المقدمة
تمثل اللغة الأداة للمعرفة الإنسانية، إذ من دونها لا يمكن الرقي والتقدم في مسار الحضارة واللغة هي الهوية لأية أمة من أمم الأرض وعليه فقد حرصت تلك الأمم على لغاتها واعتزت بها أي اعتزاز، ومنها امتنا العربية الخالدة فقط استطاع القرآن الكريم أن يوحد هذه الأمة عندما نزل بالعربية الفصحى المشتركة بعد أن كانت عدة لهجات متباينة. وعليه فإن الباحث في اللغة لا يجد أمامه إلا أن يخلص لهذه اللغة فيما يكتب وفيما ينطق. فللغة العربية أهمية كبيرة في نفوس الناطقين بها، قال لويس لافيل: (الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعطي الموجودات أسماء لذلك فإن للغة من الأهمية ما يعادل خلق العالم).
ومن هنا جاء كتابنا هذا وهو مجموعة من الدراسات تناولت الدلالة في القرآن الكريم ، وهذه الدراسات نشرت في مجلات علمية محكمة. وهدفنا في تأليف هذا الكتاب جمع ما تفرق من دراسات في المجلات لتكون كتابا جامعا لها وتحت أنظار الباحثين والدارسين وتيسير الجهد في طلبها. وتضمن الكتاب ستة فصول وهي:
الفصل الأول: المفردة القرآنية بين الجذر اللغوي والمعنى القرآني.
الفصل الثاني: ألفاظ البشارة في القرآن الكريم.
الفصل الثالث: المستويات اللغوية للفظ الجلالة (الله).
الفصل الرابع: الألفاظ المعبرة عن المطر في القرآن الكريم.
الفصل الخامس: الدلالة اللغوية في كتاب إعراب ثلاثين سورة من القران الكريم لابن خالويه:
الفصل السادس: العدد في التعبير القراني.
أعقب هذه الفصول فهرس الموضوعات.
أرجو الله تعالى أن يتقبل منا هذا العمل ويجعله في ميزان حسناتي انه سميع مجيب.
المؤلف
المبحث الأول:جرس المفردة وظلها
الجَرْسُ ـ بفتح الجيم وكسرها الصوت، يقال: سَمِعتُ جَرْسَ الطيرِ،إذا سمعت صوت مناقيرها (1)، ومنه ما جاء في الحديث الشريف (فَيَسمعونَ جَرْسَ طيرِ الجنّةِ) ([2]).
وجرس المفردة صوت حروفها من حيث الشدّة والرّخاوة، والجهر والهمس، وما إلى ذلك وعليه فإنَّ هذا المبحث يتناول أصوات المفردة القرآنية وما تدل عليه من معان، أي يتناول ترتيب أصوات المفردة، فهي بهذا الترتيب الخاص توحي بمعناها قبل أن يوحي مدلولها اللغوي عليها ([3]) .
وقد امتازت المفردة القرآنية بثلاث ميزات رئيسة هي ([4]):
1. جمال وقعها في السمع.
2. اتساقها الشامل في المعنى.
3. اتساع دلالاتها لما لا يتسع له عادةً دلالات الكلمات الأخرى.
وهذه الميزات لا نجدها مجتمعة في كلام البشر، بل نجد بعضها في كلام البلغاء، والفصحاء: كالإمام علي (عليه السلام)، والشافعي والجاحظ، والمتنبي (أمّا أن تجتمع كلها معاً وبصورة مطّردة لا تتخلف أو تشذ فذلك مما لم يتوافر إلا في القرآن) ([5]).
ومن الأمثلة على ذلك المفردة (اثَّاقَلتُم) في قوله تعالى: (يا أيُّها الذين آمنوا مالَكُم إِذا قيلَ لكُم انفروا في سبيلِ الله اثّاقَلتم إلى الأرض)([6])
أصل (اثاقلتم) تَثاقَلتم من الجذر الثلاثي (ثَقَلَ) بمعنى (تَباطأتم) فأدغمت التاء في الثاء لتداني مخرجيهما، وجيء بالهمزة للتوصل إلى النطق بالساكن. والتاء صوت شديد، والثاء صوت مهموس وهي من أصوات النفث ([7]).
وتدل المفردة بمقاطعها الأربعة على التثاقل،والتباطؤ، والتحامل، قال الخليل: (والتثاقل من التباطؤ والتحامل في الوطء، يقال: لأطأنّه وطء المتثاقل)([8]) .
والمقاطع هي:
س ع س+ س ع ع+ س ع س+س ع س
طويل طويل طويل طويل
مغلق مفتوح مغلق مغلق
ء ــِ ث ث ــً ق ــَ ل ت ـُ م
إنَّ المفردة (اثّاقلتم) وصورة أدائها توحي بالمعنى قبل أن يرد من المعجمات. جاء في التعبير الفني في القرآن: (فنظام الأصوات للفظة (اثّاقلتم) وصورة أدائها أوحت إليك بالمعنى قبل أن يرد عليك المعنى من جهة المعاجم، ألا تلاحظ في خيالك ذلك الجسم المتثاقل يرفعه الرافعون في جهد فيسقط في أيديهم في ثقل؟ ألا تحس أن البطء في تلفظ الكلمة ذاتها يوحي بالحركة البطيئة التي تكون في المتثاقل)([9]) .
إنَّ هذا المعنى لا يحصل مع (تثاقلتم) لأننا عندما ننطق هذه المفردة نشعر بالخفة والسرعة في النطق من دون جهد ومشقّة، وعليه فإنَّ مجيء المفردة (اثّاقلتم) بهذه الصورة من الإدغام، ومجيء الهمزة في أولها مقصود استدعاه السياق القرآني مع أن كلتا الصيغتين من الجذر الثلاثي (ثقل)، وكذلك كلتاهما تتألف من أربعة مقاطع
صوتية، ولكن المقطع الأول من (تثاقلتم) قصير، وهو في (اثاقلتم) طويل مغلق بسبب تشديد الثاء وهو مركز الثقل.
إنَّ الذي جعل لـ(اثّاقلتم) ثقلا وجهدا في الحركة وتباطؤاً هو ترتيب أصواتها ترتيباً خاصاً، فإدغام التاء في الثاء، ثم الألف المدية، ثم القاف التي هي صوت شديد، ومجهور، ومستعل عند القدماء ([10]) وهو ذاته عند المحدثين إذ ينطبق انطباقاً قليلا ثم ينفجر ([11])، ثم التاء و الميم في الآخر التي تنطبق بها الشفتان ويخرج الهواء من الأنف ([12]). في هذا الترتيب العجيب نجد المفردة تؤدي معنى خاصاً، لا تؤديها الأخرى لو رتبت أصواتها المؤثرة بشكل آخر، ورفع تشديد الثاء الناتج عن الإدغام.
ومن المفردات الأخرى (ادّارأتُم) في قوله تعالى: ( وإِذ قَتَلتُم نَفْساً فادّارأتُم فيها)([13]).
أصل المفردة (تَدارأتم) بمعنى: تدافعتم، وتخاصمتم ([14])من الجذر الثلاثي(دَرَأ) بمعنى (دَفَع) ([15]) . وقرأ عبد الله بن مسعود( رضي الله عنه) (فتدارأتم)([16]) على الأصل فأدغمت التاء في الدال ، وهما مشتركتان في الجهر، وزيدت همزة الوصل في أولها للتوصل إلى النطق بالساكن. إنَّ هذه المفردة أقوى جَرْساً من المفردة (تدارأتم) وهي الأصل، لما في التشديد من قوة ثم الألف المدية فالراء التي تفيد التكرار، ثم الهمزة الشديدة، المجهورة، ثم التاء فالميم التي تنطبق بها الشفتان عند النطق وخروج الهواء من الأنف.
كل ذلك جعل المفردة أقوى جرْساً وأشد في النطق من (تدارأتم)، وجاء النطق بهذا البناء للانسجام مع السياق القرآني، فلو نطقنا بـ(تدارأتم) لما حصل المعنى المقصود. ونجد أنَّ كلتا المفردتين تتألف من أربعة مقاطع صوتية، فـ (ادّارأتم) تتكون من مقطع طويل مغلق، فطويل مفتوح، فطويل مغلق، فطويل مغلق ورموزها هي:
س ع س + س ع ع + س ع س + س ع س
ءــِ د +د ــً + ر ــَ ء + ت ــُ م
أما (تدارأتم) فتتكون من مقطع قصير، فطويل مفتوح، فطويل مغلق، فطويل مغلق ورموزها هي:
س ع + س ع ع + س ع س + س ع س
ت ـَ + د ــً + ر ــَ ء + ت ــُ م
وهذا يعني أنَّ المقطع القصير من (تدارأتم) صار مقطعاً طويلاً مغلقاً مع( ادّارأتم) بسبب الإدغام والهمزة في أولها، وبقيت المقاطع الثلاثة كما هي.
ومن المفردات القرآنية الأخرى (يُدَعّون) في قوله تعالى: ( يومَ يُدعّون إلى نارِ جَهنمَ دَعّا)([17]). معنى (يُدَعّون): يدفعون، من الجذر الثلاثي ( د ع ع) بمعنى: دفع ([18]) أو من الجذر (د ع و)، قال ابن فارس: ( فالدال، والعين، والواو أصل واحد، وهو أن تميل الشيء إليك بصوت وكلام ليكون منك)([19]). وهذا يعني أن الجذر (د ع ع) أو (د ع و) هو الدفع الشديد، العنيف المصحوب بصوت وكلام، وهو المعنى الأصلي للمفردة.
وقرأ علي بن أبي طالب (عليه السلام) (تُدَعّون) بصيغة الخطاب ([20]). وقد استعمل القرآن الكريم هذه المفردة استعمالاً خاصاً، فالدعُّ هو الدفع في الظهور بشدة وعنف، قال سيد قطب: ( فالدع: الدفع في الظهور، وهي حركة غليظة، تليق بالخائضين اللاعبين الذين لا يجدّون، ولا ينتبهون إلى ما يجري حولهم من الأمور فيُساقون سوقاً، ويُدفعون في ظهورهم دفعاً حتى إذا وصل بهم الدفع والدع إلى حافة النار، قيل لهم: (هذه النّار التي كنتم تُكذِّبون)، وبينما هم في هذا الكرب بين الدع والنار التي تواجههم على غير إرادة يجيئهم الترذل والتأنيب والتلميح إلى ما سبق منهم من التكذيب، أَفَسِحْرٌ هذا؟ أم أنتم لا تُبصرون) ([21]).
هذا مشهد مريب من مشاهد القيامة في دفع المكذبين في النار نعوذ بالله منها. لقد جاء المعنى السياقي ـ لهذه المفردة ـ في القرآن الكريم بدلالات خاصة، ففيها مباحث لفظية، ومعنوية كما ذكر الرازي في تفسيره ([22])، فالمفردة بترتيب أصواتها، وصفاتها، وقوة جَرْسها (تدل على هول نار جهنم، فخزنتها لا يقربونها، فهم يقذفون المكذبين، والكافرين فيها وهم بعداء عنها، إي إنَّ الملائكة يدفعون أهل النار إلى النار إهانة واستخفافاً بهم)([23]).
وقد صور المتصوفة هذا المشهد أحسن تصوير، قال ابن عربي في تفسيره: ( ... يُجرّون ويُسحبون بالعنف إلى نار الحرمان، والآلام في قعر بئر الطبيعة الفاسقة في سلاسل التعلقات، وانحلال الهيئات الجرمائية...) ([24]).
وأصل ذلك (أن يقال للعاثر ( دَعْْ دَعْ) أي يدفعون إليها دفعاً عنيفاً شديداً)([25]) .
