eKtab
EN ع
دراسات في النص الشعري العباسي
اقرأ عينة مجانية

دراسات في النص الشعري العباسي

بقلم د. أحمد علي الفلاحي

صفحة 1

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على اشرف المرسلين، سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) الصادق الامين،وعلى اله وصحبه اجمعين....وبعد

الشعر العربي شعر غني وثرّ، والشاعر العربي القديم يمتلك من الحس والموهبة والرقة وأحياناً التناقض مايجعل شعره مرمى لاتملؤه دراسات الباحثين المحدثين على سعتها، اذ يمكن أن تنظر الى ذلك التراث بعين المعاصرة ومناهجها الحديثة حتى نبصر به مااخفته النظرات القديمة التي ربما شغلتها زواياه الكثيرة عن محاولة الغوص في اعماق تلك النصوص التي حملت الانات الخفية التي همس بها الشعراء مع انفسهم، او ربما بصوتٍ عالٍ، لكنه صوت غير مسموع، اذ ان صداه الخارجي ربما يخفي تحت اجنحته صدى اعمق يعكس مرارة تلك النفوس وضياعها بين دهاليز الحياة وحماقات الغير، وذلك ماحاولت هذه الدراسة ان تمسه من الخارج والداخل ولا سيما المنهج النفسي الذي برز من خلاله الكثير من خفايا شخصيات الشعراء وعمق معاناتهم التي ربما لاتظهرها المناهج الاخرى.

اذا هذه دراسات جمعها عصر واحد، هو العصر العباسي الذي يعد من اغنى عصور الشعر العربي شعراً وشعراء، حاول بعضها أن يمس جماليات النص الشعري وظواهره المتميزة في ذلك العصر، في حين حاول البعض الاخر ان ينظر الى النص الشعري نظرة نفسية واجتماعية حوت عصارة افكار الشعراء وعواطفهم فتوصلت الى نتائج اوقد بعضها الاضواء أمام خفايا اجتماعية تميز بها ذلك العصر او بعض رجالاته، كما اوقدت اضواء اخرى قد يبصر المتلقي منها ماتحاول النفس الانسانية -عاجزة امام النص الشعري – تغطيته بشوائب الحياة فيدرك المتلقي مالم يدركه من سبقه من معانٍ واشارات تحمل الكثير من الدلالات....وذلك ماقصده الباحث في تلك الدراسات اذ لمس في جمعها في كتاب فائدة قد لايلمسها المتلقي وهي متفرقة.

وختاماً فهذه بحوث نشرت في دوريات علمية ومجلات محكمة داخل العراق.. والله من وراء القصد.

د. احمد علي ابراهيم الفلاحي

صفحة 2

فلسفة الدين والحياة عند ابي العلاء المعري

(دراسة نفسية)

يعد أبو العلاء المعري (ت 449هـ) من كبار الأدباء العرب في العصر العباسي، ذلك العصر الذي يعد من أخصب العصور الأدبية، وأثراها من حيث عدد الأدباء وغزارة نتاجهم الأدبي.

وقد عدّ مؤرخو ونقاد الشعر المعري من أكثر الشخصيات الأدبية عمقاً وثراءً في اللفظ والمعنى، إذ تفرّد الرجل بميزات عديدة، كحدة ذكائه وحساسيته العالية، وعقليته الفذة، وسعة اطلاعه، فضلاً عن ميراثه العلمي، كونه من بيت علم وقضاء، فقد كان آباؤه يتولون قضاء المعرة، وكذلك رحلاته العلمية الى بغداد مدينة العلم آنذاك وغيرها من المدن، ثم عاد الى المعرة، وسمى نفسه رهين المحبسين: يعني حبس نفسه، وحبس بصره من الرؤية، فمكث نحو خمسين عاماً أثمرت عن مؤلفات عديدة في الأدب والشعر والنقد أثرت الفكر والأدب والنقد العربي بآراء وأساليب وصور أدبية ميّزته من أدباء عصره والعصور الأخرى. وتمثلت تلك الإبداعات في نتاجه الفكري والأدبي أو الأدبي الفكري في آن واحد: كديواني اللزوميات، وسقط الزند، ورسالة الغفران، ورسالة الملائكة، والفصول والغايات وغيرها مما وصل الينا،ومما لم يصل، فقد نقل الدكتور طه حسين عن القفطي والذهبي (أن الصليبيين عندما خربوا المعرّة وجرّفوا كتبها كان لأبي العلاء من هذه الكتب خمسة وخمسون كتاباً في أكثر من أربعة آلاف كراسة)([1]).

وقد وصفه بعض القدماء بأنه كان حسن الشعر، جزل الكلام، فصيح اللسان، غزير الأدب، عالماً باللغة، حافظاً لها، صنّف التصانيف الكبار وأملاها من حفظه.([2])

وتذكر الروايات أنه كان قوي الحافظة، ويحفظ كل ما يسمع، حتى زعموا أنه كان يحفظ ما يسمع من محاورات بالفارسية والأذربية، وروى المصيصي الشاعر أنه كان يلعب الشطرنج والنرد.([3])

على الرغم من المبالغة المفرطة في بعض هذه الروايات إلا انها تعكس جانباً من فكر الرجل وفطنته، وأثره في عصره.

