير من الكليات بل الجامعات والمؤسسات العلمية والثقافية المتميزة والتي ستكون بنخبها المثقفة كهيئة تدريس أو كخريجين طليعة القادة لحركة التحرير والتحديث لعراق اليوم عراق القرن الواحد والعشرين وعراق ما بعد مرحلة مارس (2003) مرحلة الاحتلال الأمريكي البريطاني لأسباب مزيفة عرتها سريعاً الحقائق المكتشفة في الواقع وأحداث الكفاح الوطني ضد الاحتلال والمتسارعة في النمو شكلاً ومضموناً.

إن ما حدث في العراق نكبة قومية بكل ما يعنيه هذا المصطلح وخروج العراق من هذه النكبة أكثر توحداً وتماسكاً على مستوى الأرض والسكان وبكل طوائفهم العرقية والدينية سيكون بمثابة بداية فعليه لتجاوز الأمة العربية لنكبتها الجديدة وربما الأخطر في تاريخها الطويل ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي لا تستهدف العراق فقط بل كل الأمة العربية والإسلامية بهويتها القومية والدينية وثروتها الاقتصادية فنحن متفائلون بأن ما حدث هو امتحان صعب للأمة ولكنها ستخرج من هذا الامتحان أكثر قوة وتماسكاً وأكثر تأثيراً ومساهمة في الحضارة الإنسانية الخيرة.

ختاماً أوجه شكري الجزيل للأستاذ عبد الحسين إبراهيم الرفيعي الذي منحني شرف تقديم كتابه ومن خلال هذا مكنني من قراءة الكتاب والتزود بمعارف تاريخية جديدة عن العراق الشقيق، كما أقدم له كل التقدير والاحترام للجهود العلمية المضنية التي بذلها في تأليف هذا الكتاب وأترك القارئ مع مادة تاريخية فكرية دسمة ومفيدة وجديدة.

البروفسور الدكتور

صالح علي باصرة

رئيس جامعة صنعاء – اليمن

صفحة 3

المقدمــة

ها أنا لملمت أشرعتي، ها هي أصداء شفاه رشفت من مر الحلو هتاف الصباح في خريف العمر، وها هو صرير القلم يهدر ليهدهد جماح قلب أطلت تبحث عن قطيع شهب أضاء التاريخ خطاه.

ها هي قيثارة عمل تأتلق روحي فيها مع حرف ظمآن لكأس عطاياه، جبالاً شابت عليها الليالي وهي تلتحف رحاباً تستوحش مع النار وترف للنور، ها أنا قادم أشعلت الهاجعات كل أماني كي أطرز حياتي بسحر عينين لليالي، وليلاي لن يمل منها إنسان عرفه نفسه، إنها بصري وبصيرتي، ذلك المنهج اللاحب الذي تخضل به الصحاري، وتسمر له النجوم، ويتفتق عن رواه الخضر حلمي المصاحب لنشوة كأس ظل ملأناف يحمل قدر الطريق وجمر السهد، حلمي أن أكون حرفاً يستفيق للندى، ويتلمس طريق كل فجر جديد، قوائمه غراس بذورها أحياء تستوحش من الجدب ومواويل الظلام وتنصت بخشوع لشرف الحديث (اطلب العلم من المهد إلى اللحد).

وهو يتوج هامة الدهر ويغنيها ويعزز من فرص الإنسان لاكتشاف الحياة والغوص إلى مكنونها المضموم والمظنون، ويدلل على جوهرة وحدته مع مكنونات وجوده بصفته الخلقية وبعثة لآفاق جديدة تستوطن القمم وتعمل على تخليد النير منه وهذه البوابة المشتركة بالنور، وعلى هدى هذه الإشراقة البليغة انطلقت أغذ السير في طريق صعب وطويل اعتورتني فيه ظروف قاهرة وعقد غطتها أبخرة ملوثة فاحت تستجدي عقبات تواجه كل فجر يولد في رحم ظلمة الليل وتريد النيل من نهج حياة تصبو للوصول إلى الذرى ومعانقة القمم وهي كانت وهامت وفعلت ما تريد لكن إرادة الإنسان تظل أولوية وديمومة ومنطلق تغيير وحين وصلت قافلتي إلى مغارة الصدق، وجراء أمامي، فأنا إنسان لا يريد أن يفر بجلده من نهار بادر الجمر وثمار العقول وهي مناه إلى مدارج يسرج في مداها خطاة القصيرة أملاً في اللحاق بركب لبابه بلا قشور، في دروب كثيرة الشعاب تهديه فهي نهر ورواسخ تصطرع في دواخله حين يبلغ الحلم زحل، تتلطلط في أعماقه لوحة ضوئية كم سعى لها الإنسان وغذ في سيرة من أجلها، أنها الموضوعية، لواء خافق يتفحص من يمسك بذماره، والكثير وأنا واحد منهم جبلة تتملى وضفاف تورق فيها البسمة العذراء وحدها، ويدرك منالها أصيل هجر النفاق ونهار قتلت شمة غرور الافتتان، والموضوعية والرأي الآخر والالتزام بشروطها ليست كلاماً يقال، وليست من الأحاجي ولألغاز، وإنما هما مفازة عسيرة لمن يريد قطعها للوصول إلى الحقيقة، وعملية مخاض هائلة لا شكلية فيها ولا تبرير، وقد جربت ذلك حين هزتني مواقف كثيرة، وجدت مخزوني الفكري والقيمي فيها منحازاً مرة وظالماً مرة أخرى، عملت فيه السنين الطويلة والتراكم الكمي وشحن العواطف في غالب الأحيان.

من هنا أسلمتني نجواي إلى طريق لا حب شب على رحيقه عودي ورحت بعد اجتيازي لبوابة كلية القانون، أتنسم همسات التاريخ، صوت يرن في دواخلي وأعماقي، ووميض الفكر يسرج مدى نوره في إضمامة صدري، ها هنا الأرض الطيبة تتلفت لنغرس في قممها علم الوفاء والالتجاء، وجاءت الفكرة وتحضن القانون أشراقة التاريخ في وحدة يمنحها الالتزام التلاحم وهما يغنيان وهج الصباح وندى ينبوعها الثر، وحبست الكلمات أنفاسها وتراصفت بانتظار المولود الجديد الذي خص النخبة القانونية العراقية، وبين مضامين دورها في الفكر والسياسية في مرحلة مهمة تأسيسية من تاريخ أبناء هذا الوطن الغالي (العراق) تبدأ في العام (1908م) وتنتهي في العام (1932م).

إن إضاءة التاريخ غطت هؤلاء الذين برزوا من منابت شتى وتراصفوا تحت لواء القانون حيث آوى كل هادف من هؤلاء إلى مدرج من مدارج العلو والرفعة وأفاضوا ونوروا زوايا كثيرة في قمم محسوبة وتصدروا وزارات وتولوا رئاستها، يغري فيضهم هذا كل المواقع والمواجع في أورقة البرلمان والأحزاب والمنظمات الجماهيرية من دون نسيان ذلك الشريان المهم المتسلح بالحرف وصوته المدوي على صفحات الورق، ومن دون الحظ من كرامات وألقاب الجميع الذين التقوا على اليمين واليسار في مسعى لبناء الوطن وإعلاء شأنه ورفده بكل نير ومفيد، وفق مقاسات اجتهادهم ودعواهم ومخزون نضب أو لم ينضب.