إنَّ صيغة (يُدَعّون) أبلغ من صيغة (يدفعون)، وأقوى جَرْساً منها لما فيها من مبالغة في الدفع وتصوير أهل النار، أمّا الصيغة الثانية (يُدفعون) فلا مبالغة فيها، ولا قوة في الجرس، فهي تدل على مطلق الدفع في النار، فهو ليس شديداً، ولا عنيفاً. وعليه فاستعمال (يُدعّون) استعمال مقصود، وليس اعتباطاً أو عفوياً اقتضاه السياق القرآني.
والمفردة (يُدعّون) تتألف من ثلاثة مقاطع صوتية هي:
س ع س ع س س ع ع س
قصير طويل مغلق مديد
ي ــُ د ــَ ع ع ــٌ ن ، في الوقف
أما المفردة الأخرى ( يدفعون) فتتألف من ثلاثة مقاطع أيضاً هي:
س ع س س ع س ع ع س
طويل مغلق قصير مديد
ي ــُ د ف ــَ ع ــٌ ن في الوقف
ومن المفردات القرآنية الأخرى (يَصْطََرِِخُون) في قوله تعالى: ( وهم يَصْطَرِخون ربَّنا أخرجنا نَعملُ صالحاً غيرَ الذي كُنا نعملُ)([26]).
المفردة مشتقة من الجذر الثلاثي ( ص ر خ)، والأصل (يَصترخون) فأبدلت الطاء من التاء، والمسوغ لهذا الإبدال أنهما متفقان في الصفة، فهما صوتان شديدان مطبقان مستعليان ([27]). وقد أثبتت التجارب الحديثة أنهما شديدان ([28])، وهما متقاربان في المخرج. وتدل المفردة بأصواتها الأصلية على الصوت الرفيع، قال ابن فارس:
( الصاد والراء والخاء أصل يدل على صوت رفيع ومن ذلك: الصراخ، يقال للصارخ: المستغيث) ([29]).و (يَصْطَرِخُون) ـ بإبدال الطاء من التاء للمبالغة تدل على الشدّة في الصراخ بسبب الخوف والفزع الذي أصاب الكفار، جاء في تفسير روح البيان: (إِنَّ الصراخ افتعال وهو الصياح بجهد وشدة، ودخلت الطاء فيه للمبالغة كدخولها في الاصطبار، والاصطفاء، والاصطناع)([30]) ، ومثل هذا ما ذكره ابن عاشور في تفسيره ([31]). فالسياق القرآني اقتضى التعبير عن شدة الخوف، والفزع، والهلع بصيغة المبالغة (يصطَرِخون)، وهذا المعنى لا يتحقق مع صيغة ( يصرَخون) لأنها لا مبالغة فيها، فهو مطلق الصراخ والاستغاثة، لا تكلف فيه.
والذي أدل إلى هذا المعنى، وهو الصراخ بشدة وبجهد هو ترتيب هذه الأصوات وما تدل عليه من صفات، فالصاد صوت صفير رخو مطبق مستعل، والطاء صوت شديد مجهور مطبق مستعل ، وعندما التقى الصاد بالطاء أنعم بيانه، وأعطى حقه من الإطباق والاستعلاء([32])، فخرج من رخو إلى شديد، وهذا ينسجم مع طبيعة البشر، كما ينسجم مع سياق الآية القرآنية، وهو الصياح بجهد وشدة، وآلام لأهل النار، وكما قلنا لو أبدلنا (يصطَرِخون) بـ(يصرخون) لما تحقق هذا المعنى، لأن الصاد والخاء صوتان رخوان ([33])، فالتعبير عن هذا المعنى جاء مقصوداً في الآية القرآنية الكريمة. إنَّ هذه المفردة تتألف من أربعة مقاطع صوتية هي:
س ع س س ع س ع س ع ع س
طويل مغلق قصير قصير مديد في الوقف
ي ــَ ص ط ــَ رــِ خ ــُـُ ن
أما (يصرخون) فتتألف من ثلاثة مقاطع صوتية هي:
س ع س س ع س ع ع س
طويل مغلق قصير مديد
ي ــَ ص ر ــُ خ ــُـُ ن
بإسقاط المقطع القصير الثاني من (يصطرخون) لأن الطاء المبدلة من التاء زائدة جيء بها للمبالغة.
ومنها المفردة (الصَّاخَّة) في قوله تعالى: ( فإذا جاءتِ الصّاخَّةُ)([34]).
الصَّاخة مشتقة من الجذر الثلاثي ( ص خ خ)، وهي الصيحة الشديدة التي تصخ الأسماع أي تصمها فلا تسمع الا ما تدعي به الأحياء ([35]) ، فهي ذات جَرْسٍ عنيف وشديد يخرق صماخ الأذن، قال سيد قطب: ( والصّاخَّة لفظ ذات جَرْسٍ عنيف نافذ يكاد يخرق صماخ الأذن، وهو يشق الهواء شقاً حتى يصل إلى الأذن صاخّاً ملحّاً)([36]). وقد اختلف المفسرون في دلالة هذه المفردة، قال ابن كثير: ( قال ابن عباس: الصاخّة اسم من أسماء القيامة، عظّمه الله، وحذر عباده، وقال ابن جرير: لعله اسم للنفخة في الصور. وقال البغوي: الصاخّة يعني صيحة القيامة، سميت بذلك لأنها تصخُّ الأسماع، أي تبالغ في أسماعها حتى تكاد تصمُّها)([37]).
واني أرجح من هذه الأقوال أنها الصيحة الثانية للبعث. وتكمن قوة جرس المفردة في ترتيب أصواتها ، فالصاد صوت صفيري مهموس رخو، مطبق مستعل، ثم الألف المديّة بعدها الخاء المشددة، وهي حرف مهموس رخو حلقي. وقد مدت الألف مدّاً مفرطاً وهو ما يسمى بـ( المد الغالي)([38]) ، وهو أطول مد في القرآن الكريم ، وهذا المد بمقدار ست حركات ([39]) كل هذا جعل للمفردة جرساً قوياً شديداً مؤثراً. وقد وصف سيد قطب قوة جَرْس المفردة بقوله: ( وإيقاع اللفظ بذاته أشبه شيء برفع الثقل طويلاً ثم استقراره استقرارا مكيناً رفعه في مدّة الصاد بالألف، واستقراره في تشديد الخاء بعدها والانتهاء بالتاء المربوطة التي يوقف عليها بالهاء الساكنة) ([40]).
ونجد المفردة تتألف من ثلاثة مقاطع صوتية هي:
س ع س س ع ع س س ع س
طويل مغلق مديد طويل مغلق
ء ــَ ص ص ــً خ خ ــً ه
المقطع الثاني مركز الثقل وقد اخترق النظرية الصوتية.
ومنها المفردة (الحاقَّّة) في قوله تعالى: ( الحاقَّةُ ما الحاقَّةُ)([41]).
الحاقّة مشتقة من الجذر الثلاثي ( ح ق ق ) على وزن فاعِلة، وهي الساعة أو يوم القيامة ([42]).
اختلف العلماء لِمَ سميت الحاقّة؟ على ثلاثة أقوال ([43]):
الأول: أنها سميت حاقّة لأنها تحق كل إنسان من خير أو شر.
الثاني: أنها سميت حاقة لأن فيها حواق الأمور والثواب، وهذا قول الفرّاء.
الثالث: أنها سميت حاقّة لأنها تحق كل محاق في دين الله بالباطل، أي كل مجادل، ومخاصم فتحرقه، أي تغلبه وتخصمه.
إنَّ هذه المفردة ذات جرس قوي وشديد بسبب بنيتها، وصفات أصواتها، فالحاء صوت رخو أيّدته التجارب الحديثة ([44])، بعده الألف المدية، مدت مداً مفرطاً، ثم القاف وهي صوت شديد مجهور مشدد. قال سيد قطب: ( ويبرز هذا المعنى في اسم القيامة المختار في هذه السورة والذي سميت به سورة الحاقة... وهي بلفظها وجرسِها، ومعناها تلقي في الحس معنى الجد، والصرامة، والحق، والاستقرار، وإيقاع اللفظ بذاته أشبه شيء برفع الثقل طويلاً ثم استقراره مكيناً، رفعه في مدّة الحاء بالألف وجده في تشديد القاف بعدها، واستقراره بالانتهاء بالتاء المربوطة التي تنطق هاء ساكنة)([45]).
وبهذا الترتيب والبناء صارت المفردة بجَرسها القوي معبرة عن المعنى من دون الرجوع إلى المعجمات اللغوية، إذ أن المفردة معبرة عن معناها من دون عناء وجهد في الكشف عنه. والحاقّة صيغة (فاعلة) والهاء زيدت للتأنيث والمبالغة، وعليه فهي صفة لموصوف مقدر مؤنث اللفظ، التقدير: الساعة الحاقّة ([46])، أو أن تكون الهاء لحقت المصدر على وزن (فاعلة) مثل (الكاذِبة) للكذب ([47])، أو أن يكون المراد لقباً لقيام الساعة أي الواقفة الحاقة ([48])، ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى الحق، فيصح أن يكون وصفاً ليوم القيامة بأنه حق ([49]).
والمفردة تتألف من ثلاثة مقاطع صوتية هي:
س ع س س ع ع س س ع س
طويل مغلق مديد طويل مغلق
ء ــَ ل ح ــً ق ق ــَ ه
ومن المفردات الأخرى (القارِعة) في قوله تعالى: ( القارِعَةُ ما لقارِعةُ)([50]).
القارِعة مشتقة من الجذر الثلاثي ( ق ر ع) بمعنى ضرب الشيء، يقال: قرعتُ الشيءَ أقرعُهُ: ضربتُهُ ([51])، والقارعة الشديدة من شدائد الدهر، وهي الداهية ([52])، هذا الأصل اللغوي للمفردة. والقارعة في الاستعمال القرآني اسم من أسماء القيامة كالحاقَّة، والطامَّة، والصَّاخَّة([53]) . قال تعالى معظّماً أمرها، ومهولاً شأنها: ( وما أدراكَ ما القارِعة)([54]). والمفردة ذات جرس قوي وشديد بسبب ترتيب أصواتها، ، فالقاف صوت شديد، مجهور،مستعل لهوي، تلته الألف المدية ثم الراء التي فيها تكرير ثم العين وهي عند القدماء من الأصوات المتوسطة بين الشدة والرخاوة، مخرجه من وسط الحلق ([55]) وقد وصف الخليل القاف، والعين بقوله : (ولكن العين ، والقاف لا يدخلان في بناءٍ إلاّ حسّناه ، لأنهما أطلق الأصوات وأضخمها جرساً)([56]) .
وقد أصاب القاف والعين تطور تاريخي فصارا حرفين مهموسين عند المحدثين ([57])
وعلى هذا فإن المفردة (القارِعة) توحي بالقرع واللطم، فهي تفزع القلوب بهولها، قال سيد قطب: ( فمن تناسق التصوير أن تسمى القيامة بالقارعة فَيتسق الظل الذي يلقيه اللفظ والجرْس الذي تشترك فيه حروفها كله مع آثار القارعة في الناس والجبال سواء، وتلقي إيحائها للقلب والمشاعر تمهيداً لما ينتهي إليه المشهد من حساب وجزاء) ([58]). وقال في قوة جرس المفردة مع ظلها: ( لقد ألقيت اللفظة مفردة كأنها قذيفة بلا خبر، ولا صفة، تلقي بظلها وجرسها الإيحائي المدوي المرهوب، ثم أعقبها سؤال التهويل: ما القارِعة؟ فهي الأمر المستهول الغامض الذي يثير الدهشة والتساؤل ثم أجاب بسؤال التجهيل ( وما أدراك ما القارعة) فهي أكبر من أن يحيط بها الإدراك، وإن لم يلم بها التصور!) ([59]).
