صفحة 1
المقدمة
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه الطَّيبيين الطاهرين، وبعد:
فمن الملاحظ في الآونة الأخيرة أنه بدأ اهتمام بعض الباحثين والكتَّاب بعلم النسب وما يربط بطونهم أو قبائلهم بأصولها القديمة، وقد كان لمجلة العرب التي أسسها الشيخ حمد الجاسر- رحمه الله- دور في إتاحة الفرصة لبعض هؤلاء الكتاب الذين وجدوا فيها المكان المناسب لنشر اطروحاتهم وآرائهم، إلا أن من الملاحظ أيضاً أن بعض أولئك الكتاب الذين هم من خارج الجزيرة العربية(المملكة العربية السعودية) يحاولون إيجاد صلة بين قبائلهم وبين بعض القبائل المشهورة المعاصرة في الجزيرة العربية، وقد كان للشيخ الجاسر- رحمه الله- موقف مع هؤلاء الذين لا تقوم كتاباتهم على أدلة علمية موثوقة إنما دليلها وربطها قائم على تشابه الأسماء، والتاريخ يعيد نفسه كما قيل، فمثل هذه المحاولات والإدعاءات ذكرت قديماًُ، حيث جاء في المصادر المتقدمة محاولة انتساب بعض القبائل القحطانية إلى القبائل العدنانية، ولعل من أشهرها انتساب روح بن زنباع الجذامي(أحد سادات جذام بالشام) إلى بني أسد بن خزيمة، فردَّ عليه نائل بن قيس الجذامي فقال: «أين قام هذا الغادر الفاجر روح قيل: ها هنا، وكان شيخاً يومئذٍ وروح شاباً فقال: ما نعرف هذا النسب، نحن بنو قحطان»(1).
أما في العصر الحديث فمن بين هؤلاء الباحثين راشد بن حمدان الأحيوي، الذي ما فتأ يردد مقولته بـ (انتساب مساعيد شمال الحجاز إلى العدنانية) وينشرها في كل وسيلة ما أمكنه ذلك، وفي نهاية المطاف أصدر كتابه (قبيلة المساعيد)، طبع عام 1428هـ/2007م، عن دار كنوز المعرفة بالأردن . والذي يقع في 423 صفحة .
وقد قسمه إلى ثلاثة أبواب وعدة مباحث، وقد بذل المؤلف ما وسعه من جهد ليثبت نسب قبيلتي الأحيوات والمساعيد وبعض عشائر بني عقبة الجذامية القحطانية إلى بني مسعود من قبيلة هذيل العدنانية .
وقد هالني ما قرأت ورأيت في هذا الكتاب من مغالطات تاريخية وتدليس وتلبيس على القارئ وتجنّي على بعض العلماء والمؤرخين، متجاوزاً بذلك الحقائق والنصوص الموثقة والقديمة، وقد قرأت الكتاب أكثر من مرة لعلي أجد نصاً واحداً يدعم وجهة نظر المؤلِّف إلا - أنني مع الأسف - وجدته يجزم بأمور عدة وينتقي نصوصاً مقصودة ويقطع بصحة بعضها وكأن لديه نسخاً من مخطوطات لم يطلع عليها أحد غيره؛ مع العلم أن مصادره جميعها معروفة ولا يقطع أي منها بما ذهب إليه؛ لذا فإن ما بني على خطأ فهو الخطأ بعينه . ونظراً لأن ما خلص إليه المؤلف لا يمت إلى الحقيقة بصلة، فقد قمت بالرد على أهم ما ورد فيه من ملاحظات ومغالطات وأوهام مستعيناً بالله تعالى، ثم بالمصادر والمراجع القديمة والحديثة التي تبيّن الخطأ وتوضح النسب الصحيح من وجهة نظر العلماء المعروفين، وقد قسمت هذه الدراسة إلى ثلاثة فصول، تناول كل منها بعض مباحث الكتاب التي جانب المؤلف فيها الصواب ورددت عليه فيها، ولعل هذه الدراسة تلفت انتباه المؤلف والقراء إلى أن هناك أموراً تحتاج إلى إيضاح حيث تجاوزها المؤلف إما بقصد أو بغير قصد؛ لأن بعض الباحثين سوف ينظرون إلى مثل هذا الكتاب على أنه دراسة جادة فيها بحث وتقصٍّ، ولعل من يقرأ ما أوردته بعد هذه المقدمة من أمور وقع فيها المؤلف أو أموراً أخرى أغفلها يدرك فحوى ما أسطره الآن، وهذه الفصول جاءت كما يلي:
صفحة 2
الفصل الأول: ويتضمن ما يأتي :
1- المؤلف الأحيوي ورحلة البحث عن نسب الأحيوات والمساعيد .
