المقدمــــة
من خلال ما وصل إلينا من أدب العرب قبل الإسلام يمكننا أن نعد ذلك الأدب المرآة الصادقة التي انعكست عليها مظاهر حياة العرب قبل الإسلام حيث مثَّلَ تلك البيئة خير تمثيل : أرضها وسمائها ، صيفها وشتائها ، حيوانها ونباتها ، بردها القارس الشديد البرودة التي تجمّد الدم في العروق ، حرّها اللاهب وسمومه التي تشوي الوجوه.. هذه المظاهر تجسدت في قصيدة أو مقطوعة شعرية أو نصوص نثرية لتكون انعكاساً لروح العصر .
وكان الأدب العربي قبل الإسلام يمثل الصورة الصادقة لحياة العرب آنذاك ، وكانت حياة العربي ـ في الغالب ـ حياة ظعن ورحيل ؛ لذلك بدأ شعر الوقوف على الأطلال والدمن . وكان يرحل على ناقته ، ويصف رحلته وراحلته ، ومن كان من الشعراء بدوياً خشن العيش وصف عيشه بألفاظ خشنة ، ومن كان حضرياً وصف عيشه بألفاظ مترفة لينة .
إنَّ موضوعات شعر الشعراء هي موضوعات حياتهم من : مديح ، وفخر ، وهجاء ، وغزل ، ورثاء ، وكذلك جاءت الموضوعات النثرية فهي خطابة ، وأمثال، وحكمة، ووصايا . فهذه الموضوعات الأدبية تمثل حياة العرب في صحرائهم المترامية الأطراف، الممتدة الأرجاء ، ما هي إلاّ روح العصر السائدة وقيمه وأخلاقه ، ومن خلالها عبّر أديب العرب قبل الإسلام عن مشاعره الدقيقة ، وأحاسيسه الرقيقة ، وعواطفه العميقة ليكون ذلك التعبير اللفظي المثير والفكر الكبير، ويكوَّن هذا شعراً رائعاً بديعاً، ونثراً بليغاً .
وهكذا كانت البيئة العربية خزيناً لا ينضب يمدُّ أدباء العرب وشراءهم بصور شتى من حياة العرب قبل الإسلام لتمكن الشاعر أو الأديب من تجسيد حياة العربي وتشخيصها بقصائد بديعة رائعة ، ومقطوعات نثرية بليغة ، وأمثال موجزة بليغة . لقد حفزتني تلك الموضوعات للتفكير بكتابة بحوث على ضوء ما أَمدتنا به مظان التراث العربي الإسلامي فكان التخطيط لذلك والتنفيذ حيث تم إنجاز عدد من البحوث تتصل اتصالاً وثيقاً بأدب العرب قبل الإسلام ، وقد نشرت تلك البحوث في أماكن وأوقات متباعدة .
ولأن ذلك كذلك ، ولأجل أن تكون في متناول من يروم الإفادة منها من الباحثين والدارسين ، ارتأيتُ أن تضم في دفتي كتاب لإفادة من يروم الإفادة منها بأيسر جهد وأقل وقت .. وقد وضعتُ تلك البحوث تحت عنوان : ( دراسات في أدب العرب قبل الإسلام ) عسى أن تأخذ مكانها في المكتبة العربية ، لتشكل رافداً من روافد الثقافة العربية لعصر ما قبل الإسلام التي آمل أن يفيد منها الباحثون . وهذا جهدي فإن أصبت فيه فبفضلٍ من الله وتوفيقه ، وإن كانت الأخرى فحسبي إني اجتهدتُ .
الأستاذ المساعد الدكتور
أحمد حسين العيثاوي
المقدمـــة
على الرغم من أن نشوء الخطابة مرتبط بنشوء الجماعات ، فأن المظان الأدبية ضَنَّت علينا في توضيح المعالم العامة للخطابة عند العرب قبل الإسلام . ولعنا نسوغ ذلك بأن العرب ولاسيما في جاهليتهم كانوا قبائل متبدية ، لا يربطها قانون عام أو حكومة منظمة ، بل هناك عرف وتقاليد لدى تلك القبائل يقوم على تنفيذها شيوخ القبائل ووجهاؤها ، إذ يعد الالتزام بالعرف القبلي بمثابة الدستور القبلي الذي ينبغي على الجميع مراعاته .
إنَّ حياة العرب في البلاد المعروفة باسمهم اقتضى منهم الحرية والحماسة في الإقليم الذي يَحْيوْنَ فيه ، وهم ذوو نفوس حساسة ، فأصبح للبلاغة وقعٌ شديد في نفوسهم، واقتضت المنازعات بينهم أن يتفاخروا ويتنافروا فاحتاجوا إلى الخطابة في الإقناع وتأليف الأحزاب . وقد غلب على موضوعات خطبهم المفاخرة بالأحساب والآداب في المجالس والأندية العمومية والخصوصية([1])، وهكذا قضت طبيعة حياة العرب لأنْ تنشأ لديهم الخطابة بتأثير في أبناء عصر الفروسية ، وأصحاب النفوس الأبية طلاب الاستقلال والحرية .