والمفردة تتكون من أربعة مقاطع صوتية هي:
س ع س س ع ع س ع س ع س
ء ــَ ل ق ــً ر ــِ ع ــَ ه
وختاماً يمكن القول بأن (هذه الكناية تفخم المعنى في نفوس السامعين، مستفيدة من الاستفهام التفخيمي والتهويلي في قوله تعالى: ( ما القارِعةُ) فضلاً عن التكرار الذي يرسخ الصورة) ([60]).
أكتفي بهذا القدر من المفردات القرآنية، وسوف نعرض في المبحث الثاني المفردة اللغوية وتطورها الدلالي إن شاء الله تعالى.
المبحث الثاني:التطور الدلالي للمفردة
المفردة العربية في عصر ما قبل الإسلام كانت تطلق على معنى معين، وهو المعنى المعجمي أو ما يسميه الأصوليون بالمعنى الوضعي. وفي عصر نزول القرآن دلت على معنى إسلامي جديد وهو المعنى الاصطلاحي، أو المعنى الشرعي، وهذا المعنى لم يكن معروفًا قبل ذلك كالصلاة، والزكاة، والصوم، فالصلاة كانت تطلق على الدعاء، والزكاة كانت تطلق على النماء، والصوم كان يطلق على الإمساك. وفي الإسلام أطلقت على الشعائر العبادية.
ومعنى هذا أن دلالات هذه المفردات وسواها كانت معممة ثم خُصِّصت، ولكن هذا لا يعني أن هذه المفردات ماتت كما ذهب إلى ذلك عدد من الباحثين وإنما بقي استعمالها في القرآن الكريم بمعناها اللغوي، أو الوضعي كما سنبينه لاحقًا إن شاء الله.
قال ابن فارس: (... نقلت من اللغة ألفاظ من مواضع إلى مواضع أخر بزيادات زيدت، وشرائع شرعت)([61]) .
وجاء في كتاب النص السلطة الحقيقية: (إنَّ النص القرآني أحدث تغييرًا في دلالة بعض الألفاظ فنقلها من دلالتها اللغوية الاصطلاحية في اللسان إلى دلالات أطلق عليها اسم الدلالة الشرعية، وذلك في ألفاظ مثل الصلاة، والزكاة، والصوم التي تجاوز القرآن الكريم دلالاتها اللغوية التي هي:( الدعاء، والنماء والزيادة، والإمساك) إلى أن تدل على الشعائر والفروض العبادية المعروفة)([62]) .
إن هذه المفردات وسواها لم تكن عرب الجاهلية تعرفها، وإنما كانوا يعرفون مدلولها اللغوي الذي تعارفوا عليه، فقد سنها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) بإلهام من الله تعالى، قال الرازي: ( الإسلام هو اسم لم يكن قبل مبعث النبي (صلى الله عليه واله وسلم)، وكذلك أسماء كثيرة مثل الأذان، والصلاة، والركوع، والسجود، لم تعرفها العرب إلا على غير هذه الأصول، لأن الأفعال التي كانت هذه الأسماء لها لم تكن فيهم وإنَّما سنَّها النبي صلى الله عليه واله وسلم، علمها الله تعالى إياه فكانوا يعرفون (الصلاة) إنها الدعاء.... وعلى هذا كانت سائر الأسامي)([63])
وقد اختلف العلماء في هذه المفردات هل انقرضت وماتت بعد أن نقلت دلالاتها إلى دلالات إسلامية جديدة أو بقيت مستعملة في القرآن الكريم؟
فقد ذهب الشريف المرتضى وهو من الأصوليين إلى أن المعنى اللغوي لهذه المفردات بقي مستعملا في القرآن، الذي حدث هو أن المعنى بعد أن كان معممًا صار مخصصًا، قال: (إنَّ لفظ الصلاة في أصل اللغة هو الدعاء بلا شبهة، ولم ينتقل بعرف الشرع عن هذا المعنى، وإنما تخصص لأنه كان محمولاً قبل الشرع على كل دعاء في أي موضوع كان، وفي الشريعة تخصص بالدعاء في ركوع، وسجود، وقراءة)([64]). وقال أيضًا: ( وجرى في أنه تخصص مجرى لفظ الصيام لأنه كان في اللغة عبارة عن الإمساك، وصار في الشرع عبارة عن الإمساك عن أشياء مخصوصة في أوقات مخصوصة. فأمّا الزكاة فهي النماء والزيادة في اللغة، وجعلها الشرع عبارة عن سبب ذلك من الصدقة المخصوصة)([65]).
وقال الدكتور مازن المبارك: ( ونحن لو تجاوزنا الألفاظ الإسلامية وما يتصل بها لوجدنا أنَّ التطور الذي أصابته لم يخرج غالبا عن دلالتها الأولى وإنما نقلها من محيط دلالتها الأولى من معنى عام الى معنى خاص)([66]).
وذهب فريق آخر ومنهم الدكتور كامل البصير إلى أنَّ المفردات التي انتقلت دلالاتها في الإسلام إلى دلالات جديدة قد ماتت ولم تستعمل، قال: (منح هذا كثيرًا من الكلمات العربية قبل الإسلام مدلولات قرآنية في ميدان الشريعة مثل الصلاة، والصوم، والزكاة، والركوع، والسجود، والدين، والكفر وغير ذلك، فنسخت معانيها السابقة وماتت، وتحولت إلى معان جديدة تبقى لها وشائجها التي ترتبط من خلالها بالدلالة الجديدة، يدعم ذلك قول علماء النفس واللغة بأن " الكلام ليس شبحا يطوف بلسان المتكلم ثم يختفي عنه بل هو جزء من ملكته العقلية" ([67])
ولعل رأي الشريف المرتضى الذي يؤيد استمرار المعنى اللغوي في الاستعمال القرآني أقرب إلى الدرس اللغوي الحديث، فالألفاظ القديمة تكتسب دلالات جديدة مستحدثة إذا توافرت لها شروط خاصة، فهذه الألفاظ أصبحت مصطلحًا دعت الحاجة إليه ([68]). وينبغي لنا أن ندرس طائفة من هذه المفردات لنتعرف على جذورها اللغوية ودلالاتها اللغوية والاصطلاحية الشرعية بشيء من التفصيل
الصلاة:
الصلاة مشتقة من الجذر الثلاثي (ص ل ا) وهي في اللغة الدعاء ([69])بدليل قوله تعالى: (وصلِّ عليهِم إنَّ صلاتَك سَكَنٌ لهم)([70]) أي: أُدع لهم.
وسميت الصلاة الشرعية صلاة لاشتمالها عليه. والصلاة من الله تعالى رحمة ([71]) وهي ثناء من الله تعالى، قال جل ثناؤه: (أولئك عليهم صلواتٌ من ربِّهم ورحمة)([72])، أي ثناء عليهم من الله تعالى. والصلاة من المخلوقين، الملائكة والإنس، والجن: القيام، والركوع، والسجود ([73]) ، وهي في الأصل اللزوم، قال الزجاج: (الأصل في الصلاة اللزوم،يقال قد صلى واصطلى إذا لزم) ([74]) قال أهل اللغة إنها من الصَّلَوَيْن وهما مكتنفا الذَّنب من الناقة وغيرها ([75]) .
والصلاة اسم يوضع موضع المصدر، تقول صلّيتُ صلاةً، ولا تقل تصليةً ([76]) ، وقال بعض اللغويين إنَّ الصلاة مأخوذة من الجذر (صَلأَ) بالهمزة، قال: (ومعنى صلَّى الرجل، أي أنه أزال عن نفسه بهذه العبادة الصلاء الذي هو نار الله الموقدة)([77]) . ولا يستطيع الباحث أن يجزم بحقيقة المعنى الأصلي الذي منه انتقلت الصلاة إلى معناها الشرعي، أهو الصَّلَوان أم الصلة واللزوم والدعاء؟
وقد كانت لفظة الصلوين مستعملة في الشعر الجاهلي، فقد كانت عرب الجاهلية تسمى الفرس الأول السابق والثاني (المصلى) لأنه يتبع صلوى الفرس الذي يسبقه، قال بشامة بن حزن النهشلي: ([78])
إنْ تبتدر غايةً يومًا بمكرمةٍ تلقَ السوابقَ منّا ولَمَصَلِّينا
وعلى الرغم من هذا فإني أرى أنَّ الصلاة لم تؤخذ من هذا المعنى وهيأتها الإسلامية، ويبقى المُصلى والمصلون عندهم لفظين مستمدين من البيئة، ولا علاقة له بالصلاة، ولذلك لا أرى بأن الصلاة مأخوذة من اللزوم .
أمّا معناها الشرعي الإسلامي، فهي الصورة العبادية المعهودة التي علَّمها الرسول (صلى الله عليه وسلم) للمسلمين، وهي أقوال وأفعال يقصد بها تعظيم الله، مفتتحة بالتكبير، ومختتمة بالتسليم ([79]) ، أو هي عبارة عن أركان مخصوصة وأذكار معلومة بشرائط محصورة في أوقات مقدرة...)([80]) . ومن الشواهد قوله تعالى: ( واستعينوا بالصَبْرِ والصَّلاةِ، وإِنَّها لكبيرةُ إلاّ على الخاشعين)([81])، وقوله عز وجل: ( يا أيُّها الذينَ آمنوا إذا قُمْتُم إلى الصَّلاةِ فاغْسِلوا وُجُوهَكُم وأيديَكم إلى المَرافِقِ، وامسَحوا بِرءوسِكم وأرجُلَكم إلى الكَعبين)([82]).
والمعنى اللغوي للصلاة مرتبط بالمعنى الشرعي، أو الاصطلاحي، فاللفظة بعد أن كانت معممة في عصر ما قبل نزول القرآن أصبحت في عصر نزول القرآن مخصصة، وبقي المعنى اللغوي مستعملاً في القرآن الكريم إلى جانب المعنى الشرعي، قال تعالى: (إِنَّ اللهَ وملائِكَتَه يُصَلّون على النبي، يا أيُّها الذين آمنوا صَلُّوا عليهِ وسَلِّموا تَسْليما)([83]). وقوله جلَّ علاه: (وصّلِّ عليهِم إنَّ صلاتَكَ سَكَنٌ لهُم)([84]).
إنَّ الصلاة في حقيقتها دعاء وطلب، انتقل معناها من الدُّعاء والطلب بين إنسان وإنسان إلى الدعاء والطلب من الله عزَّ وجلَّ.
إنّ الصلاة بمعناها الشرعي مقترنة بالمعنى اللغوي لأنها متطورة عن هذا المعنى، حتى قيل أن الصلاة لا تكتمل الاّ بالدعاء، لأنَّ الدعاء عبادة، كما أن الصلاة بمعناها الشرعي عبادة.