2- الأحيوات من جذام من واقع المصادر التاريخية .
3- ملاحظات عامة .
الفصل الثاني: الملاحظات المنهجية :
أ- انعدام الأمانة العلمية من خلال :
1- إغفال النصوص حول النسب والتاريخ.
2- التناقض في قبول الرواية وردها.
3- الطعن في نصوص الجزيري وإثبات آراء المؤرخين المحدثين .
4- السطو على تراث قبيلة بني عقبة الجذامية .
5- التدليس في نسبة القصص إلى غير أصحابها .
6- التلاعب بالنصوص التاريخية والروايات العامية .
ب- ضعف المنهج العلمي من خلال :
1- اعتماده على الروايات العامية والأساطير الشعبية .
2- عدم الدقة في استقراء النصوص .
3- الاستدلال بأمور ضعيفة لا يعول عليها في إثبات النسب .
4- غياب التوثيق العلمي في بعض المعلومات.
5- عدم الإلمام بالمواضع والخلط بينها .
صفحة 3
الفصل الثالث، وفيه :
1- اسم (المساعيد، وبني مسعود، وآل مسعود) في قبائل العرب .
2- مساعيد شمال الحجاز هم من بني عقبة من جذام .
3- أقوال العلماء والمؤرخين المتقدمين والمحدثين .
4- رواية مشايخ بني عقبة حول نسب المساعيد .
5- اتفاق موروث مساعيد شمال الحجاز مع موروث بني عقبة .
وفي نهاية هذه المقدمة أود أن أشير إلى أمر مهم وهو أن هذه المراجعة لكتاب قبيلة المساعيد ما هي إلا مراجعة عجلى سجلت من خلالها بعض الملاحظات التي وقفت عليها علماً بأن الكتاب - والحق يقال - مليء بالأخطاء والملاحظات الكثيرة ولكن هذا ما تيسر لنا الوقوف عليه .
وقد أضفت إلى الكتاب عدة ملاحق لها علاقة به . وفي الختام أسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجه الكريم إنه سميع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمي.
_______________________
(1) ابن الكلبي، نسب معد واليمن الكبير، ج1، ص 150 .
كتبه
تركي بن مطلق القدَّاح العتيبي
الرياض 20/12/1429هـ
صفحة 4
1- المؤلف الأحيوي ورحلة البحث عن نسب الأحيوات والمساعيد:
كانت بداية المؤلف الأحيوي مع الأنساب - كما يذكر هو عن نفسه- ما جاء في (ص 20): «يعود اهتمامي بعلم النسب إلى أواخر سني الدراسة الثانوية في مدارس العقبة وذلك في مطلع القرن الخامس عشر للهجرة فقد شغفت بمطالعة كتب التاريخ والبلدانيات لا سيما ما يختص منها بالحديث عن قبائل العرب وما كنت أجد فيها إلا النزر اليسير خاصة عندما يتعلق الأمر بقبيلتي الأحيوات خاصة أو قبيلتي الكبرى المساعيد عامة ... فدفعني هذا لمزيد من البحث والمطالعة لا سيما بعد التحاقي بالدراسة الجامعية في الجامعة الأردنية حيث أخذت بمطالعة ما تيسر لي طوال سني الدراسة من كتب وصحف في مكتبتها العامرة وعندما لم أجد فيما طالعته مما كتب عن قبائل العرب شيئاً يعطي القبيلة حقها من الدراسة أخذت على عاتقي أن أتولى بنفسي تأليف كتاب وافي ... ».