وإذا كانت المظان الأدبية لا تسعفنا في إبراز المعالم العامة للخطابة فإن ما بقي من نصوص الخطابة العربية في الحقبة السابقة للإسلام ـ على قلتها والإدعاء بانتحالها ـ يقنعنا على أنه كانت لدى العرب خطابة يقتضيها الحال . إذ غالباً ما يقوم بذلك من مَلَكَ القدرة على الكلام ، وفصاحة القول ، والمقدرة على إمالة آذان المستمعين نحو كلامه لكي يفهموا بعد ذلك مقصده من خطبته ، ولاسيما أن القبيلةَ في حماها تمثل صورة الدولة ، وشيخ القبيلة ومساعديه وأعوانه بمثابة الحكومة ، وهم يحتاجون إلى سياسة قبيلتهم ، وفض المنازعات والخصومات بين أفراد القبيلة أو بين القبيلة والقبائل الأخرى ، وهذا ما لا يمكن أن يقوم به إلاّ مَنْ ملكَ زمام القول ، والبلاغة والفصاحة .
وبعد هذه التوطئة ، فقد أرتأيتُ أن أقسّم البحث إلى مباحث صغيرة .
وما يؤيد وجود بعض معالم الخطابة لدى العرب ، ما ذكرته بعض مصادر الخطابة من أنهم كانوا يخطبون وعليهم العمائم ، وهم وقوف في أيديهم المخاصر ، ويعتمدون على الأرض بالقسي ويثيرون بالعصي والقنا ، وقد يخطبون وهم جلوس على رواحلهم([2]).
الخطابـة
قبل أن نعرّف الخطابة ينبغي القول بأنها ة والكتابة من ضروب النثر ، وإن عماد الأولى اللسان ، والثانية القلم . إذن الخطابة ضرب من التكلم ، وهي إذا توافرت داعيتها ، ووفرت أداتها ، وقلت كفاية الكتابة أو ثقلت مَؤونتها التأثير ، لما فيها من حضور المتكلم بشخصه ، ودفاعه عن رأيه ، وإفاضته في كل ما يؤيد مذهبه ، ومن طبيعة القبائل المتبدية التي تعمها الأمية ، ولا يربطها قانون عام ولا تضبطها حكومة منظمة ، ولا راية سلطة واحدة ـ مثل حال العرب في جاهليتهم ـ أن تكون الخطابة لها ضرورية وفطرية([3]).
من هذا التعريف يمكننا القول بأن الخطيب الجيد ذا الخطبة الجيدة هو من يمتلك القدرة على إقناع سامعيه بما يدعو إليه موثقاً بحجج الإقناع ، وبعد إقناعهم استمالتهم على وفق الهدف الذي يقصد إليه ذلك الخطيب .
كما أفصح العرب في المدة السابقة للإسلام عن نفوسهم بشعرهم ، فكذلك أعربوا عما يجول في خواطرهم في مضاربهم ، وأسواقهم عن طريق الخطابة حيث أسعفتهم قوة البيان التي يمتلكون والفصاحة وحضور البديهية ، يؤيد ذلك : ( وكل شيء للعرب ، فإنما هو بديهية وارتجال ، وكأنه إلهام ، وليست هناك معاناة ولا مكابدة ولا إجالة فكر ولا استعانة ، وإنما هو أن يصرف وَهْمَهُ إلى الكلام ... وتنثال عليه الألفاظ انثيالاً وكان الكلام الجيد عندهم أَظهر وأكثر ، وهم عليه أقدر ، وله أقهر ، وكل واحد في نفسه أَنطق ، ومكانه من البيان أَرفع ، وخطباؤهم للكلام أوجد ، والكلام عليهم أَسهل ، وهو عليهم أيسر )([4]) .
من هذا نخلص إلى أن العرب في المدة السابقة للإسلام ، كانت لهم خطابة ، تقوم على الارتجال من غير إجالة فكر ، ولا استعانة ، بل لعلهم قد ألهموا الخطابة إلهاماً ، كما يقول الجاحظ ، ولكن مقتضى الحال يقتضي القول بأَنه لا بد للإنسان بخاصة الخطيب من استحضار ما يريد قوله في فكره ، وإلاّ جاء ذلك الكلام غير مطابق للمقاصد والأهداف التي يريدها الخطيب .
نشأتها :
وبعد هذه التوطئة عن تعريف الخطابة ، ومكانتها عند العرب في العصر السابق للإسلام ، فإن الكلام يقتضي منا دراسة نشأة الخطابة والأدوار التي مرت بها. فعلى الرغم من أنَّ تاريخ الخطابة يكاد يكون مرافقاً لتاريخ الإنسان نَشَأَ بنشأته، إذ متى وجدت جماعة من الناس لها لسان واحد فسرعان ما يختلفون في آرائهم ومعتقداتهم وحكمهم بالصواب والخطأ ، فيتجادلون ويحاول بعضهم إقناع بعض ، ويتسابق النابهون منهم إلى استمالة المخالف ، لأن هذا مظهر من مظاهر القوة التي يطمح إليها كل إنسان ، فإذا أقنع أحدهم غيره واستماله فهذه خطبة([5])، ولكن تبنّي هذا الأمر يبقى غير واضح المعالم ، وهذا بديهي ، لأن بدايات التاريخ الإنساني ما تزال في ذمة المجهول .