لقد ضمت هذه الرسالة أربعة فصول وخلاصة باللغة الإنجليزية في إطار الزمن المحدد لها، وكانت فاتحة الفصل الأول تستوضح مكونات النخبة القانونية وتحركها في انعطافة أساسية إلى مركز إشعاع ولدت فيه مدرسة للحقوق أطرت وقدمت وعطرت وأفادت وأغنت وعانت في بداياتها وبعد وضوح صورتها وما لاقته من عثرات موضوعية وذاتية في زمن الاتحاديين وتعصبهم وصولاً إلى الاحتلال والانتداب وما حفلت به هذه المدرسة من طاقات وامتازت بنشاطات حافظت فيه على الموروث وتجلى فيها الحقوقي والقاضي والمحامي وحين نجتاز بوابة الفصل الثاني يستوقفنا ذلك الجهد الذي أطر النشاط الفكري والسياسي للنخبة القانونية بين عامي (1908 و 1920م)، وشخص انتماءاتهم وتجنيدهم وتطلعاتهم وحيرتهم واضطرابهم، قبل الاحتلال وبعده وتناقض العهود، وتزاحم الرؤى بين ثائر ومصدوم ومضطهد، وردود أفعال عبرت عن مظاهر التمرد والتظاهر المحدود والمحلي، والذي كانت له أسبابه الموضوعية، الأمر الذي عبر عن نار تلتمس الطريق تفجرت بعد حين وبرزت ثورة عارمة هي ثورة العشرين التي هزت المحتل من جذوره وكشفت دور هذه النخبة القانونية المحدود ويدها القصيرة على وفق ظروفها حيث لم يعرف للكثير منهم موقف واضح وبارز على الساحة وفي كل زوايا الواقع والوقائع.

وحين نغذ السير إلى مدارج الفصل الثالث وهي واسعة تتفتح أمامنا بوابات جديدة ويبرز جلياً نشاط هذه النخبة القانونية في إسناد ترشيح الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على العراق وبداية نشاطها في مؤسسات الدولة الوليدة وتسلمها المهمات الكبيرة بحسب ذلك الزمان والمكان والتفاتة التاريخ لها، وهو يضع في يديها مفاتيح جديدة للحياة، وقلدتها منابر في الأحزاب التي قامت والمنظمات السياسية والمهنية وكيف صاغت دورها في هذه الرحاب وصولاً وهي تنافح إلى الهرم الإداري وقمته التشريعية وانتخاء الكلمة لهم لتكون سلاحهم الفعال في البناء والحشد من كل الأطياف والألوان وفي كل اتجاهات الوقائع ومن ذلك ما شهدته ساحة العراق كله من حدث مهم يهدد وحدته وكيف انتهت هذه المعركة بانتصار العراق في الموصل، وماذا كان فعل النخبة القانونية وتحركها.

صفحة 4

ويطل الفصل الرابع لشد أزر أخوته ويكمل صورة الرسالة وامتداد النخبة وتوسعها وازدياد عددها وعدتها في مجالات أوسع وأعمق وهي في قمة السلطة والبرلمان والمنظمات المهنية والسياسية ورسوخ لسانها الناطق ومخاضها المتميز حيث كان لأهل القانون موقع عددي مهم وريادي في المجالات التي أشرنا إليها سابقاً والمحاور ينضاف لها هنا ذلك الدور النضالي والبطولي الذي تنفست فيه رئة الشعب في التعبير عن المكنون والمظنون والتصدي لداعية الصهيونية الفريد موند في زيارته لبغداد وفي المشاركة الوجدانية والإسناد للطبقة العاملة التي عانت وقاست وعرفت الكثير من التجاهل والتآمر وهدر الحقوق، لقد كانت النخبة وبالذات رموزها النضالية تتراصف مع هذه الينابيع وترتوي من عذبها المر.

لقد جاءت هذه الولادة طيبة هادئة وحاسمة، غزيرة المادة، قوية الركائز، لكنها لم تسلم من عقبات موضوعية وذاتية، حرمت هذه الإضمامة من مزيد من المعرفة والوضوح لكن ذلك لا يمنع من القول إن الرسالة رفدت بالكثير من المصادر الأصلية بما في ذلك وثائق غير منشورة، مصحوبة بالقليل من محاضر مجلس النواب مع المذكرات الشخصية للكثير من الذين كان لهم دور بارز في إطار هذه النخبة تعزز فرصها مقابلات شخصية مهمة ومفيدة في هذا الصدد.

لقد كانت هناك استنتاجات مهمة ومفيدة وصل إليها الباحث في هذه الرسالة التي سلط البحث فيها الضوء على جزء حي وأساس من هذا العراق الجديد الذي كان جزءاً من الدولة العثمانية ثم مر بعد مر الاحتلال واستقام وبرز بعد غياب طويل في متاهة عثمانية مختلفة، وأينع في ثمارها جهد أولئك الرجال الذين شغلت أيديهم وعقولهم في البناء وإثراءه في رسم معالم جديدة وصعود نجم الدولة الوليدة ومحاصرة الأجنبي والتضييق عليه على وفق ظروف وحروف ذلك الواقع ومتطلباته ونتائجه، مما يحسب بشكل خاص في رحاب البرلمان والأحزاب والمنظمات المهنية والسياسية وعالم الصحافة والكلمة الحرة النزيهة.

لقد غدت النخبة القانونية العراقية شراعاً قادته أيدي هذه الريح نحو واقع فرضوا له مبرراته وحدوده من دون غمط حق هذا وذاك، وحين كانت الجماهير تنتفض وتستيقظ وتتحرك وتقاوم فإن هذه النخبة كانت في ضميرها جزءاً حيوياً وبارزاً في عملية السلب والإيجاب وحين كانت تشرع للقانون وتنافح من أجله فإن الذاتية والذات كانت تسم حركة هذه النخبة وتؤطر مسيرتها، لقد ظلت مدرسة الحقوق موئلاً للثقافة القانونية والسياسية ورجالها ولذلك فإن إسهاماتها في التشريع والبناء القانوني كان يعزز من عمق هويتها وجدواها، وبالرغم من صعوبات الواقع وظروف العراق في ذلك الزمان وبقاء بغداد وحدها نقطة الضوء اللامعة والكبيرة إلا أن الأيام الأخيرة في فترتنا شهدت انتشاراً محدوداً لرجال القانون في مناطق العراق الأخرى.

في ختام سطوري هذه التي لا يغرب عنها ثناء مداه كل بصيرتي وعرفان يعانق أنفاس حياتي لكل الذين أمدوني بالكلمة والنصيحة والتشجيع من أساتذتي الذين درست على أيديهم في قسم التاريخ ورؤساء هذا القسم والعمداء الدكتور مالك الدليمي والدكتور نزار الحديثي والدكتور عبد الأمير دكسن ولمن أغناني بالمصادر والكتب والملاحظات من الأحياء وهم كثر والحمد لله وأخص منهم الدكاترة سلمان الواسطي وعدنان الجبوري ومحسن الشيخ راضي والسيد/ عبد المطلب الأعرجي والأستاذ/ نصير الجادرجي ومن الذين توفاهم الله وبالذات المرحوم الحاج عباس علي، كما لا أنسى المهندس أسعد البلداوي الذي أشرف على طبع هذه الرسالة من الشكر والتقدير لسمو خلقة ورحابة صدره.

وفي رحاب القلب وسويدائه عرفان لا حدود له، وثناء يعزز الموضوعية ورجالها للأساتذة الكرام أعضاء لجنة المناقشة الأساتذة والدكاترة نوري عبد الحميد العاني رئيس اللجنة وطارق نافع الحمداني وعلاء جاسم الحربي عضوي اللجنة داعياً الله لهم بالمزيد في علو السمعة والرفعة والتألق والعمر المديد ...