وقد كُتب عن المعري قديماً وحديثاً مؤلفات عديدة، تناولت جوانب عديدة من ابداعاته، كلٌ ينظر إليها من زاويته أو تخصصه، أو مدى استيعابه لفكر المعري فتباينت مستويات القراءة وتعددت سعة وعمقاً من باحث إلى آخر. وربما تجاوزت هذه المؤلفات العشرات، إلا أنها لم تغلق الأبواب، ولم تُحط بفكر المعري و نقده وفلسفته وعقيدته.

صفحة 3

وعلى الرغم من كثرة هذه الدراسات وتعددها، وتعدد الآراء التي قيلت فيها وفي وصف المعري وتقييم نتاجه الأدبي والفكري بين مادح وقادح، كلٌ حسب تخصصه وسعة اطلاعه وفهمه نتاج المعري، وتعدد الآراء والثناءات والتهم التي ألصقت به وبفنه، فإن ذلك لم يمنع من الإدلاء بدلونا، بل كان سبباً مباشراًً لهذه الدراسة في محاولة منا للنظر الى فكره ونتاجه الأدبي الفكري من زاوية ربما لم تأخذ حقها من التأليف والدراسة طامعين أن نخرج من بين هذه الدراسات بدراسة استقرائية تحليلية لهذه الدراسات وما خلّفه المعري من نتاج أدبي وفكري والوصول الى رأي ينصفه مما نسب إليه من آراء وأفكار.

ويبدو أن أغلب النقاد والمؤرخين القدماء أطلقوا آراءهم وأقوالهم على شخصية المعري من خلال بعض الأبيات الشعرية التي قالها أو نسبت إليه، فقوّلوه ما لم يَقُل، لذلك خضع بعضها لأحكام عابرة أو سطحية تخلو من العمق والتأمل،وتبدو مسوقة في اطار القراءة التقريرية غير المتخصصة التي لا تقدم مسوغاً للقناعة لإثبات ما ألصق به من شتى النعوت والأوصاف فضلاً عما تحمله بين طياتها من تعصب واتهامات.

بيد أن ثمة ما يُغرينا في إعادة تأمل نتاجه الأدبي ما يتيح لنا فرصة الكشف عن حقيقة أخرى تنفي في مضمونها ما نسب إليه من تُهم الالحاد والزندقة وافكار الفلاسفة وغيرها.

وعادة ما يعتمد النقاد شعر الشاعر للوصول الى تحليل شخصيته وعُقده وشذوذه وبيان أثر هذه الحالات النفسية في فنه.([4]) الا اننا سنتخذ من فهمنا لشخصيته طريقاً أو مسلكاً ننهجه لدراسة وفهم نتاجه الأدبي والفكري من خلال التفسير النفسي لبعض السلوكيات، وما روي عنه من ردود فعل تجاه ما يحيط به، كي لا نكرر ما قاله القدماء، وطموحاً منا أن نكون بمستوى الفهم الحقيقي لما قاله وقصده في نتاجه الأدبي، غير متناسين ظروف العصر والبيئة والنشأة والثقافه وما أتصل بها من عوامل الأستعداد النفسي والفكري والموروث الثقافي، فضلاً عن تكوينه النفسي والخلقي والمزاجي. كون الشعر يعبر عن بعض الحالات النفسيه التي عاشها أو يعيشها الشاعر والتي تظهر متأثرة ببعض المفاهيم التي يستقيها من بيئته ([5])، إذ أن العلاقة بين مفاهيم مجتمع معين ومواقف رد الفعل تبدو جليه واضحة لا يمكن التغافل عنها.

ولا يمكن إنكار علاقة الأدب بالنفس، فالنفس تصنع الأدب، وقد يرقّي الأدب النفس، فالنفس (تجمع أطراف الحياة لكي تصنع منها الأدب، والأدب يرتاد حقائق الحياة لكي يضيء جوانب النفس)([6]). والأديب الواعي الصادق يعبر عن همومه ورغباته وعواطفه، ويحاول أن يوصل عمله إلى غيره، حتى يعيش التجربة معه كل متلقي بطريقته وسعة خياله وعمق تجربته.