ومن المفردات الأخرى الزكاة وهي مشتقة من الجذر الثلاثي (زك ا)([85]) ، أو (ز ك و)([86]) ، وهي تعني في اللغة النَّماء والزيادة، أنشد الخليل: ([87])
والمال يزكو بِكَ مُستَكبِرًا يختالُ قَد أشرَفَ للناظِرِ
والزكاة تعني أيضًا: الصلاح، تقول: رَجُلٌ زكيٌ، أي تقي وصالح ([88])، وسميت الزكاة زكاةً لأنها تثمر المال وتنميه. وقد اكتسبت هذه المفردة في الإسلام معنى جديدًا لم يكن معروفاً عند العرب في عصر ما قبل الإسلام،فقالوا في معناها ( حقٌ يجب على المال، وهو اسم لما يخرج من المال أو بدن على وجه مخصوص بعلم مما يأتي) ([89]) . وقال ابن فارس: (فالإسلام زاد فيها من الشروط والخصائص ما لم تعرفه العرب من قبل)([90]) ، وقال: (وكذلك الزكاة، لم تكن العرب تعرفها الا من ناحية النماء، وزاد الشرع ما زاد فيها مما لا وجه لإطالة الباب بذكره)([91]) .
وقال الجرجاني: ( عبارة عن ايجاب طائفة من المال في مال مخصوص لمالك مخصوص)([92]). وقد عدَّ ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ)، المعنى الشرعي لهذه المفردة بالاعتبارين اللغويين، النماء والتطهير([93]) أمّا الأول فهو النماء في المال داعمًا ذلك بالحديث الشريف( وما نَقَص مال من صدقةٍ)([94]) ، ولأنها يضاعف ثوابها كما جاء: إِنَّ المالَ يربّي الصدقة. وأما الثاني فلأنها طهرة للنفس من رذيلة البخل وتطهير من الذنوب ([95]) وعليه فإن ابن حجر انفرد في هذا الإطلاق، برد المعنى الشرعي إلى المعنى اللغوي وهو النماء والتطهير([96]) . فالعلماء تكلموا على المعنى الشرعي كلاماً آخر بعيداً عن المعنى اللغوي. ولكن قول ابن حجر لا يعني أن المفردة لم يصبها التغيير، فقد طرأ عليها تطور دلالي فتوسع مدلولها، فالطهر بمعانيه يدل على ذلك. وقد كان ابن حجر بارعاً في تعليل ذلك بما احتج به من أحاديث شريفة تثبت صحة ما ذهب إليه. وقول ابن حجر يبطل من ذهب إلى أنَّ الألفاظ الإسلامية بمدلولاتها القرآنية نسخت معانيها في عصر ما قبل الإسلام وهي المعاني اللغوية وحلت محلها معانٍ جديدة ([97]) .
ومن المعنى القرآني قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، واركعوا مع الراكعين)([98]). وقوله: (لئن أقَمتُم الصّلاة وآتيتُم الزَّكاة وآمنتُم بِرسُلي وعَزَّرْتُموهم وأقْرضْتُم اللهَ قَرْضَاً حَسَناً لأُكَفِّرَنَّ عنكُم سيّئاتِكم)([99]). وقال عزَّ وجلَّ: (فَسَأكْتُبُها للذينَ يتَّقون ويُؤتون الزَّكاةَ والّذين هم بِآياتِنا يؤمنون)([100]).
ومن المفردات القرآنية الصوم أو الصِّيام قال تعالى: (يا أيُّها الذينَ آمنوا كُتِبَ عليكُم الصِّيامُ كَما كُتِب على الذينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتقون)([101]).
الصوم والصِّيام لغتان فصيحتان قرئ بهما في القرآن الكريم. والصوم مشتق من الجذر الثلاثي (ص و م)، ومعناها اللغوي مطلق الإمساك ([102]) كالكلام، والسير، ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير أو العلف صائم، وأنشدوا في هذا المعنى للنابغة الذبياني ([103])
خيلٌ صِيامٌ وخيل غيرُ صائمةٍ تحتَ العجاجِ، وخيلٌ تعلُكُ اللّجُما
ومنه قوله تعالى: ( فقولي إنِّي نذرتُ للرحمن صومًا)([104]). وفي عصر نزول القران أطلقت هذه المفردة على معنى آخر لم يكن معروفاً في الجاهلية، وهو (الكف عن أمر الله بالكفِّ عنه)([105]) ، أو هو كما عرفه الجرجاني: (عبارة عن إمساك مخصوص وهو الإمساك عن الأكل والشرب، والجماع من الصبح إلى المغرب مع النيّة)([106]) والجامع بين المعنيين اللغوي،والاصطلاحي الشرعي هو " الإمساك" إلا أنَّ الإمساك في المعنى اللغوي هو إمساك مطلق، وهو مقيد أو مخصوص في المعنى الشرعي أو القرآني، جاء في المجموع بأنه: ( إمساك مخصوص عن شيء مخصوص في زمن مخصوص، من شخص مخصوص)([107])
وهذا يعني أن المفردة تخصصت بعد أن كانت معممة في عصر ما قبل الإسلام. ومن شواهده في القرآن الكريم قوله تعالى: ( أُحلَ لكم ليلةُ الصِّيام الرَّفتُ إلى نِسائِكم)([108]). وقوله: (أو عدلُ ذلكَ صِياماً ليذوقَ وبالَ أمرهِ)([109]). وقوله تعالى: (فمن لم يجد فصيامُ شهرينِ متتابعينِ)([110]).
ومن المفردات الإسلامية الحجُّ كقوله تعالى: (وأتمّوا الحَجَّ والعُمرةََ للهِ)([111]). والحَجُّ، والحِجُّ ـ بفتح الحاء وكسرها لغتان، وقرئ بهما في السبع ([112]) وقال ابن حجر: (إنَّ الكسر لغة أهل نجد، والفتح لغيرهم) ([113]) ، ونقل عن حسين الجعفي (أنَّ الفتح الاسم، والكسر المصدر، وعن غيره العكس) ([114]). والحَجُّ مشتق من الجذر الثلاثي (ح ج ج)، ومعناها في اللغة القصد إلى كل شيء ([115]) ، قال الخليل: (الحج كثرة القصد إلى مَن يعظم ،قال:
كانت تحُج بنو سعد عِمامَتَه إذا أهَلُّوا على أنصابهم رجباً
(حجّوا عمامته، أي عظموه) ([116]) . والحج في الاصطلاح الشرعي هو قصد الكعبة لعبادة تشتمل على الوقوف بعرفة ([117])، اذ زادت الشريعة ما زادته من شرائط الحج وشعائرهِ ([118]) أو هو قصد بيت الله تعالى بصفة مخصوصة في وقت مخصوص، بشرائط مخصوصة)([119]) .
إنَّ العرب في عصر ما قبل الإسلام لم يعرفوا الحج بهذا المعنى، وإنما كانوا يعرفون من الحج القصد كما بيّنت ذلك سلفًا. قال ابن فارس: (... وكذلك الحج لم يكن عندهم فيه غير القصد وسبر الجراح، من ذلك قولهم:
وأشهَدُ من عَوفٍ حَلَولاً كثيرةً يَحُجّون سَبَّ الزبرقان المزعفرا
ثم زادت الشريعة ما زادته من شرائط الحج وشعائره...) ([120]) . قوله: يحجون سب الزبرقان، أي يقصدون سبّه.
ومن شواهد مجيء الحج في الدلالة على المعنى الشرعي الإسلامي قوله تعالى: ( وَأذِّنْ في الحَجِّ يأتوكَ رِجالاً وعلى كُلِّ ضامرٍ يأتينَ من كُلِّ فَجٍّ عَميقٍ)([121])، وقوله: (وللهِ على النّاسِ حِجُّ البيتِ من استَطاعَ إليهِ سبيلاً)([122]).
فالمفردة كغيرها من المفردات أصابها تطور دلالي عبر الزمن، فبعد أن كانت دلالتها عامة، صارت خاصة.
ويبدو لنا من خلال بحثنا أن المفردة لم تكن مستعملة بمعناها اللغوي في القرآن الكريم، وإنما استعملت بمعناها الشرعي في أكثر من موضع.
ومن المفردات القرآنية الفسِق ومشتقاتها كما في قوله تعالى: (إنْ جاءَكُم فاسِقٌ بِنَبأ فَتَبَيَّنوا..)([123]).
المفردة (الفاِسِق) مشتقة من الجذر الثلاثي ( ف س ق)، وأصل الفُسوق في اللغة الخروج، يقال: فَسَقت الرُّطبة: خرجت من قشرها ([124]) ، ثم أطلقت في الإسلام لتدل على معنى الإفحاش في الخروج عن طاعة الله جلَّ ثناؤه، قال ابن فارس: ( لم يعرفوا في الفسق الا قولهم فَسَقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، وجاء في الشرع بأنَّ الفسق الإفحاش في الخروج عن طاعة الله جل ثناؤه)([125]) . وقال ابن الأعرابي: (لم يسمع قط في كلام الجاهلية ولا في شعرهم فاسق)([126]) . وسمي الرجل فاسقاً لخروجه عن طاعة الله منه خروج مخصوص ([127]) . ووصفت الدواب بالفسق (لخروجها من حكم غيرها من الحيوان في تحريم قتله، أو في حل أكله استناداً إلى قوله تعالى: (أو فسقًاً أُهِلَّ بهِ لغَيرِ اللهِ)([128]) .
ومن الشواهد القرآنية على المعنى الشرعي قوله تعالى: ( فَفََسَقَ عن أمرِ رَبِّهِ)([129])، أي خرج عن أمر ربّه، وهو إبليس. وقوله عزَّ وجلّ: (وأن تسْتَقْسِموا بالأزلام ذلك فِسقٌ)([130])، أي ذلك خروج عن طاعة الله، وقوله جل ثناؤه: ( ولا تأكُلوا مما لم يُذكر اسمُ الله عليه وإنّهُ لفسق)([131]). ظهر لنا أن المعنى اللغوي لـ (فسق) لم يستعمل في القرآن الكريم، بل استعمل المعنى الشرعي، كما ظهر لنا أن المعنَيين اللغوي، والشرعي اشتركا في لفظ الخروج، إلا أن في المعنى اللغوي خروجاً مطلقاً، وفي المعنى القرآني أو الشرعي خروج مخصوص، بمعنى أن المفردة تخصصت دلالتها بالخروج عن طاعة الله تعالى.
ومنها المفردة الكفر ومشتقاتها كما في قوله تعالى: ( ولا تكونوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ)([132]).
المفردة كافر مشتقة من الجذر (ك ف ر)، وأصل الكفر في اللغة التغطية، يقال لليل كافِر لأنه ألبس كُلَّ شيء ([133]) أي غطاه. والكافر من الأرض ما بَعُد عن الناس لا يكاد ينزله أحد، ولا يمر به أحد. والكافر: الزارع، سمي بذالك لأنه يغطي البذور في التراب ([134]) ، والكُفّار: الزراع، ومنه قوله تعالى: ( كَمَثَل غَيْثٍ أعجَبَ الكُفّار نَباتُه)([135]).هذه هي المعاني اللغوية للمفردة، أمّا معناها في الاصطلاح الشرعي فهي (ستر نعمة المنعم بالجحود،أو يعمل هو كالجحود في مخالفة المنعم)([136]) . ومن الشواهد القرآنية على المعنى الشرعي قوله تعالى: (واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثيم)([137]). وكفّار صيغة مبالغة لـ(كافر) أي كثير الكفر. وقوله سبحانه: (قد كان لكم آية في فئتينِ التقتا فئةٌ تُقاتِل في سبيل الله وأخرى كافِرة)([138])، وقوله تعالى: ( يا أيُّها النَبيُّ جاهِدِ الكُفّارَ)([139]). ومن شواهد المعنى اللغوي جاء قوله تعالى: ( ربّنا فاغفرْ لنا ذُنوبَنا وكَفّرْ عنا سيئاتِنا)([140]) وهذا يعني أن المفردة ومشتقاتها كلها يجمعها معنى واحد وهو الستر والتغطية.
من هذا يظهر أن المعنيين اللغوي والشرعي كليهما استعمل في القرآن الكريم.