وحين نحاول البحث عن نصوص تسعفنا بمعرفة الأطوار التي مرت بها خطابة العرب في حقب ما قبل الإسلام ، فإن المظان تبخل علينا بذلك ، ولعل السبب يعود إلى أن ألأمية كانت غالبة على العرب والكتابة لم تكن شائعة إلاّ في بيئات محددة ولمقاصد تجارية ـ في الغالب ـ ولهذا ضاع معظم الأدب العربي بخاصة النثر إلاّ ما وعته حافظة الرواة ولاسيما الشعر الذي لارتباطه بالموسيقى والوزن اللذين أعانا على حفظه ، وما وصل إلينا من الأدب العربي قبل الإسلام لم يسلم عن عمد أو غيره من التحريف والتزوير والعبث ، ومن الباحثين من أنكر صحة ما وجدنا من النثر الجاهلي ورأى فيه صورة العصور التي كتب فيها الأموي والعباسي ما لا يعطينا صورة واضحة للعصر الذي يمثله بل للعصر الذي نحل فيه([6]).
وعلى الرغم من هذا الذي جاءت به المظان ، فإِنه لا يدفعنا إلى إنكار كل ما جاء عن العرب قبل الإسلام من نصوص نثرية لاسيما الخطب التي لا يمكن أن تستغني عنها أية أمة من الأُمم ، لما لها من منزلة مهمة في تربية النفوس أيام السلم وتشجيعها على القتال أيام الحرب ، والخطبة أداة الدعوة للرأي والعقيدة في كل أمور الحياة ([7]).
ضروب الخطابة :
الخطابة ظاهرة معروفة لدى الجميع فليس هناك مجتمع لم يعرفها ، ومنها أمة العرب قبل الإسلام ، وقد كان شأنها عظيماً عندهم ، إذ كانوا يستخدمونها في منافراتهم ومفاخراتهم ، وفي النصح والإرشاد ، وفي الحث على القتال ، وفي الدعوة إلى السلم وحقن الدماء ، وفي مناسباتهم الاجتماعية كالزواج والاصهار إلى إلى الأشراف ، وكانوا يخطبون في الأسواق ، والمحافل العِظام ، والوفادة على الملوك ، والأمراء ، متحدثين عن مفاخر قبائلهم ومحامدها ([8]).
وهكذا جاءت خطب العرب قبل الإسلام صورة لما اقتضته بيئتهم وحياتهم العامة ، إذ أن تلك الخطب تتصل بالحياة القبلية التي كانت سائدة وتلائم حياة العرب الاجتماعية . وسوف نتناول تلك الخطب بشيء من الإيجاز مشيرين إلى ما حفظته المظان الأدبية مؤيداً لضروب الخطابة التي يوثقها ذلك النص .
1- المنافرات والمفاخرات : هما من الفنون الأدبية القديمة ، وتدور معانيها على المباهاة بقوة العصبية وكرم النِّجار ،وشرف الخصال ، وتختلف المفاخرة عن المنافرة باشتراك المحكمين للثانية ، إذ يقوم بها أشراف العرب وساداتهم وحكمائهم (وكانوا يحكمون وينفرون للاسجاع ) ([9]). واشهر منافرة هي منافرة علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل العامريين وحكم بينهما هرم بن قطبة الفزاري ، وفيها يقول المتنافر عامر : ( والله أني لأكرم منك حسباً ، واثبت منك نسباً ، وأطول منك قصباً ). فيجيبه علقمة : ( أنا أفخر منك للقاح، وخير منك في الصباح ، وأطعم منك في السنة والشياح). وكانت نتيجة التحكيم أن سوى بينهما إذ جعلهما كركبتي بعير .
2- النصح والإرشاد : ويتولى هذا النوع من الخطب من له منزلة في قومه ويكون له دور المرشد الناصح كخطبة قس بن ساعدة : ( أيها الناس اسمعوا وعوا ، من عاش مات، ومن مات فات ، وكل ما هو آتٍ آت ...) .
3- الدعوى إلى قتال الأعداء ، والأخذ بالثأر ، وأشهر هذه الخطب خطبة هاني ابن قبيصة الشيباني التي حرّض فيها قومه على قتال الفرس في يوم ذي قار: ( يا معشر بكر ، هالك معذور خير من ناج فرور ، إن الحذر لا ينجي من القدر ، وإن الصبر من أسباب الظفر ، المنية ولا الدنية ، استقبال الموت خير من استدباره ، الطعن في ثغر النحور ، أكرم منه في الإعجاز والظهور، يا آل بكر ، قاتلوا فما للمنايا من بد ) ([10]).