لقد حاول أبو العلاء المعري أن يختلط بمجتمعه، وأن يكون فاعلاً ومتفاعلاً إلا أن قسوة المجتمع آنذاك وأنانية وجهل بعض المتسلطين، فضلاً عن حساسيته المفرطة حالت بينه وبين المجتمع لذلك نراه يقول:

أراني في الثلاثة من سجوني

فلا تسـأل عـن الخبـر النبيث

لفقدي ناظري ولزوم بيتـي

وكون الروح في الجسد الخبيث([7])

والأبيات تعبّر عن زهده من الدنيا، ونقد الناس إليه، وشدة نقده الناس الذين تبعوا الدنيا فجعلتهم تحتها، وربما كان يرى نفسه فوقها. وكان بعض العلماء يتعمّد الإساءة للمعري حتى قبل أن يسمع منه، فقد حفظت لنا الأخبار حكايات منها قول ابي القاسم التنوخي: إنه لما قدم المعري بغداد، ودخل على عليّ بن عيسى الربعي ليقرأ عليه شيئاً من النحو، قال له الربعي: ليصعد الاصطبل، فخرج مغضباً ولم يعد إليه.([8])

فيما كان بعضهم يزوره قصد الإساءة إليه والانتقاص منه، فقد قيل: (إن رجلاً من قراء المعرة يعرف بأبي القاسم طلب إليه أن يقرأ شيئاً من القرآن أمام أبي العلاء، فتلا قوله تعالى: )وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً([9]).

ومرة أخرى دخل عليه الوزير المشهور بالمنازي فسأل أبا العلاء: ما هذا الذي يرويه الناس عنك؟ قال أبو العلاء: قوم حسدوني، فكذبوا عليّ، فتابع المنازي: وعلام حسدوك وقد تركت لهم الدنيا والآخرة؟ فقال أبو العلاء: والآخرة، ثم أطرق ولم يكلمه حتى قام عنه.([10])

صفحة 4

فإذا كان هذا السلوك يصدر من بعض أمراء عصره وعلمائه – وهم صفوة القوم أو يفترض ذلك – فماذا ننتظر منه وهو الشاعر ذو الروح الشفافة والحساسية المفرطة، فقد كان يغور في أعماقهم وينظر إلى جوهرهم ويتألم لهذا السقط الذي يصدر من علماء وقرّاء وأمراء، ولا يتناسب مع السلوك الإسلامي؛ لأن المسلم لا يسخر من أخيه المسلم، فقد قال سبحانه وتعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ ) (([11])، وقال النبي محمد صلى الله علية وسلم ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده))([12])،وقال:((إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً))([13]).

لذلك اعتزل المعري الناس وكان يقول: (أنا أحمد الله على العمى كما يحمده غيري على البصر، فقد صنع لي وأحسن إذ كفاني رؤية الثقلاء والبغضاء)([14])، وهذا يبين مدى ثقل هؤلاء الناس على نفسه إذ إنه كان يحمد الله على العمى حتى لا يراهم، لذلك نراه ينظر بعمق وتأمل الى حقيقة الحياة والوجود والانسانية والبحث عن القيم الانسانية في الدين، فجسد ذلك في شعره ونثره مما جعل فهمه عسيراً على كل من سبخت بصيرته، ورأى العلم والأدب والحياة بعين العالم المتهتك أو الجاهل المتبختر فاتُّهم المعري منهم بتهم عديدة منها الالحاد والزندقة والعزلة وسوء الاعتقاد وغير ذلك، وأخذ أغلب الكتاب والمؤرخين يرددون هذه التهم دون النظر الدقيق الى حقيقة مقاصده.

أما في العصر الحديث، فقد ردد بعض الأدباء بعضاً مما قاله القدماء، ولكن بطريقة أخرى ولا سيما أوائل الكتّاب والباحثين بعد عصر النهضة أمثال جرجي زيدان والدكتور طه حسين والدكتور شوقي ضيف، إذ يبدو إن سعة التراث الأدبي، والانشغال بالكم الهائل من الدراسات والتحقيقات، وعدم تبلور الاتجاه النقدي العربي آنذاك هو الذي ساهم في توجّه الأدباء والباحثين هذه الوجهة.

وعلى الرغم من أن بعضهم حاول ان ينصف ابا العلاء ويزيل عنه بعض ما ظل يتردد عبر أحقاب الزمن من تهم باطلة، إلا إننا نرى إن بعضاً منهم قد إصطفّ بجانبها لكن بطريقة أخرى، فقد وسم الدكتور شوقي ضيف أدب المعري بالتعقيد، ورأى أن هذا التعقيد انقلب من حياته الى فنه، وأن فقده لبصره، وإحساسه العميق بهذا الجانب جعله يطلب التفوق على معاصريه.

ونرى أن هذا الرأي لا يخلو من الغرابة؛ لأن شعر المعري لا يتميز بالتعقيد وإنما بسعة الخيال والعمق في التفكير ومخاطبة العواطف والعقول في آن واحد. ولا يمكن أن يكون فقدانه لبصره قد ولّد لديه هذا الاحساس والسعي الى التفوق، وهو الذي حمد الله على العمى.

وفي مرة أخرى يرى الدكتور شوقي ضيف أن تأثر المعري بأقوال الفلاسفة ولّد عنده بعض الشكوك التي أدت الى الانحلال في أول عمره، ثم رجع في آخر عمره واعتذر.