وأخيراً يحتضن القلب بأحلى الذكر والذكريات للأستاذ المشرف الدكتور كمال مظهر أحمد، ذلك الأخ المعلم الذي علمني الكثير والكثير ومثل لعمري أشرافه تعبيراً صادقاً عن مواطنة صادقة ومحبة متميزة ذات نكهة خاصة من الكردي للعربي تعبر عن مضمون خير وافق لا حب يغني فرص المستقبل في عراق عربي ديمقراطي حر موحد أما الختام وهو مسك يمني، غمرني بفيض حبه وألق وعطر هذه الأرض المهد، وأحد من قممها الشماء ورائد تربوي تعتز هذه الأمة وتفخر به، ذلكم هو الأستاذ الدكتور/ صالح علي باصرة الذي منحني وسام شرف لتفضله بكتابة مقدمة للكتاب فكشراً له من قلب بفترش نفس الرجاء وعزيز الآمال في عراق عربي حر موحد يقف في مكانه التاريخي المطلوب متراصاً مع أمته في أهدافها القومية والإنسانية والشكر موصول إلى الأستاذ الدكتور مصطفى عبد القادر النجار الذي تبنى طبع الرسالة التي تحولت إلى كتاب ليرى النور.

وصدق الله العظيم في كتابه المنزل بسم الله الرحمن الرحيم ]تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُواًّ فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[ [سورة القصص الآية:83] والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

صفحة 5

التطورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في العراق منذ أواسط القرن التاسع عشر وتأثيره في تكون النخبة القانونية وتأسيس مدرسة الحقوق

يحدثنا التاريخ عن نهايات الدولة العثمانية، وما شهده القرن التاسع عشر من بروز حالات التردي الداخلية، وازدياد الخطر الخارجي المترافق مع هذا التردي، والمتمثل في محاولات الدول الأوربية تحكيم هذا الكيان العثماني، والإجهاز عليه كل من جهته، ووفق تحالفات مؤقتة أو دائمة مصلحية تهدف للوصول إلى تقسيم هذه الدولة الواسعة الأرجاء، والاستيلاء على أراضيها.

لقد حقق التدخل الخارجي الكثير، من خلال ضغوطه وتحينه للفرص ومحاولاته التي كانت تعني الهشيم لهذه الدولة، وهي ترى بأم عينيها كيانها ينهدم يوماً بعد يوم، من دون إرادة سليمة وستراتيج قادر على لم الشمل، وحسم الموقف لصالحها، وفهم الواقع ومتطلبات الشعوب في ظل الوقائع الماثلة، لقد بدأ العراق اتصاله بحضارة الغرب الحديثة وأفكارها ومعالمها، منذ عهد داود باشا الذي حاول، وكذلك خلفاؤه، إن يدخل إلى البلاد بعض المخترعات والنظم الأوربية، ففي العقد السابع من القرن التاسع عشر، ظهرت البواخر النهرية في العراق، وامتدت إليه خطوط التلغراف، فكانت تلك أموراً عجيبة في نظر الناس حاروا في تعليلها([15])، وكانت لهم بمثابة هزة فكرية فتحت أذهانهم نحو أفاق لم يكونوا يحلمون بها من قبل، وفي العام (1869) افتتحت قناة السويس، فكانت أهميتها الاقتصادية للعراق كبيرة، لأنها قربت المسافة البحرية بين العراق وأوربا، ويسرت السفر ونقل البضائع بينهما تيسيراً كبيراً.

وفي السنة التي تم فيها افتتاح قناة السويس، أي في العام (1869)، تولى ولاية بغداد، رجل مصلح ذو ولع بالأعمار والتجديد، هو مدحت باشا، الذي لم يستمر عهده سوى ثلاث سنوات ونيف، غير أنه أحداث في العراق، وخاصة في بغداد (ما يشبه الثورة) حسب تعبير الوردي([16]).

كان العراق يمثل يومذاك (فراغاً اقتصادياً) بل وحتى سياسياً إلى حد كبير، ينطوي على طاقات كبيرة كافية مؤهلة للانطلاق والتغيير، وهذا هو الذي حدث بالتدريج في البداية، وبسرعة أكبر مع مرور الوقت، وذلك بفعل إفرازات الانقلاب الصناعي، وبغض النظر عن إرادة العثمانيين وتخلفهم، فقد بدأ العراق يندمج بالأسواق الرأسمالية العالمية منذ بدايات النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وجاء افتتاح قناة السويس في العام (1869) بمثابة قوة دفع مهمة أضفت على عوامل عملية الاندماج تلك بعداً جديداً.

وإذا (أخذنا جميع ظروف الزمان والمكان بنظر الاعتبار، يكون بوسعنا أن نقول، أن ما تحقق في ميدان التطور الصناعي والنقل منذ أواسط القرن التاسع عشر لم يكن شيئاً قليلاً، ثم إنه كان يؤشر تحولاً نوعياً بغض النظر عن كمه)، ونضيف إلى ذلك ونقول (أن العراقيين غدواً يرنون إلى أبعد بكثير مما تحقق ليضفي الأمر بعداً آخر على إبعاد حركة التحديث التي فرضت نفسها، كل ما سبق يعني أننا أصبحنا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أمام مجتمع جديد، واقتصاد جديد في العراق، والمجتمع الجديد مع الاقتصاد الجديد يفرضان في كل زمان ومكان، وفق قاعدة ثابتة، أفكار وأراء ومواقف جديدة تختلف جذرياً عما هو سائد وقديم، وتتخطاهما لتفرض نفسها مع قيمها على الساحة، وهذا بحد ذاته يعني تأريخاً جديداً في وقائعه وحوادثه وظواهره)، وإذا فضلنا قليلاً في الموضوع من أجل التوضيح، نرى بأن

(المجتمع العراقي عاش في تلك المرحلة مخاضاً فرضته التحولات والمهمات الجديدة، أن تطور التجارة وتوسعها، ودخول الآلة الحديثة في عملية الإنتاج لأول مرة، ثم الصراعات المتفاقمة التي نجمت عن مشكلة الأرض وقضايا أخرى كثيرة لا ضرورة لذكرها، تطلبت مثقفين غير تقليديين يفهمون القانون، ويعرفون اللغات، ويجيدون استخدام الآلة الحديثة والإشراف عليها وما إلى ذلك)، مما استوجب (ظهور المدارس الحديثة في العراق، منذ مطلع العقد الثامن من القرن التاسع عشر، أي بعد مرور حوالي قرن على ظهور التعليم الرسمي الحديث في أكثر أجزاء الإمبراطورية العثمانية تطوراً) ([17]).

لقد ظهرت فعلاً بوادر التغيير واضحة في أوضاع العراق الاجتماعية والاقتصادية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ففي المرحلة الجديدة (حقق النشاط الاقتصادي تقدماً ملموساً، وبدأ الخروج من الإنتاج الطبيعي وزيادة الإنتاج الزراعي من أجل التصدير)، وأدت هذه التحولات إلى (زيادة قيمة الأرض وتكون فئة من كبار ملاكي الأراضي في العراق)، إن هذا التحول في الإمكانات الاقتصادية بالنسبة لهؤلاء لم يرافقه تحول مواز في التفكير، وبدأ في تلك المرحلة يطرأ تحول في الاقتصاد الوطني، من اقتصاد قائم على أساس الاكتفاء الذاتي إلى اقتصاد قائم على أساس الربح، وظهرت البرجوازية التجارية، ولا سيما المرتبطة منها بالرأسمال الأجنبي.