قلت: وكان بداية مقالاته تنصب حول مساعيد شمال الحجاز فقد نسبهم إلى أكثر من قبيلة ومن تلك المقالات ما يأتي :
1- نسب مساعيد شمال الحجاز إلى مساعيد النفعة من قبيلة عتيبة ؟!(1) ، وقد تصدى له الشيخ العلامة حمد الجاسر- رحمه الله- وردَّ عليه، فأوضح أن الأمر قائم على تشابه الأسماء وأن مساعيد شمال الحجاز هم من بني عقبة من جذام من العرب القحطانية .
2- نسب مساعيد شمال الحجاز (مساعيد الحويطات) إلى بني مسعود من قبيلة هذيل(1)، وكذلك تصدى له الشيخ حمد الجاسر وأوضح نسب مساعيد شمال الحجاز وأنهم من بني عقبة .
ومن يقرأ ردود الشيخ حمد الجاسر - رحمه الله- يلحظ أنه غير مقتنع نهائياً بكلام المؤلف ويرى أن الأمر لا يعدو كونه تشابهاً في الأسماء، والحقيقة أن اسم مسعود كثير في قبائل العرب قديماً وحديثاً وهو ما أشار إليه الشيخ وسوف نأتي على ذكر أمثلة له في قبائل العرب .
ولكن المؤلف لم يقتصر على نسب مساعيد الشمال فحسب؛ بل إن الأمر تجاوز أكثر من ذلك فقد حاول المؤلف دس أنفه في نسب قبيلة عتيبة، فنسبهم إلى (غزية جشم) وسفّه أقوال العلماء والمؤرخين حول نسب غزية، وكل ذلك من أجل الوصول إلى نسبة مساعيد شمال الحجاز إلى عتيبة فقد كان للمؤلف عدة محاولات فاشلة ومن ضمنها محاولاته ما يأتي :
صفحة 5
الأولى: نشر مقالة في مجلة العرب ملخصها أن قبيلة عتيبة تنتسب إلى عتيبة من غزية جشم من هوازن، وكان الدافع وراء هذا هو أنه قرأ معلومة في كتاب (مسالك الأبصار)، لابن فضل الله العمري(ت 749هـ)، نصَّ فيها على أن هناك فرع يعرف بـ(المساعيد) من البطنين من غزية، والمقصود هنا (غزية طيئ كما سيأتي إيضاحه وليست غزية هوازن)؛ ولأن الباحث راشد نفسه يُعزى إلى مساعيد الشمال فقد حاول جاهداً إثبات أن غزية طيئ هذه ما هي إلا غزية هوازن، وأن قبيلة عتيبة تنتسب إلى عتيبة بن غزية(3) من هوازن، وبهذا تكون قبيلة مساعيد الشمال التي يعزى إليها هي من عتيبة بن غزية- على افتراض أنه جد قبيلة عتيبة؟!- أو على الأقل من غزية مرد عتيبة!؟ المهم التقرب بالنسب إليها !!
ونلحظ هنا عبث المؤلف في نسب قبيلة غزية الطائية وسلخها من نسبها القحطاني وجعلها غزية الجشمية وجرأته الكبيرة بتجهيل علماء كبار متقدمين نصوا على نسب غزية الطائية وفصلوا في فروعها وديارها مثل: ابن الأثير (ت 630هـ)، وابن سعيد المغربي (ت 685هـ)، وابن خلدون (ت 808هـ)، والقلقشندي (ت 821هـ)، وغيرهم(4).
لذا فقد أهديت له وإلى كل من تابعه في أوهامه هذا النص الذي يدل دلالة قاطعة على انتساب غزية التي كانت في نجد (بين العراق والحجاز) إلى قبيلة طيئ، فهذا النص ذكره ابن الجوزي (ت 597هـ) في حوادث سنة 517هـ، حيث يقول في خبر دبيس الأسدي: «.. ثم وصل الخبر بأن دبيساً(5) حين هرب مضى إلى غزية، فأضافوه وسألهم أن يحالفوه، فقالوا: ما يمكننا معاداة الملوك ونحن بطريق مكة وأنت بعيد النسب منا وبنو المنتفق أقرب إليك نسباً، فمضى إليهم وحالفوه وقصد البصرة في ربيع الأول ...» (6).