4- ومن خطب المناسبات الاجتماعية الأملاك ، إذ كان من عادة العرب أن يتقدم لخطبة المرأة نيابة عن الراغب في زواجها شريف من رهطة فيخطب معدداً مآثر الرجل ، فيجيبه من رهط المرأة رجل بمثل ما قاله من ذلك ما جاء من خطب أبي طالب في زواج النبي (r) في زواجه من السيدة خديجة : (الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم ، وزرع إسماعيل ، وجعل لنا بلداً حراماً ، وجعل لنا بيتاً محجوباً ، وجعلنا الحكام على الناس ، ثم أن محمداً بن عبد الله ابن أخي من لا يوازن به فتى من قريش الأرجح عليه بِرِّاً وفضلاً ، وكرماً وعقلاً ، ومجداً ونبلاً ، وإن كان من المال قل ، فإنما المال ظل زائل ، وعاريه مسترجعة وله في خديجة بنت خويلد رغبة ، ولها فيه مثل ذلك ، وما أحببتم من الصداق فَعَليّ ) ([11]).
5- خطب الدعوة إلى السلم وحقن الدماء : وهي تدعو إلى الصلح وحقن الدماء ومن أشهر هذه الخطب خطبة قيس بن خارجة في شأن حرب داحس والغبراء ، وقد سمى العرب هذه الخطبة ( العذراء ) ولم تصل إلينا هذه الخطبة ، إنما أشار إليها الجاحظ([12]).
6- خطب المحافل والوفود : وهي التي قيلت في المواسم والأسواق وفي مجالس الملوك عند وفادة سادة القبائل عليها مفاخرين أو مهنئين أو غير ذلك . وقد رفض الدكتور طه حسين في مثل هذه الخطب([13]) ولعله نسب إليها الوضع للذي لاحظه ما فيها من طول ، ومن تلك الخطب ، الخطبة تلك التي عَزَّى بها أكثم بن صيفي ملك الحيرة ((أيها الملك : إن أهل هذه الدار سفر لا يحلون عقد الرحال إلاّ في غيرها ، وقد أتاك ما ليس براجع إليك ، وأقام معك من سيظعن عنك ))([14]). ثم يختم خطبته حكمة تدعو إلى فعل الخير . ويلحق بالخطابة الوصية ، وهي نصيحة يلقيها ذو شأن في قومه أو قبيلته في وقت معين يحث فيها على فعل الخير وتجنب الشر ، ولاسيما وصية الأب لأبنائه عند احتضاره، وشيخ القبيلة حين تلم بها الصعاب من ذلك وصية النعمان لابنه المنذر (يا بني أن لي فيك راياً دون غيرك من ولدي ، فأني آمرك بما أَمرني به والدي ، وأنهاك عما نهاني عنه ... ) ([15])
ويتصل بالخطابة ضرب آخر من النثر ، وهو سجع الكهان الذي انتهى بظهور الإسلام ، من ذلك قول الكاهن سطيح بن مازن في تعبير رؤيا ربيعة ابن نصر اللخمي أحد ملوك اليمن : ( أحلف بما بين الحرتين من حَنَشٍ ليهبطن أرضكم الحبش ، وليملكن ما بين أبين إلى جرش ) ([16]).
وقبل أن نعرض لما جاء في الخطب - آنفة الذكر ـ من قيمة أدبية وتاريخية يقتضي الحال إيراد جزء من خطبة النعمان بن المنذر في بلاط كسرى ، ودفاعه عن قومه العرب ، إذ يقول : ( افتخر النعمان بالعرب وفضلهم على جميع الأمم لا يستثنى فارس ولا غيرها ، فقال كسرى ـ وأخذته عزة الملك ـ يا نعمان ، لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأمم ، ونظرت حال من يقدم عليّ فوجدتُ الروم لها حظ في اجتماع الفتها وعظم سلطتها .. ورأيتُ الهند ... وكذلك الصين ... والترك([17])... فيرد النعمان على كسرى : وأما الأمم التي ذكرت فأي أمة تقرنها بالعرب إلاّ فضلتها ، فقال كسرى بماذا ؟ قال النعمان : بعزها ، ومنعتها وحسن وجودها ، وبأسها ، وسخائها ، وحكمة ألسنتها ، وشدة عقولها وأنفتها ، ووفائها([18]).
على الرغم مما يوجه إلى النثر العربي قبل الإسلام من النحل ، بل الرفض له ولاسيما الخطابة ، بل ذلك الذي تطمئن إليه أو ما أطلق عليه الخطب المفتعلة ، فأننا نستطيع تكوين بعض الأفكار أو الخطوط البارزة لهذه الخطب ، لأن الذين افتعلوها على لسان العرب في خطب ما قبل الإسلام ، فقد راعوا محاكاة النماذج الأصلية([19]) ولأن!َّ ذلك كذلك ، فإنّه يمكننا تأشير بعض سمات الخطب في ذلك الوقت :
- قصر الخطب السابقة للإسلام قياساً لما بعده . ولعل ذلك جاء موفقاً لطبيعة الحياة العربية التي لم تكن تستدعي ما يطول من كلام ، ولم يلتزم الخطباء بسنن واضحة للخطابة([20]) وإلى جانب هذا ، فقد كانوا يستشهدون بالشعر في خطبهم يقوون المعاني المنثورة في تلك الخطب([21]).