صفحة 6

كما شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر ميلاد أول صناعة وطنية إنتاجية في القطر، وانعكس هذا التطور الاقتصادي بصورة جلية على النمو الديموغرافي للسكان على الرغم من الأوبئة المروعة التي كانت تنتابه في حقب مختلفة، فلقد طرأ بفعله أول تحول ملموس في الهيكل الاجتماعي للشعب العراقي انعكس قبل كل شيء في انخفاض نسبة البدو الذين غدوا يؤلفون (17%) من مجموع السكان في العام (1905)، بعد أن كانوا يؤلفون (35%) منه قبل ذك التاريخ بأقل من أربعة عقود.

وفي ضوء ذلك شهدت المرحلة ميلاد ونمو عديد كبير من المدن حسب المقياس المحلي، ووجدت بعض المظاهر والعادات الأوربية، طريقها إلى حياة الناس، كما تطورت العلاقة مع الجاليات الأجنبية التي وجدت بحكم المصالح والنوايا، وهذا أثر على الجوانب الثقافية، وصار إقبال الناس على المدارس أمراً ملموساً، وازداد عدد الطلاب والمتعلمين، مع العلم أن الكتاتيب ظلت لمدة أخرى تؤلف المصدر الأساس لتكوين الفئة المثقفة، فإن عددها قدر بأكثر من (400) كتاب في أواخر العهد العثماني([18]).

أما الصحافة فقد أدت منذ صدور (الزوراء) دوراً مهماً في تنبيه الأذهان، فقد قدمت قرائن ذات معاني ديمقراطية وجدت طريقها بالتدريج إلى أذهان المثقفين، وكذلك مفاهيم دستورية، وأخرى رأسمالية، ليس لها سابقة في الفكر العراقي في ذلك القرن، وبداية صحيحة ليقظة فكرية كشفت مدى التباين الواسع بين أوربا المتقدمة والواقع العثماني المتخلف، فبدأت دعوات النهوض، وكان لمظاهر التحديث التي انتشرت في العاصمة العثمانية انعكاساً واضحاً على المثقفين، إذ كانت العوائل الموسرة ترسل أبناءها إلى كلية الحقوق أو الكلية الملكية الشاهانية (كلية العلوم السياسية والإدارية)، أما الفقيرة فإنها كانت تلحق أبناءها بالمدرسة الحربية، وكانت استانبول منبع التجديد، يقتبس منها المجددون في كل الشرق (أنوار الأفكار الحرة) حسب تعبير أحد مثقفي تلك المرحلة، الحقوقي مصطفى علي([19]).

واستأثرت الكتب التي كانت تصدر في استانبول باهتمام الفئة المثقفة العراقية التي تأثر أبرز المنتمين إليها بالمجددين الأتراك، حتى أن المؤرخ والحقوقي المحامي عباس العزاوي يرى أن التجدد الفكري في العراق هو حصيلة التأثر بما تعرضت له تركيا في هذا المضمار([20]). كما تعكس الرحلات إلى عاصمة الدولة العلية بعداً أخر في التأثر والتأثير الذي امتد إلى الطلاب والدارسين والعاملين فيها.

فقد وصل في العام (1903) سبعون طالباً عراقياً للدراسة في الكلية الحربية هناك، الفوا نسبة (10%) من الطلاب الداخلين في الكلية المذكورة في تلك السنة([21]).

ولم يكن الأمر بهذا المستوى بالنسبة لكلية الحقوق التي تأسست في استانبول باسم مدرسة في العام (1886)، فقد تخرجت منها في بداية تأسيسها حتى أواخر العام (1895) ثمانية من العراقيين، ستة من بغداد واثنان من الموصل والسليمانية وهم: عبد الرحمن ضياء، موسى كاظم الباججي، كيروب ستيان، محرم عمر، نجيب حبيب، حسن الباججي من بغداد، وإلياس رسام من الموصل، وعبد الله عوني من السليمانية([22]).

مما يعد إحدى نقاط البداية المهمة في مسار تطور القضاء الحديث في العراق بغض النظر عن انعكاساته المحدودة عل أرض الواقع، ذلك لأن واقع النظام الاقتطاعي يفرض، عادة نوعاً من الاستقرار في العلاقات ينجم بالأساس عن أعراف العشيرة وضوابطها، فضلاً عن بساطة المجتمع نفسه الذي لا يعاني عادة من تناقضات حادة ومشكلات متفاقمة، لذا لا عجب أن اقتصر القضاء الرسمي في بغداد ردحاً طويلاً من الزمن على قاض واحد، أو على قاضيين كانا ينظران في قضايا الناس في درايهما عادة، وكان لرجل الدين الكلمة الأخيرة في حل كل ما يتعلق بقضايا الشرع، وإن لم يسمع أحد باسم المحامي أو مهنته في طول العراق وعرضه، لكن المشكلات الجديدة التي تحولت إلى جزء من حياة المجتمع اليومية بسبب التطورات والتحولات التي عاشها منذ العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، فرضت تجاوز ذلك، ومهدت الطريق أمام إدخال قوانين جديدة وتطبيقها، منها قانونا الأرض والطابو وما تعلق بهما من تعليمات دشنت بداية لسلسلة من القوانين الجديدة تشغل حيزاً في (الوقائع العراقية) حتى اليوم.

صفحة 7

وبما أن أصحاب المصالح أصبحوا في المرحلة الجديدة بحاجة إلى من عرفوا بالأوقاتيين، أو الوكيل بالخصومة فإن عدداً من المثقفين العراقيين توجهوا إلى استانبول، وأحياناً إلى باريس للتخصص فيه قبل قيام الحرب العالمية الأولى بمدة وبما أن عدد هؤلاء لم يعد كافياً لضمان العدد المطلوب من المحامين والحكام لمؤت الدولة ولأصحاب الحاجة، فكان لا بد إذن من تأسيس (مدرسة الحقوق) في العهد العثماني في عام (1908)، بناء على اقتراح ناظم باشا، أحد المفتشين الإداريين الأتراك الذي زار بغداد، ولتكن نواة أولى للتعليم العالي في العراق([23]).

إن تأسيس مدرسة الحقوق في بغداد هي في واقع الأمر صورة مصغرة، أو صورة معادة لمدرسة الحقوق الأم التي تأسست في استانبول قبل ذلك التاريخ بعدة عقود من حيث الشكل والمضمون، ومن حيث الدوافع التي يربطها عباس العزاوي بوضع القوانين الجديدة، ووجوب معرفة أغراضها، وما تنطوي عليه من أحكام تحتاج إلى من يتفرغ لأمرها، ويتفرد بتحقيقها([24])، وفي كل الأحوال جاء ذلك بمثابة نقطة تحول مهمة، بعد أن كان القانون العثماني يطبق داخل المدن الكبيرة وحدها، دون أن يغادر مفعوله أسوارها، وحتى داخل تلك المدن أيضاً (كان العدل في الغالب موضع بيع وشراء) ([25])، ذلك لأن قبضة العثمانيين على مدى قرون طوال لم تكن قوية، إذ كانت القبيلة في معظم أنحاء العراق تمثل التنظيم الاجتماعي والسياسي السائد الذي عاش الأفراد في ظله، فمنحوه إخلاصهم وولاءهم دون غيره([26]).