لن أزيد على ما ورد في هذا النص؛ فقبيلة غزية أعلم بنسبها من الباحث راشد كما لا يفوتني أن أذكر أن هذا النص السالف الذكر قد نقله أيضاً سبط ابن الجوزي (ت 654هـ)، في كتابه «مرآة الزمان في تاريخ الأعيان»(7).
وبهذا فإن مقالة المؤلف عن نسب غزية وأنها من هوازن لا تصح البتة وهي خاطئة جملة وتفصيلاً؛ لأن ما بني على خطأ فهو خطأ، بل وفيها تجنٍّ على العلماء والمؤرخين المتقدمين، وهي محاولة غير ناجحة لتنسيب مساعيد شمال الحجاز إلى عتيبة(8).
صفحة 6
الثانية: بعد أن نشرت أن قبيلة عتيبة من شبابة كنانة نقلاً عن بعض وثائقها التاريخية التي أحتفظ بقسم منها ومصادر أخرى، تنصل المؤلف من مقالته الأولى - سالفة الذكر - وبدأ يبث أطروحاته في مواقع الإنترنت بأن مساعيد شمال الحجاز قد قدموا من وادي الليث الواقع جنوب مكة .. إلخ، وتجاهل نص فالين الذي ينص فيه على أنهم قدموا من وادي الليف بالفاء، وزعم أنه تصحيف لوادي الليث؛ بينما نعوم شقير قطع الطريق على من قال بهذا القول حيث جاء نصه ليؤكد أن اسمه وادي (الليف) كما ذكره فالين(9) وهو وادٍ في نواحي مدينة تبوك، ويبعد عن العقبة نحو خمسين ميلاً والذي يريد المؤلف الوصول إليه الآن هو أن مساعيد شمال الحجاز قدموا من وادي الليث وهو من بلاد كنانة أصل شبابة، والغريب أنه لم يشر إلى هذه المسألة (أي انتقالهم المزعوم من واد الليث) عندما كان يرى في مقالته الأولى أن مساعيد شمال الحجاز من البطنين من غزية؟!! ثم نراه يصدر كتاباً ويقرر أنهم من بني مسعود من هذيل .
والملاحظ أنه كان يطمح إلى دمج قسم من عتيبة - الذين كانوا يحلون جبل عروان - بقبيلة هذيل أو العكس لعله يظفر بالتقرب منهم وهذا محال إذ لا بد من دليل(10).
أما نسبة مساعيد شمال الحجاز والشام والديار المصرية إلى بني مسعود من هذيل فهي فرية لا يقبل بها أي طالب علم أمين، فإذا كان الإنسان لا يريد الحقيقة فكيف يجدها؟!! الأحيوي لا يريد الانتساب إلى قبيلة بني عقبة الجذامية القحطانية؛ وإنما يريد قبيلة حجازية عدنانية ربما لأنه أساء فهم بعض الروايات وربطها بما يدور في ذهنه من ظنون وأوهام لا وجود لها على أرض الواقع .
صفحة 7
2- الأحيوات من جذام من واقع المصادر التاريخية:
رأيت أنه من المناسب أن أورد نسب الأحيوات التي ينتمي إليها المؤلف، فهي في ظني الباعث الحقيقي لاهتمامه ومطالعته بالأنساب ومحاولاته في الكتابة حولها، ولعل ذلك يكشف شيئاً حول منهج المؤلف وتوجهه، فقد تقدم في قول المؤلف (ص 20): «يعود اهتمامي بعلم النسب إلى أواخر سني الدراسة الثانوية في مدارس العقبة وذلك في مطلع القرن الخامس عشر للهجرة فقد شغفت بمطالعة كتب التاريخ والبلدانيات لا سيما ما يختص منها بالحديث عن قبائل العرب وما كنت أجد فيها إلا النزر اليسير خاصة عندما يتعلق الأمر بقبيلتي الأحيوات خاصة أو قبيلتي الكبرى المساعيد عامة ... فدفعني هذا لمزيد من البحث والمطالعة ... ». فيتضح لنا من كلامه ما يلي : أنه بدأ البحث منذ سنوات لمعرفة نسب قبيلة الأحيوات .
