eKtab
EN ع
دراسات في الفلسفة - الفكر - الدين - السياسة - الثقافة - الأدب
اقرأ عينة مجانية

دراسات في الفلسفة - الفكر - الدين - السياسة - الثقافة - الأدب

بقلم د. عفيف فراج

صفحة 1

مقدّمة

تقترب ساعة الزمن من السنة العاشرة لرحيلك، وكتاباتك لم يجفّ حبرها بعد، وقلمك الذي أتقن صياغة الكلمات في جمل معرفيّة مثقلة بفكرك النيِّر التنويري المنفتح لم يسترِحْ أو يتخلَّ عن رسالة فعل الحراثة والغرس (كما تعني كلمة ثقافة في اشتقاقها الروماني)، إيماناً منك «أنَّ الثقافة هي ممارسة إبداع الإنسان الاجتماعي وخلقه وعياً، أي بشراً سويّاً»، كما تقول في واحدة من دراساتك.

وها هو كتابك السابع الصادر بعد رحيلك خير شاهد على أدواتك المعرفيّة المتنوّعة المصادر والمنابع، الأحاديّة النهج الموضوعي البحثي الأكاديمي. لقد أعطيت الحقيقة ـ المعرفة كلَّك، فأعطتك بعضها، ولو أمهلك زمانك لوهبتك الحقيقة بعضها الآخر.

لقد تنوّعت موضوعاتك وأبحاثك، فجمعت من حقول المعرفة أغماراً، أصدرت بعضها كتباً قبل رحيلك، وتركت بعضها الآخر أمانة في أعناقنا ورحلت. جمعنا غلالك في كتب ستّة، تحت عناوين مختلفة، وبقي على بيدر حصادك غُمْرٌ واحد، تنوّعت موضوعاته وتلوّنت، نصدره في الذكرى العاشرة لرحيلك تحت عنوان «دراسات في الفلسفة والفكر والدين والسياسة والثقافة والأدب»، نهديه إلى روحك الحاضرة دوماً بيننا والمقيمة أبداً في المكان.

في هذا الكتاب يمتشق عفيف فرّاج قلمه ليكتب عن مفكّرين وكتّاب نخبويين، شغلوا المسرح الثقافي على امتداد عقود من الزمن. وعفيف السابح في بحور المعرفة يقتفي أثرهم الفكري، يغوص بحثاً عن مآثرهم، يسبر أغوارها بحثاً عن لآلئ الفكر المكتنزة داخل أصدافها. وجوه حفرت عميقاً في وجدان ثقافتنا الوطنيّة، من الشهيد حسين مروّة إلى محمّد دكروب وخليل حاوي، ومن الياس الديري إلى يوسف حبشي الأشقر وتوفيق يوسف عوّاد، ومن أحمد عبد المعطي حجازي وصلاح عبد الصبور إلى حبيب صادق ومحمّد الفيتوري، وصولاً إلى طلال سلمان.

وإضافة إلى هذه الوجوه الفكريّة والثقافيّة والأدبيّة النيّرة، يتضمّن الكتاب دراسات في «الأخلاق الثوريّة» و«التوحيد» و«حوار الحضارات في الإسلام» و«23 يوليو: إصلاح لا ثورة» و«سقوط النظام العراقي وتهافت خطاب العولمة» و«ضعف الأحزاب، قوّة القبائل» و«نحو علاقة جدليّة بين السياسة والثقافة» و«الأدب في الثقافة الوطنيّة».

يتزامن صدور هذا الكتاب مع الذكرى الأربعين لتأسيس «جريدة السفير» التي كان يعتبرها عفيف بيته الثاني. ونيابة عن روحه وعائلته وأصدقائه نتقدّم بما كثر وفاض وثقل من الشكر حتى تنوء تحته الكلمات من الأخ الكبير الأستاذ طلال سلمان رفيق عمره. فمن ميدان التحرير في القاهرة، وهما طالبا علم في جامعتها حيث تفتّح وعيهما السياسي، إلى بيروت الثقافة والكتاب، ومن ثمّ إلى «جريدة السفير»، رحلة عمر أزهرت صداقة قلَّ نظيرها، توّجها الأستاذ طلال، بشهامته ورفعته وصدقيّته، بإصراره على نشر كتاب عفيف، تكريماً له وتقديراً لفكره ووفاءً للصداقة التي جمعت بينهما، في الذكرى العاشرة لرحيله وفي الذكرى الأربعين لتأسيس «السفير».

والآن ماذا نقول عنك أيّها الغالي وهذا هو كتابك الأخير؟ ولكي لا نقع في فخّ العاطفة، التي قد يعتبرها البعض ضرباً من المبالغة، سنقطف باقة من كلام صديقك الشاعر الكبير المرحوم جوزيف حرب الذي رسمك بالكلمات حين قدّمك محاضراً عن «الثقافة الوطنيّة» في المجلس الثقافي للبنان الجنوبي قائلاً:

«عفيف فرّاج المثقّف، الجامعي، الكاتب، صوت صافٍ، نقي، قوي شبيه بصوت البنّائين الذين لا يكفّون عن بناء حائط الأرض... يدقّق بين سعة النوافذ ودخول الشمس... في رائحة كلّ ما كتب عرق الروح، وكدح الوعي، وطريقة المترهبنين في دير لا صور فيه، إلَّا للحبر والورق، ولا رنّة أجراس على سطوحه، إلَّا لهذا القلب المسكوب من نحاسة الفجر... هو يعرف قدْرَه ككاتب ومثقّف... لم يطرح نفسه عند أيّ باب، لم يرسل يديه إلى أيّة مائدة، ولم يُنقص من طول قامته أمام أيّ مدخل. كان شامخاً نظيفاً، عميق الأثر... عاصفاً في الحقّ، صوّانيّاً في المواقف... صادقاً كوعد البحر بالموج وصارماً كقرار الأعاصير...».

وسأختم بكلام لك تتوجّه به إلى الكتّاب والمثقّفين قائلاً:

«ليمتشق الكاتب منّا قلمه، ويرشّ الحبر الأسود نقاط ضياء على جبين الزمن... وليشهر فارسنا سيفاً أنقى من خصلة الثلج على مفرق الجبل... وليعمل على توليد الإنسان الجديد في إطار مجتمع حرّ موحّد، وخلق حضارة إنسانيّة جديدة مستوحاة من ثقافتنا وقيمنا الإنسانيّة...».

فسلام لروحك أيّها الغالي من عائدة وطارق وفراس ونسرين، ومن حفيداتك وأحفادك، تالين وغريس ومارسيل وسيلين وفيدل.

عائدة خدّاج أبي فرّاج

صفحة 2

في الفلسفة والفكر

ـ حسين مروِّة

ـ محمد دكروب

ـ في الأخلاق الثورية

حسين مروّة يستنطق التراث ويقرأ «النزعات المادِّيَّة» في «الفلسفة المثاليّة»(*)