وقبل افتتاح (مدرسة الحقوق) في بغداد، وبعد افتتاحها أيضاً وجد عدد من الشباب العراقيين طريقهم إلى مدرسة الحقوق في استانبول([27])، التي كانت مدرسة نهارية تدرس مجاناً، وتقبل طلاباً تجاوزوا الثامنة عشرة من أعمارهم، وكان يشترط في الطالب (أن يكون أهلاً للتحرير) ويتقن اللغة التركية، عارفاً بالنحو والصرف والجغرافية والمنطق والحساب، ومطلعاً على التاريخ العثماني والتاريخ العام، وما ماثل من المعلومات العامة، وكان يشترط فيه أيضاً أن يكون (من ذوي الأخلاق المقبولة والسير الصالحة، موثقاً ذلك بشهادة من أناس أخيار)، وكانت مدة الدراسة في المدرسة أربع سنوات، يؤدي الطالب في غضونها امتحاناً سنوياً، إذ كان يجري اختبارهم شفهياً، وأن المتخرج كان يحصل على الشهادة، أو الإجازة على أن يلازم المحاكم الحقوقية مدة ثلاثة أشهر، ومثلها في المحاكم الجزائية، ومن ثم يكون أهلاً أن يكون عضواً في المحاكم البدائية، أو في الاستنطاق (حاكمية الاحالة)، أو نيابة الإدعاء العام باسطنبول، أو بمحاكم الولايات، ثم يجري ترفيعه حسب الدرجات التي يستحقها([28]).

ولقد صدرت إرادة سنية تقضي بحصر مهنة المحاماة لمتخرجي هذه المدرسة، أو ممن تخرج من مدارس الحقوق الأجنبية، أو من قدم امتحاناً ونجح فيه حسب الشروط المطلوبة، على أن يجري امتحانه في مدرسة الحقوق ومن مدرسيه برئاسة مديرها بالوجه المبين في النظام المذكور، ومطالبه أشبه بمطالب المدرسة ودروسها، وإنما قبلت هذه لئلا يسد الطريق في وجه من كان ذا رغبة وكفاءة، واشترك في أمر إداراتها والتعليم فيها أكابر رجال الدولة العثمانية، وأعاظم علمائها في الإدارة والحقوق والفقه وأصوله([29]).

كما سبقت الإشارة فقد تخرج عدد من العراقيين في مدرسة الحقوق باستانبول، ولقد أصبح هؤلاء أعلاماً معروفين قبل أن يضع القرن التاسع عشر أوزاره، فإن حسن راجي الباججي، مثلاً كان (من صفوة المحامين)، مثالاً (للفضل والعلم والصدق والإخلاص في العمل) مما أكسبه (شهرة حسنة لم ينلها في العراق مثلها أحد)، وينطبق القول نفسه على زميله موسى كاظم الباججي الذي أصبح رئيس إجراء في بيروت، كما عين لاحقاً مديراً لمدرسة الحقوق ببغداد، ولقد قيل عنه أنه كان (من الأخيار)، ومارس الآخرون المحاماة باستثناء عبد الله عوني الذي عين بعد تخرجه، معاوناً للمدعي العام في حكاري([30]).

وكان أمراً طبيعياً أن يتطور هذا الواقع بصورة ملموسة، وفي سياق استجابة حتمية لمتطلبات داخلية، مع تأسيس (مدرسة الحقوق) في بغداد نفسها باقتراح من ناظم باشا المفتش الإداري، ووالي قسطمولي الذي زار العراق على رأس لجنة خاصة، كما أسلفنا.

اقترحت اللجنة تأسيس المدرسة بعد أن شعرت بحاجة العراقيين إلى الحقوقيين والإداريين المؤهلين علمياً، ولقد وردت أو إشارة صريحة إلى هذا الموضوع المهمة على صفحات الزوراء في آذار عام (1908) على النحو الآتي: (صدرت بالشرف، الإرادة السنية السلطانية بإنشاء مدرسة للحقوق في بغداد أيضاً، وفق ما تقتضيه العناية الملوكية، بنشر المعارف وبث روح العلم بين التبعة الصادقة، التي تعذر عليها أن تحصر بالعد ما لجلالة متبوعها الأعظم، من العواطف المتوالية في جبهة استكمال الأسباب اللازمة لسعادة الحياة، ولبعد الخطة العراقية عن مركز الخلافة، ورغبة أهل العراق في تحصيل العلوم والتكمل بالكمالات الحاضرة العصرية، قد وقعت هذه العاطفة من لدن ملاذ الخلافة موقعاً سر القلوب وأبهج النفوس، فانطلقت السن كافة التبعة له بالشكر، ورفعت الأصواب بتكرار الدعوات الخيرية للذات الشاهانية) ([31]).

لقي اقتراح ناظم باشا قبولاً من السلطات المركزية، فصدرت الإرادة السلطانية يوم الرابع عشر من تموز (1908) بالموافقة على تأسيس مدرسة للحقوق ببغداد، ولكن لم تفتح المدرسة بحجة عدم وجود بناية صالحة لها، إلا أن عدداً من الشباب الذين كانت لهم رغبة ملحة في دراسة القانون حرروا في حزيران (1324) رومية، الموافق لتموز سنة (1908)، عريضة إلى رئيس اللجنة الإصلاحية، منهم محمود صبحي الدفتري وعبد الله ثنيان وثابت يوسف السويدي، طالبوا فيها بتنفيذ الإرادة السلطانية بفتح المدرسة، وبعد ثلاثة أسابيع من ذلك عين ناظم باشا نفسه والياً على بغداد، وكالة، فحانت الفرصة له لتنفيذ ما اقترحه، فتم فعلاً افتتاح المدرسة في الأول من أيلول سنة (1908) ([32]).

لتصبح بذلك واحدة من أربع مدارس للحقوق في كل البلاد العثمانية، الأولى في العاصمة، والثانية في سلانيك، والثالثة في قونية، والرابعة في بغداد. ومن المفيد أن نشير إلى أنه كان من المقرر في البداية افتتاح مدرسة حقوق بغداد في مدينة حلب، وقد ذكرت ذلك جريدة الزوراء([33])، إلا أن إصرار العراقيين والضغوط التي مارسوها، وموقف ناظم باشا ساعد كثيراً على اتخاذ الباب العالي قراراً يقضي بأن تكون بغداد مقر المدرسة المذكورة([34]).

صفحة 8

وفي بداية حفل افتتاح (مدرسة الحقوق) ألقى وكيل المدرسة خطاباً موجزاً رحب فيه بالحضور، وأشاد بدور الوالي ناظم باشا الذي ارتجل بعده كلمة استعراض فيها الأوضاع الاجتماعية والإدارية في العراق، وركز بصورة خاصة على النهضة العلمية، وعلى ضرورة أن تتحول المدرسة إلى (ركن العدل المكين)، وكان الشاعر جميل صدقي الزهاوي ضمن الذين ألقوا كلمات بالمناسبة، وفي الختام ألقى محمود صبحي الدفتري، بوصفه أول طالب سجل في المدرسة، كلمة باسم زملائه أكد فيها على العلم وأهميته، وعلى تاريخ العراق، وماضيه التليد، وتعهد الجميع على البذل والسعي في مضمار الدراسة([35]).