ومنها التًيَمُّمُ في قوله تعالى: (وإن كُنتم مَرضى أو على سَفَرٍ أو جاءَ أحَدٌ منكم مِن الغائِطِ أو لامَسْتُم النِّساءَ فلم تَجِدوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعيداً طيباً، فامسَحوا بِوجوهِكم وأيديَكم منه)([141]).
التََّيمُّمُ مشتق من الجذر الثلاثي (ي م م)، وأصله في اللغة القصد يقال أمّمْت الشيء أؤمُّهُ أمَّاً، وتأمَّمتُهُ، ومعناه كله تعمّدته وقصدت له ([142]) . قال ابن فارس: (الياء والميم كلمة تدل على قصد الشيء وتعمّده)([143]) . وقد ورد هذا المعنى اللغوي في القرآن الكريم كقوله تعالى: (ولا تَيَمَّموا الخبيثَ منه تُنفِقون..)([144]) أي ولا تقصدوا ولا تعمدوا. والتَيَمُّمُ في الشرع (قصد الصعيد الطاهر واستعماله بصفة مخصوصة لإزالة الحدث) ([145]) . وقد خصصه تعالى في سورتي النساء والمائدة بمسح الوجه، واليدين، قال جلّ ثناؤه: (... فتَيَمَّموا صَعيداً طِّيباً، فامسحوا بوجوهِكُم وأيديَكُم مِنه)([146]) حتى صار التيمم مصطلحاً إسلاميا جديداً بعد أن خصصه القرآن الكريم بـ(الوضوء على البدن) وبذلك صار التيمم يحمل معنى جديداً، وهذا المعنى يُعد تطوراً في الدلالة بين استعمال الشعر الجاهلي للمفردة ، وبين الاستعمال القرآني.
نتائج البحث
توصل الباحث إلى عدّة نتائج من أبرزها ما يأتي:
· المفردة القرآنية بما تميزت به من ميزات كجمال وقعها في السمع، واتساقها الشامل مع المعنى، واتساع دلالاتها ـ كل ذلك جعلها مفردة لا تضاهيها آية مفردة نطق بها البشر. ونجد بعض هذه الميزات في كلام الفصحاء كالإمام علي و الشافعي، والجاحظ، والمتنبي، أمّا أن تجتمع جميعاً فهذا لا يكون إلا في القرآن الكريم.
· المفردة القرآنية ذات جرس شديد وقوي وذلك لترتيب أصواتها الدقيق من حيث الصفة والمخرج، والتشديد والإدغام، والتقديم والتأخير فتولد عن ذلك معنى جديد يختلف عما لو كانت المفردة بترتيبها الأصلي مثال ذلك المفردة (اتّاقَلتُم) وأصلها (تثاقَلتُم) فأدغمت التاء في الثاء لتداني مخرجيهما وجيء بالهمزة للتوصل إلى النطق بالساكن. وعليه فأن النطق بـ (اثاقلتم) فيه جهد وبطء توحي صورتها بذلك الجسم المتثاقل ـ يرفعه الرافعون في جهد فيسقط في أيديهم، وعليه فصورة أداء هذه المفردة توحي بالمعنى قبل أن يرد عليك المعنى من جهة المعاجم ([147]) .
· لمعرفة معنى المفردة القرآنية ينبغي معرفة جذرها اللغوي ودلالتها في لغة العرب، بالرجوع إلى المعجمات اللغوية، وهذا ما فعلناه في هذا البحث.
· إنَّ الكثير من مفردات اللغة أصابها تطور دلالي عبر مرورها بالزمن، وهذا هو شأن مفردات القرآن الكريم، إذ انتقلت دلالات المفردات العربية من معناها اللغوي أو الوضعي إلى دلالات إسلامية جديدة وهي دلالات شرعية كالصلاة، والزكاة، والحج، فإنها كانت تدل على الدعاء، والنماء والزيادة، والإمساك، فأصبحت تدل على عبادات مخصوصة.
· قد اختلف العلماء والباحثون في حقيقة تلك المفردات، هل ماتت أو انقرضت بعد أن نقلت دلالاتها إلى دلالات إسلامية جديدة؟ أو استمر استعمالها في القرآن الكريم؟ فقد ذهب الشريف المرتضى ـ وهو من الأصوليين ـ إلى أنَّ تلك المفردات لم تمت أو تنقرض وإنما استمر استعمالها في القرآن الكريم مع دلالاتها الإسلامية الجديدة الا أنها خصصت بعد أن كانت معممة. وتابعه عدد كبير من العلماء والباحثين كابن حجرالعسقلاني والدكتور مازن مبارك، وذهب فريق من الباحثين منهم الدكتور كامل البصير إلى أن تلك المفردات ماتت وانقرضت بعد أن نقلت دلالاتها إلى دلالات إسلامية جديدة.
وأثبت البحث اللغوي الحديث أنَّ المفردات اللغوية لم تمت وإنما استمر معناها اللغوي في القرآن الكريم مع معناها الإسلامي الجديد بعد أن خصصت دلالاتها بدلالات إسلامية جديدة.
والواقع أن عدداً من المفردات اللغوية استمر استعمالها في القرآن الكريم بمعناها اللغوي الوضعي فضلاً عن استعمالها الشرعي الإسلامي الجديد، في الوقت الذي وجدنا فيه أنَّ عدداً من المفردات الجاهلية لم يستمر استعمالها اللغوي في القرآن الكريم وإنما وجدنا معناها الشرعي كمفردة الحج، مما جعل بعض الباحثين يذهبون إلى أنَّ المفردات الجاهلية ماتت وتحولت إلى دلالات إسلامية جديدة.
مصادر البحث ومراجعه
المصدر الأول: القرآن الكريم.
1. الأصوات اللغوية: الدكتور إبراهيم أنيس، نشر مكتبة الأنجلو المصرية/ مطبعة محمد عبد الكريم حسان، 1984.
2. تاج العروس من جواهر القاموس: الزبيدي (محمد مرتضى الحسيني 1205هـ) ، تحقيق عبد الستار أحمد فراج وآخرين، مطبعة حكومة الكويت 1385هـ ــ1975م.
3. التحديد في الإتقان والتجويد: أبو عمرو الداني (عثمان بن سعيد ت 444هـ) دراسة وتحقيق الدكتور غانم قدوري حمد ط1، مطبعة الخلود، بغداد 1407هـ ــ 1988م.
4. تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن: (لابن أبي الإصبع المصري ت 654هـ )، تقديم وتحقيق: الدكتور حفني محمد شرف ـ مطابع شركة الإعلانات الشرقية، القاهرة 1383هـ 1963م.
5. التحرير والتنوير: الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393هـ )الدار التونسية للنشر 1984.
6. التصوير المجازي ـ أنماطه ودلالاته، الدكتور أياد عبد الودود عثمان المشهداني ـ سلسلة رسائل جامعية ـ ط1دار الشؤون الثقافية العامة، ، بغداد 2004م.
7. التعبير الفني في القرآن: الدكتور بكري شيخ أمين ـ دار الشروق، ط1، بيروت 1393هـ ـ 1973م.
8. التعريفات: أبو الحسن الجرجاني: (علي بن محمد ت 816هـ)، تقديم الدكتور أحمد مطلوب، بغداد 1406هـ ـ 1986م.
9. تفسير ابن عربي: (محمد بن محيي الدين الصوفي الطائي ت 638هـ)، ترجمة وتحقيق عبد الوارث محمد علي ـ دار الكتب العلمية، بيروت 2001م.
10. تفسير ابن عرفة المالكي: ( عبد الله بن عرفة ت 803 هـ)، مكتبة المشكاة الإسلامية نقلا عن الموقع الإلكتروني www.alimeshkat.net.
11. تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (أبو الفداء عماد الدين اسماعيل ت774هـ)،حقق أصوله طه عبد الرؤوف سعيد، وخرّج أحاديثه عبد الله المنشاوي، ط1، نشر مكتبة الإيمان ـ المنصورة، مصر 2006م.
12. جامع البيان عن تأويل آي القرآن: الطبري(محمد بن جرير ت 310هـ)، ط2،مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة 1954م.
13. الدلالة القرآنية عند الشريف المرتضى: الدكتور حامد كاظم عباس ،ط1 دار الشؤون الثقافية العامة ـ سلسلة رسائل جامعية بغداد ، 2004م.
14. ديوان الأعشى: (ميمون بن قيس ت 7هـ )، تحقيق وتعليق محمد حسن، المكتب الشرقي للنشر والتوزيع ـ بيروت 1968م.
15. ديوان الحماسة: أبو تمام الطائي(حبيب بن أوس)، مختصر شرح التبريزي، مكتبة فريد علي صبيح، القاهرة، 1955م.
16. ديوان النابغة الذبياني، تحقيق فوزي عطوي بيروت 1969م.
17. الذريعة في أصول الشريعة: الشريف المرتضى (أبو القاسم علي بن الحسين ت 436هـ)،تحقيق الدكتور أبو القاسم كرجي،مطبعة عقد ـ دانشكاه، طهران 1348هـ.
18. روح البيان: الشيخ إسماعيل حقي البرسوي ـ استانبول، 1926م.
19. روح الصلاة في الإسلام: عفيف عبد الفتاح طبارة، ط1، دار العلم للملايين،، بيروت، 1968م.
20. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: الآلوسي (أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود البغدادي، ت1270هـ)، دار الفكر، بيروت 1398هـ ـ1978م.
21. الزينة في الكلمات الإسلامية: الشيخ أبو حاتم الرازي (أحمد بن حمدان ت 322هـ) تحقيق حسين بن فيض الله الهمداني، ط1 ـ مركز الدراسات والبحوث اليمني 1964م.
22. سر صناعة الإعراب: ابن جني (أبو الفتح عثمان ت392هـ)، تحقيق مصطفى السقا وآخرين، ط،ج1، مطبعة البابي الحلبي، مصر 1954م.
23. الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها: (أحمد بن فارس ت 395هـ)، تحقيق السيد أحمد صقر، ط2مطبعة عيسى البابي ، القاهرة 1977م.
24. الصحاح (تاج اللغة وصحاح العربية): الجوهري (إسماعيل بن حماد ت 398هـ)،تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، ط4، دار العلم للملايين ـ بيروت، 1407هـ ـ1978م.
25. صحيح مسلم: أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري (ت 261هـ)،تعليق وتصحيح محمد فؤاد عبد الباقي،ط1، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1375هـ ـ 1955م.
26. العين: الفراهيدي (الخليل بن أحمد ت 175هـ)، تحقيق الدكتور مهدي المخزومي، والدكتور إبراهيم السامرائي، دار الرشيد للطباعة، بغداد، 1400ـ1405هـ، 1980ـ1985م.
27. غريب الحديث لابن قتيبة: (عبد الله بن مسلم ت 276هـ)، تحقيق الدكتور عبد الله الجبوري، مطبعة العاني، بغداد، 1977م.
28. فتح الباري بشرح صحيح البخاري: ابن حجر العسقلاني (أحمد بن علي ت852هـ)، المطبعة الخيرية ـ القاهرة 1319ـ1329هـ = 1901ـ1911م.
29. في ظلال القرآن: سيد قطب، ط6، دار الشروق، بيروت، 1398هـ ـ1978م.
30. الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل: الزمخشري (محمود بن عمر ت 538هـ)،دار الفكر، بيروت (د.ت).
31. الكليات: أبو البقاء الكفوي، اللغوي(أيوب بن موسى الحسيني ت 1094هـ)، تحقيق الدكتور عدنان درويش، ومحمد المصري، دار الكتب الثقافية، دمشق، 1975.