- ولما كان الخطيب يريد أن ينقل لمستمعيه خطبته بعبارة موجزة ، فقد كان يلجأ إلى الجمل القصار المسجوعة ليكون ذلك مدخلاً لقلوب سامعيه بما يملكه السجع من الموسيقى ، وكثيراً ما تتخذ فقرات الخطابة طابع المثل ، الأمر الذي يقدر لها الشيوع ، فتتناقلها الألسن([22])، من ذلك خطبتا أكثم بن صيفي ، وهاني بن قبيصة الشيباني (( هالك مغدور ، خير من ناج فرور )) هذا فيما يتصل بالسمات الفنية للخطابة ، أما ما يتصل بقيمتها التاريخية والأدبية السابقة للإسلام ، فعلى الرغم ما أَصابها من تزييف وتحريف ، فهي أمثلة حيّة على عقلية القوم وأساليب معيشتهم ، وطرق تصرفهم بالنظر إلى مجتمعهم وعلاقاتهم بغيرهم ([23]).
لقد اعتمد خطباء العرب قبل الإسلام في خطبهم على أسلوبين مهمين أحدهما يتخذ العقل دليلاً ويركب مركب الحجة المقنعة ، فيعمد إلى التفضيل ، والتعليل كما في خطبة النعمان ، وثانيهما يتخذ العاطفة وسيلة للإقناع فيعتمد العبارات القصيرة ، والسجع ، والموسيقى ، والتشبيه ، والاستعارة ، والصورة الشديد الوقع ويحاول التأثير في عاطفة الآخرين ([24]).
وضعية الخطيب ومنزلته :
قبل بيان الهيأة التي ينبغي أن يكون عليها الخطيب العربي ، يقتضي الحديث عن منزلة الخطيب في قبيلته ، التي تعلقه تلك القبيلة على الدور الذي يضطلع به الخطيب ، إذ هو لا يختلف عن دور الشاعر فكلاهما ينافح عن قبيلته معدداً مفاخرها، متصارعاً خصومها ، ذائداً بلسانه عن حياضها ، لكن منزلة الخطيب أرفع من منزلة الشاعر ، إذ اكتسب مكانته المرموقة من خلال سمات لا تتوافر في الشعراء ، مصداق ذلك قول الجاحظ([25]): ( كان الشاعر في الجاهلية يقدم على الخطيب لفرط حاجتهم للشعر ، فلما كثر الشعراء ، واتخذوا الشعر مكسبة ، ورحلوا إلى السوقة ، وتسرعوا إلى أعراض الناس صار الخطيب عندهم فوق منزلة الشاعر، ويظهر أن هناك شيئاً آخر يتوافر في الخطيب ويعدم عند الشاعر ، وهو أن الخطيب غالباً ما يكون سيداً أو وجهاً بارزاً من وجوه القبيلة ممن يكون لهم قول فصل في المهم من الأمور سلماً أم حرباً ، إذ يتطلب منه ذلك أن يكون ( عارفاً بمواقع القول وأوقاته ) إذ يعطي لكل قوم من القول بمقدارهم ويزنهم بوزنهم([26]) أي لكل مقام مقال ، وحقيقة الأمر أن ليست هناك حدودٌ فاصلة بين كل من الخطيب والشاعر فيما يؤديه كل منهما من خير لقبيلته ، إلاّ أن الفارق الوحيد هو أن الخطيب غالباً ما يكون سيداً لقبيلة أو شخصاً ذا مكانة قريبة من سيدها ، ولذا اقترنت الخطابة بالزعماء منذ أقدم العصور ، يؤيد ذلك الألفاظ التي كان العرب يعبّرون عنها بها عمن يتولى حكم القوم إذ هي عند أهل الحجاز السيد والأمير والقيل في أنحاء اليمن وأن هؤلاء يحتاجون إلى من يمدحهم من قومهم ولاسيما الشعراء الذين كانوا يمدحون سادة القبائل وأمراءها الناطقين بلسانها ، ولذلك كثر الشعراء المادحون لهؤلاء الأمراء والإقيال موضحين دورهم في حياة القبيلة([27]).
وكان للخطباء العرب في عصر ما قبل الإسلام هيئات يكونون عليها عند إلقاء خطبهم ، إذ كانوا يخطبون على رواحلهم ويلوتون العمائم ، ويتخذون المخاصر ويعتمدون على الأرض بالقسي ويثيرون بالعصا ، وقد بيّن هذا الجاحظ عند رده على الشعوبية بطعنها العرب الخطباء لأخذهم المخصرة والقضيب والاعتماد على القسي والخد في الأرض ، والإشارة بالقضيب([28]) ولعلهم في هذا يدعون الخطيب على أن يقلل من التنحنح والسعال والعبث باللحية ([29]).
ويبدو أن اتخاذ الخطيب إلقاء خطبته من مكان مرتفع كالراحلة مثلاً أو نشز من الأرض كان الهدف منه إبعاد مدى الصوت ، وللتأثير بشخصية الخطيب وإظهار ملامح وجهه وحركات جوارحه([30]) وفضلاً عن هذا فأن اعتمادهم على المخصرة أو العصا أو القنا يقصد منه الإشارة بإحداها([31]).