بأيّ أداة معرفيّة نتقرّى مشهد هذه الكتل الطوائفيّة المذهبيّة العشائريّة التي «تتخابط في مناخ ركودي يستنقع»(1) وتعيش وعي وبنية ما قبل الدولة والقوميّة والأمّة، ناقلة المجتمع القطري من وضع التجزئة إلى تجزئة التجزئة؟
عن أيّة مرجعيّة ثقافيّة يصدر هذا العنف السياسي الذي يغتال عقولاً تدافع، بأدوات البرهان الفلسفي، عن حضارتنا وحضاريّة إنساننا العربي ـ الإسلامي كما دافع عنها وعنه المفكّران حسين مروّة وحسن حمدان «مهدي عامل»؟ وإلى أيّة طبقة في جيولوجيّة بنيتنا الذهنيّة يرتكز هذا النزوع العاتي إلى تدمير الآخر واستعادة أشكال الصراع القبلي ـ المذهبي ـ الديني على خشبة مسرح تاريخي يَتغيّر فيه الممثّلون وتبقى الأدوار محدّدة مكتوبة؟
لماذا يفرض على شجرة المعرفة العربيّة الامتناع عن محاكاة شجرة الطبيعة وزمنها الطبيعي بحيث ينفي زهر الفكر ورق الكلام، ثم ينفي الثمر الفلسفي ـ العلمي الأنضج زهر الأحلام الرومانتيكيّة المفارقة، والأفكار التي لم تنعقد مع الوقائع؟
حسين مروّة حمل إلى التراث قانون شجرة الحياة الطبيعيّة مدركاً أنَّ شجرة المعرفة لا بدّ وأن يكون لها، هي الأخرى، وفيّاتها والمواليد. ولجأ إلى قانون نفي النفي، الهيغلي ـ الماركسي لينفي الميت ويدخل المثالات التراثيّة الحيّة في تيّار الحاضر الحيّ، صانعاً الأصالة من جدليّة الماضي والحاضر، همّه أن يثبت أنَّ الثمر هو الذي يعبّر عن الوجود الحقيقي الأصيل للشجرة، و«إن كان الثمر لا يمكن أن يولد إن لم تسبقه الدرجات السابقة كلّها من جذر وجذع وورق وزهر» كما يقول حسين مروّة مستعيداً هيغل.
في مقابل هذا الوعي الجدلي لتاريخيّة تحوّلات الشجرة، فصلاً بعد فصل، يصطف الوعي الرجوعي الذي يضع الماضي أمامه، يقطع الشجرة عن دورة الفصول، ويعيد شجرة المعرفة الحيّة إلى جذرها التكويني الغائر في اللازمن القبلي الصحراوي، أو في «اللاوعي الجمعي»، و«اللاشعور المعرفي» الذي يبقى بعد نسيان المكتسب الثقافي؛ تنجدل العصبيّة القبليّة بالعصبيّة الإيمانيّة، ينتج الصفّ الرجوعي إسلامه السياسيّ من الدافع الاختلافي ذاته الذي ألف «علم الجدل» و«علم الكلام»، «علم حفظ رأي أو هدمه» بدل مجادلته، علم انقسام الواحد إلى فرق تجتهد في وصم الخصم السياسي بتهمة «مرتكب الكبيرة»، علم «التدافع والتنافي»، واحتراف الكلام الإعرابي حرفة «كل شأنها أن تغلط وتضلّل وتلبس وتوهم فيما ليس بحقّ أنَّه حقّ، وفيما هو حقّ أنّه ليس بحقّ» على حدّ تعبير الفارابي(2). وبتعبير حسين مروّة العصري، هي حرفة الإيديولوجيا السياسيّة المصارعة على السلطة من خلف حجب الإيمان، «ذلك أنَّ الاعتراف بالظاهرة الفكريّة لذاتها لا يمكن أن يعني الاعتراف بانعزالها عن الجذور السياسيّة أو الاجتماعيّة التي تتصل بها اتصالاً موضوعيّاً ليس لإرادتنا دخل فيه»(3).
إنّ الاجتهاد في اكتشاف العلاقة بين الباطن السياسي ـ الاجتماعي والظاهر الإيماني والفكري هو محرّك الإنجاز البالغ الأهمِّيَّة الذي حقّقه مروّة، وهو عنوان إضافته لدراسات وأبحاث كثيرة في حقل التراث نهجت نهجاً آخر وأنتجت معرفة أخرى، تتناقض أو تتكامل، مع الشكل المعرفي الذي أنتجه مروّة للتراث العربي ـ الإسلامي.
* * *
قبل البحث في أدوات مروّة المنهجيّة واستنتاجاته المعرفيّة أسمح لنفسي بالوقوف أمام حدث اغتيال العقل بآلة السلاح المادّي المستورد من الغرب، وليس بأداة القياس المنطقي المستورد من أرسطو لاغتيال الفلسفة وأرسطو. وأسمح لنفسي بقياس الشاهد على الماضي الغائب، في مقابل من يمارس في تاريخنا الثقافي عمليّة قياس «الغائب على الشاهد»، قياساً يحيل الإبداع إلى «وساوس يلقيها الشيطان في نفوس المبتدعة»(4).
وأزعم في جملة مفارقة لنصّ حسين مروّة أنّنا نعيش بالملموس، دورة جديدة من دورات انبعاث الإيديولوجيا السلفيّة «عنقاء الشرق» وبالمواصفات عينها التي حدّدها لها هيغل في فلسفة التاريخ. إنَّ أسطورة العنقاء يقول هيغل: «هي أسطورة شرقيّة حصراً لأنَّها المعادل الفنِّي لزمن الشرق التاريخي الدائري»، وأنَّ العنقاء «لا يمكن أن تكون أسطورة غربيّة» لأنَّها تتخالف مع زمن الغرب التاريخي اللولبي المتقدّم في ثبات، ودون رجوع. والعنقاء الشرقيّة في التأويل الهيغلي تمضي العمر وهي تراكم حطب احتراقها، وحين تنتهي «تشنّ حرباً» على نفسها وتلتهم جسدها الدنيوي كي تطهّر الروح بنار الجسد؛ ثم تعود إلى الغلاف الجسدي ذاته الذي كانت قد أحرقته دون استحداث أيّ تبديل فيه، «ثمّ تعود، ثم تحترق، في دورات لا تفضي إلى تقدّم». ولا بدّ من التحاكم بهذه الموضوعيّة أمام التاريخ، لنقرّر ما إذا كنّا مقدورين تاريخيّاً على الثبات، بينما الآخر الغربي مقدور على التقدّم.
إنّنا في الوقت الذي نرفض فيه مبدئيّاً مساواة يوم التاريخ الحضاري العالمي بيوم طبيعي يبدأ بشروق حضاري من الشرق، وينتهي مرَّة وإلى الأبد بشروق مستديم من الغرب، كما يريد لنا هيغل ومدرسته، إلَّا أنَّنا يجب أن نتوقّف وسط هذه الدائرة الجديدة من تاريخنا أمام مساءلات غربيّة ومحلِّيَّة تستقرئ التاريخ دون مسبقات عنصريّة، مساءلات من نوع:
ـ «لماذا تأخّر المسلمون وتقدّم غيرهم»؟ (أرسلان ـ الأفغاني).
ـ ما هي الآليّة التي تجعل مرجوع الإيديولوجيا الإسلاميّة أمراً ممكناً؟ (العروي، أزمة المثقّف العربي).
ـ لماذا لم تتطوّر الأوضاع الاجتماعيّة الاقتصاديّة في العالم العربي خلال القرون الوسطى إلى نظام قادر على تحقيق التقدّم المطرد كما حدث في أوروبا؟ (رودنسون، الإسلام والرأسماليّة).
ـ لماذا تغلّب المنحى الاتباعي أو الطابع الثبوتي في الثقافة العربيّة على المنحى الإبداعي والتحوّلي المقابل؟ (أدونيس، الثابت والمتحوّل).

صفحة 3

ـ لماذا عجزت الثقافة العربيّة ـ الإسلاميّة التي بدأت من نهاية العصر الهيلنستي (عصر استقالة العقل)، عن تطوير أدوات المعرفة (مفاهيم، مناهج، رؤية) في ثقافتنا العربيّة خلال نهضتها في القرون الوسطى، إلى ما يجعلها قادرة على إنجاز نهضة فكريّة وعلميّة مطّردة التقدّم على نحو ما حصل في أوروبا منذ القرن الخامس عشر؟ (محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي).
ـ لماذا ساد تاريخنا الثقافي السياسي الشكل المثالي من معرفة التراث؟ أو لماذا كانت الإيديولوجيا الإسلاميّة المثاليّة هي الفلسفة السائدة بينما تمثّلت الفلسفة في نزعات «مادِّيَّة» أو عناصر لا تشكّل بنية في تفرّقها؟ (حسين مروّة، النزعات المادِّيَّة في الفلسفة العربيّة الإسلاميّة).
وأخيراً، لماذا يبدو تاريخ الشرق وكأنَّه تاريخ أديان؟ (ماركس).
ما يجمع بين هذه المساءلات رغم اختلاف زوايا طرحها ومناهج معالجتها هو الإقرار بوضع ركودي أو يميل إلى التركّد بفعل ثقل العنصر الإيديولوجي الديني في التاريخ العربي الإسلامي.
لنقارب المسألة من زاوية الإشكاليّة التي تطرحها علينا اللغة العربيّة، لغة تعكس رؤية أصحابها للعالم وصورة فكرهم.
إنَّ قواميسنا القديمة والحديثة تحتوي مفاهيم ومصطلحات، تحتمل معنيين متناقضين، رغم اشتقاق المصطلح من جذر واحد. إنَّ كلمة «تقدّم» مثلاً تفيد معنى الاتجاه إلى المستقبل والاتجاه إلى الماضي في آن؛ وفي المقابل يصبح «المتأخّر» الراجع إلى الماضي في وضع المتقدّم(5)! وهذا المعنى الرجوعي للتقدّم نحو الماضي هو الذي ساد عبر القرون الوسطى. وتتأصّل الإيديولوجيا السلفيّة الإسلاميّة المعاصرة في هذا المعنى الرجوعي للتقدّم، أي المعنى الذي يطابق أسطورة العنقاء الشرقيّة. لقد ربط «هردر» بين خصائص اللغة والأمّة التي تتكلّمها:
«فكل أمّة تخزّن في لغتها تجاربها بما فيها من عناصر الصواب والخطأ فتنقلها اللغة إلى الأجيال الناشئة واللاحقة فتصبح أخطاء الماضي، أو جزء منها على الأقلّ، من ضمن التراث الذي تنقله اللغة عبر الأجيال والذي يساهم في تحديد نظرة أصحابه إلى الكون، إلى الحقّ والخير والجمال»(6).
فإذا ساءلنا قاموسنا اللغوي الأشهر «لسان العرب» عن معنى كلمة «وحد» ومشتقّاتها «وحدة» و«توحُّد»، و«توحيد» و«واحد»، وهي شعارات مركزيّة ترفعها حركات تستند إلى إيديولوجيا إسلاميّة، تردنا مثنويّة معنى الكلمة إلى المشكلة التي نعانيها وجوديّاً مع إيديولوجيا تتحوّل إلى ديماغوجيا، تقول الشعار وتمارس نقيضه(7). فالكلمة تحتمل هي الأخرى المعنى وضدّه. فبينما هي تجسّم في أحد وجهيها معنى المثال الإسلامي التوحيدي الركني الجامع لشتات الأجزاء القبليّة من جهة، فإنَّها تحتوي أيضاً معنى «الانفراد» القبلي والفردي في «زمن الجاهليّة»، أي معنى الانفراد عن الجماعة بدل التوحّد معها، ارتكازاً إلى تصوّر الفرد أنَّه «نسيج من وحدِه» وتوهم الجماعات المغالية في خصوصيّتها بأنَّهم «نسجاء وحدهم»، فتوحِّد ذاتها، أي تُفَرِّدها، لتبقى «أَحدٌ» فريد و«وحيد» أو «واحد لا ثاني له»(8)، تتصوّر أنَّ الروح القدسي حلّ فيها وحدها. والحقيقة هي أنّ ممارسة الرجوعيين السلفيين المغالين في تصوّر خصوصيّتهم، والنخب العسكريّة السياسيّة الوسطيّة، والتي سادت مرحلة عقدي الخمسينيات والستينيات (من القرن العشرين) بشكل خاصّ، تجيء مطابقة لهذا المضمون الضدّي الذي يفيد معنى القطيعة؛ في حين أنَّ السعي إلى «العروة الوثقى» وتوحيد الجماعة الجامعة يشترط الاعتراف بالآخر المختلف، والدخول معه في جبهة متحدة. ومبدأ الجبهة خالفته الحركات السياسيّة المستندة إلى الإسلام كإيديولوجيا منذ نشأتها في الثلاثينيات(9)، كما خالفتها غالبيّة النخب العسكريّة السياسيّة التي خلطت عناصر دينيّة وتراثيّة بالحداثة السطحيّة والبرغماتيكيّة والميكيافليّة، وأنتجت الإيديولوجيا التوفيقيّة أو التلفيقيّة.
أزعم أنَّ ممارسة نهج القطيعة والقطع مع الآخر هي سمة مشتركة بين حركات الرجوعيّة من الإسلام السياسي وغالبيّة النخب العسكريّة والأحزاب السياسيّة التي قادت أو أسهمت في قيادة حركة التحرّر الوطني من موقعها، وإلى موقعها الوسطي. ذلك أنَّ هذه القيادات ذات الأصول الوسطيّة الريفيّة حملت وعياً مسكوناً بالإيديولوجيا الدينيّة السائدة التي صدمتها الحداثة فاعتمدت آليّة دفاعيّة ألقت الحرم على تيّارات «الفكر المستورد»، واستوردت كل ما عدا ذلك. وأزعم أنَّ نهج غالبيّة هذه القيادات الوسطيّة يَشفّ عن مثال العصبيّة كجذر ثقافي أدخلته القبائل معها إلى الإسلام، وقد اجتهد الإسلام في التسامي بالعصبيّة وتعديل وجهتها دون أن يلغيها. لذلك بقيت عنصراً أساسيّاً مكوّناً لوعي العربي ولاوعيه.
إذا ساءلنا مؤلّف مروّة النزعات المادِّيَّة... عن مثال العصبيّة وصيرورته بين الثقافة والوجدان يدلّنا بأداة القانون الجدلي العام إلى علاقة تواصل وانقطاع بين الإسلام وزمن ما قبله، أي يعيد الإسلام إلى أرض تكوّنه ومعطياتها الموضوعيّة، ذلك «أنَّ الإسلام لم يولد من عدم، وليس هو بدء لتاريخ جديد كلِّيّاً في حياة العرب منقطعاً عن تاريخ حياتهم قبل الإسلام، كما يوحي لنا مؤرّخون مثاليّون قدماء وجدد»(10). وهذه حقيقة، وإن كان مروّة لا يذهب عمقاً وسعة في تبيان مؤثّرات الثقافات السامية الأقدم في الإسلام، أو في تتبّع العصبيّة الانفعاليّة القبليّة جذراً وتجلّيات.