ان أثر الغرابة والتجني يبدو واضحاً في هذا التقييم، على الرغم من محاولة الانصاف، أما الدكتور علي شلق محقق رسالة الغفران، فقد حاول ان يتميز من غيره من النقاد والدارسين، وأن يختط لنفسه منهجاً مغايراً وأن يتفهم مقاصد أبي العلاء، وحاول أن يغور في عمق ألفاظه ومعانيه، ليصل الى حقيقة النص الشعري عنده، لكنه هوى أهواءهم وعاد خالي اليدين عندما وصفه بالتأرجح بين الاسلام والالحاد، فجعل منه مرة مؤمنأً متنسّكاً وأخرى ملحداً متزندقاً. وغاب عنه أن المعري لم يمس الدين الاسلامي او الديانات الاخرى بسوء وانما وجّه نقده الى بعض المسلمين والمتدينين كما سنوضح ذلك.

فيما ردّد جرجي زيدان قول القدماء من أنه أخذ بآراء البراهمة والهنود،وقد اعتبر علماء النفس الجسم واحواله وعملياته الداخلية سواء أكانت واقعية تجريبية أم خيالية غيبية أساساً للسلوك، وهناك عوامل عديدة تتحكم في جوهر الشخصية، فالعوق الجسماني مثلاً يؤثر في انطباع الفرد عن نفسه وتكوين مفهوم ذاته([15]).

واتخذ بعض الباحثين من هذا المنهج مسلكاًَ للولوج الى حقيقة شخصية المعري، ومنهم الباحث حامد عبد القادر، فنراه يعزو بعض سلوك المعري كالعزلة والزهد والطموح والتفوق في الأدب الى إصابته ببعض العُقد النفسية، منها ظاهرة التعويض وظاهرة الدفاع عن النفس، وربما يكون المعري قد جسد بعضاً من هذا التأثير وهذه العوامل – ان وجدت حقاً في شخصيته – ولكن بطريقة أخرى غير التي يراها الباحث، ذات فكر ثاقب وعبقرية فذّة في فهم الواقع والمجتمع.

ورأى الباحث أن سر تكلّف المعري وتصنعه وتعقيده في شعره سببه غريزة فطرية هي حب الظهور والاستعلاء.([16])

صفحة 5

ولا يمكننا أن نطمأن لهذا الرأي أو نشارك الباحث فيه؛ لأنه لو كان ما ذهب إليه الباحث هدفاً للمعري لترجمه بوجه آخر كغيره من الشعراء، ولتقرّب من الولاة والامراء ولتزلّف لهم وتقبّل هداياهم، ولو أراد الدنيا لفتحت أبوابها بتزلّفه للولاة أو قبوله تقرّب الولاة إليه، لكنه رفضها، كما رفض الهبات والعطايا ومال الى الدرس والعلم والعقل والفلسفة والأدب والدين.

فقد روي ان المستنصر صاحب مصر بذل له من بيت المال بالمعرة من المال فلم يقبل منه شيئاً وقال:

لا أطـلـب الأرزاق والــ

مولى يفيض عليّ رزقي

إن أعط بعض القوت أعـــ

ـلم أن ذلك فوق حقي([17])

ودعا صراحة الى نبذ الناس والابتعاد عنهم لأنهم مجتمع نفاق وتملق، فقد جاروا عليه عندما جعلوا محاسنه عيوباً وحسناته ذنوباً وعقله حمقاً وسفاهة وزهده فسقاً، فقال:

دع الناسَ واصحبْ وحْش بيداءَ قفرة

فإن رضاهُـم غايـة ليـس تُـدْرَك

إذا ذكروا المخلوق عابُوا وأطنبوا

وإن ذكروا الخلاّق خانوا وأشركوا([18])

وإن الدنيا استمالت الناس فأضلّوا الطريق وفقدوا الصدق وأحبّوا النفاق إذ يقول:

قد فُقِدَ الصدق وماتَ الهدى

واستحسن الغدر وقل الوفاء([19])

وهو يشير بذلك الى قول النبي محمد ÷ في وصف المنافق ((آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان))([20]).

لذلك نراه يجدد الدعوة لعبادة الواحد الأحد عبادة توحيد لا لبس فيها ولا نفاق، والابتعاد عن الناس ولا سيما الأمراء والرؤساء؛ لأنه يرى في عشرتهم والتقرب إليهم تزلّفاً ونفاقاً وابتعاداً عن الدين إذ يقول:

توحَّد فإن الله ربك واحد

لا ترغبنَّ في عشرة الرؤساء([21])

ويعبر عن عزة نفسه الزكية التي لا تقبل التزلف والتوسل لأحد، سوى التواضع لرب العالمين، فيقول:

إذا مدحوا آدميّاً مدحـ

ـتُ مولى الموالي وربّ الأمم

وذاك الغنيُّ عن المادحين

ولكـنْ لنفسي عقـدْت الذمم([22])

وهذا يدل على شدة ورعه، وزهده عن الدنيا وملذاتها، وصدق إيمانه ونقائه.