32. لسان العرب: ابن منظور(محمد بن مكرم ت 711هـ)، ط1، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت 2000م.
33. مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد31، العدد1 لسنة 1980.
34. المجموع، شرح المهذب: النووي (محيي الدين بن شرف ت 676هـ)، مطبعة الإمام، مصر (د.ت).
35. مختار الصحاح: الرازي (محمد بن أبي بكر بن عبد القادر ت 606هـ) دار الرسالة،الكويت 1403هـ ـ1983م.
36. مختصر في شواذ القراءات: ابن خالويه (الحسين بن أحمد ت 370هـ)، عني بنشره:ج. برجستراسير ، دار الهجرة، (د.ت).
37. المزهر في علوم اللغة وأنواعها:جلال الدين السيوطي (عبد الرحمن بن أبي بكر ت 911هـ)، تصحيح محمد أبو الفضل إبراهيم، وعلي محمد البجاوي، ط4، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي، مصر 1378هـ ـ1958م.
38. المسند: (أحمد بن حنبل ت 241هـ)، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، دار صادر للطباعة والنشر ـ بيروت (د.ت).
39. مشاهد القيامة في القرآن: سيد قطب، دار الكتاب الإسلامي قم ـ ايران (د.ت).
40. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مؤسسة النبهان، بيروت (د.ت).
41. المغني والشرح الكبير للإمامين موفق الدين أبي محمد عبد الله بن احمد(ت 620هـ)،وشمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر بن قدامة المقدسي (ت 682هـ)،دار الكتاب العربي، بيروت (د.ت).
42. المفردات في غريب القرآن: الراغب الأصفهاني (الحسين بن احمد ت في حدود452هـ)،المطبعة الميمثية، القاهرة 1324هـ.
43. مقاييس اللغة: (أحمد بن فارس ت 395هـ)، تحقيق عبد السلام محمد هارون، ط1، دار الفكر للطباعة والنشر،بيروت 1399هـ، 1979م.
44. نحو وعي لغوي ، الدكتور زكي مبارك ، مؤسسة الرسالة ، بيروت 1979م.
45. النص السلطة الحقيقية، الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة الدكتور نصر حامد أبو زيد ط2 ـ المركز الثقافي العربي ـ الدار البيضاء 1997م.
46. النهاية في غريب الحديث والأثر –ابن الجزري- محمد بن محمد ت 833هـ تحقيق طاهر احمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي – المكتبة العلمية – بيروت 1399هـ 1979م.
47. نهاية المحتاج إلى شرح المهذب – شمس الدين محمد ين أبي العباس الرملي ت 1004م- مطبعة مصطفى البابي الحلبي 1357هـ 1938م.
المبحث الأول:معنى البشارة وأنواعها
معنى البشارة:
قبل البدء ببيان معنى البشارة وأنواعها لابد لنا من ضبط الفعل (بشر) وبيان معناه فنقول ان في الفعل (بشر) لغتين: بشّر بتشديد الشين، وهي لغة أهل الحجاز و(بَشَرَ) بتخفيف الشين، وهي لغة تهامة ([148]) ، وقد قرئ بها بصيغة المضارع في القران الكريم.. ولغة التشديد الأعلى، فهي أكثر من لغة التخفيف وقد تزاد الهمزة في أول المخفف، فنقول: أبشرتُ الرجلَ، إذا أفرحتهُ، وزعم ألفراء أنها لغة حجازية ([149]) .
وذهب ألفراء إلى أنّ (بشّر) بالتشديد من بشارات البشراء، وبالتخفيف من الأفراح والسرور، قال: (كأنّ المتشدد منه من بشارات البشراء، وكان المخفف من وجه الأفراح، وهذا الشيء كان المشيخة يقولونه)([150]) .
والواقع ان بشّر وبَشَرَ كلاهما يدل على معنى ألفرح والسرور، والخلاف ان فعّل- المشدد العين تدل على المبالغة والقوة خلافاً لفعل المخفف، وهذا المعنى يكون في صيغة المضارع أيضاً، قال الزجاج: (ومعنى يُبْشرُك يفرحك، يقال بشّرتُ الرجل أبشِّره، وابْشِرُهُ إذا أفرحته)([151]).
وتخفيف المضارع قراءة حميد بن قيس([152]) .
ويبدو ان هناك صلة بين بشرة الإنسان وبين الفعل (بشّر) أو (بَشَرَ) التي تعني ألفرح والسرور، قال الزجاج (إن بشرة الإنسان تبْسط عند السرور ومن هذا قولهم: فلان يلقاني ببشْر، أي بوجه منبسط)([153]) أي إن الإنسان إذا أُخبر بما يسره انبسط وجهه وأشرق، وهذا يكون في البشارة المطلقة نحو قوله تعالى (أنَّ اللهَ يُبَشَّرُكَ بيَحْيى)([154]).
وكذلك يكون في البشارة المقيدة، فإذا أخبر الإنسان بما يحزنه ظهرت في وجهه الكآبة والانكسار، وارتعدت فرائصه، كقوله تعالى (وإذا بُشِّرَ أحدُهُمْ بالأنثى ظَلّ وجْهُهُ مُسْوَدّا وهو كظيم) ([155]) قالوا في تفسير هذه الآية: (إذا أخبر احدهم بولادة بنت ظل وجهه متغيراً مما يحصل له من الغمّ وظهور الكآبة والانكسار) ([156]) .
ومصدر (بَشَرَ) (بَشْرٌ) لان مصدر (فَعَلَ) في الغالب الأكثر على وزن (فَعْلٌ) إذا كان متعدياً([157]). نقول: بَشَرْتُ الجلد بشراً، إذا قشّرته وبشرت الرجل بشراً إذا بشّرتهُ وأفرحته. والبشْرُ بكسر الباء، طلاقة الوجه كقولك: بشرْتُهُ ببشْرٍ حسن، وفلان حسن البشرْ ([158]) .
واما البشْرُ- بضم الباء فهو جمع بشير، وقرأ ابن عباس وعاصم والسلمي (بُشُراً)([159]) في قوله تعالى (وَهُو الّذي يُرسلُ الّرياح بُشراً بَيْنَ يَدَيْ رحْمتهِ)([160]) .
وحجتهم في ذلك أن بشراً جمع ريح بشور، وهي التي تبشر بالمطر([161]) وهناك قراءات أخرى سنأتي إلى ذكرها في المبحث الثالث الذي خصصناه للقراءات ان شاء الله تعالى فلفظة (بشر) مثلثة، مختلفة المعاني ذكرها ابن السيد البطليوسي في مثلثه ([162]) .
بعد ان ضبطنا الفعل (بشر) ضبطاُ صرفياً، وعرفنا معناه نأتي إلى ضبط لفظة (البشارة) ومعرفة معانيها، فنقول: إن (البشارة) مثلث لغوي، فهي بكسر الباء وضمها اسم لما بُشّرت به ([163]) فهي (البشارة) و(البُشارة) وتعني إظهار ألفرح والسرور، وهو مايُعطاهُ المبشّر بالأمر([164]) كالعمالة للعامل ([165]) والبَشارة- بفتح الباء هي الجمال وحُسنُ الهيئة، وهي مصدر ([166]) .
قال الأعشى:
ورأت بأن الشيبَ جا نَبَهُ البشاشةُ والبَشارةُ ([167])
أما معنى البشارة في الاصطلاح فهي "كل خبر صدقٍ تتغير به بشرة الوجه، ويستعمل في الخير والشّر، وفي الخير أغلب" ([168]) .
وعن سيبويه "أنها خبر يؤثر في البشرة حزناً أو سروراً، وكثر استعماله في الخير"([169]) .
وأما البشرى فهي على وزن (فعلى) بمعنى ألفرح والسرور، ولم يُسمع استعمالها الا في الخير، يقول ابن دريد (والبُشرى مابُشّرت به من خير)([170]) .
والقياس ان تدل على الخير والشر كما دل على ذلك الفعل (بَشّر).
أنواع البشارة:
البشارة نوعان([171]) ؛ بشارة مطلقة، وتكون في الخير، وهي أن يخبر الإنسان بما يسرُّه ويفرحه، وقد وردت في مواضع عدة من القرآن الكريم وبمختلف الصيغ، وبعد أن أحصيتها وجدتها وردت في اربعة وسبعين موضعاً.
منها قوله تعالى (وبَشِّرْ الَّذينَ آمنوا وَعَمِلوا الصالحات أنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ…)([172]) والخطاب للنبي محمد {صلى الله عليه وسلم}، والمعنى (وبشّر يا محمد المؤمنين المتقين الذين كانوا في الدنيا محسنين إن لهم جنات…)([173]) .
وقوله عز علاه: (ومَا جَعَله اللهُ إلا بُشْرى لّكُمْ) ([174]) ، أي وما جعل الله إمدادكم بالملائكة إلا بشارة لكم بأنكم تنصرون…([175])
أما القسم الثاني فهو البشارة المقيدة، ولا تكون إلا في الشّر، وهي أنْ يعلم الإنسان بما يحزنه ويكرهه، وهذا أسلوب التهكم، وهو على حد قول العرب (تحيتك الضرب، وعتابك السيف)([176]) ومعنى التهكم شدة الغضب ([177]) ، وقال أبو زيد الأنصاري (تهكمت: غضبتُ، وتهكمت تحقرتُ)([178]) وأصل التهكم: التهدم، يقال: تهكمت البئرُ، إذا تهَدَّمتْ([179]) .
(وعلى هذا يكون المتهكم لشدة الغضب، قد أوعد بالبشارة، أو لشدة الكبر أو لتهاونه بالمخاطب قد فعل ذلك) ([180]) هذا اصل التهكم في اللغة، وهو في الاصطلاح (عبارة عن الإتيان بلفظ البشارة في موضع الإنذار، والوعد في مكان الوعيد، والمدح في معرض الاستهزاء… فشاهد البشارة في موضع الإنذار قوله تعالى (بَشَّرْ المُنافقينَ بِأنَّ لهُمْ عَذاباً أليما…)([181]) وهذا النوع من البديع اخترعه ابن أبي الإصبع ([182]) وذكر ابن عاشور المعنى الاصطلاحي للبشارة عندما قال: (والتبشير الإخبار بالأمر المحبوب، فهو أخص من الخبر، وقد قيد بعض العلماء معنى التبشير بأن يكون المخبَر (بالفتح) غير عالم بذلك الخبر، والحق أنه يكفي عدم تحقيق المخبِر (بالكسر) عِلمَ المخبرَ (بالفتح)؛ لان المخبرِ (بالكسر) لا يلزمه البحث عن علم المخاطب، فإذا تحقق المخبر عَلِمَ المخاطب لم يصح الإخبار إلا استعمل الخبر في لازم ألفائدة أو في توبيخ ونحوه)([183]) .
وقد وردت البشارة المقيدة في سبع آيات لست سور([184]) في القرآن الكريم كقوله تعالى (وبَشَّرْ الَّذينَ كفَروا بِعَذابٍ أَليمٍ)([185]) .
والذي يلفت النظر أن اغلب آيات البشارة المقيدة وردت بصيغة الأمر، في حين وردت آيات البشارة المطلقة بمختلف الصيغ وربما يكون السبب إن البشارة المقيدة في التهكم أو التوبيخ أو الإنذار وهذه المعاني لا تتحقق إلا بصيغة الأمر.
المبحث الثاني:صيغ البشارة
وردت البشارة في القرآن الكريم بصيغ مختلفة، فقد وردت بصيغة الفعل الماضي، وهو المقيد بزمن مضى وانقضى، وذلك في خمسة مواضع، وهو أقل الصيغ وروداً في القرآن الكريم، في سورة هود والصافات والذاريات والحجْر.