صفحة 4

تاريخ ما بين العصبيّة والتعصّب

إنَّ الإسلام يتصل بمجتمع القبيلة السياسي السابق لكل دولة وأمَّة في التاريخ. ومجتمع القبيلة هذا هو «متحد سياسي» وليس رابطة نسب فقط، ولهذا المجتمع تاريخيّته الموضوعيّة وإن لم تحسب التنقيبات عدد قرونها بدقّة بعد، إلَّا أنَّ جواد علي يقدّرها بما يزيد عن الألف «بل وقد ثبتت الأبحاث أنَّه يصل إلى الألفي سنة»(11). وبديهي أن يكون لهذا التاريخ الموضوعي عمقه الذاتي الموازي له في شكل مثالات مجتمع العصبيّة المتعدّدة المستويات، تلك العصبيّة التي، بقدر ما كانت مثالاتها توحّد وتصلب بنية الجزء القبلي، كانت تدمّر الكل الاجتماعي.
«ليس من العلم في شيء إذن، أن نتصوّر أنّ الإسلام قد نقض بالكلمة، شكلاً ألفيّاً من أشكال الوعي القبلي، أو أنّ الإسلام قد خلق العرب من نقطة الصفر» (النزعات 304). ذلك أنَّ الوعي هو الوجود الواعي، أو هو وعي الوجود الاجتماعي. ومن هذا القانون الماركسي الركني صاغ مروّة موضوعة أنّ «ذاكرة الجاهلي الذي دخل عصر الإسلام تبقى ذاكرة جاهليّة حتى تتأصّل لديه ذاكرة إسلاميّة تنفي تلك ولن تنفيها حتى يمارس الإسلام عصره ممارسة عمليّة تتحوّل إلى وعي بشكل ذاكرة جديدة» (النزعات 356)، وهذه حقيقة ثانية.
ولكن هل أتيح لهذه الذاكرة الجديدة أن تتأصّل في التاريخ والثقافة؟
الملاحظ أنَّ مروّة يبقى شديد الالتصاق بالنهج الاجتماعي الماركسي بحيث لم يُعنَ بالعصبيّة في ذاتها بالمعنى الفلسفي ـ النفسي، أي كمفهوم مُجرّد يشتمل العصبيّة في شتّى مستوياتها وإحالاتها (عائلة، قبيلة، عشيرة، مذهب، دين وعرق) كما فعل هيغل حين أنتج من هذه العصبيّات مفهوم «التعصّب»(12)، وحدّد جذره في البعد الانفعالي من النفس، أي اللاعقلاني، معتبراً أنَّ التعصّب هو هوى (Passion) أي عاطفة أُحديّة، جموح، تستبق العقل إلى الفعل قبل أن يدركها العقل، وتمتلك هي العقل ولا يمتلكها العقل. وقد اعتبر هيغل أنَّ خصوصيّة العربي هي «عمل المتعصّب بامتياز»(13). وأدرك بنظرة صائبة أنَّ المثالات التوحيديّة الإسلاميّة استهدفت تحرير العربي من خصوصيّة الجسد بـ«الصيام» وخصوصيّة التملّك بـ «الزكاة»، وخصوصيّة القبيلة وحروبها بـ «الجهاد»، وأنَّ الإسلام قد ارتقى بخصوصيّة العصبيّة الجاهليّة إلى مستوى الإيمان الديني الأعمّ و«أنَّ التعصّب المحمّدي كان قادراً على تحقيق أعظم قدر من ارتقاء الروح المتحرّر من المصالح الصغيرة، والمتّحد بكلّ الفضائل المتعلّقة بالشهامة والشجاعة»(14). ويفسّر هيغل سرعة انتشار الفتوحات الإسلاميّة المذهلة بهذا الإعصار التعصّبي الذي اجتاح به الإسلام العربي مساحات فاقت فتوحات الاسكندر(15). إنّ التدقيق في النصّ الهيغلي يبيّن تداخل المثال الإسلامي بمثالات ما قبله. فالعصبيّة بقيت، لكن تسامت، والشهامة والشجاعة، أي الفروسيّة العربيّة القبليّة هي الأخرى ارتقت وعدّلت وجهتها والوظيفة.
نحن هنا لم نخرج عن نصّ حسين مروّة إلَّا لنعود إليه. ولم نضع النصّ الهيغلي إلى جانب نصّه إلَّا لتوضيح هذا النصّ بشكل أفضل. إنَّ هيغل معنيّ بالجانب الفلسفي ـ النفسي لمثالات التوحيد، بينما يعلن مروّة أنَّ «العمق الاجتماعي لمعنى التوحيد» هو الذي يعنيه حصراً، وليس المضمون الإيماني لهذا المثال التوحيدي (ص 334).
وعلى الرغم من اهتمام هيغل بالجانب الفكروي، دون البعد الاجتماعي الذي كان موضع عناية مروّة، إلَّا أنَّ جدليّة هيغل العقليّة تلتقي جدليّة مروّة الاجتماعيّة على قاعدة ملاحظة الاثنين لظاهرة التفاعل الجدلي بين مثالات التوحيد الإسلامي من جهة، ومثالات ثقافة ما قبل الإسلام من جهة أخرى، في جدليّة صعود وارتقاء بالثانية، وليس جدليّة تنافٍ وتدمير ميكانيكي. إنَّ هيغل قارب المفاهيم الركنيّة التوحيديّة الإسلاميّة من زاوية إبراز فعلها في تطوّر العقل أو الروح الكوني الحرّ العاقل الذي هو روح اجتماعي راشد يدرك أنَّ الأنا الفرديّة (العصبيّة في إطار ثقافتنا) هي «نحن» الجماعيّة. وقد شهد، كما لحظنا، لقدرة الإسلام في صبيحة نهوض الارتقاء بعصبيّة العربي من خصوصيّة القبيلة إلى الخصوصيّة الإيمانيّة، وهي أرقى، لكنّها، تبقى عصبيّة، أي انفعال، هوى، تعصّب، لا يدرك مبدأ العقل الراشد.
أمّا مروّة فإنَّه يبيّن عمليّة الجدل الارتقائي، ليس على قاعدة فكر ـ فكر، وإنّما على قاعدة فكر ـ وجود، ويظهر عمليّة انبناء الذاكرة الإسلاميّة الجديدة ضمن الإطار المؤسّسي الجديد، إطار الجماعة ـ الأمّة والدولة الناظمة والمشروعة. في هذا الباب تطالعنا موضوعتان:
الأولى اقتصاديّة تربط بين ظهور الإسلام من جهة، و«تطوّر مجتمع العلاقات التجاريّة الذي كانت تتنامى قاعدته المادِّيَّة بما يتطلّب ضرب الأطر والعصبيّات القبليّة وصهر المجموعات البشريّة القائمة على طرق التجارة وفي المراكز التجاريّة تتوحّد كلّها ضمن إطار اجتماعي واحد، في مؤسّسة واحدة، أو قل دولة موحّدة» (ص 355).
الموضوعة الثانية، فهي فكرويّة، تتصل بالوعي الجديد الواجب الوجود، الذي لا بدّ وأن يشكّل الروح الثقافي للدولة الجديدة. وعلى هذا المستوى يلتقي مروّة هيغل لجهة استبانة جدل الذاكرة القديمة الفاعلة مع الذاكرة الجديدة، جدل كان قاسياً بالفعل في مسار تاريخنا الثقافي السياسي، والمطارحة التراثيّة المأزومة المستمرّة منذ قرن ونصف قرنٍ تقريباً تؤكّد صعوبة مخاض لا يفضي إلى تركيب أعلى قومي ـ إنساني، محلّي ـ عالمي، يحتكم إلى معيار الفعل المعرفي والمعرفة الفاعلة في بناء حضارة المستقبل. إنَّ مروّة يظهر التفاعل الارتقائي ذاته الذي أدركه هيغل بين مثالات ما قبل الإسلام والمثالات الإسلاميّة من خلال تبيانه لوظيفة التشريعات الإسلاميّة المدينيّة التي خاطبت الذاكرة القديمة حين شرعت الغزو وشفعته بالعطاء والغنائم، كما خاطبت الذاكرة القديمة في التشريعات المتعلّقة بنظام الأراضي المفتوحة. إنَّ وظيفة هذه التشريعات المدينيّة الأولى كانت «التحريض»، يقول مروّة، أي تزويد الجند الإسلامي بـ «حافز مادِّي للانخراط في عمليّة الفتح والانتشار، خارج الجزيرة القاحلة، باندفاع حماسي يعزّز الاندفاع الإيماني لدى المؤمنين من جند الفتح» (356).