وعلى الرغم من زهده وابتعاده عن الرؤساء والولاة، وعن المجتمع بما فيه من تزلّف، نراه يفخر بنفسه، ويعبّر عن نفس أبيّة عالية الهمة حيث يقول:

تُعدُّ ذنوبي عند قومٍ كثيرة

ولا ذنبَ لي إلا العُلا والفواضلُ

كأني إذا طلتُ الزمان وأهله

رجعتُ وعنـدي للأنام طوائلُ([23])

 

صفحة 6

فلسفته للدين:

استطاع ابو العلاء المعري أن يكوّن لنفسه فلسفة خاصة، من خلال فهمه حقيقة الدين الاسلامي، وتجسيد القيم الانسانية النبيلة والفكر الديني في الأسلام، وفهم رسالة الأنسان في الحياة، وكل ذلك متأتي من نظرته للمجتمع الذي يعاصره مع دراسة وتتبع طبيعة المجتمعات التي سبقته من خلال دراسة هذه التجارب وتقيمها.

وعلى الرغم من انه على المسلم الأتباع والامتثال إلا أن الاتجاه العقلي لم يكن غريباً عن الفكر الإسلامي، فقد خاطب الدين الإسلامي العقل في أمور عديدة، ودعانا الله سبحانه وتعالى الى التفكر والتدبر في الكون وخالقه في مواضع عديدة من القرآن الكريم، وتكررت بعض الألفاظ التي تدعو الى التفكّر والتدبّر نحو (يتفكرون) و (يعقلون) و (يتدبرون) و (يتذكرون) كقوله تعالى:(أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) ([24]) وقوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) ([25]) وقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ([26]) وقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ([27]).

وفي ذلك دعوة للمسلم من الحق سبحانه وتعالى الى النظر لأحواله وما يحيط به بعقله وفكره وتدبره.

يرى أبو العلاء أن روح الاسلام تكمن في السلوك الانساني بين الافراد والجماعات لافي العبادة فقط، أو أنها طقس تشريعي تكليفي فقهي تنتهي وظيفتها عند حدود العبودية، وإنما يجب ترجمة الدعوة الإسلامية إلى سلوك وعقيدة ويجب تشرّب الروح الإسلامية في المسلم، ولا يجوز حصرها في الوعظ والإرشاد عند الدعاة أو أداء أركان الإسلام فقط دون السلوك التطبيقي للمنهج الإسلامي.

وقد تجلى هذا الوعي المعرفي للعقيدة عند أبي العلاء من خلال (وعيه لتوحيد الله الذي ارتبط بالعبودية وتوحيد أوامر الله الذي يعني العبادة الحقة الواعية، ومنهجاً أخلاقياً مبيناً للحق ورادعاً للباطل... وأنها تتويج للحالة العقيدية والحالة الخلقية، وأنها شأن علمي عقلي - فردي وجمعي – تنفيذي قوامه الالتزام)([28])، لذلك فهو يدعو الى إعادة منهجية التفكير بما يخدم الدين والدنيا فقد أدرك الإيمان الحقيقي، وفهم التوحيد إيماناً وعملاً وسلوكاً، ولاحظ الهوّة بين حقيقة الدين وجوهره، و تديّن الناس وحدود معرفتهم بدين الله، فدعا الى الصدق في النيّة، والاخلاص في العمل؛لأن الحفظ يمكن أن يكون وسيلة الوعي ولكنه لا يمكن أن يكوّنه. ويرى أن الاعتقاد بالتفكير أفضل مما يكون بالتسليم،وان الصلاة والصوم وأركان الإسلام الأخرى يجب أن تتجسد في روح الإنسان وعمله بما يصدر عنه من مشاعر الإحساس بالآخرين وما ينطوي على ذلك من عمل الخير والتقوى، ففريضة الصوم مثلاً مقترنة بجانب إنساني وهو الشعور بألم الفقراء والمساكين والإخلاص في إعانتهم، لذلك نراه ينتقد ويهاجم بشدة بعض الأمراء والفقهاء والدعاة الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، فقال يصفهم وينبه الذين غُرِّرَ بهم:

رويدك قد غُررت وأنت حر

بصاحب حيلة يعظُ النساء

يُحرّم فيكم الصهباء صبحاً


ويشربها على عمد مساء([29])

ويصفهم في موضع آخر بقوله:

تستروا بأمور فـي ديانتهـم

وإنما دينُهم ديـنُ الزنـادق

نُكذبُ العقل في تصديق كاذبهم

والعقل أولى بإكرام وتصديق([30])

ثم يصف هؤلاء الذين غرتهم الدنيا فباعوا أنفسهم لها فيقول:

بـخيفـة الله تعبّـدتـنـا

وأنت عيْن الظَّالم اللاّهي


تأمرنا بالزُّهد في هذه الـ

ـدّنيا وما همّك إلاّ هي([31])

صفحة 7

وقد عبّر عن سخطه من هؤلاء الذين ابتعدوا في سلوكهم عن السلوك الحقيقي للمسلم وأنكر النفاق والرياء الذي شاع عند بعض العلماء والأمراء والناس، مما أفقده ثقته بالمجتمع ولاسيما العلماء، فوجه نقده للمجتمع الذي ابتعد عن الفهم الحقيقي للدين وذلك ما دعاه الى الزهد وهجر الدنيا فراح يصيح وينادي ويدعو من وراء الحجب فيقول:

وقد فتّشتُ عن أصحابِ دين

لهم دين وليس لهم رياءُ

فألقيت البهائـم لا عقـول

تقيم لها الدليل ولا ضياءُ

وإخوان الفطانة في اختيال

كأنهـم لقـومٍ أنبـيـاءُ

فأما هـؤلاء فأهـل مكـرٍ

وأمـا الأولـون فأغبياءُ

فإن كان التقى بلهاً وعيـاً

فأعيـارُ المذلـة أتقياءُ([32])

وكان المعري يطمح ويطمع ويتمنى أن يرى مجتمعاً صادقاً يحمل ويدافع عن القيم التي يدعو إليها الإسلام الحنيف وأن يفهم حقيقة الدين والإيمان والتفكر واتباع العقل وعدم الخلط بين الايمان والنفاق، وكان يدعو الى تجسيد حقيقي للقيم والمعاني الاسلامية في طباع المسلمين وأعمالهم، ذلك لأن الوعي السلوكي يجب أن يكون تطبيقاً للوعي المعرفي، فيقول:

إذا آمَن الإنسانُ بالله فليكنْ

لبيباً ولا يخلطْ بإيمانه كُفراً([33])

فما فائدة أن يحفظ الانسان القرآن ويقوم ببعض العبادات لكنه لا يحسن التعامل مع الآخرين، ألم يدعونا سبحانه وتعالى الى البر والتقوى، فقال جل جلاله (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)(([34])، وقال النبي محمد صلى الله علية وسلم ((الدين النصيحة))([35]) ودعانا إلى حسن الخلق وإماطة الأذى عن الطريق وحسن الجوار وإكرام الضيف والتعامل الحسن.

على المسلم المؤمن أن يفهم ما يسمعه، ويميز بين الحق والباطل، فليس كل من اعتلى منبراً هو جدير بالاتباع، وانما يجب اتباع العلماء المتعلمين الذين فهموا التوحيد إيماناً وعملاً وسلوكاً، إلا أنه كان يرى من بعض الناس وبعض الدعاة عدم الفهم الحقيقي لجوهر الاسلام، وعدم أخذهم المفاهيم الانسانية التي دعا إليها الاسلام، وانشغالهم بملذات الدنيا ونسيان المساكين واليتامى، حيث يقول:

هل صحَّ قولٌ من الحاكي فنقْبَلَه

أم كـلٌّ ذاك أباطيـلٌ وأسمـار

أمّـا العقـول فآلـت أنه كذبٌ

والعقلُ غرْسٌ له بالصدقِ أثمار([36])

ويتألم لمشهد آخر ربما شاع في مجالس الأمراء والولاة الذين كانوا يدعون الناس بالبر والتقوى، لكنّ مجالسهم لا تحْلوا من الخمر والإفراط في اللذائذ، إذ يقول:

قيام يدفعون الوفد شفعاً

إلى البيت الحرام وهم سكارى([37])

وأدى جهل بعض الناس الى فهم الدين ظاهرياً دون الغوص في أعماقه، فالذي يُسمى عبد العزيز أو عبد الرحيم يظن ذلك عبادة، وأشار المعري إلى ذلك فقال:

يُسمون بالجهل عبد الرحيم

وعبد العزيز وعبد الصمد

وما بلغـوا أن يكونوا لـه

عبداً وذلـك أقصى الأمد([38])

ورأى أن الذي يعبد الله حقاً هو الذي أصلح نفسه وجسّد حقيقة الايمان في داخله، فالعبرة في النية السليمة لقوله ÷ ((إنما الأعمال بالنيّات))([39]). فما الجدوى من صائم لا يكرم الضيف أو من ساجد يؤذي جاره، إذ يقول:

توهّمت يا مغرور أنك دَيّـنٌ

عليَّ يمين الله مالك ديـنُ

تسير الى البيت الحرام تَنَسُّكاً

 

ويشكوك جارٌ بائسٌ وخدين([40])

وقوله:

ما الخير صومٌ يذوب الصائمون له

ولا صلاة ولا صوفٌ على الجسـد

وإنما هو تـرك الشـرّ مطـرّحـاً

ونفضك الصدر من غـلّ ومن حسد

ما دامـت الوحـش والأنعام خائفة

فرْساً فما صحّ أمـر النسك للأسـد([41])

صفحة 8

وهل هناك حقيقة أكثر بلاغة من هذه الدعوة للتعبير عن جوهر الدين الاسلامي، فإذا كان الشر والحسد في صدر المسلم ولم يأمن الضعيف، فهل لرب العباد حاجة لصلاة العبد؟.