نلحظ ذلك من قوله (.. بقبيلتي الأحيوات خاصة أو قبيلتي الكبرى المساعيد عامة..).
فبداية المؤلف -حسب كلامه- كانت حول نسب الأحيوات كما صرَّح، ولعل مبعث ذلك هو سماع المؤلف بأن الأحيوات حلفاء للمساعيد(11)، فراح يبحث حول نسبهم .
كما أن وصف المؤلف للأحيوات بالقبيلة، وكذلك وصف المساعيد بالقبيلة تفريق بين القبيلتين لعلمه باستقلال كل منهما، وسواء صح هذا أو لم يصح فإن الثابت الذي لا جدال فيه هو أن الأحيوات فرع جذامي مستقل كما سنرى .
والغريب أن يقول المؤلف (ص 21) : «ولله درُّ من قال: «استدل ثم اعتقد ولا تعتقد ثم تستدل» .
وقوله (ص 78) : «من الحقائق المقررة عند أهل العلم أنه لا اجتهاد في موضع النص فإذا وجد النص بطل الاجتهاد».
قلت: إلا أن الملاحظ - كما سيأتي معنا - أن المؤلف يعتقد ثم يستدل ويجتهد في نسب الأحيوات على الرغم من وجود نصوصاً دامغة في نسبة الأحيوات إلى جذام ومن ذلك :
أ- قال ابن فضل الله العمري (ت 749هـ) أن الأحيوات من جذام فقال: «وهلبا سويد. ومنهم العطويون، والحميديون، والجابريون، والغثاورة . ويقال لهم أولاد طرّاح المكوس. وحمدان، ورمان، وحمران، وأسود- ويعرف هؤلاء الأربعة بالأخيوة، واللكين، والقتلان»(12).
صفحة 8
قلت: ورمان تصحيف رومان، والأخيوة: تصحيف الأحيوة، وهذا ما جاء في أصل المخطوط(13) حيث ورد أن صواب الأخيوة هو الأحيوة، والمخطوطة هي النسخة الوحيدة المعروفة التي نشر صورتها فؤاد سزكين سنة 1407هـ .
ب- قال القلقشندي (ت 821هـ)، وهو يعدد بطون جذام، ومنها البطن الأول وهم بنو زيد بن حرام من جذام، ومنازلهم بلاد الشرقية من الديار المصرية، وهي عمل بلبيس، وتعرف ببلاد الحوف ومنهم بنو هلبا سويد حيث يقول: «ومنهم أيضاً: الأخيوة، هم أولاد حمدان، ورمان، والسود»(14) . والأخيوة : تصحيف الأحيوة كما تقدم إيضاحه .
جـ- قال الجزيري(ت 0 98هـ تقريباً) في ذكر بني عطية من بني عقبة: «... ومنهم الأحيوات»(15).
د- ذكر بوركهارد في رحلته إلى الحجاز سنة 1230هـ/1814م: أن الأحيوات من الحويطات(16).
والحقيقة التي يحاول المؤلف تجاهلها والهروب منها هي أن الأحيوات فرع أصيل من قبيلة جذام القحطانية كما تقدم في نصوص العلماء السابقة، وكل من هؤلاء ذكر الأحيوات بوصفها عشيرة مستقلة عن المساعيد، وعليه فإن نسب الأحيوات إلى جذام وعدم علاقتهم بالمساعيد هو أمر واضح وضوح الشمس ولا مجال فيه للتأويل والاعتماد فيه على الروايات العامية والأساطير الشعبية، أما دعوى وجود الأحيوات ضمن فروع المساعيد اليوم - ربما منذ قرن أو قرنين من الزمان- فناتج للتحالف؛ كون القبيلتين يلتقيان في الجد الأعلى وهو جذام القحطاني .