صفحة 5

إنّ الطريق إلى الهدف الأخير، هدف إقامة الدولة ـ الأمّة، التي تنبني الذاكرة الجديدة في ظلّها وضمن أطرها المؤسّساتيّة، التعامل الجدلي مع مثالات الشجاعة الجسديّة، ومفهوم الثأر. إنَّ القتال، أي مبدأ القوّة، الذي كان قانون حياة الجاهلي، يصبح جهاداً «من أجل المؤسّسة الواحدة الجامعة، بدلاً من استهلاك هذه القدرات في نزاعات القبائل والعشائر». أمّا مثال الثأر الجاهلي فقد تحوّل «من كونه انتقاماً فرديّاً أُسريّاً أو عشائريّاً إلى كونه عقوبة اجتماعيّة للدفاع عن مصلحة المجتمع» (355 ـ 356). وهذا يطابق في الجوهر موضوعة الارتقاء بالخصوصيّة القبيلة القديمة التي جرّدها هيغل في مفهوم «التعصّب»، ذلك الوقود الناري الدافع أو الإعصار الانفعالي الكاسح الذي وجد تعبيره الخلقي في مفهوم الجهاد «وهو الأساس الأهمّ في الإيمان المحمّدي»(16)، كما يقول هيغل، كونه الممارسة العمليّة لمفاهيم التوحيد الركنيّة على أرض المعركة ـ الفعل، وإلى قدرة الإسلام على تعديل المثالات وتغيير وجهتها وتفجير مخزون عصبيّتها يرتكز الإنجاز التاريخي للإسلام في بعده الثقافي.
تبقى حقيقة ترقى إلى مستوى البديهيّات ويجمع عليها باحثون ومؤرّخون يختلفون منهجيّاً اختلاف عالم الاجتماع الماركسي، مروّة، عن الفيلسوف المثالي هيغل. ويصوغها أنيس صايغ بالقول: «إنَّ موقف الإسلام من العصبيّة يتلخّص في أنَّه أبقاها بعد أن أبدلها من قبليّة عنصريّة إلى دينيّة إيمانيّة»(17).
* * *
أسمح لنفسي هنا بالخروج عن الإطار الملزم عند حسين مروّة لمقاربة مفهوم العصبيّة بالمعنى الهيغلي المشروح سابقاً (معنى التعصّب)، وذلك اعتقاداً منّي، وهذه فرضيّة قطعاً، أنَّ هذا المفهوم المنغرس في الصحراء هو عميق الجذر في اللاوعي قبل الوعي. ولا أزعم أنَّ هذا المفهوم هو «جوهر» ثابت بالمطلق، أي فوق التاريخ، وإنَّما أقول إنَّه مثال ثقافي تكويني فاعل بحكم معطيات تاريخنا ذاته، وأنَّ هذا المثال التكويني لم يتح له في بنيتنا الاجتماعيّة ـ السياسيّة ـ الثقافيّة المعطيات المخالفة التي تحيله إلى عَرَض. والدليل على ذلك هو المشهد العياني المعروض على ساحة عروبتنا منذ العشرينيات (من القرن المنصرم)، والتي غدا لبنان الثمانينيات حالتها القصوى، والتي كان اغتيال مروّة ومهدي عامل جزءاً من انفعاليّتها الجموح، وبعضاً من خصوصيّتها الانحصاريّة التي لم تبلغ مستوى المبدأ الجماعي العامّ الذي هو مبدأ الروح الراشد.
إنَّ روح عصبيّة التجزئة القبليّة لم تصهر وتذاب لتطرق بيد العقل والعلم بحيث تتحوّل في عصرنا إلى طاقة خلق وتشكيل، والتشكيل هو جوهر العنقاء الحديثة. وقد بقيت هذه العصبيّة ظلاًّ للدولة الإسلاميّة في قوّتها، وأصلاً مادِّيّاً وجوديّاً يحيل مثال التوحيد ظلاًّ مثاليّاً حيناً آخر، أو أحياناً أخرى. ومنذ البدء لم تكن مهمّة قطع الجذر العصبي أمراً سهلاً أو ممكناً. فما أن قضى الرسول حتى اضطرّ أبو بكر إلى خوض «حروب الردّة» ضدّ البداوة الراجعة من الإسلام (الذي دخلته ولم يدخلها) إلى ذاكرتها التاريخيّة، وزمنها الصحراوي المكرور. وقد أوضح مروّة جيّداً أنَّ الذاكـرة يكوّنها الوجـود الاجتماعي وليس الكلمة ـ المثال. لكنّه لم يكن في مخطّطه (وجود ـ فكر) الذهاب أبعد. وقد أشار أحمد أمين إلى العمق التكويني لهذا العنصر العصبي حين اعتبر أنَّ عصر عمر بن الخطّاب «كان العصر الذهبي» لأنَّ الخليفة الرّاشد «شغل قبائل العرب عن حروبهم الداخليّة بحروب خارجيّة، لأنَّه، رضي الله عنه، منح فهماً عميقاً ممتازاً لنفسيّة العرب»(18).
ويلاحظ أحمد أمين أنَّ حروب القبائل الجاهليّة «لم تنقطع بعد الإسلام»(19) وأنَّ البنية القبليّة لم تتفكّك وأنَّ القبيلة انخرطت في جيش الفتح كوحدة أو كمتّحد اجتماعي. وإذا جاز لنا أن نبتعد لحظة أخرى عن نصّ مروّة، لنتتبّع هذا الجذر العصبي كما يعرض له أنيس صايغ، نجد أنَّ الأمويين «عادوا بالعصبيّة إلى مستواها العربي القبلي وركّزوا ملكهم على قاعدة العصبيّة العرقيّة التي لو قدّر لها أن تسود لشكّلت خزّان وعي قومي هائل»، كان لا بدّ وأن يشكّل «قوّة مادِّيَّة» لا تغلب في صنع مشروع الأمّة العربيّة الواحدة بمقاييس حضاريّة. ونلاحظ أنَّ مروّة يعتبر «تحوّل معاوية بنظام الخلافة الشوروي إلى ملكيّة وراثيّة كان إيجابيّاً من وجهة تاريخيّة موضوعيّة رغم ما خلّفته الخطوة من مرارة ذاتيّة في نفوس المسلمين، ذلك أنَّ دولة بوزن الدولة الأمويّة العربيّة ما كان يمكن أن تستقرّ وتترسّخ وتؤدّي دورها التاريخي لو لم يدعمها معاوية بهذا التدبير السياسي الجريء». (481) لكن عصبيّة الأمويين ترافقت مع استئثار وتسلّط طبقي أفرخ «ظاهرة الشعوبيّة» التي استندت إلى كونيّة ومبدأ الجماعة المتكافلة المتساوية، وباسم الإسلام انتصر بنو العبّاس، «وفي عصرهم انحسر معنى كلمة عربي لتعني سكّان البادية، وهو المضمون الذي استخدم فيه ابن خلدون معنى العصبيّة»(20). ويمضي الأتراك في الإفادة من ضعف الحسّ القومي ليحكموا العرب من المغرب حتى الخليج مدّة أربعة قرون.
وهكذا «بقي المفهوم القومي، بالمعنى الذي ساد العصر الأموي، هو الأضعف بين العصبيّتين: «القبليّة» و«الإيمانيّة»(21). من هنا قابليّة هذا المفهوم القومي للانتكاس عند أوّل صدمة كبيرة كما نتلمّس في تاريخ مصر المعاصر بشكل خاصّ»(22).
إنَّ كلاًّ من ابن خلدون وهيغل وأحمد أمين وأنيس صايغ مدركون لوجهي الطاقة العصبيّة: التدميري الذي يدمّر العام بخصوصيّته، والبنياني الذي يقيم الدولة والأمّة، أي العام، على قاعدة الخاص العرقي ويسيّجها بالعصبيّة القوميّة، ومروّة يشترط أن يتثقّف هذا الخاصّ العرقي ـ القومي الذي قطعته دولة بني العبّاس كي يلتقي بأرفع ما في ثقافتنا وثقافات العالم من قيم، ويرتقي بالقوميّة من مستوى العرق إلى مستوى الحضارة.
إنَّ خطورة الذهنيّة البدويّة و«التعصّب» كمفهوم مجرّد هو في اختلال ميزان القوى داخل الذات العَصَبيّة. ذلك أنَّ قوّة الطاقة الناريَّة الانفعاليّة الدافعة عند المتعصّب لا تتكافأ مع عدّته العقليّة، أي آلة الفهم والمنطق. ولأنَّه لا يمتلك هذه القوّة في داخله يستعير لنفسه آلة قوّة خارجيّة مادِّيَّة هي السلاح ليكمل بها نقصه، ويغير على مواقع الآخر. وهي سلوكيّة فاشيّة نموذجيّة تحدّد آليّتها الغريزة الآليّة التي تحيل جدل فكر ـ فكر إلى فكر ـ سلاح. وأزعم أنَّ ما جرى ويجري هو في بعده الثقافي ـ النفسي نتيجة تسافل العصبيّة التي اجتهد الإسلام في التسامي بها عن مستوى الخصوصيّة والمصالح الصغيرة، ونجح يوم كان أفق الزمان مفتوحاً أمام حضارة الإسلام بينما هو مفتوح الآن لغزوة رأس المال الغربي، واستطالته الصهيونيّة.