وإلى جانب ما ذكر ، فإن هناك سمات ، بعضها معنوي ، ينبغي أن تكون في الخطيب، منها أن : أن يكون قليل اللحظ ، جهر الصوت ، متميز اللفظ ، قوي الحجة ، نظيف البزة ، كريم الأصل عاملاً بما يقول([32]). وفضلاً عما ذكر ، فأنه ينبغي أن يكون الخطيب متمكناً من اللغة التي يخاطب بها ، عارفاً أقدار مستمعيه على استيعاب ما يقول ليتمكن بذلك من دخول قلوبهم بقوة الحجة وفصاحة البيان .
أشهر الخطباء العرب قبل الإسلام :
على الرغم من تحدث مصادر الأدب العربي لعصر ما قبل الإسلام عن عدد الخطباء ، إلاّ أنها لا تذكر الخطب التي خطبوها .
لقد تحدث الجاحظ عن خطباء العرب قبل الإسلام ، ذاكراً عدداً من هؤلاء الخطباء مسمياً القبائل التي ينتمون إليها ولاسيما قبيلتي تميم وإياد ، ويبدو أن الذي دفع الجاحظ لذلك ما ذكرته المظان عن رؤية الرسول (r) لقس بن ساعدة ، وسماعه خطبته المشهورة ، فالنبي (( هو الذي عجب من حسنه ، وأظهر من تصويبه ، وهذا إسناد تعجز عنه الآمال ، وتنقطع دونه الأماني )) ([33]).
هذا الذي جاء في شأن إياد ، أما قبيلة تميم ، فأن الجاحظ يروي في شأن ذلك كلاماً كالذي قيل في إياد ، لأن النبي ( علية الصلاة والسلام ) ، لما سأل عمرو بن الأهتم عن الزبرقان بن بدر أجيب تائه ، بأنه مانع لحوزته ، مطاع في دينه فقال الزبرقان : أما أنه علم قد علم أكثر مما قال ، ولكنه حسدني في شرفي ، فقال عمرو: أما لئن قال ما قال فوالله ما علمته إلاّ ضيق الصدر ، زمر المروءة ، لئيم الخال ، حديث الغنى ، فلما رأى أنه قد خالف قوله الأول ، ورأى الإنكار في عيني رسول ، قال يا رسول الله : رضيت فقلت أحسن ما علمت ، وغضبت فقلت أقبح ما علمت ، وما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الأخرى فقال رسول الله (r) (( إن من البيان لسحرا )) ([34]).
وهكذا جعل الجاحظ منزلتي إياد وتميم من الخطابة منزلة رفيعة اعتماداً على الشهادة بحق خطبائهما التي رواها الجاحظ موصولة برسول الله (r) الذي شاهد قس بن ساعدة خطيباً ، وشهادته ببلاغة عمر بن الأهتم .
ويشير الجاحظ إلى عدد من الخطباء الذين صاروا مضرباً للأمثال في اللسن والفصاحة ، إذ يقول :
كقس إياد أو لقيطٍ بن معبِد
وعذرة المنطيق زيد بن جندب ([35])
فالشاعر المرثي من إياد والخطيب المضروب به المثل كذلك . إن هذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على تمكن إياد من الخطابة ، وعلو منزلتها في ذلك . وهذه إشارة أخرى في معنى ما سبق قول الشاعر من إياد ضارباً بمثال لخطيب إيادي ([36]) مشهور هو قس بن ساعدة :
فإنك ضحاك إلى كل صاحب
وأنطق من قس غداة عكاظها([37])
وفضلاً عما ذكر في شأن إياد وخطبائها فللجاحظ إشارة صريحة إلى أن لهم خطباً طوالاً ([38]) إذ يقول :
يرمون بالخطبِ الطوال وتارة
وحي الملاحظ خيفة الرقباء([39])
ومن خطباء تميم المشهورين أكثم بن صيفي ([40]). وهو رئيس الوفد الذي كلفه النعمان بن المنذر ليرأس الوفد الذي أرسله لمقابلة كسرى ملك الفرس والذي أعجب به كسرى حتى قال له : ويحك يا أكثم ما أحكمك وأوثق كلامك .
ومن خطباء كنانة كعب بن لؤي وهو الجد السابع للرسول (عليه الصلاة والسلام ) فقد ذكر عنه أنه من الخطباء القدماء ، وكان يخطب على عامة العرب ، ويحض كنانة على البِرِّ ، فلما مات أكبروا موته ، فلم نزل كنانة تؤرخ بموته إلى عام الفيل([41]).
وهناك عدد من خطباء العرب المشهورين الذين ذكرتهم المظان الأدبية وهم من قبائل متعددة منهم : قيس بن خارجة من سنان خطيب داحس والغبراء وخويلد ابن عمرو الغطفاني خطيب يوم الفجار([42]).