كقوله تعالى (وامْرَأَتُهُ قَائِمةٌ فَضَحِكَتْ فَبشَّرْناهَا بإسْحَقَ)([186]) .
أسند الفعل إلى ضمير المتكلمين وهو (نا) الذي يعود إلى الرسل وهم ضيف إبراهيم (عليه السلام) والهاء في (فبشرناه) تعود إلى سارة زوج إبراهيم (عليه السلام) وقد اختلف العلماء في معنى الضحك هل هو الضحك المعروف لدى الإنسان أو هو الحيض، بعبارة أخرى هل الضحك في الآية هو الضحك الحقيقي أو الضحك المجازي؟ وما العلاقة بين الضحك والبشارة؟
فقد ذهب الجمهور إلى ان الضحك في الآية هو الضحك الحقيقي المعروف عند الإنسان ويكون للتعجب والسرور([187]) ومال عكرمة إلى أن الضحك في الآية الحيض والمعنى فحاضت فبشرناها، فالبشارة مترتبة على الضحك أو الحيض([188]) ، وأيد قوله بقول الشاعر:
واني لآتي العرسَ عند طهورِها وأهجَرُها يوماً إذا تَك ضاحكا([189])
وقوله الآخر:
وضِحْكَ الأرانب فوقَ الصَّفا كَمثلِ دَمِ الجوفِ يومَ اللِّقا([190])
ولكن بعض الكوفيين يزعمُ انه لم يسمع (ضحكت) بمعنى (حاضتَ) من ثقة في حين ذهب بعض البصريين إلى أن أهل الحجاز أخبر عن بعضهم أن العرب تقول: ضحكت المرأة إذا حاضت قال؛ والضحك الحيض وقد قال بعضهم الضحك العجب([191]) .
وزعم ألفراء أن المعنى على التقديم والتأخير، فالتقدير: فبشرناها فضحكت سروراً بالولد([192]) . ويبدو أن ما زعم ألفراء هو الوجه فالضحك مترتب على البشارة، فاي إنسان عندما يعلم بما يسره يشرق وجهه وكأنه يضحك.
ومنه قوله تعالى (وإذا بُشِّرَ أحَدُهُمْ بمَا ضرَبَ للرَّحْمَنِ مَثلاً ظَلَّ وَجهُهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظيمٌ)([193]) .
جاء الفعل (بُشّر) مبنياً للمجهول مسنداً إلى (أحد) قال ابن كثير في تفسير الآية (إذا بُشّر أحد هؤلاء بما جعلوه لله من البنات يأنف من ذلك غآية الأنفة، وتعلوه كآبة من سوء مابُشِّرَ به، ويتوارى من القوم من خجله من ذلك)([194]) .
ومثله قوله تعالى (إذا بُشِّرَ أحدُهمْ بالأنثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدّا وهُوَ كَظيمٌ)([195]) أي إذا بُشِّر بولادة الأنثى. (وأصل البشارة الإخبار بما يسُرُّ، لكن لما كانت ولادة الأنثى تسُوءهم حملت على مطلق الإخبار، وجوز أن يكون ذلك باعتبار الولادة بقطع النظر عن كونها أنثى وقيل انه بشارة حقيقية بالنظر إلى حال المبشّر به في نفس الأمر وأيَّاٌ ما كان فالكلام على تقدير مضاف…)([196]) .
معنى هذا أن البشارة جاءت لمجرد الإخبار والإعلام بحصول الولادة بغض النظر عن جنس المولود. ويمكن أن تكون البشارة في الآيتين المذكورتين آنفاً مقيدة بالنسبة إلى المسند اليه وهو (أحدهم)، وهي مطلقة في عمومها.
ووردت البشارة بصيغة المضارع في أربع عشرة آية لثلاث عشرة سورة ثماني مرات على (يفعَل) الثلاثي المضعف، وست مرات على (يستفعل) الثلاثي المزيد بالهمزة والسين والتاء كـ(يستبشرون) لقصد المبالغة.
مثال الثلاثي المضعف قوله تعالى (وَيُبَشِّرُ المُؤْمنينَ الَّذينَ يَعْمَلونَ الصالحات أنَّ لهُمْ أجْراً كَبيرا)([197]) وردت في الآية الكريمة جملتان الأولى جملة فعلية وهي (ويبشّر المؤمنين)، والثانية جملة اسمية وهي قوله تعالى (أنَّ لَهُمْ أجْراً كَبيراً) والجملة الثانية في موضع نصب مفعول ثان لـ(يبشّر)، والقياس ان تجر بالباء إلا أنها حذفت هنا ربما لبعد العامل عن معموله الثاني، وهناك فرق بين الفعل والاسم يقول أهل المعاني ان الفعل يدل على التجدد والحدوث، والاسم يدل على الثبوت والدوام([198]) فالبشارة متجددة ومستمرة للمؤمنين([199]) .
وان الأجر الكبير ثابت ودائم لهم بمعنى ان البشارة أوقعت على قوله (أنّ لَهُمْ أجراً كَبيراً) ويجوز أن يكون المؤمنون بشّروا بقوله تعالى (وأنَّ الَّذينَ لما يؤمنونَ بالآخرة أَعْتَدنَا لَهُمْ عَذَاباً أليما)([200]) ، وقد علل ألفراء ذلك بقوله: (…لان الكلام يحتمل ان تقول: بَشَّرتُ عبدَ اللهِ بأنّهُ سيعطى [(*)] ، وان عدوَّهُ سَيُمنعُ، ويكون ويُبشَّر الذين لا يؤمنون بالآخرة اعتدنا لهم عذاباً أليماً وان لم يوقع التبشير عليهم كما أوقعه على المؤمنين قبل (أنّ) فيكون بمنزلة قولك في الكلام: بشَّرت أنّ الغيثَ آت، فيه معنى: بشرتَ الناس أن الغيثَ آتٍ، وإنْ لم تذكرهم)([201]) .
ومنه قوله تعالى (…فَرحين بما آتاهمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ويَسْتبشرونَ بالَّذينَ لَمْ يَلْحقوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهمْ الا خَوْفٌ عَليهمْ ولّما هُمْ يَحزنُون)([202]) .
وردت لفظة (يستشرون) بمعنى (يسرون) أو (يفرحون)، فزيادة الهمزة والسين والتاء في الفعل للمبالغة، وان (يستبشرون) استئناف أو معطوف على (فرحين) لتأويله بيفرحون.. وليست الصيغة للطلب.
قال الالوسي: (وأصل الاستبشار طلب البشارة وهو الخبر السار إلا أن المعنى هنا على السرور، استعمالا للفظ في لازم معناه، وهو استئناف أو معطوف على (فرحين) لتأويله بيفرحون…)([203]) .
ان التعبير القرآني له خصوصية، فصيغة (استفعل) لها معان عدة منها الطلب والصيرورة، وهي في الآية خرجت عن المعاني التي ذكرها الصرفيون، ونجده جمع بين لفظين مترادفين من حيث المعنى وهما (فرحين) و(يستبشرون) وكأنه قال: (فرحين مستبشرين) والله أعلم.
ومثله قوله تعالى (وجاء أهل المدينة يستبشرون)([204]) .
أوله المفسرون بـ(مُستَبشِرينَ مسرورينَ)([205]) وهي جملة حالية موضعها النصب وقوله تعالى (وجاء أهل المدينة يستبشرون)([206]) أي وهم فرحون مسرورون والجملة حالية وقوله (وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يَستبشرونَ)([207]) أي فرحون ويتسرون.
ووردت صيغة الأمر في واحد وعشرين موضعا، أربعة عشر موضعا للبشارة المطلقة، وسبعة مواضع للبشارة المقيدة؛ فقد خاطبت آيات البشارة المطلقة الناس بألفاظ الصابرين والمؤمنين والمخبتين، والمحسنين، لتعلمهم بما يسرهم ويفرحهم كقوله تعالى (ولنبلوكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين)([208]) .
جملة (لنبلوكم) جملة خبرية، وجملة (وبشر الصابرين) جملة إنشائية طلبيه، فعلها أمر يفيد معنى الإكرام([209]) فجاءت الجملة الإنشائية معطوفة على الجملة الخبرية بالواو من باب عطف المضمون على المضمون([210]) ومعنى ذلك أن الابتلاء حاصل وكذلك البشارة فهي حاصلة لامحالة، وعليه فقد جمع بين الجملتين المعنى لا اللفظ.
أي انه جمع بين الإنذار والبشارة في الترهيب والترغيب، وهذا كثير في القرآن الكريم.
والفعل (بشر) مسند إلى ضمير المخاطب المستتر فيه وجوباً تقديره (أنت) يعود إلى النبي محمد {صلى الله عليه وسلم}، أو لكل من تأتي منه البشارة([211]) .
وقوله تعالى (واعلموا أنَّكم ملاقوهُ وَبشِّرِ المؤمنينَ)([212]) في الآية جملتان إنشائيتان (وَاعْلَموا) و(بشّر المؤمنين) فعطف الثانية على الأولى بالواو، وقيل انه عطف الثاني (وبشّر المؤْمنينَ) على جملة (نِسَاؤكُمْ حَرْثٌ لَكُم)([213]) وهي جملة اسمية وهذا ليس بجيد، فالوجه الأول لأنه يتفق والمعنى العام للآية.
ونجد في هذه الآية ونحوها أن المعمول الثاني للفعل (بشّر) محذوف مع حرف الجر وتقديره: وبشّر المؤمنين بمغفرة أو بالجنة أو بحسن المآب…
كما قال (إنّمَا مَنْ اتّبَعَ الذِّكْرَ وَخشيَ الرّحْمَنَ بالغَيْبِ فَبَشّرْهُ بِمَغْفِرةٍ وأجرٍ كَريمٍ)([214]) ومعنى الآية (وبشّر المؤمنين المستوجبين للمدح والتعظيم بترك القبائح وفعل الحسنات([215]) وجملة وبشّر المؤمنين تعقيب للتحذير بالبشارة والمراد المؤمنون الكاملون الذين يُسّرون بلقاء الله…)([216]) .
وقوله جل عُلاه (فَاسْتَبْشروا ببيعِكُمْ الَّذي بَايَعْتُمْ بِهِ)([217]) ألفاء في قوله (فَاسْتَبْشروا) للترتيب والتعقيب، والسين والتاء للمبالغة وليست الصيغة للطلب كما في صيغة (استغفر)، وإنما هي بمعنى السرور والفرح، أي فَسُروا وأفرحوا ببيعكم، وفي الحديث عن أحوال المؤمنين التفات إلى خطابهم لزيادة التشريف والاستبشار.
جاء في تفسير روح المعاني: (…التفات إلى خطابهم لزيادة التشريف والاستبشار اظهاراً لسرورهم، وليست السين فيه للطلب، وألفاء لترتيب الأمر به على ما قبله، أي فإذا كذلك فاظهروا السرور بما فزتم به من الجنة)([218]) .
اما البشارة المقيدة فقد أعلمت الناس الذين لم يمتثلوا لأوامر الله بما يسوءهم ويحزنهم في باب التهكم والترهيب والتوبيخ، وهذه البشارة في رأينا أبلغ من البشارة المطلقة لان المخاطب أو المبشّر لا يتوقع تلك البشارة بهذا الأسلوب، يقول ابن عاشور (وقد قيد بعض العلماء معنى التبشير بأن يكون المُخبَر (بفتح الباء) غير عالم بذلك الخبر…)([219]) وهذا الأسلوب مثل قول العرب (تحيتكَ الضربُ، وعتابك السيفُ)([220]) .