صفحة 6

في دراسته عن «أزمة المثقّف العربي: التقليديّة والتاريخانيّة» طرح عبد الله العروي السؤال:

ما هي الآليّة التي تمكّن الإيديولوجيا الإسلاميّة من تكرار رجوعها؟ والسؤال هو تنويعة على موضوعة «العنقاء الشرقيّة التي شرحها هيغل». والحقيقة هي أنّ الطبع الوسطي الذي قاد عمليّة التحرّر الوطني لم يحرق من العنقاء الرجوعيّة إلَّا غلافها الخارجي التنظيمي، وهو احتراق كانت العنقاء تفرضه على نفسها حين كانت تنتهج منهج الجمعيّة السرِّيَّة الإرهابيّة. أمّا اليسار الماركسي والتيّار الليبرالي فقد استهدفا في الروح الثقافي كما في الجسد التنظيمي. وقد بدأ سعد زغلول ـ قائد ثورة 1919 الوطنيّة النهج ـ التعاطي مع اليسار وتنظيماته النقابيّة وحلفائه الوطنيين الراديكاليين بأسلوب العاصفة ونهج القطيعة منذ العام 1924، وهو نهج لم ينقطع بعد وإن تقطّع. وإذا تذكّـرنا التنافي القومـوي ـ الشيوعي، والبعثي ـ الناصـري، والبعثي ـ الشيوعي، الذي تعدّى في بغداد شباط 1963 حدّ التعطيل السياسي وبلغ مستوى الإبادة الجسديّة اللاعقلانيّة، ثمّ الخلاف البعثي ـ البعثي، ثمّ خلاف القوميين العرب مع عبد الناصر(23)، ينعرض على شاشة الذاكرة شريط العنف الانفعالي «العصبي» الذي اقتاد الأمّة إلى كارثة الخامس من حزيران، وفي رماد حريق الخامس من حزيران بدأ ريش العنقاء السلفيّة يتبرعم. ثم راحت العنقاء تستكمل هذا الريش في مناخ الانفتاح الساداتي الاستهلاكي السفيه الذي شرَّع أبواب مصر المعزولة عن مصيرها العربي لقوى رأس المال المحلِّي والعالمي وللسياحة الأميركيّة ـ الخليجيّة ـ الإسرائيليّة التي جعلت من مصر مركز ترفيه كما كانت كوبا «باتيستا» بالنسبة لأغنياء أميركا.
وهذا المناخ هو المثالي لانتعاش الفكر ـ السلفي. فهل نقول بعد هذا الوجع كلّه ما قاله العروي في مقدّمته لكتاب الإيديولوجيّة العربيّة المعاصرة:
«إنَّ وجداني لا يكفّ يستشعر الأسى على الأجيال الضائعة والنشاط العقيم والزمن الفارغ»(24)، إنَّ الأمر كذلك. ولكن ما العمل؟ وهل يكون العمل المجدي شيئاً آخر غير التأليف الجدلي بين الفكر القومي من جهة، والماركسي من جهة أخرى، على قاعدة موضوعة مهدي، عامل القائلة: «إنَّ قضيّة الوحدة القوميّة هي قضيّة الطبقة العاملة وحزبها الشيوعي»، وإنَّ هذه القضيّة موضوعة على رأس جدول الأعمال؟ وهل يكون العمل شيئاً آخر غير إنتاج فلسفة للنهضة تبني الإنسان بمثالات التحرّر من عصبيّات التاريخ العتيقة وبالتالي من نهج القطيعة السياسيّة والقهر الفكري المرتكز على التعصّب كمفهوم في ذاته؟ وهل العمل المجدي يكون إلَّا في صنع عروتنا الوثقى على صورة الجبهة الوطنيّة المتحدة ؟ وهل يكون إلَّا بجعل الحرِّيَّة قيمة ركنيّة، ومساواة مداد العلماء بدماء الشهداء في القيمة المطلقة؟ هل تكون النهضة إلَّا إذا عدنا إلى رحاب الآية الكريمة {من قتل نفساً بغير نفس أو فساداً في الأرض فكأنّما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنَّما أحيا الناس جميعاً}؟ هل نذكِّر بالآيات الأربع والستّين التي أحصاها محمد عبده في حرِّيَّة العقل والمشيئة والاختيار كما يذكر أحمد أمين في كتابه زعماء الإصلاح في العصر الحديث(25).
أليست هذه هي العناوين ـ الأطر الضامنة لحرِّيَّة النقد التي هي «حياة الفكر» كما كان يقول حسن حمدان، ويمارس، بنزعة سقراطيّة مسائلة، مركبه الفكري المتعدّد الأبعاد (فرويدي، وجودي، ماركسي) مؤكّداً على ضرورة تمثّل حزبه الشيوعي والأحزاب الشيوعيّة العربيّة التجربة الديموقراطيّة لأحزاب غرب أوروبا الشيوعيّة ودمجها في حياة الأحزاب الشيوعيّة المحلِّيَّة، والقبول بمبدأ نشر الطروحات الفكريّة المختلفة على صفحات صحافة الحزب، وناقداً لجوانب من فكر حزبه وفكر الأحزاب الشيوعيّة العربيّة.
إنَّ التكوّن الثقافي ـ السياسي للنخبة العسكريّة السياسيّة ذات الأصول الريفيّة ووسطيّتها ونهجها التهادني ونظامها اللاديموقراطي ونهج القطيعة السياسيّة التي حوّلت صراعاتها، التي عدّدنا، قوى الأمّة الحيّة إلى عنقاء هائلة تنشئ الحرب على نفسها، وتجمع حطب احتراقها، ثم تحترق في الخامس من حزيران لتطلق العصبيّة الأخرى الدينيّة إلى حدّها الأقصى، وتفسح لقطيعة أخرى واحتباس آخر، ونحر وانتحار. كل ذلك يضعنا أمام فرضيّة مهدي عامل في نمط الإنتاج الكولونيالي، التي تطمح إلى انتزاع المسألة الوطنيّة وقضيّة الوحدة العربيّة من يد البورجوازيّة المحلِّيَّة «الكولونياليّة التابعة للمركز الرأسمالي المسيطر» ووضعها في يد «الطبقة العاملة وحزبها الشيوعي». ذلك لأنَّ «التناقض الرئيسي في المجتمع الكولونيالي هو التناقض الوطني، وأنَّ الصراع الوطني هو بالتالي الشكل التاريخي المحدِّد للصراع الطبقي. فالثورتان الوطنيّة التحرّريّة والاشتراكيّة تتداخلان في المجتمعات الكولونياليّة لتشكّلا ثورة واحدة». وهي فرضيّة تكتسب مشروعيّة مطلقة في جزئها الأوّل، ومشروعيّة «نظريّة» في الجزء الطبقي الحصري، والموضوعة، ككل، تبقى مشروطة بإتاحة مناخ التنافس الديموقراطي في الفكر والممارسة.
وقد أعاد ياسين الحافظ صياغة الموضوع بطريقة أخرى: «أين البورجوازيّة العربيّة المفترسة؟ وهل يمكن أن تنشأ في ظلّ الهيمنة الإمبرياليّة الساحقة؟ أين البورجوازيّة التي تلتهم وتطوي تحت أجنحتها البورجوازيّات العربيّة الرثّة، المخصيّة، المتأخّرة المضاربة، التابعة، وتسهم من خلال تحديث الاقتصاد العربي، في شدّ هذا التخلخل في البنية القوميّة العربيّة، في لحم الفواصل والخصوصيّات التي تعطي التجزئة مبرّرها ودعامتها؟»(26).
* * *