ومنذ البداية اختير أفضل المدرسين المعروفين في ذلك العهد بسعة إطلاعهم وسمعتهم الطيبة للتدريس في (مدرسة الحقوق)، حيث بلغ تعدادهم في العام (1913) أحد عشر مدرساً([36])، منهم جميل صدقي الزهاوي، ومفتي بغداد يوسف العطا، وعارف السويدي، وحمدي الباججي، وحسن الباججي، ومحمد جودت، وإبراهيم شوقي، والشيخ نور الدين الشيرواني، وحكمت سليمان، ورشيد عالي الكيلاني([37]). ولمجرد توضيح المقصود هنا، يكفي أن نشير إلى أن ثلاثة من هؤلاء وهم حمدي الباججي وحكمت سليمان ورشيد عالي الكيلاني، قد اشغلوا في العهد الملكي منصب رئيس الوزراء، فضلاً عن عدد كبير من أهم الحقائب الوزارية في أوقات مختلفة، وأن الأقل شهرة من هؤلاء بين أوساطنا الثقافية، ونقصد به الشيخ نور الدين الشيرواني (1867-1942) كان قبل تعيينه في مدرسة الحقوق، معلماً معروفاً في مدارس كربلاء والبصرة الرشدية، وعضواً بمجلس المعارف ومديراً لدار المعلمين ببغداد والبصرة، وصاحب مؤلفات ([38]) في تاريخ الإسلام والفلسفة والمنطق وعلم الخلاف والأخلاق والتربية وغيرها، وهو أيضاً والد اللواء بهاء الدين نوري (1897-1960)، أحد ألمع وأثقف ضباط الجيش العراقي في مرحلة التأسيس، تقلد مناصب دبلوماسية رفيعة، وصاحب عدد كبير من المؤلفات والتراجم من اللغة الإنجليزية([39]).

لذا يبدو أمراً طبيعياً أن يحظى مدرسو (مدرسة الحقوق) بتقدير عال لدى الجميع، فلقد تحدثت (صدى بابل) عنهم بهذا الأسلوب: (تعين من جانب الولاية في مكتب الحقوق لتعليم المجلة للصف الأول وأصول الفقه للصف الرابع، حضرة وطنينا الخطير فيلسوف العراق زهاوي زاده جميل صدقي أفندي، ولتعليم صك الحقوق للصف الرابع حضرة واصف أفندي مدعي عموم الاستئناف، ولتدريس التجارة البرية رئيس التجارة فؤاد بك، ولتصرف الأراضي وأحكام الأوقات حضرة شوقي أفندي رئيس الحقوق، ولتعليم صد الجزاء والتجارة البحرية سويدي زادة عارف أفندي، وفق الله الجميع إلى ما فيه نفع أبناء الوطن) ([40]).

يعد تأسيس (مدرسة الحقوق) في بغداد خطوة مهمة في حياة العراقيين الثقافية والفكرية، فمن الثوابت أن رجال القضاء والقانون يرتبطون بقضايا الناس وهمومهم بصورة مباشرة أكثر من غيرهم، مما يدفعهم دوماً إلى خندق المظلومين والوطنيين، خصوصاً في ظروف الاضطهاد والاحتلال، الأمر الذي تجسدت جميع أبعاده بصورة واضحة على أرض الرافدين، وقد ورد في شهادة العزاوي بهذا الخصوص ما نصه: (وكانت مدرسة الحقوق مؤسسة عدلية لدرس القوانين، والحقوق والنظامات، والحقوق الأساسية والإدارية، فكانت لها قيمتها في تنبيه الآراء، وتوجيه الأفكار) ([41]).

تحمس عدد غير قليل من الشباب للالتحاق بمدرسة الحقوق التي تعد أول نواة للدراسة الجامعية في العراق كما أسلفنا، وفي بغداد نفسها فتحت المدرسة أبوابها للمتقدمين من خريجي المدارس الإعدادية، كما سمحت للطلاب غير الحاصلين على شهادة الدراسة الإعدادية بالالتحاق بها بوصفهم طلاباً مستمعين يحق لهم مواصلة الدراسة بعد اجتياز امتحان السنة الأولى، وفي حالة إخفاقهم كان عليهم ترك المدرسة([42]).

في العام الدراسي الثاني (1909-1910) تغير نظام قبول الطلاب المستمعين، فبموجب تعليمات جديدة صدرت من وزارة المعارف باستانبول، تقرر إجراء امتحان للطلاب المستمعين للتأكد من مستوياتهم العلمية قبل قبولهم في المدرسة، والسماح لهؤلاء الطلاب، بعد اجتيازهم الامتحان وقبولهم في المدرسة بمواصلة الدراسة حتى في حال رسوبهم في امتحان السنة الأولى، على أن لا يتمتعوا بحق التأجيل من الخدمة العسكرية كباقي الطلاب، ويلزمون بترك المدرسة حال دعوتهم لأداء تلك الخدمة([43]).

ولغرض منح أبناء المدن التي لا توجد فيها مدارس إعدادية فرصة دخول مدرسة الحقوق، تم إنشاء قسم خاص سمي بشعبة الاحتياط لحملة شهادة المدارس الرشدية، أو ما يعادلها بهدف إعدادهم للدراسة في المدرسة، على أن تكون مدة الدراسة في هذه الشعبة سنتين، تدرس خلالهما مواضيع تشبه إلى حد بعيد تلك التي كانت تدرس في المدارس الإعدادية، ولكن شعبة الاحتياط هذه لم تستمر في العمل طويلاً، إذ أغلقت بعد أن قامت بتخريج دورة واحدة من الطلاب([44]).

وبحكم هذه العوامل كان طلاب الدورات الأولى لمدرسة الحقوق يؤلفون تشكيلة غير متجانسة، ضمت حسب وصف أحد طلاب الوجبة الأولى، خريجي المدارس الإعدادية من الشبان كطلاب أصليين، بجانبهم كهول وشيوخ بازيائهم المختلفة وعمائمهم ولحاهم، ومنهم حكام التحقيق وكتاب الضبط في المحاكم ورؤساء الكتاب في الدواوين إلى جانب غيرهم([45]). ولقد بلغ عدد طلاب المدرسة (18) طالباً في العام (1910) ([46])، فيما ارتفع عددهم في العام (1913) إلى (252) حسب سالنامة تلك السنة([47]).

أما المواضيع التي كانت تدرس في (مدرسة الحقوق) ببغداد فإنها كانت نفس المواضيع المقررة لنظيراتها في أرجاء الإمبراطورية، وهي ما كان يعرف بالمجلة، أي القانون المدني العثماني المستمد من الفقه الإسلامي والقوانين الأوربية الحديثة معاً، وقانون العقوبات، وحقوق الدول، وحقوق الإدارة، وأصول المرافعات الحقوقية، والاقتصاد، وأصول المحاكمات الجزائية، وقانون الإجراء، وقانون التجارة البرية، وأصول الفقه، والصك الجزائي، والصك الحقوقي، والنكاح والوصايا، والفرائض والديانات، وأحكام الأوقاف، وأخيراً قانون الأراضي الذي كان يركز بصورة خاصة على قانون الأرض والطابو اللذين أصدرتهما الحكومة العثمانية عامي (1858 و 1859)، وبدأ تطبيقهما في العراق في عهد مدحت باشا([48]).

كانت الدراسة في (مدرسة الحقوق) تجري باللغة التركية، وتعتمد على كتب الاختصاص التي ترد من استانبول، وهي نفس الكتب التي كان يعتمد عليها طلاب الحقوق هناك([49])، ومما يذكر أن والي بغداد استجاب لرغبة الطلاب في أن تجري الدراسة باللغة العربية، وأنه أبلغ إدارة المدرسة في أواخر العام (1913) بموافقته على ذلك، لكن تعذر تطبيق القرار بسبب عدم توفر الإمكانات يومذاك لتعريب كتب الدراسة المقررة([50]).

لقد كانت الامتحانات في (مدرسة الحقوق) تجري بصورة شفوية لمعظم مواد الدراسة بإشراف لجنة خاصة تتألف عادة من مدرس المادة المختص، وعضوين أو ثلاثة أعضاء تختارهم إدارة المدرسة من بين ذوي الاختصاص من كبار الموظفين والقضاة والذين اعتمدت المدرسة عليهم منذ الأيام الأولى لتأسيسها([51]).

