بداية لا بد من الإشارة إلى أن مفهوم الإصلاح كغيره من المفاهيم التي لا يوجد تعريف محدد وواضح بخصوصها في الأدبيات السياسية بصفه عامة وفي الأدبيات السياسة العربية بصفة خاصة، هذا بالإضافة إلى بروز عدد من المفاهيم التي تستخدم كمرادفات له كمفهوم النهضة والتقدم والتغيير والتحول الديمقراطي، بغض النظر عن قرب بعض هذه المفاهيم من حيث الدلالة من مفهوم الإصلاح، وبُعد بعضها الآخر، أو كونه يمثل جانباً أو خطوةً نحو الإصلاح ولا يمكن استخدامه كمرادف أو بديل له.
وقد يكون من المفيد هنا عند محاولة تعريف مفهوم الإصلاح، الإشارة إلى دلالاته اللغوية أساساً، فمصطلح الإصلاح يشير ضمناً إلى الاعتراف بوجود خلل أو قصور في الوضع المراد إصلاحه، ويشير ثانياً إلى معنى التطوير أو التعديل غير الجذري، فإذا ما أضفنا كلمة "سياسي" إلى مفهوم الإصلاح فإننا نعني بذلك اعترافاً بوجود خلل أو قصور في الوضع السياسي القائم، مما يعني إحداث تعديل أو تطوير غير جذري في شكل الحكم أو العلاقات القائمة دون المساس بأسس نظام الحكم أو أسس ممارسة السلطة، مما يعني إحداث تحسين في النظام القائم دون تغيير أسسه .
غير أن مفهوم الإصلاح السياسي قد أخذ بدوره في التطور - لكثرة تداوله والبحث فيه على مستوى التنظير، ولمحاولة الأخذ به أو إدخاله على مستوى الممارسات السياسية - وغدا مفهوم الإصلاح على المستوى النظري من الاتساع بحيث يشمل كل أشكال التحول السياسي الذي يؤثر على نمط توزيع القوى في أي مجتمع سواء كان هذا التحول على مستوى الأهداف أو العمليات أو على مستوى الأبنية.
ولا يزال الجدل قائماً حول ما إذا كان الإصلاح قد يتسع ليقود إلى تغيير جذري، أو أن بلوغه تلك الحدود تخرج ما يحدث من تحولات من نطاق الإصلاح إلى نطاق الثورة.
وغني عن القول، بأنّ مدى الإصلاح ونطاقه قد يتسع ويضيق وفق حالة كل مجتمع والهدف المبتغى من عملية الإصلاح، فقد يكون المراد منه مجرد إضفاء شرعية على النظام للحفاظ على استمراريته، وهنا يكون نطاق الإصلاح محدوداً وشكلياً في الغالب، بينما يتسع إذا كان الهدف منه تلبية المطالب الاجتماعية، ويتسع بشكل أكبر وأكثر عمقاً إذا كان الهدف المبتغى منه هو حل بعض المشكلات التي يواجهها المجتمع والنظام في علاقته بقوى المجتمع المختلفة.
وعند ربط الإصلاح بالعالم العربي، أخذ مفهوم الإصلاح السياسي العربي في التطور إلى إن أصبح يقصد به جميع الخطوات المباشرة وغير المباشرة التي يقع عبء القيام بها على عاتق كل من الحكومات والمجتمع المدني ومؤسسات القطاع الخاص، وذلك للسير بالمجتمعات والدول العربية قدماً ومن غير إبطاء وتردد وبشكل ملموس في طريق بناء النظم الديمقراطية (2).
من التعريف السابق يتضح مدى الربط بين مفهوم الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي، وكأن الإصلاح بهذا المعنى يمثل المدخل إلى إحداث التحول الديمقراطي، وخلق المناخ الملائم لممارسة الديمقراطية.