ظواهر الخطابة الفنية :
الخطابة من فنون النثر العربي قبل الإسلام ، وقد اتسمت بسمات فنية ، نتعرف عليها بعد أن نذكر نماذج من هذه الخطب نستنتج من خلالها السمات الفنية فمن تلك الخطب خطبة قيس بن ساعدة الإيادي خطيب العرب عامة والمضروب به المثل في الحكمة والبلاغة وكان يدين بالتوحيد ، ويؤمن بالبعث ويدعو العرب إليه بعد العكوف على الأوثان ، ويرشدهم إلى عبادة الخالق ([43]) تبدأ خطبته :
(( أما بعد : أيها الناس : اسمعوا ، وعوا ، منى عاش مات ، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت ، ليل داج ، ونهار ساج ، وسماء ذات أبراج ، ونجوم تزخر ، وجبال مرساة ، وأرض مدحاة ، وأنهار مجراة ، إن في السماء لخبرا ، وإن في الأرض لعبرا ، ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون ، أرضوا بالمقام فأقاموا؟ أم تركوا هناك فناموا ؟ يقسم قس بالله قسماً لا إثم فيه أن لله ديناً هو أرضى لكم وأفضل من دينكم الذي أنتم عليه إنكم لتأتون من الأمر منكرا ([44]) وأنشأ بعد ذلك يقول :
في الذاهبينَ الأولين من
لَمَا رأَيتُ موارداً
ورأيتُ قومي نحوها
ولا يرجع الماضي إلينا
أيقنتُ أني لامحاً
القرونِ لنا بصائر
للناسِ ليسَ لها مصادر
تمضي الأكابر والأصاغر
ولا من الباقين غابر
لهُ حيث صارَ القوم صائر
وحين يمعن الدارس نظره في هذه الخطبة يجد أن الخطيب قد اتخذ بعض الصور الفنية ، من ذلك ابتداء الخطبة بعبارة أما بعد ، ثم عقبها بعبارة النداء ، أيها الناس ، وامتازت جمل الخطيب بقصرها ، وتقوم معانيها على المنطق والمحاججة ، واستعمال الجمل النثرية المسجوعة التي تدور معانيها حول عبادة الواحد ونبذ الأصنام والأوثان ، ولم ينسَ الخطيب تقوية المعاني التوحيدية التي تزخر بها خطبته بأبيات شعرية تتضمن بعضاً من المعاني التي تناولتها الجمل المنثورة .
ومن الخطب الجيدة خطبة حكيم العرب أكثم بن صيفي ألقاها في مجلس كسرى الفرس حين رأس الوفد الذي بعث به النعمان بن المنذر ليدحض ما سمعه من كسرى من انتقاصه من العرب ، الأمر الذي جعله يقول لأكثم بعدما سمع خطبته، ويحك يا أكثم ما أحكمك وأوثق كلامك([45]) .
وأما الخطبة فهي : إن أفضل الأشياء أَعاليها ، وأعلى الرجال ملوكهم ، وأفضل الملوك أعمها نفعاً ، وخير الأزمنة أخصبها ، وأفضل الخطباء أصدقها . الصدق منجاة ، والكذب مهواة ، والشر لجاجة والحزم مركب صعب والعجز مركب وطيء آفة الرأي الهوى وسوء الظن عصمة ، إصلاح فساد الرغبة خير من إصلاح الراعي ومن فَسَدَتْ بطانته كان كالغاص بالماء ، وشر البلاد بلاد لا أمير بها ، وشر الملوك من خافه البريء ، المرء يعجز لا المحالة . أفضل الأولاد البررة خير الأعوان من لم يراء بالنصيحة ، أحق الجنود بالنصر من حسنت سريرته ، يكفيك من الزاد ما بلغك المحل . حسبك من شر سماعه الصمت حكم ([46]) وقليل فاعله . البلاغة الإيجاز ، من شدد نفر ومن تراخى تالف([47]) .
إن زعامة أكثم بن صيفي أوجبت عليه أن يمتلك الجرأة والشجاعة وهو يرد قول ملك فارسي انتقص من العرب ، ولذا بانت جرأة خطيبهم ولم يبالِ وهو يخاطب كسرى في عقر داره إلاّ أن يقول ما يريد قوله ، موضحاً علاقة المجتمع بالسلطة التي تملك زمام الأمور ، فجاءت كلمات الخطيب متسلسلة منطقياً ابتداءاً بكليات الأشياء فأفَْضَلُ الأشياء أعليها ، وأعلى الرجال ملوكها ، وأفضل الملوك أعمها نفعاً وخير الأزمنة أخصبها . ولا غرابة في أن يصدر قوياً جزلاً يضع الأمور في نصابها من حكيم من حكماء العرب وهو من أشرافهم وكبار محكميهم ، وقلَّ من جاراه من خطباء عصره في معرفة الأنساب وضرب الأمثال .
لقد أراد أكثم من صيفي من خلال ما بثه في خطبته من الإرشادات والنصائح أن يوضح لكسرى السياسة التي يتوجب على كسرى إتباعها مع من يقوم بقيادتهم من قومه الفرس ، وما يقتضيه الأمر من إتباع السياسة القائمة الحق وحسن التعامل مع الجيران ، ولاسيما العرب المجاورين للفرس . ولعل الخطيب يلمح لكسرى خطل سياسته وعلاقاته مع العرب القائمة على عقدة النقص في نظرته للعرب([48]). ويبدو أن هذه العقيدة تقف وراء الحروب التي شنها الفرس على حدود الوطن العربي لا تؤكد إلا عقدة النقص آنفة الذكر .
لقد جاءت الخطبة متسمة بقلة المجاز ، وحسن لإيجاز ، جامعة حلاوة الألفاظ ودقة المعاني ، موشحة بالأمثال التي تزيدها جمالاً ورونقاً ، واستعمل الخطيب أسلوب الإقناع بالبرهان ، ومن خلال النثر المرسل .