وإن فقدانه الثقة في صدق بعض العلماء جعله يدعو الناس إلى أن عمل الخير أفضل من اللهاث خلفهم كونهم لا يقدمون للناس نفعاً، فيقول:

عليك بفعل الخير لو لم يكـن له

من الفضل إلاّ حسنه في المسامع

لعمرك ما في عالم الأرض زاهد

يقيناً ولا الرّهبان أهـل الصوامع([42])

وإن كانت دعوته لا تخلو من التشاؤم والتعميم نتيجة ما لاقاه من بعض العلماء إلا أنه يحاول أن يذكّر المجتمع بحقيقة الاسلام، والى فهم ما جاء به النبي محمد ÷، بعد ما أدرك هو جوهر الاسلام، وأن المؤمن الصادق ليس كغيره ممن أدعى الايمان، فيقول:

دعاكم الـى خيـر الأمـور محمدٌ

وليس العوالي في القنا كالسوافلِ

حداكم على تعظيم من خلق الضحى

وشُهب الدجى من طالعاتٍ وآفلِ

وألزمكـم ماليـس يعجـز حملـه

أخا الضعْف من فرضٍ له نوافل([43])

وبعدما خالط الناس واكتوى بنيران مكرهم وغدرهم، راح يصف للمجتمع المعاني النبيلة والأعمال الخيرة التي يجب أن يتزينها المسلم المؤمن، والابتعاد عن شر الناس الذين لم يجن منهم سوى الكذب والنفاق، وأن صحبتهم لا تثمر سوى الذم والألم، حيث يقول:

أكرمْ ضعيفك والآفـاقُ مجدبـة

ولا تهنه ولوْ أعطيتـه القوتـا

وجانب الناس تأمن سوء فعلهـم

وأن تكون لدى الجلاّس ممقوتا

لابدّ من أن يذموا كل من صـــحبوا

 

ولو أراهم حصا المغراء ياقوتا

وقضِّ وقتـك بالتقـوى تجوِّزُه

حتى تصادف يوماً فيه موْقوتا([44])

وهل هناك دعوة إيمانية أفضل من هذه الدعوة وهذا الصدق، وهذا السمو والاخلاص والانسانية في هذه الدعوة الاسلامية الايمانية، وهذا التشرّب الحقيقي لروح وتعاليم الاسلام، واستغلال الوقت بلذة العبادة بدلاً من اللهو والعبث، فهذا يعكس صدق إيمانه وزهده عن الدنيا، وهل هناك أنبل من إكرام الانسان لأخيه الانسان المضطر والملهوف مع الشعور بالرضا والسعادة وعدم مسه بألم أو أذى، وهذه الدعوة جاءت متأثرة بقوله تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنّاً وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) ([ 45]) وقوله تعالى:(وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)([46]).

ويتجسد إيمانه وصدق نياته بدعوته الى فهم وإدراك معاني القرآن الكريم، ولاسيما سورة الفاتحة التي تحمل كثيراً من المعاني الاسلامية، و قد أطنب المفسرون كثيراً في شرحها وذكر فضائلها، و أن فهمها واستيعاب معانيها أفضل من مجالسة الناس وبعض المتدينين الذين لم يستطيعوا الارتقاء بأنفسهم ليكونوا مثالاً حسناً لغيرهم، إذ يقول:

أمُّ الكتاب إذا قوَّمت مُحكمهـا

وجدتها لأداء الفرض تكفيكا

لم يشف قلبك فرقان ولا عظة

وآية لو أطعت الله تشفيكـا([47])

وهذا يعكس مدى فهمه وتعمّقه في استيعاب معاني القرآن، وأنه أدرك ما أدركه الأوائل من كيفية العبادة، و لا سيما سورة الفاتحة؛ لأن في فهمها وادراك معانيها شفاء للصدور وطريق الاستقامة والعبادة الحقة.

لذلك نراه يزهد الناس والدنيا، ويقرر الاعتزال والتفرغ الى العلم والعبادة؛ لأنه فهم الناس، و هم في الدنيا اثنان لا ثالث لهما، إذ يقول:

اثنان أهل الارض ذو عقل بلا

دينٍ وآخر ديّن لا عقل له([48])

لقد ادرك المعري عجز هؤلاء عن التفكر والتدبر في فهم العبادة أو القيم الانسانية في الدين، فهو قد آمن بوحدانية الله وعظمة هذا الدين لكن ليس بالظن والاتباع إنما بالعقل والتدبر، فالمؤمن العارف أفضل من المؤمن الجاهل إذ يقول:

كذَب الظنُّ لا إمامَ سوى الـ

ـعقل مشيراً في صُبحه والمساءِ([49])

صفحة 9

ثم نراه يشيد بالعلم والتعلم، ووجوب الميل الى العقل، فما فائدة العلم إذا لم يُقدّم للناس نفعاً، فيقول:

إذا كان عِلمُ الناس ليس بدافعٍ

ولا نافعٍ فالخُسْرُ للعلماءِ([50])

وهذه الدعوة مصدرها الاسلام، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو المؤمنين إلى التعلم والمنفعة من العلم، فقد روي عنه أنه كان يقول في دعائه ((اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، و من دعوة لا يستجاب لها))([51]).