إن الربط في حد ذاته بين مفهوم الإصلاح والتحول الديمقراطي إنما يضيف لمفهوم الإصلاح قدراً من التعقيد؛ فالتحول الديمقراطي وإن كان يعني التحول من النظام السلطوي إلى النظام الديمقراطي فإن ذلك التحول يمثل عملية معقدة تطال الأبنية والأهداف والعمليات المتعلقة بعملية توزيع السلطة وممارستها في أي مجتمع. كما ينبغي الانتباه إلى أن عملية التحول الديمقراطية تتضمن مراحل عدة تبدأ بزوال النظم السلطوية وقيام ديمقراطية حديثة، ثم ترسيخ هذه النظم الحديثة. ولا يوجد اتفاق بين الباحثين على هذه المراحل، ففي حين يقسمها هنتنجتون إلى مراحل رئيسية وهي: مرحلة التحول Transformation ، ومرحلة التحول الإحلالي Transplacement ، ومرحلة الإحلال Replacement ، ومرحلة التدخل الأجنبي Foreign Intervention عندما ينهار النظام السلطوي أو يطاح به، والمرحلة التي تحدث عندها عملية التحول. بينما يقسمها "أدونيل وشميتر وهوايتهد" إلى مرحلة انهيار النظم السلطوية وتفككها، ومرحلة التحول الليبرالي Liberalization ، ومرحلة التحول نحو الديمقراطية Democratization ، ومرحلة ترسيخ الديمقراطية Consolidation .
ولعل ما يميز التقسيم الثاني كونه قد لفت الانتباه إلى أن مرحلة التحول الديمقراطي مرحلة غير مؤكدة، فقد تنهار النظم السلطوية وتحل محلها نظم ديمقراطية، إلا أنها سرعان ما تنتكس وترتد إلى النظام السلطوي السابق، أي انه لفت الانتباه إلى احتمالات الارتداد والعودة إلى النظم السلطوية ومخاطرها من مواجهات عنيفة قد تؤدي إلى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار السياسي (3).
مفهوم النهضة
ولعل من المهم هنا تقديم تعريف لأهم المفاهيم التي استخدمت كمرادفات لمفهوم الإصلاح، وفي مقدمتها مفهوم النهضة. يمكن القول بأن مفهوم النهضة مفهوم حديث نسبياً يرجع استخدامه إلى أواخر القرن التاسع عشر، وقد شهد هذا المفهوم تطوراً يتجاوز حدود الإصلاح باتجاه تحقيق التقدم والتحديث وإحراز التحرر والوحدة، باعتبار أن النهضة تعني حركة مجتمعية تسعى إلى إكساب الحضارة القومية قدرتها على إنتاج المعارف والمهارات في تعامل متكافئ مع الحضارات الأخرى.
ولعل المشترك بين مفهوم النهضة والإصلاح من حيث الدلالة اللغوية أن كليهما ينطلق من الاعتراف أو الإدراك بوجود حالة من التردي أو الكبوة المراد النهوض منها وتجاوزها، وكذا بالنسبة للإصلاح والذي يعني ضمناَ الاعتراف بوجود خلل أو قصور يرجى تجاوزه أو الخروج منه.
وإن قراءة مشروع النهضة الأوروبي تفيد هذه الدلالة اللغوية لمفهوم النهضة؛ فالمشروع الليبرالي الأوروبي الذي أفرز الدولة الديمقراطية في الغرب تبلور في القرنين السابع عشر والثامن عشر في ظل ظروف سياسية صعبة يحكمها ثالوث الملكية المطلقة والكنيسة والإقطاع.
وغني عن القول، بأن أي مشروع نهضوي لا بد وان يستند إلى عنصري الفكر والعمل، وقد تجلّت تلك العلاقة التلازمية بين الفكر والعمل في معظم المشاريع النهضوية التي شهدها المجتمع الغربي، وإنّ وجود هذا التلازم شرط أساسي لنجاح المشروع النهضوي.