صفحة 7

مروّة يؤصّل الماركسيّة

بدأت ماركسيّة مروّة تتميّز بدءاً بالعام 1954 حين وضع مقدّمة فكريّة لكتاب في الثقافة المصريّة الذي حدّد فيه كاتباه محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس مدلول الثقافة المصريّة بوصفها انعكاساً للواقع الاجتماعي، الذي هو واقع مصري، على وجه التحديد. وقد صوّب مروّة ما اعتبره أحديّة الميل الإقليمي عند رفيقيه الماركسيين البارزين مؤكِّداً على العلاقة الجدليّة بين الثقافة العربيّة عموماً من جهة، والخصوصيّة الثقافيّة المصريّة من جهة ثانية، أي أنّه اكتشف القانون العام في الثقافة الإقليميّة، كما قال العالم.
وقد توسّع مروّة في استخدام نهجه الجدلي ليكشف العلاقة الجدليّة بين الثقافة الوطنيّة ـ القوميّة من جهة، والثقافة العالميّة من جهة ثانية، رافضاً فكرة الحضارة المنغلقة (نظريّة شبنغلر) وفكرة الدوائر الحضاريّة المنغلقة (نظريّة توينبي). وينقد الموضوعة الهيغليّة التي تشطب الفلسفة العربيّة ـ الإسلاميّة بل الشرقيّة من تاريخ الفلسفة بحجّة أنَّها «تصوّرات وآراء دينيّة تبدو لأوَّل وهلة أنَّها فلسفة». هذا لا يعني أنَّ مروّة يعبر فوق الفوارق في طرق التفكير. إنَّه يراها، لكنَّه يرفض جعل هذه الفوارق بين طرق التفكير الشرقي وطرق التفكير الغربي خطوطاً متوازية لا يشتملها القانون العام القائل «إنَّ التفكير البشري، شرقيّاً كان أم غربيّاً، هو عنصر من عناصر الوعي الذي هو عبارة عن النتاج التاريخي لتطوّر المادّة. وإنَّ التفكير، كذلك، شرقيّاً كان أم غربيّاً، هو انعكاس للوجود أو أنَّه، في الشرق كما في الغرب، ينتظم من عناصر متماثلة». (ص 125).
وهكذا يدرج مروّة الخاصّ في العام مستنداً إلى راكزين:
ـ أنطولوجي (وجودي)، ماثل في قانون ارتقاء الفكر في المادة.
ـ وسوسيولوجي ماركسي، ماثل في انشراط الوعي بالوجود الاجتماعي. ولا يبقى سوى التأليف الجدّي بين الفوارق أو الخصائص المميّزة، للتفكير في ثقافتنا ـ والدين منها في المركز ـ والكوني العام في ديالكتيك العلاقة بين الخاصّ والعامّ «بمعنى أنَّ كل طريقة للتفكير هي فريدة من نوعها، خاصّة، وهي في الوقت نفسه عامّة» (ص 126).
إنَّ لتأكيد مروّة على هذا الديالكتيك وظيفته السياسيّة الثقافيّة ـ الاستراتيجيّة في النهاية. فالخصوصيّة تمنع الذوبان الثقافي وامّحاء الشخصيّة القوميّة في العالمي، والعموميّة تمنع التجمّد والانغلاق على الذات ورفض هذا العالمي ذاته.
ويستقرئ مروّة ديالكتيك الخاصّ والعامّ الحضاري في تاريخ تعاقب الحضارت ناقداً الخصوصيّة المغالية التي لا تعترف بالعام مرتكزاً إلى حقيقة «أنَّ التاريخ لم يعرف قطّ مجتمعاً انغلقت عليه، كلِّيّاً ونهائيّاً، أبواب التواصل بين حضارته الخاصّة وحضارات الشعوب الأخرى ممّا يجعل كل حضارة خاصّة تحتوي عناصر ثقافيّة متنوّعة متعدّدة»(27).
وقد ذهب مروّة في تأكيد مبدأ التداخل بين الحضارات وإلى حدّ التحرّج في استخدام كلمة «حضارات» في صيغة الجمع، «لأنَّ تاريخ تعاقب الحضارات هو تاريخ تداخلها وليس تنافيها». والحقيقة هي أنَّ القارئ لا يستطيع أحياناً أن يقاوم الشعور بأنَّ تأكيد مروّة على جانب العموميّة يجيء على حساب التمييز والخصوصيّة، وإن كان يفيد الذين يمعنون في التنقيب عن خصوصيّات إقليميّة، ويغرقون تاريخ التفاعل بين الثقافات والحضارات في خصوصيّة جغرافيّة تبالغ في «عبقريّة المكان» وأثره على التاريخ والثقافة في مصر، أو خصوصيّة دينيّة رجوعيّة تقطع نفسها عن تيّارات الفكر العالمي، وترتدّ عن العصر إلى الكهف الدهري وتغيب عن الوجود الخارجي، وحين تصحو تجد نفسها من جديد غريبة عن الزمان، فتعود إلى كهفها من جديد. ويسهم مروّة في ترسيخ عروبة هذا التراث بالتأكيد على الوحدة الجدليّة بين وجهيه: الوجه العربي والوجه الإسلامي. مشدّداً على أنَّ هذه الوحدة بين الوجهين غير قابلة للتجزئة على أساس عرقي:
«هذا التراث عربي كلّه مهما كانت الأصول القوميّة لمنتجيه. هو عربي لا من حيث لغته مجرّدة، بل من حيث أنّ بناءه اللغوي هو في الوقت نفسه بناء فكري واجتماعي وسياسي معاً، وهو أيضاً بناء فيلولوجي وأنثولوجي وسيكولوجي في آن واحد»(28).
والتراث هو إسلامي بالمعنى الحضاري و«ليس بالدلالة الدينيّة» للكلمة أي بمعنى «مشاركة الشعوب الإسلاميّة، في إثراء مسيرة العرب الحضاريّة في إطار بنيةٍ اجتماعيّةٍ مركَّبة متكاملةٍ استظلّت دولة الخلافة الإسلامية» (170). ويذكّر مروّة هنا بالأقليات الدينيّة (التي لم تكن لتتواجد في ظل دولة الخلافة لولا سماحة الإسلام الرحيبة التي لم ترق إلى بعضها مسيحيّة القرون الوسطى). ومن الواضح هنا أنّ مروّة، بتجريده العروبة من عصبية العرق أو الإسلام من عصبيّة الدين، يعلو على ماضينا التاريخي بمثال الحضارة العصريّة.
«مادّيّة النزعات» و«مثاليّة التراث»

إنَّ صرامة مروّة النهجيّة تبدأ من اختياره «النزعات المادِّيَّة» عنواناً لكتابه، وليس «الفلسفة» أو «التيّارات» المادِّيَّة مثلاً. فالنزعات المادِّيَّة عناصر لا تكتمل في بنية متماسكة متّسقة، وإنّما توجد موزّعة ومستبطنة في تضاعيف الفلسفة المثاليّة التي سادت لكونها إيديولوجيا الطبقة السائدة. واختيار مروّة للمصطلح ينبني على الموضوعة اللينينيّة القائلة: «إنَّ الأفكار الديموقراطيّة والاشتراكيّة توجد في كل ثقافة وطنيّة وقوميّة بشكل عناصر نزعات في حين توجد ثقافة الطبقة السائدة بشكل ثقافة سائدة». لكنّ الذي أعطى كتاب مروّة طابعه الموسوعي أو الشمولي هو أنَّه لم يقدّم لنا النزعات المادِّيَّة منعزلة عن نقيضها المثالي ليبرزها أو يضخّمها كما تعوّدنا في الإنتاج الثقافي المخضع لغايات الإيديولوجيا السياسيّة السطحيّة المباشرة، وإنّما جاء مؤلّفه مشتملاً على الروحي والمادِّي، الغيبي والعقلاني، الجبري والقدري. ولا يغالي مروّة في أيّ مكان من مؤلّفه بـ «مادِّيَّة التراث» بل يعترف بأنَّ «الفلسفة العربيّة ـ الإسلاميّة كانت ذات أشكال دينيّة، وكغيرها من فلسفات القرون الوسطى ارتبطت بالتاريخ، ولكن هذه الميزة الواقعيّة لا تخفي النزعات المادِّيَّة. وقد استطاع فلاسفة القرون الوسطى أن يبرزوا ميولهم الفلسفيّة المادِّيَّة من خلال الأشكال الدينيّة» (131).

صفحة 8

وإذا كانت العناصر الوجوديّة والفرويديّة المستوعبة في ماركسيّة حمدان قد ميّزته بحساسيّة رهيفة تجاه كل قمع يمنع تحقّق الشخصيّة، وجعلته يقرن الماركسيّة بالديموقراطيّة السياسيّة ـ الثقافيّة، فإنَّ امتلاك مروّة الواسع والعميق للتراث العربي الإسلامي عبر السنوات العشرين التي أمضاها في النجف دارساً ومنقّباً وكاتباً فيه، هو الذي مكّنه من وضع خميرة الماركسي الفاعل في عجينه. ذلك أنَّ مروّة تأصّل قبل أن يتمركس، تجذّر في المحلّي قبل أن ينفتح على العالمي، واستوعب خصوصيّة شعبه الثقافيّة قبل أن يستوعب قوانين الجدل الاجتماعي والتطوّر التاريخي العامّة.
إنَّ أهمِّيَّة حسين مروّة، تتمثّل في قدرته على تأصيل الفرع الماركسي على الجذع الحيّ من التراث العربي الإسلامي، مستدركاً بذلك ثغرة أساسيّة خطرة كانت تعيب بنية الفكر الماركسي العربي. ذلك أنَّ المثقّف الماركسي بقي مسكوناً بالرهبة من التراث، فجهله أو تجاهله، دار حوله وداور، وفي المحصّلة عجز عن التماسك مع تراثه، وقبل بوضع «المساكنة»، مما جعل العروي يلاحظ «أنّ السّاكن الإيديولوجي بين ماركسيّة وإسلام يتماسّان دون أدنى تداخل جعل الإيديولوجيا الإسلاميّة في وضع متفوّق: أنّها تؤكّد ضرورة التميّز عن الغير، وتهدف إلى أخذ الثأر من قدر جائر؛ في حين أنّ الماركسيّة، على حالتها التي وصفناها، تخضع لأنسيّة فارغة وتعلّل بذلك التقهقر المستمرّ المخزيّ. كيف نتعجّب إذن، من أن يحتفظ الإسلام كإيديولوجيا في هذه الأحوال بقدرته الكاملة على اجتذاب القلوب والعواطف»؟(29)، هنا تكمن أهمِّيَّة إعادة إنتاج التراث من داخله، بحيث لا تعود الماركسيّة هي ذلك الفكر المستورد بالكامل، والغربي بالكامل، ولا يبقى التراث هو ذلك المخزون الديني الشرقي الغيبي بالمطلق. وهذا يؤدّي إلى العودة بالاشتراكيين إلى بيت تراثي يتّسع لهم على رحابة، وتمليك مغتربي الحداثة، وبينهم الكثير من المثقّفين الشيوعيين، هويّة قوميّة وروحاً عروبيّاً وخصوصيّة إسلاميّة ثقافيّة حضاريّة تنجدل مع العام الماركسي على قاعدة الحاجة الحاضرة إلى النهضة وفلسفة النهوض. لقد اعتنى مروّة بنقد «الفراغ البائس» الذي تقوم عليه دعوة الفئة المغتربة في الإنتلجنسيا العربيّة إلى «حذف التراث الثقافي» وعدم التعامل معه. إنَّ هذه الفئة هي مغتربة عن المكان، لأنَّها في هروب مستديم إلى الغرب الذي يشكّل مصدر حداثتها. وقد نقد مروّة ما وصفه بـ «العدميّة الثقافيّة»(30) لهذه الفئة لأنّها تفتعل التناقض مع التراث عن جهل أو تجاهل، كما نقد السلفيين الاتباعيين المغتربين عن الزمان، الهاربين من الحاضر إلى الماضي. إنّ مغترب الحداثة، أو مغترب المكان، يدعو إلى قطع الحاضر عن الماضي لتغريب المجتمع العربي عن أصالته وجذره التاريخي وانتمائه؛ أمّا الرجوعي، مغترب الزمان، فهو المرتدّ عن حاضره وزمنه يحاول اقتلاع المجتمع العربي والفكر العربي من موقعهما في الحاضر، «وكلا الأمرين اغتراب عن الحاضر، من حيث كون مفهوم الحاضر ليس سوى الوحدة الجدليّة بين الأصالة والمعاصرة» على حدّ تعبير مروّة.
كما رفض مروّة الصيغة التوفيقيّة الرائجة بين الاثنين، أي أنَّه رفض وضع الانفساخ الفاوستي بين جسد وروح يتخالفان. الجسد آلة غربية تستورد، والروح خلق شرقي تروعه فكرة ملامسة الفكر المحرّم. إنَّ هذه الثنائيّة التي سادت ثقافيّاً منذ الجبرتي، وسياسيّاً منذ محمّد علي، هي التي تخلّلت إيديولوجيّة أحزاب الطبقة الوسطى والنخب العسكريّة الحاكمة وأغنتها عن جعل الصناعة حضارة التشكيل: تشكيل المادّة وتشكيل الذات، وإرسائها على قاعدة العقلانيّة الفلسفيّة، والمنهج العلمي التجريبي والديموقراطيّة السياسيّة.
* * *
العقل و«عقل» العقل