وقد حاول المؤلف جاهداً الرد على بعض النصوص التي نسبت الأحيوات إلى بني عطية من بني عقبة من جذام أو التخلص منها، فذكر (ص 385)، أن بني عطية المقصودين في النص هم فرع من المساعيد نقلاً عن اللواء حامد أحمد صالح في كتابه (نحن العرب)، (ص 140) مع أن اللواء حامد قال عنهم: «المساعيد من بني عطية». فحاول المؤلف أن يقول: إن بني عطية هؤلاء فرع من المساعيد ومنهم الأحيوات! والصحيح كما تقدم في نص ابن فضل الله العمري، والجزيري من أن الأحيوات من جذام وانتساب بني عطية إلى جذام أمر واضح في المصادر، وهو ما تقدمت الإشارة إليه .
وإنني أعجب كيف للمرء أن يتجاهل هذه النصوص الدامغة حول نسب الأحيوات إلى جذام العريقة، فهل يقول قائل بعد هذا أن الأحيوات ليسوا من جذام؟!
ومن أدلة المؤلف الضعيفة حول نسبة الأحيوات إلى المساعيد ذكره في مواضع كثيرة من كتابه أبيات من قصيدة عامية(17) حديثة لشاعر عامي من جماعته يُدعى حسن بن عيد بن محسن بن كريدم الأحيوي، حيث يحاول المؤلف إثبات أن الأحيوات من المساعيد، من خلال هذه الأبيات المصنوعة حديثاً، ومحاولة إيهام القارئ بأنها قصيدة قديمة(18).
سبب تسمية الأحيوات بهذا الاسم :
قال المؤلف (ص 355) حول سبب تسمية الأحيوات بهذا الاسم في نقله عن نعوم بك شقير وكتّاب آخرين متأخرين ورواية بعض العامة للتأكيد على أن سبب تسمية الأحيوات بهذا الاسم هو لأن فرقة منهم جاعت وعطشت مما اضطرها إلى أكل نبات الحوّى وبسبب أكلهم هذا النبت أطلق عليهم الأحيوات أو اللحيوات كما يزعم.
قلت: ما أورده المؤلف حول تسمية الأحيوات بهذا الاسم فإنه لا يعدو كونه تعليلاً للأسماء، والأسماء- كما هو معروف- لا تعلل، ولا اجتهاد مع النص فقد ذكر ابن فضل الله العمري، وهو من علماء القرن الثامن الهجري، اسم الأحيوة وهم الأحيوات وقد عدهم من فروع جذام، ثم جاء الجزيري ليعدهم من فروع بني عطية من جذام، ثم جاء بوركهارد في رحلته إلى الحجاز سنة 1230هـ، وعدهم من الحويطات - كما تقدم- ولم يذكر أي منهم هذا التعليل، ثم إن أغلب قبائل العرب تأكل نبات الحوّى، فلماذا لم يسموا بالأحيوات؟!!
صفحة 9
3- ملاحظات عامة على كتاب قبيلة المساعيد:
قبل الشروع في نقد الكتاب ومراجعة أهم أخطائه رأيت أن أشير في عجالة إلى ملاحظات وأمور وردت في بعض مباحث كتابه، ومن تلك الملاحظات ما يأتي :
أ- جعل المؤلف عنوان كتابه كذا: «قبيلة المساعيد» :
من المعروف تاريخياًٍ أن المساعيد لم يكونوا في يوم من الأيام قبيلة مستقلة بذاتها فهم من بني عقبة من جذام، حسب نصوص العلماء(19)، وعندما تقلص نفوذ بني عقبة عدهم المؤرخون من قبيلة الحويطات(20)، لذا فلا أظن أن هذا العنوان دقيق فكان الأجدر به أن يسميه مثلاً : «المساعيد من قبيلة بني عقبة». وإذا كان المؤلف قد توصل وجزم بأن المساعيد من قبيلة هذيل! فلماذا لم يقل «المساعيد من قبيلة هذيل»؟! أو على الأقل أشار إلى أن المساعيد الآن يمثلون قبيلة مستقلة ومنفصلة وليست تابعة إلى أي قبيلة أخرى، أما أن يترك الأمر عائماً هكذا فلا أظنه بصحيح، والغريب أنه (المؤلف) سبق أن كتب عن المساعيد في مقالاته السابقة وقال عنهم: «المساعيد من قبيلة كذا والمساعيد من قبيلة كذا»(21)، فلماذا بعد هذا البحث والوقت الطويل يسكت عن هذا ؟!!