استمر الحال على هذا المنوال إلى حين نشوب الحرب العالمية الأولى، أي على مدى حوالي ست سنوات، تحولت مدرسة الحقوق في غضونها إلى ظاهرة ثقافية وفكرية بارزة على الساحة بالنسبة لزمانها، وتخرج منها عدد غير قليل من الطلاب ليكونوا شريحة لها وزنها وتأثيرها في المجتمع منذ تلك المرحلة، وباتجاه انطوى على ظواهر لم تكن معروفة من قبل، وفي هذا السياق يمكن الحديث عن ميلاد بواكير الحركة الطلابية العراقية داخل أروقة (مدرسة الحقوق) تحديداً.

صفحة 9

مدرسة الحقوق

وبواكير الحركة الطلابية العراقية

تزامنت المرحلة المبكرة من تاريخ (مدرسة الحقوق) ببغداد مع تحولات كبيرة نتيجة انتصار انقلاب الاتحاديين عام (1908)، وانتهاء ما عرف بعهد الظلم([52])، وفي البداية (قوبلت أنباء حركة الاتحاديين وبعث الدستور بابتهاج في الولايات العربية التابعة للباب العالي، إذ اعتبر العرب الحركة نصراً لهم) على حد تعبير باحث أجنبي([53]). ولكن سرعان ما أسفر الاتحاديون عن وجههم الشوفيني، وتبنوا سياسية قومية متعصبة استهدفت تتريك القوميات غير التركية الداخلة ضمن الإمبراطورية العثمانية، مما أثار ردود فعل واسعة لدى أبناء تلك القوميات.

ولم يكن العراق في ذلك استثناءاً، فلقد شهدت ساحته ظواهر جديدة تؤشر يقظة نوعية متميزة حتى لدى أبناء الطبقات الاجتماعية الدنيا، بما في ذلك أول إضراب عمالي منظم قام به دباغو الأعظمية في أواخر العام (1912) ([54]). وحتى الريف العراقي شهد في تلك المرحلة تحركاً نوعياً جديداً، بلغ أوجه في العام (1913-1914) بسبب قرار أصدرته الحكومة الاتحادية يقضي ببيع الأراضي الأميرية للأجانب، وإزاء ذلك امتنع الفلاحون عن دفع الضرائب، ولم تتوقف حركتهم إلا بعد أن وجه الاتحاديون حملات تنكيلية ضدهم([55]).

أما بالنسبة للمثقفين، فقد اتخذ الأمر حتماً طابعاً جدياً أكبر بالنسبة لهم في تلك المرحلة، وذلك لأنهم كانوا يؤلفون يومذاك أكثر شرائح المجتمع المدني وعياً واستعداداً للتحرك، وكان طلاب (مدرسة الحقوق) يحتلون، دون شك موقعاً متميزاً في خضم ذلك التحرك الذي كان نوعياً بدوره، فإن شعار الدراسة باللغة العربية، وهو شعار قومي صرف، ارتفع داخل أروقة تلك المدرسة في وقت مبكر قياساً بغيرها على صعيد الوطن العربي، الشعار الذي كان يتوافق، في الوقت ذاته، مع شعار (تعميم اللغة العربية في محاكم البلاد العربية) الذي رفعته في مطلع العام (1910) صحيفة (الإيقاظ) البصرية لصاحبها سليمان فيضي ([56]) الذي تحول إلى أحد أشد أنصار طلبة (مدرسة الحقوق ) في نضالهم كما نبين ذلك لاحقاً.

تجاوز نشاط طلبة الحقوق ببغداد إطار المطالبة بأن تكون دراستهم باللغة العربية، إذ سرعان ما اكتشفت السلطات المحلية في بغداد نشاطاً سرياً بين طلاب المدرسة([57])، مما يعد نقطة بداية مهمة في الوعي الطلابي على صعيد العراق بأسره، ولقد تأثر هؤلاء الطلاب بصورة مباشرة بأفكار وطروحات (الحزب الحر المعتدل) البصري([58])، وكان فرعاً لحزب (الحرية والائتلاف) الذي تألف في استانبول بوصفه حزباً معارضاً للاتحاد والترقي، مما وجد له صدى واسعاً بين الزعماء العرب سواء في استانبول، أو في الأقطار العربية نفسها وذلك بوصفه متنفساً للتصدي لسياسية الاتحاديين المتعصبة، فإنه اتخذ (موقفاً تقدمياً) من القضية القومية، وايد لا مركزية الإمبراطورية العثمانية، وشعار (الأقطار العربية للعرب)([59]).

ولم يكن ذلك السبب الوحيد لتأثر طلاب (مدرسة الحقوق) ببغداد وغيرهم بأفكار (الحزب الحر المعتدل)، فإن السبب الأهم لذلك يكمن في أن الحزب الحر كان في الواقع حزباً مستقلاً (في وحدته وكيانه عن حزب استانبول، ترتكز مبادؤه([60]) على أنصاف العرب، واسترجاع حقوقهم، والمطالبة بما يعود على البلاد العربية بالخير، ويقارع الاتحاديين، ويكيل لهم الصاع صاعين، ويضع حداً لمظالمهم) حسب صياغة معتمدة([61])، وكل ذلك كان يؤلف، دون ريب أهم هدف للوطنيين العرب في تلك المرحلة دون استثناء.

ما سبق وغيره في نفس المضامين، يؤلف حتماً السبب الأول والأهم الذي دفع الوالي الاتحادي المتعصب جمال باشا ([62]) إلى التخطيط لغلق (مدرسة الحقوق) بعد توليه ولاية بغداد في السادس والعشرين من آب سنة (1911) بمدة، وكانت حجته في ذلك ضعف التدريس فيها، غير أنه في الحقيقة لم يكن يرغب في (أن يكون للعراق مكتب يتعلم فيه العراقيون الطرق القانونية) ([63])، التي كان من شأنها أن تنبه أذهانهم إلى المطالبة بحقوقهم القومية في المستقبل كما توقع جمال باشا ذلك أغلب الظن.

صفحة 10

أثار قرار جمال باشا رد فعل واسعاً بين المثقفين ووجوه بغداد، ولا سيما بين طلبة (مدرسة الحقوق) أنفسهم الذين مارسوا نشاطاً واسعاً مهماً وجديداً في جميع أبعاده، سواء من حيث الأهداف التي أثاروها، أو أساليب العمل التي مارسوها. فقبل كل شيء ألف طلاب المدرسة تنظيماً خاصاً باسم (جمعية حقوق بغداد) للدفاع عن مستقبلهم ومدرستهم، كما أرسلوا برقيات احتجاج إلى المسؤولين في استانبول([64]). وفي الواقع حدث في المدرسة أشبه ما يكون بإضراب طلابي، إذ أصبح الطلاب (في هياج شديد، واستمرت هذه الحالة والفوضى وعدم الالتزام مدة غير قليلة) كما ورد نصاً على لسان أحد طلاب المدرسة نفسها([65]).

والأبلغ من ذلك هو أن طلاب المدرسة اتخذوا قراراً يقضي بتأليف وفد طلابي يقابل الوالي جمال باشا، يتألف من ثمانية طلاب، اثنين من كل صف وشعبة الاحتياط، لكن الوالي رفض استقبالهم بأسلوب فظ، وعلى أُر ذلك عقد طلاب الحقوق اجتماعاً في دار لطفي راقم([66])، وهو من طلاب المدرسة، حيث (امتلأت الدار بالطلاب وعلت فيها الضوضاء والخطب النارية) كما يقول محمود صبحي الدفتري وهو شاهد عيان([67])، وقرر المجتمعون تخويل لجنة الثمانية اتخاذ ما يلزم للتعامل مع موقف الوالي.