وهناك من يجرد هذه الخطبة من مقومات الخطابة ، إذ يراها طائفة من الأمثال لا تربط بينها وحدة موضوعية ، وليس فيها أقسام واضحة([49])، وإذ لا نرى هذا الرأي مسوغين لذلك بأن معاني الخطبة عامة ، إذ تتناول فيما يجب أن نكوّن علاقة السلطة بالناس الذين تقودهم معتمدة أسلوب البرهان والمحاججة . أما عدم وضوح أقسام الخطابة فلعل مرده أن خطابة أكثم قد جاءت عقب كلام لملك الفرس الأمر الذي جعل الخطيب يحذف افتتاحيات القول بعد انتفاء الحاجة إليه بما سبقه من كلام . إذ أن الخطيب العربي عندما يخطب يقوم شخص آخر بترجمة الكلام إلى اللغة التي يتكلم بها الملك الذي يخاطب زعيم وفد العرب ، ونضيف بأن ارتحال الخطبة وروايتها يقف سبباً آخر في عدم وضوح معالم الخطابة في عصر ضارب في أعماق التاريخ البعيدة ينبغي أن نقيس الأمور بالمقاييس السائدة عصرئذٍ .
خاتمــــة
وبعد هذه الجولة القصيرة في ربوع صحارى العرب بحثاً عما كانت لهم خطابة، ينبغي ذكر ما تمخضت عنه هذه الرحلة من أفكار عن موضوع البحث (الخطابة عند العرب قبل الإسلام ) نقول :
- إن نشأة الخطابة عند العرب وعند غيرهم من الأمم مقترن بنشأة الجماعات، ولما كان المجتمع العربي قبل الإسلام مكوناً من جماعات تشكل بُنى المجتمع، وهي القبائل العربية ، فقد اقتضى وجود الخطابة التي هي ضرورة من ضرورات أي تجمع.
- لقد كان للعرب أنواع من الخطابة اقتضها ظروف الحياة القبلية فهي خطب منافرات ومفاخرات ، ونصح إرشاد ، وخطب اجتماعية ، ودعوة للسلم بين القبائل ، وخطب وفادة على الأمراء والملوك .
- عرفت خطابة العرب قبل الإسلام بعض سمات الخطابة ، إذ ألتزم الخطباء ببعض السنن ، منها ابتداء الخطبة بالنداء يا أيها الناس ، يا معشر . ولكن بعض الخطباء يهجم على غرض خطبته مباشرة من غير تمهيد ، وقد ذكرنا تسويغاً لذلك في سطور البحث .
- ومن السمات الأخرى التي ينبغي على الخطيب مراعاتها ـ وقد ألتزم بها خطباء العرب ، لوت العمائم ، وهي تيجان العرب ، والوقوف على نشز من الأرض، واتخاذ العصا والمخصرة .
إنَّ كثرة خطباء العرب في بعض القبائل عدت القبيلة قبيلة خطابة . من ذلك ـ على سبيل المجاز طبعاً ـ قبيلة إياد المشهورة بكثرة الخطباء حتى ضرب بهم المثل ، وكذلك قبيلة تميم ، وقريش .
مصادر البحث ومراجعه
- الأغاني ـ الأصفهاني علي بن الحسين (ت 356هـ) ، ط الساسي .
- الأمالي ـ القالي إسماعيل بن القاسم ( ت 356هـ) ، المكتب التجاري ، د.ت .
- البرهان في وجوه ابيان ـ ابن وهب الكاتب (ت 325هـ) ، أحمد مطلوب وخديجة الحديثي ، مط العاني ، 1387هـ ـ 1967م.
- تاريخ آداب اللغة ـ جورجي زيدان ، منشورات مكتبة الحياة ، د.ت .
- التوجيه الأدبي ـ د. طه حسين وآخرين ، د.ت .
- جواهر الأدب ـ أحمد الهاشمي ، مط السعادة ، 1381هـ ـ 1961م.
- الخطابة في عصرها الذهبي ـ د. إحسان النص ، دار المعارف بمصر ، 1962م.
- الشعوبية ودورها التخريبي في الفكر العربي ـ مجموعة من الأساتذة ، مط الرشاد ، 1408هـ ـ 1988م.
- العقد الفريد ـ الأندلسي ابن عبد ربه أحمد بن محمد ( ت 328هـ) ، أحمد أمين وآخرون ، 1388هـ ـ 1969م.
- الفن ومذاهبه في النثر العربي ـ د. شوقي ضيف ، دار المعارف بمصر ، ط6 ، 1971م.
- في الأدب الجاهلي ـ د. طه حسين ، دار المعارف بمصر ، ط4 ، 1947م.
- الموجز في الأدب العربي وتاريخه ـ وضع لجنة من أساتذة الأقطار العربية.
- المعمرون والوصايا ـ السجستاني أبو حاتم ( ت 250هـ) ، تحـ عامر عبد المنعم، وعيسى البابي الحلبي ، دار إحياء العلوم ، 1961م.
- الوسيط في الأدب العربي وتاريخه ـ الإسكندري وآخرين ، ط18 ، د.ت .