يعيدنا اغتيال العقل مرّة أخرى إلى قاموسنا اللغوي «لسان العرب» لنتقصى محتوى كلمة «عقل» فنجد أنَّه يعطيها معنى «الحبس» و«القيد» و«الامتناع» عن ممارسة الهوى «وسمّي العقل عقلاً لأنّه يعقل صاحبه عن التورّط في المهالك، «أي يحبسه» وهذا المعنى مشتقّ كما هو واضح من الحياة الرعويّة وقاموس بداوتها. فهل نقول انطلاقاً من العلاقة الجدليّة بين الفكر واللغة أنَّ قاموسنا اللغوي يجدّد في الوعي نموذج الأعرابي؟(31)
لقد أوضحنا هذا البعد التكويني الأساسي في «اللاوعي الجمعي» أو «اللاشعور المعرفي». ويبقى أن نقف أمام ظاهرة «عقل» العقل والاغتيال هو أقصى درجات التجلِّيات اللاعقلانيّة لهذه الظاهرة.
نلاحظ بدءاً أنَّ أحد أهمّ الأسباب التي جعلت مروّة يتقبّل مسألة تحويل معاوية الخلافة الشورويّة إلى ملك وراثي كإنجاز إداري وحضاري هو أنَّ الخلفاء الراشدين لم يحوّلوا الشورويّة إلى مؤسّسة ديموقراطيّة يصونها التشريع المكتوب. وغياب المؤسّسة الديموقراطيّة من تاريخنا السياسي غيّب التقليد الديموقراطي عن تاريخنا الثقافي والوعي الذاتي وسهّل مهمة تحويل النظام الشوروي إلى ملكيّة وراثيّة من جهة، وإلى سيادة جدليّة الدفع والتنافي الفكري من جهة ثانية.
إنَّ أدونيس الذي قرأ التراث في ضوء مثنويّة ثبات ـ تحوّل، اختصر مأساة الثقافة العربيّة في التاريخ بقول مؤدّاه: «إنَّ التاريخ يظهر أنَّ الإسلام يحمل في باطنه إمكانيّات الاتباع والإبداع، وأنَّ تاريخه سار على طريقين: طريق التحوّل وطريق الثبوت. وأنَّ مأساة الثقافة العربيّة جاءت من عدم لقاء هذين التيّارين لقاء جدليّاً، بل لقاء تناقض وعنف بحيث قضى الواحد على الآخر»(32).
أمّا مروّة، الذي لم يضع الأب والابن في وضع التقابل، وإنّما في وضع التفاعل والتداخل، فقد لاحظ بدوره اتساع وعنف موجة العداء للفكر الفلسفي في تاريخنا الثقافي والتي «كانت أسبق عهداً من زمن الغزالي، بل سبقت زمن الأشعري نفسه... لكن مع الأشعري والغزالي بدأت موجة العداء للفلسفة تصدر عن إدراك صريح ووضوح معرفي يحدّدان أبعاد الخطر على الإيديولوجيّة المسيطرة»(33). وهنا شبه إجماع على أنَّ تضافر كل التيّارات المحافظة ضدّ الفلسفة قد أدّى إلى غياب المصادر الأصليّة لأفكار المعتزلة والحركات الثوريّة (البابكيّة ـ المزدكيّة، القرمطيّة وغيرها من الحركات التي أنتجت إيديولوجيّتها الإسلاميّة الخاصّة)(34).
كذلك، لحظ أكثر من مفكّر ودارس تقدّم الصراع على الجبهة الثقافيّة السياسيّة على ما عداه في التاريخ العربي ممّا أدّى إلى تضخّم وظيفة الإيديولوجيا وإلى تراكم أشكالها المضلّلة في وعي لم يستضف الكثير من الفلسفة والعلم. فقد لاحظ الجابري «أنَّ العلم العربي بقي من أوّل الأمر حتى نهايته خارج مسرح الصراع في الثقافة العربيّة، وبالتالي فهو لم يدخل في أيّة علاقة مع أيّ طرف من الأطراف المتصارعة فيها، لا مع الدين ولا مع الفلسفة. أي أنَّ الصراع في الثقافة العربيّة لم يكن بين الأسطورة من جهة، والعلم من جهة أخرى، كما كان الشأن في الثقافة اليونانيّة، ولا كان بين العلم والدين، كما كان عليه الأمر في التجربة الأوروبيّة الحديثة... وإنّما كان الصراع في تاريخنا الثقافي هو صراع إيديولوجي سياسي مباشر... فاللحظات الحاسمة في تطوّر الفكر العربي الإسلامي لم يكن يحدّدها العلم، وإنَّما كانت تحدّدها السياسة»(35).

صفحة 9

وقد أضاف مروّة بعد تسجيله الظاهرة عينها تفسيره لها، معتبراً أنَّ انحصار الصراع في تاريخنا داخل الدائرة الدينيّة ـ السياسيّة، وبقاء العلم الطبيعي والتجريبي خارج دائرة الصراع، يرجع إلى سيطرة الخليفة ودولته المركزيّة في الشرق سياسيّاً، في حين سيطرت دولة الكنيسة التي تمتّعت بقوّة المركز في الغرب لاهوتيّاً :
«في الشرق كان الخليفة قلّما يخضع للدين، بل كثيراً ما يخضع الدين لسلطته ولمصلحة دولته ومن هنا «أمكن تطوير الاقتصاد والعلم» في منأى عن العسف الذي لحق بالفكر الديني ـ السياسي المعترض». (النزعات، ص 150).
والحقيقة الظاهرة في تاريخ الثقافة العربيّة هي أنَّ القمع لم يكن يطاول الفكر إلَّا بقدر اتصال الفكر بالإيديولوجيا الدينيّة ـ السياسيّة ـ الاجتماعيّة، أي بقدر خروجه من دائرة النظر العقلي التأمّلي ليهدّد وجوداً سياسيّاً قائماً. ولا شكّ أنَّ لجوء كافّة القوى السياسيّة في السلطة وخارجها إلى تأسيس مشروعيّتها السياسيّة في النصّ الديني، أعطى الفكر القادر على عقد الجدل بين الديني والسياسي خطورة بالغة. فالسياسي يعبر إلى الوعي الجماهيري من خلال الدين الإسلامي الذي هو في الوقت نفسه دولة. وبقدر ما يختار السياسي نفسه من مساحة داخل الحقل الإيماني بقدر ما يؤكّد شرعيّته السياسيّة ومشروعيّة سلطانه على المسلمين.
من هنا ندرك ظاهرة «تقدير المثقّف وتدميره»، في تاريخنا الثقافي ـ السياسي، وهي مثنويّة تناولها مروّة بمقالة أدبيّة ـ علميّة عام 1955، ملاحظاً أنَّ «تدمير السلطة السياسيّة للمثقّف هو من طبيعة التقدير ذاته»(36)، أي من طبيعة تقدير السلطة للمثقّف.
لكنّ مروّة يذهب بظاهرة القمع الفكري إلى عمقها المعرفي ماثلاً في قضيّة التوحيد. فهو يفترض «أساساً اجتماعيّاً» لعلاقة الارتباط بين عقيدة الإسلام وشريعته. فقضيّة التوحيد هي «معقد الوصل» بين الإيمان بوحدانيّة الله والنظام الاجتماعي الذي يوحد المتعدّد القبلي. والربط في الإسلام بين المعرفة ومصدرها الإلهي الواحد الذي لا يقبل التعدّد «هو التعبير الإيديولوجي عن مؤسّسة الإطار الاجتماعي التوحيدي. وفي ضوء هذه الرواية يمكن فهم تلك الظاهرة الملحوظة، ظاهرة التحرّج حيال الجدل الفكري»(37) (363). وقد أدّى امتناع الجدل العقلي في عهد الخلفاء الراشدين إلى «انقطاع في مجرى تاريخ تطوّر الفكر العربي» (383).
لكن سطوة المثال التوحيدي على الواقع قابلها سطوة الواقع التعدّدي على المثال، ففي حين عجز النص التراثي عن تثبيت وحدة الجماعة، نجحت الجماعة المخالفة بدءاً بالعهد الأموي في إنتاج أشكال معرفيّة متعدّدة أو مختلفة لهذا النصّ الواحد الثابت. وقد تساءل مروّة:
«كيف نفسّر هذه الأشكال المعرفيّة المتعدّدة التي يتشابه بعضها حتى التماثل، ويتخالف بعضها حتى التناقض في حين أنَّ النص واحد لا يختلف ولا يتغيّر؟» ويبني إجابته على قاعدة الموضوعة الماركسيّة الركنيّة التي ثورت علم الاجتماع: موضوعة انشراط الوعي الاجتماعي بالوجود الاجتماعي وأسبقيّة الوجود على الوعي. وقد أدّى به تطبيق هذا المبدأ إلى نتيجة مفادها: «أنَّ كلاًّ من التشابه والتخالف والتناقض بين أشكال معرفة التراث إنّما هو صادر عن منطلقات اجتماعيّة لا فرديّة، موضوعيّة لاذاتيّة، وأنَّ وراء هذه المنطلقات مواقف إيديولوجيّة طبقيّة تسقط على التراث من خارجه، وأنّ اختلاف الوعي الاجتماعي لدارسي التراث يفسّر اختلاف أوجه معرفته» (16 ـ 17).
وأخيراً، إذا وجد دارس حسين مروّة شيئاً من القسر في اقتياد الواقع للمفهوم النظري، الاقتصادي ـ الطبقي، أو لاحظ صرامة بالغة في التقيّد بالمنهج الاجتماعي، أو وجد هناك ما يشير إلى تحكيم «تخطيطة فكريّة جاهزة»، وهي ظواهر لا يخلو منها بحث موضوعي وشبه تأسيسي لجهة النهج، فإنَّ الطابع الريادي لدراسة مروّة تجعلنا نضع هذه الشوائب في المرتبة الثانية من الأهمِّيَّة وذلك لأسباب ثلاثة:
ـ أوّلاً: إنَّ تصحيح هذه الشوائب، التي يفترض وجودها، أمر سهل نسبيّاً بالمقارنة مع المغامرة الفكريّة التي اجتازها مروّة بنجاح، في حدود نهجه، ونهجه واسع الحدود، وإن كان لا يستقصي كافّة الأبعاد. وقد سمحت لنفسي بالخروج عن الحدود الصارمة للمنهج، الذي اعتبره مروّة ملزماً متتبّعاً العصبيّة كمفهوم أي كـ «تعصّب» وهو بعد غائر في تكوّننا، والذي اعتبر أنّه العمق النفسي ـ لسياسة القطع والقطيعة، تلك الخصوصيّة التي كان اغتيال عقل مروّة وحمدان بعض نتائجها المأساوي.
ـ ثانياً: لأنَّ أيّ مؤرّخ لتطوّر الفكر الاشتراكي في المستقبل لا بدّ وأن ينظر إلى عمل مروّة «ليس بوصفه ثمرة عمل فرد فحسب»، بل بوصفه «أصلح تعبير عن المستوى الذي بلغه التفكير العربي التقدّمي حتى اليوم»(38). وإذا كان لا بدّ من ملاحظة أخيرة حول مسألة التراث، فهي أنَّ مروّة قد أسهم بنهجه الذي يجدل الأصالة والمعاصرة في إخراج المسألة من حدود المطارحة التراثيّة المأزومة إلى رؤية تصلح أن تكون نواة فلسفة نهضويّة شاملة متّسقة النهج، ترقى بنا عن نزعة تجريبيّة وبرغماتيكيّة تنحط بالفكر إلى سطح الواقع، وتستبقي هذا التأرجح القلق بين شرق وغرب، تأرجح نعيش دوّاره قرابة قرن ونصف، كنّا خلالها حبيسي دائرة السؤال: ماذا نأخذ وماذا نترك عن كل من الأب الشرعي وابن الحرام الغربي؟