لذلك نراه يسعى الى العلم والسمو في التفكير، حيث يقول:

لعمرك ما غادرتُ مطلع هضبةٍ

من الفكر إلاّ وارتقيت هضابا([52])

صفحة 10

زهده عن الدنيا ونقده المجتمع:

نهج المعري منهجاً خاصاً، وأختط لنفسه مسلكاً واضحاً في طريقة عيشه وتفكيره، ونظرته الى الحياة، وكانت له فلسفته الخاصة في الحياة فعاش حياة الزهاد الورعين ولبس خشن الثياب، وزهد في طعامه وشرابه، فكان يقول إن طعامه العدس والتين، أو كما سماها البُلْس والبَلس:

يُقنِعُني بُلْسُـنٌ يُمارَسُ لـي

فإن أتَتْني حلاوةٌ فبَلـس

فلُسَّ ما أخترتَ إنّ أرْوَحَ مِن

يَسار قارون عِفّةٌ وَفَلْس([53])

وهذا الزهد وليد نفسه الحرة وقناعته بما لديه عما في أيدي الآخرين وصغر الدنيا في عينيه، وهذا يعبر عن نفسٍ مؤمنة زاهدة، وربما أثر في ذلك أصابته بالعمى في صباه وفقدانه الإحساس بالسعادة لعدم قدرته على التعايش مع مجتمعه، فهو لم يتكسب بالشعر، ولم يمدح أحداً تملقاً أو طلباً للمال، إذ رفضت نفسه الأبية ذلك وسلك مسلك العلماء والزهاد، فعمل بما علم فنراه يقول في مقدمة سقط الزند (ولم أطرق مسامع الرؤساء بالنشيد ولا مدحت طلباً للثواب، وإنما كان ذلك على معنى الرياضة وامعان السّوس)([54]).

وزهد عن الدنيا وملذاتها، فقد روى أبو طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني، فقال: (حدثنا أبو محمد عبد الله بن الوليد بن غريب الأيادي: دخلت على أبي العلاء وأنا صبي مع عمي أبي طاهر نزوره فرأيته قاعداً على سجادة لِبْد وهو شيخ)([55]). وقال عنه صاحب مسالك الأبصار إنه (رفض الدنيا وما سلم وفرض غاياتها فعمل بما علم، وتداوى باليأس من مطامعها وذارى الناس بترك حظّه لهم، ومع هذا ظُلِم، نفض يديه من الدنيا وساكنيها وخفض لديه قدر محاسنها، وانقطع في بيت كان له بالمعرة لا يخرج منه إلاّ إلى مسجده، وأخذ نفسه بالقناعة حتى صارت جُنة تقيه المطامع)([56]).

وقد نُقل عنه أنه قال (إن الذي يجب لي في السنة نيّف وعشرون دينار فإذا أخذ خادمي بعض ما يجب بقي لي ما لا يُعجب)([57]).

والروايات التي تدل على رفضه اليسر والغنى كثيرة، كما أن الروايات التي تثبت زهده وابتعاده عن متاع الدنيا كثيرة أيضاً، منها ما رواه القفطي من أنه (سمع الجماعة يوماً يذكرون بطيخ حلب، فتكلّف وسيّر من ابتاع له منه حملاً وأحضرهم إياه، فأفردوا له منه عدداً يسيراً وتركوه في سرداب له كان إذا أراد الأكل نزل إليه وأكل مستتراً، ويقول الأعمى عورة والواجب استتاره في كل أحواله، ولما كان بعد أيام نزل خادمه إلى تفقّد المغارة، ووجد البطيخ لم يعرض له وقد فسد، فراجعه في ذلك فلم يُجبه، واستدل الجماعة بذلك على أنه ما كان يتفكه)([58]).

لذلك فهو اعتزل الدنيا والمجتمع، وحاول أن يرسم ملامح ذاته ومجتمعه في أدبه؛ لأن الأديب لابد من أن يتأثر بمحيطه وبيئته الثقافية والاجتماعية مع ملاحظة التباين في النفسيات والمواقف، لذلك نرى أن أبا العلاء قد تسامى بنفسه عن واقع الحياة آنذاك،وكان نقده لمجتمعه والتوجيه والإرشاد تعرية حقيقية لذلك المجتمع وسلوكياته.