ومن شواهده قوله تعالى (وَبَشِّرْ الّذينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أليمٍ)([221]) فالذين كفروا غير متوقعين البشارة التي معناها التهكم. والآية معطوفة على قوله تعالى (فَاعْلمُوا أنّكمْ غيْرُ مُعْجِزِي اللهِ)([222]) عطف جملة إنشائية على مثلها.
والفعل (بشر) مسند إلى النبي {صلى الله عليه وسلم}، فالله أمره أن يبشر هؤلاء الكافرين بعذاب شديد، فالتبشير للتهكم والإنذار.
وقال تعالى (كأنْ لَمْ يَسْمعْهَا كأنَّ في أُذُنيْهِ وقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أليمٍ)([223]) وقوله (ثُمّ يصرُّ مُسْتَكبراً كأَنْ لَمْ يَسْمعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أليمٍ)([224]) وقوله عز وجل (ويَقْتُلُونَ الَّذينَ يأمُرُونَ بالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أليمٍ)([225]) وقوله جل عُلاه (والَّذينَ يَكْنِزونَ الذَّهبَ والفضة ولَا يُنفِقونَها فِي سبيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أليمٍ)([226]) وقوله تعالى (واللهُ أعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ، فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أليمٍ)([227]) نجد في هذه الآيات ونحوها أن المبشَّر به (عذاب اليم) وقد تكرر خمس مرات وقد جُرَّ بحرف الجر الباء، كما إن العامل (بشّر) فعل أمر، وقد استعمل في البشارة المقيدة دون البشارة المطلقة، لان البشارة المقيدة هي بشارة تهكم وتهويل وترهيب وتوبيخ، وهذا يلائمه الأمر دون غيره من الصيغ.
اسم الفاعل وصيغة المبالغة:
اسم ألفاعل، اسم مصوغ لما وقع منه الفعل أو قام به.
يصاغ من الثلاثي على وزن (فاعل)، ومن غير الثلاثي على وزن مضارعه بإبدال حرف المضارعه ميماً مضمومة مع كسر ما قبل الآخر.. مثال الثلاثي: كاتب وقائم من كتب وقام.
ومثال غير الثلاثي: مُبشِّر، ومُعَلِّم ومعين من: بَشَّر، وعَلَّم، وأعان.
ويحول اسم ألفاعل عند قصد المبالغة إلى خمس صيغ مسموعة، وهي: فَعَال، نحو طعّان، ومِفْعال نحو مِضياف، وفَعُول نحو غَفور، وفَعيل نحو سميع وفَعِل نحو: حَذِر.
وهذه الصيغ لا تبنى إلا من الثلاثي، وندر بناؤها من غير الثلاثي نحو بشير ونذير من (بَشَّر) المضعف العين، و(أنذَر) المزيد بالهمزة في أوله.
ورد اسم ألفاعل من (بَشّر) بزنة مضارعه عشر مرات في آيات البشارة خمس مرات بصيغة الإفراد، وخمس مرات بصيغة الجمع، مثال صيغة المفرد قوله تعالى (وما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّراً ونَذِيراً)([228]) .
وقع اسم الفاعل (مبشراً) حالا من الكاف في (أرْسَلْناكَ) الذي يعود إلى النبي {صلى الله عليه وسلم} وقد جمع اسم ألفاعل وصيغة المبالغة (نَذِيراً) الشاذة وقال بعض المفسرين ان نذيراً هنا بمعنى منذراً، أي بمعنى اسم ألفاعل([229]) كما قال (ومَا نُرْسِلُ المُرْسَلينَ الا مُبَشِّرينَ ومُنذِرينَ)([230]) وقد قدم البشارة على الإنذار، لان المقام مقام بشارة ومثله قوله تعالى (يا أيها النَبيُّ إنا أرسَلْناكَ شاهداً ومُبشراً ونَذِيراً)([231]) .
في هذه الآية جمع بين (الشهادة والبشارة والإنذار) وقدم الشهادة لان المقام يقتضي ذلك، فالله تعالى أرسل نبيه {صلى الله عليه وسلم} شاهداً على أمته يوم القيامة، ومبشراً لها بالجنة، ومنذراً لها من النار. وبصيغة الجمع ورد قوله تعالى: (رُسلاً مُبَشرينَ ومُنذِرينَ لئلا يَكونَ للنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ)([232]) فقد جاء بمبشرين ومنذرين اسمي فاعلين من (بشّر) و(انذر) على الاصل، وهما حالان منصوبان بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
وقد كنى الله تعالى بالتبشير والإنذار عن التبليغ، لان التبليغ يستلزم الأمرين الترغيب والترهيب، جاء في تفسير التحرير والتنوير: (وكنى بالتبشير والإنذار عن التبليغ يستلزم الأمرين وهما الترغيب والترهيب، فحصل بهذه الكناية إيجاز، إذ استغنى اللازم عن الجمع بينه وبين الملزوم)([233]) وهذا كثير في القرآن الكريم.
أما صيغة المبالغة فقد وردت في آيات البشارة تسع مرات، كقوله تعالى (إنَّا أرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشيراً ونَذيراً)([234]) وقوله عز وجل (أنْ تقُولوا مَا جَاءَنا منْ بَشيرٍ ولا نّذيرٍ)([235]) تجد في هاتين الآيتين انه قدم صيغة المبالغة (بشير) على صيغة المبالغة (نذير) وقدم الإنذار على البشارة في قوله (إلا تَعْبُدوا إلا اللهَ إنَّني لَكُمْ مِنْهُ نَذيرٌ وبَشِيرٌ)([236]) .
ترى ما سبب تقديم البشارة على الإنذار في الآيتين الأولى والثانية، وتقديم الإنذار على البشارة في الآية الثالثة؟
يجيب الالوسي على هذا السؤال بقوله (إني لكم من جهته تعالى نذير، أنذركم عذابه إن لم تتركوا ما أنتم عليه من عبادة غيره سبحانه، وبشيراً أبشركم ثوابه إن آمنتم وتمخضتم في عبادته عز وجل، وقد روعي تقديم الإنذار على التبشير ما روعي في الخطاب من تقديم النفي على الإثبات والنخلية على التحلية لتتجأوب الأطراف والتعرض لوصف الربوبية تلقين المخاطبين وإرشادهم إلى طريق الابتهال…)([237]) معنى هذا انه قدم الإنذار على البشارة لان المقام مقام إنذار ومنه قوله تعالى (إنْ أنَا إلا نَذيرٌ وَبَشيرٌ)([238]) .
قدم الإنذار وحصر الإنذار والبشارة بالا للتوكيد، والمعنى (ما أنا إلا عبد مرسل للإنذار والبشارة، وشأني حيازة ما يتعلق بهما من العلوم لا الوقوف على الغيوب التي لا علاقة بينها وبينهما)([239]) .
خلاصة القول أن (بشير) و(نذير) صيغتا مبالغة شاذتان، لأنهما من غير الثلاثي، فبشير من الثلاثي المضعف العين (بَشَّرَ)، ونذير من الثلاثي المزيد (أنذر). وله نظائر في القرآن نحو بديع في قوله تعالى: (بَدِيعُ السَمَوَتِ والارْضِ)([240]) فبديع (فعيل) من (أبدع).
وقد يكون معنى بديع بمعنى اسم ألفاعل (مبدع) شذوذاً([241]) وقد يكون (بشير) و(نذير) اسمي فاعلين بمعنى: مُبَشِّر ومُنذر جاء في صفوة التفاسير (البشير: المبشّر، وهو المخبر بالأمر السار والنذير: المنذر وهو المخبر بالأمر المخوّف ليحذر منه)([242]) وقد يكون (بشير) مبنياً من (بَشَرَ) المخفف العين على لغة تهامة([243]) وكذلك (نذير) فقد يكون من الثلاثي المجرد (نذر) في لغة من اللغات وبهذا لا يكون هناك شذوذ في الصيغتين.
أما مجيء اللفظتين بصيغتين مختلفتين أحداهما اسم فاعل وثانيهما صيغة مبالغة كما في قوله تعالى: (ومَا أرسَلْناكَ إلا مُبَشِّراً ونَذِيراً)([244]) فتعبير خاص، ربما قصد به المبالغة في الإنذار، ولم يقصد ذلك في البشارة، أو انه أراد بـ(نذير) منذر، فيكون قد سأوى بين اللفظتين في الصياغة والله أعلم.
ووردت اللفظة بصيغة الاسم على وزن (فُعلى) بمعنى (فِعاله) في سبع عشرة آية كقوله تعالى: (لهم الْبُشْرَى فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيا وفِي الآخرة)([245]) وتجد لفظة (بشرى) مسندة إلى الضمير (هم) العائد إلى المؤمنين. والاسم يدل على الثبوت والدوام، أي ثبوت البشارة إليهم. ومثله قوله عز وجل: (وَالَّذينَ اجْتَنبوا الطاغوت أنْ يَعْبُدُوها وأنابوا إلى اللهِ لَهُمْ الْبُشْرى)([246]) .
وتجد البشرى مقرونة بلفظ (الهدى) مقدمة عليها في قوله تعالى: (فَإِنَّهُ نَزَّلهُ عَلَى قَلْبِكَ بإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَديْهِ وهدى وبُشْرَى للْمُؤمِنِينَ)([247]) ، أي نزّل القران مصدقاً لما سلف من الكتب السماوية هداية وبشارة للمؤمنين([248]) .
ومثله قوله عز وجل: (قُلْ نَزَّلهُ رُوحُ القُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بالْحقِّ ليُثَبِّتَ الَّذينَ آمنوا وّهُدى وبُشْرى للْمُسْلمينَ)([249]) .
فقد قدم (الهدى) على (البشرى) والتقديم للرعاية والاهتمام، أي إن المقام مقام هداية بالدرجة الأولى ثم البشارة.
ونجده يقرن بين ثلاثة ألفاظ هي (الهدى والرحمة والبشارة) في قوله تعالى: (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِكُلِّ شَيءٍ وهُدىً وَرَحْمَةً وبُشْرى للْمسْلمينَ)([250]) فزاد لفظة (الرحمة) لان المقام يتطلب ذلك وبقيت لفظة (هدى) متقدمة على الرحمة والبشارة، فالتعبير القرآني تعبير دقيق إذ توضع كل كلمة في مكانها حسبما يقتضيه المقام في السورة.
ووردت اللفظة مبتدأ مضافاً إلى كاف المخاطبين في قوله تعالى (بُشْراكُمْ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ)([251]) نجد في الآية أنه فصل بين العامل المقدر، لأنها بمعنى ابشروا ببشراكم، وبين المعمولِ (جنات) بظرف الزمان (اليوم)، وحذف حرف الجر، من (جناتٍ) فارتفع لأنه خبر لـ(بشرى)، والأصل (أبشركم اليوم بجناتٍ) والله اعلم.
ان اللغويين أجازوا في (بشرى) الرفع والنصب، ولم يجوزوا جر المبشّر به (جنات)، فالأصل: بشراكم اليومَ بجناتٍ كما في قوله تعالى: (ابشروا بالجنة)([252]) قال ألفراء (ترفع البشرى والجنات، ولو نويت بالبشرى النصب توقع عليها تبشير الملائكة كأنه قيل لهم: ابشروا ببشراكم، ثم تنصب جنات توقع البشرى عليها)([253]) وهذا ينزع الخافض.
ومع كل تأويلات العلماء فان القرآن يبقى معجزاً بتعبيره، وأسراره، متحدياً ألفصحاء على أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.