صفحة 10

محمّد دكروب يستلهم «رؤى مستقبلّية» من الحقبة الليبراليّة

* محمد دكروب اسم ارتبط في ذهن عارفيه باسم مجلّة «الطريق»، تُذكَرُ المجلّة فتستدعي المجلّة اسمه، وتذكر اسمه فتتذكّر المجلّة.

و«الطريق» بالنسبة إلى محمّد ليست اسماً لمجلّة يديرها، بقدر ما هي رمز لحياة يعيشها.

فإذا صدف لك، كما صدف لي مرّات عدّة، أن رأيت محمّد يعبر المكان بين مكتبه في المجلّة وبيته، أي بين بيته وبيته، فسترى رجلاً يمشي قارئاً ويقرأ ماشياً، يبطئ خطوهُ التفكُّر وتستغرقه مقالات المجلّة، فلا يرفع نظره ليرى الطريق... كأنَّ الكلمات تضيء طريقه وتدلّ قدمه، وكأنَّ بين محمّد دكروب و«الطريق» مجلّة وطريقاً، علاقةُ تماثلُ علاقةَ العين بالضوء.

ودكروب العائد إلى الفكر النهضوي أو الماضي الليبرالي هو الشيوعي الذي كسر انهيار الاتحاد السوفياتي حلمه، فراح يستجير بمثالات الثورة الفرنسيّة التي رفع النهضويّون بيارقها علّه يجبر كسور الاشتراكيّة بترياق الحرِّيَّة. ودكروب، العائد إلى عقلانيّة النهضويين وعلمانيّتهم، هو المحاصر بعتمات أصوليّات تتواسع وتتصادم، بعد أن أنهى سقوط الإمبراطوريّة السوفياتيّة صِدام الأفكار والمعتقدات لتبدأ الأصوليّتان الرأسماليّة والإنجيليّة الأنغلو ـ أميركيّة، صِدام الهمجيّات الذي يسمِّيه هنتنغتون «صِدام الحضارات». ودكروب، العائد بماركسيّته إلى الليبراليّة، يستنطق الفكر الليبرالي ليستخلص من تضاعيفه وطواياه مركَّباً فكريّاً يجمع بين الديموقراطيّتين السياسيّة والاجتماعيّة، وهذا في رأيي هو هدف كتاب رؤى مستقبليّة في فكر النهضة والتقدّم والعدالة الاجتماعيّة (دار الفارابي، بيروت، 2002)، ومبرّر وجوده. ولأنَّ المؤلّف ينتمي إلى مدرسة فكريّة تقرن النظريّة بالممارسة السياسيّة، فإنَّ كتابه يحمل الدعوة إلى تحويل المشروع الليبرالي النهضوي إلى مشروع سياسي يدرجه اليسار الاشتراكي على جدول أعماله، ذلك أنَّ مسؤوليّة النهوض بهذا المشروع هي مسؤوليّة هذا اليسار أوّلاً، وليست مسؤوليّة المثقّفين حصراً. والمؤلّف هو حيناً عاتب وحيناً غاضب، لأنَّ الأحزاب التقدّميّة ومثقّفيها، بمن فيهم الشيوعيون، خذلوا المشروع النهضوي الذي استكمله طه حسين ومارسوا معه نهج القطيعة، ونعتوه بالمشروع البورجوازي، في الوقت الذي كانت البورجوازيّة العربيّة المتخلّفة والتابعة تقاوم هذا المشروع لتعارضه مع مصالحها. وهكذا راح مشروع طه حسين، كما يوحي نصّ المؤلّف، ضحيّة تخلّفين وتبعيّتين وسلفيّتين، بورجوازيّة وماركسيّة.

هي إذن، قراءة ثانية لفكر النهضة يدعونا المؤلّف إليها. وهدفه المعلن هو «تأسيس تقليد ثقافي ديموقراطي، ليس غائباً عن تراثنا قطعاً». وهو، في دعوته إلى قراءة ثانية لفكر النهضة، إنّما يستجيب ويثنِّي على مشروع دعا إليه الراحل سعد الله ونّوس، وعبد الرحمن منيف، وفيصل درّاج، وجابر عصفور، وباشروا ممارسته عام 1990، حين أصدروا كتاباً يعيد إنتاج وتسويق مشروع طه حسين الذي يصفه ونّوس بـ «المشروع الجذري والشمولي»، الذي لم يعرف تاريخنا المعاصر ما يماثله». ولكي يكون المشروع مستحقّاً لمرتبة الشرف هذه لا بدّ، من وجهة المؤلِّف الماركسي، أن يكون جامعاً بين الحرِّيَّة والاشتراكيّة. ومحمّد دكروب يحمل قنديل ديوجين باحثاً عن هذين العنصرين، مجتمعين، فإن افترقا اجتهد وتأوّل لجمعهما. وهدفه دائماً هو استعادة المشروع النهضوي المفوّت، وإدراج الحقبة الليبراليّة في سياق تاريخي واحدي مماثل وموازٍ لمسار التاريخ الأوروبيّ. وهو يطالب قوى اليسار والتقدّم بأحزابها ومثقّفيها تولِّي مهمّة إنجاز الثورتين، البورجوازيّة الديموقراطيّة والاشتراكيّة، بعد أن أثبتت البورجوازيّات العربيّة عجزها عن توفير الحامل الاجتماعي للمشروع النهضوي، مستعيداً أفهومة مهدي عامل في أنَّ التحرّر الوطني في العالم الثالث هو مهمّة تنجزها الطبقة العاملة، لا البورجوازيّة بل ضدّ البورجوازيّة. وهو ينقد المثقّفين الذين عيّنوا السبب الرئيسي لفشل مشروع النهضة في الفكر النهضوي نفسه، بدل أن يعاينوه وينقدوه في المستوى السياسي الاجتماعي، أي الطبقي الذي أعجز الروح النهضوي الديموقراطي عن التوطّن في أرض المجتمع والسياسة.

سأركّز مداخلتي على ما أعتبره محور الكتاب ومركزه، أي على المشروع النهضوي الذي بدأه الطهطاوي، واستكمله وأنضجه سلامة موسى، وطه حسين، وأضاف إليه رئيف خوري ولويس عوض.

وكنت أتمنّى لو أنّ الصديق دكروب حصر بحثه وعمّق حفره في نقطة المركز هذه، أي في الأعلام الخمسة الذين ذكرت بدل أن يوزّع مقالاته على عشرة أعلام بينهم توفيق عوّاد، ومصطفى فرّوخ، وأبو شبكة، وكل منهم قيمة في حقله، لكنّهم ثانويّون بمعيار الإسهام في فكر النهضة. وأؤكّد بدءاً، توافقي مع مؤلّف رؤى مستقبليّة بأنَّ مشروع طه حسين، في جانبه العقلاني التربوي والليبرالي، يدخل ضمن رؤيتي إلى المستقبل. لكنّ المشكلة مع طه حسين هي أَن له أكثر من جانب، والمشكلة مع الصديق دكروب أنّه يضيء على جانب ويطفئ على جانب آخر.

الثنائيّة الحضاريّة والنهضوي المثنوي

يبدأ المؤلّف من الطهطاوي، الرائد الأوّل «السابق لزمنه»، كما يلحظ المؤلّف. ولا خلاف في سبق النهضويين جميعاً لزمنهم، لكنّ الذين تقدّموا زمنهم، لم يتقدّموا بزمنهم، وتلك هي المسألة. فأن تتقدّم النخبة إلى زمن الغرب المتقدّم شيء، وأن تتقدّم بالزمن الشرقي المتأخّر شيء آخر. وصحيح أنّ الطهطاوي يكتشف في باريس علوماً غير علوم الدين، وأنَّه يتحسَّر على خلوّ ممالك الإسلام منها، لكنّ الطهطاوي يبقى مع ذلك موصولاً بنبعه الأزهري، وهو يراجعه ويمدحه:

فيه رياض العلم أينع زهرها

فلذلك المعنى تسمَّى الأزهرا