استمرت اللجنة على عقد اجتماعاتها بصورة سرية، وعلى ما يبدو أن الشرطة كانت تراقب نشاط طلاب الحقوق وتحركاتهم، لذلك قررت اللجنة في اجتماع طويل لها، العمل من أجل إضفاء صفة قانونية على (جمعية حقوق بغداد) فوضعت لها نظاماً أولياً، وقدمت طلباً خاصاً للوالي باسم أعضائها بوصفهم الهيئة المؤسسة للجمعية، وأجروا بواسطة المختار داراً لتكون مقراً لها، وجاء في مضمون الطلب ما يأتي، على حد رواية أحد أعضاء اللجنة:

(نحن الموقعون أدناه، قررنا تأسيس جمعية باسم جمعية الحقوق في بغداد، غايتها تأكيد حقوق الدراسة والمحافظة على كيان المدرسة وحقوقها العلمية والإدارية، نقدم إلى دولتكم في طيه منهاج الجمعية المذيل بختمها القانوني، وقد اتخذنا الدار الواقعة في محلة الحيدر خانة والمرقمة برقم كذا، مركزاً لجمعيتنا هذه، نرجو التفضل بإجراء ما يلزم، لمنح الإجازة اللازمة في هذا الشأن، ولما كنا قدمنا عريضتنا هذه في اليوم كذا وساعة كذا، نتشرف بإبلاغ دولتكم بأننا سوف نباشر بأعمال الجمعية في خلال ثمان وأربعين ساعة من تقديم هذه العريضة، كما يخولنا قانون الجمعيات في مادته الفلانية) ([68]).

حمل الطلب إلى الوالي جمال باشا اثنان من أعضاء لجنة الثمانية، وقد استقبلهما هذه المرة وذيل الطلب بموافقته، وأشعر مديري الشرطة والمعارف بذلك، مما يعد أول نصر طلابي من نوعه في تاريخ العراق الحديث، أحدث (رجة عنيفة في البلاد) على حد تعبير الدفتري في روايته الفريدة عن الموضوع([69]).

أرسل طلاب الحقوق في الوقت نسفه سلسلة من برقيات الاحتجاج إلى استانبول، وإلى جهات أخرى، بما في ذلك (الحزب الحر المعتدل) في البصرة، وقد سجل لنا معتمد الحزب سليمان فيضي، الذي كان عضواً في مجلس المبعوثان، معلومات قيمة بخصوص الموضوع، تدل بدورها على تحرك طلابي ناضج تماماً في قياس الزمان والمكان، إذ يقول ما نصه:

(تبنى الحزب، من ضمن أهدافه القومية المتعددة، فكرة حماية التعليم في البلاد العربية، وصادفت أن أعلنت الحكومة عزمها على إغلاق مدرسة الحقوق في بغداد، ولم يمض على تأسيسها عامان، فستغاث طلابها ببرقية لازلت احتفظ بها، وبتوقيع محمد زكي أحد الطلاب البصريين، فلما عرضت البرقية على الهيئة الإدارية للحزب، أمطر أقطابه استانبول ببرقيات احتجاج وتهديد) ([70]).

وفي سياق روايته المهمة، ينقل لنا سيلمان فيضي نص إحدى البرقيات التي أرسلها (الحزب الحر المعتدل) في البصرة إلى الباب العالي، فيما يأتي مضمون هذه البرقية:

(إذ أصرت الحكومة على غلق المدرسة، فإن الحزب سيدلل بهذا العمل على سوء نية الحكومة تجاه العرب والبلاد العربية، إننا نطالب بشدة بإبقاء المدرسة لتبرهن الحكومة على حسن نواياها نحو العرب، ولكي تحتفظ بعلاقاتها الطيبة معهم)([71]).

أثمرت هذه الضغوط نجاحاً مشهوداً، فلقد اضطر الوالي جمال باشا إلى التراجع بعد أن تلقى توجيهات واضحة بصدد إلغاء قرار غلق المدرسة من استانبول، وقد طلب رئيس الوزراء منه أن يخبر (الحزب الحر المعتدل) في البصرة خصيصاً يتخلي الحكومة عن فكرة غلق (مدرسة الحقوق) ببغداد، ويروي لنا الأب انستاس ماري الكرملي على صفحات (لغة العرب) قصة تراجع جمال باشا بأسلوب زمانه على النحو الآتي:

(كان في نية حضرة والينا جمال بك أن يلغي مكتب الحقوق في بغداد بوسائط تهون هذه الضربة على أهل المدينة، لكن لما رأى في العرب من المدافعة التي لا تنكر، وأنه يخلق هذا الإلغاء سوء عقبى، عدل عن فكرة الأول، واليوم يجري المكتب على مألوف عادته)([72]).

وبمناسبة إلغاء قرار غلق (مدرسة الحقوق) أرسل محمد زكي باسم طلاب المدرسة برقية إلى (الحزب الحر المعتدل) ([73]) في الثامن والعشرين من كانون الأول (1911) يدل نصها بدوره على أسلوب نوعي جديد للتعامل مع الحدث، وفيما يأتي نص ترجمة البرقية:

(المحامي سليمان فيضي وهيئة الحزب الحر المعتدل المحترمة، باسم طلبة مدرستنا، والحقيقة باسم أهالي العراق، أعرض شكرنا الوافر، وأقدم الثناء سيدي زكي)([74]).

ومن الضروري أن نشير إلى أن طالب الحقوق محمد زكي الذي أدى دوراً قيادياً متميزا ًفي حركة احتجاج طلبة (مدرسة الحقوق) كان من متخرجي متوسطة البصرة، والتحق بالشعبة الخاصة التي ألحقت بالمدرسة للطلبة الذين لم يحملوا شهادة الإعدادية كما أسلفنا، وبرز في العهد الملكي، إذ انتخب عن البصرة لأربع دورات انتخابية لمجلس النواب هي الدورات الثانية والرابعة والخامسة والسادسة، كما انتخب أيضاً رئيس للمجلس([75])، وعلى الغرار نفسه برز العديد من نشطاء الحركة نفسها على شتى صعد الحياة الفكرية والسياسية والإدارية في العراق الملكي، كما نلاحظ ذلك فيما بعد.

تتجسد أبعاد حركة احتجاج طلبة (مدرسة الحقوق) لا فقط من خلال تراجع السلطة بخصوص غلق مدرستهم، بل وأيضاً من خلال السياسة الجديدة التي تبناها الوالي جمال باشا في تعامله معهم، فإنه رغم تعصبه وغطرسته المعروفة عنه، عرض على مؤسسي (جمعية حقوق بغداد) أن يكون هو الرئيس الفخري لجمعيتهم، كما أنه أبدى رغبته في زيارة المدرسة شخصياً، وسجل لنا محمود صبحي الدفتري بهذا الصدد ما يأتي:

(أراد الوالي جمال باشا([76]) أن يصلح ما بينه وبين الطلاب، فطفق يجس نبض التلاميذ لمعرفة ما إذا كانت المدرسة ترحب باستقباله استقبالاً ودياً عند زيارته لها، ولكننا تمسكنا بشدة في أن تكون الزيارة رسمية يقوم بها الوالي متى شاء بدون أن يتلقى من الطلاب، أو من ممثليهم أي خطبة ترحيبية، وانتهى الأمر عند هذا الحد)([77]).