ب- مناقشة المؤلف لبعض النصوص التي نسبت المساعيد إلى قبائل مختلفة :
أورد المؤلف في الفصل الأول (ص 69- 114) حول ردوده على الأقوال التي قيلت في نسب مساعيد شمال الحجاز، حيث جانب الصواب في بعضها، وكان عليه أن يبين زمن كل نسبة وبدايتها، وسوف أقوم بذكر النسبة مع تعليق مختصر عليها وضعته بين قوسين :
• (ص 70) نسبتهم إلى الأشراف (وهي نسبة حديثة تخص شيوخ مساعيد الجبل فقط، وقد عممها المؤلف على عموم المساعيد والأحيوات) .
• (ص 73) نسبتهم إلى عبد الله بن مسعود الهذلي رضي الله عنه . (وهي نسبة لم ترد إلا عند بعض رواة معاصرين من مساعيد الشمال).
• (ص 78) نسبتهم إلى بني شيبان (وهي نسبة حديثة لم يذكرها أحد من المتقدمين).
• (ص 83) نسبتهم إلى بني عقبة من جذام (وهذه النسبة هي الصحيحة وهي التي ذكرها المتقدمون وقد حاول المؤلف تفنيدها ولكن ليس لديه أدلة قديمة تؤيد صحة دعواه، والملاحظ أن المؤلف أغفل تعليقات الجاسر حولها ربما أنه لم يستطع مناقشتها وهو ما سأشير إليه في موضعه من هذه الدراسة).
• (ص 96) نسبتهم إلى مساعيد عتيبة (وهي نسبة حديثة ولكن المؤلف أكد هنا عدم صحة نسبتهم إلى عتيبة وأن الرواة لا يذكرون شيئاً من ذلك، مع أنه -في مقالاته السابقة - كان يدعي أن هناك روايات تفيد بوجود صلة بينهم وبين عتيبة فسبحان مغيّر الأحوال!!) (22).
صفحة 10
• (ص 98) نسبتهم إلى مساعيد لخم (وهو قول حديث لمصفى الدباغ) .
• (ص 100) نسبتهم إلى بني لام (وهو قول للويس موسل نقله عن حاجي خليفة، وقد أورد المؤلف تعليق الجاسر بأن ترجمة الدكتور عبد المحسن الحسيني قد تكون غير دقيقة(23)) .
• (ص 101) نسبتهم إلى جذام (وهو قول الجزيري وهو ما أيده بعض العلماء والمؤرخين ومن آخرهم الشيخ حمد الجاسر) .
• (ص 103) نسبتهم إلى ربيعة . (وهو قول لمحمد مرتضى الزبيدي«ت 1205هـ») .
• (ص 105) نسبتهم إلى العمرو (وذكر المؤلف أن العمرو جزءٌ من قبيلة المساعيد، مستنداً على مشجر الجزيري) .
• (ص 109) نسبتهم إلى بني عطية من بني عقبة من جذام (والملاحظ أنه هنا لم يورد تعليق الشيخ حمد الجاسر ورأيه حول نسبة مساعيد الشمال إلى بني عطية عند الجزيري) (24).
والملاحظ على هذه المناقشات عدم وجود أدلة مقنعة في الرد عليها من النصوص التاريخية، كما أن منهجه غير واضح في الرد عليها فتارة يستشهد بنصوص الجاسر وتعليقاته وتارة يغفلها وفي هذا انتقاء واضح؟!!
جـ- ينقل المؤلف (ص 34) من بعض المراجع الحديثة ومصدر هذه المراجع أحياناً مقالات المؤلف نفسه ؟! ومن هؤلاء فائز أبو فردة وكتاب آخرون من قبيلة الأحيوات وغيرهم سواء من كتب في الصحف أو في كتاب البلادي «رسائل ومسائل» .