ثانياً: جذور الفكر النهضوي العربي ورواده
وإذا كان الأمر كذلك فماذا عن المشروع النهضوي العربي؟ هل عرف هذا التلازم بين الفكر والممارسة؟ وما هي حدود ذلك التلازم؟
الحقيقة أن المشروع النهضوي العربي قد عرف ذلك التلازم، فعلى مستوى الفكر يمكن إرجاع التوجهات النهضوية إلى الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، ويعتبر "رفاعة الطهطاوي" أحد رموز هذا التيار النهضوي؛ فقد مهد للحركة القومية والدستورية في مصر والبلاد العربية، وأكد على الحل التربوي كطريق للحل السياسي، كما أكد على أن إحياء النهضة وبعث التجديد والتحديث لا يكون إلا بالتعلم، وهو خطاب مشابه لما يردده المفكرون العرب في هذه المرحلة كمخرج لحالة التأزم والإخفاق التنموي العربي - على الرغم من بعد الفترة الزمنية بين الخطابين - ولا غرابه في ذلك، فالحالة أو المشهد العربي لم يتغير كثيراً خاصة إذا ما اعتمدنا قياس الفجوة التنموية بيننا وبين الغرب - الآخذة في الاتساع - أو الفجوة بيننا وبين أمم أخرى كانت تعيش حالة مشابهة للحالة العربية من الضعف والتراجع.
كما بيَّن الطهطاوي فكرة الدولة الدستورية وامتلك رؤية عميقة للدولة الحديثة، وعرف أنها تقوم بإرادة الأمة ومن أجل مصلحتها، وأدرك العلاقة الأساسية بين الحرية والتجديد، ورأى أن التجديد والتقدم لا يكونان في فئة دون أخرى في أي مجتمع، ولا يكون في الرجل دون المرأة، فنهوض المجتمع هو نهوض بكل فئاته.
وتوالت الرؤى النهضوية لعدد من رواد النهضة في عالمنا العربي كجمال الدين الأفغاني الذي أشار إلى جملة من العلل أصابت الأمة العربية الإسلامية كالتخلف والجهل والوهم، ورأي الخلاص متمثلاً في العودة للإيمان وبعث السياسي للهمم الإسلامية.
أما محمد عبده وإن كان لم يخرج عن الإطار العام لفكر الأفغاني إلا أنه قد قدمه في صورة متكاملة مقدماً الإصلاح الديني على الإصلاح السياسي.
واحتلت مسألة الاستبداد مكانة محورية في فكر عبد الرحمن الكواكبي، ورأى أنه أساس كل أشكال التخلف والضعف التي مني بها العالم الإسلامي لأنه (أي الاستبداد) ينفي الدين والأخلاق والتربية، وذهب الكواكبي إلى ما هو أبعد من ذلك في كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" إذ استرسل في وصف ما يفرزه الاستبداد من سمات شخصية إذ يقول: "إن من أخلاق العبيد (أي الخاضعين للاستبداد والقابلين به) الرياء والمداهنة والتظاهر الكاذب ومخادعة النفس والآخرين، تلك التي تتولد عن الاستبداد السياسي، كما تتولد عن ما هو أخطر من الاستبداد السياسي وهو استبداد الجماعة، فالجماعة الحرة تخلق أفراداً أحراراً والطريق الحقيقي للحرية هو أن تحرر الجماعة سلوكاً وفكراً ووجداناً حتى تتمكن من أن تتحرر من مستعبديها"
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الكواكبي قد استشعر منذ ذلك الزمن خطر الاستبداد وما يمكن أن يقود إليه من أشكال التخلف والتراجع، وهو بذلك يتفق مع معظم التحليلات والأطروحات المقدمة لتفسير التأزم العربي الراهن والذي يمثل الاستبداد وغياب الحريات، السبب الأساسي فيه (5).
وقبل الانتقال إلى المشروع العربي للنهضة بشقه العملي، أجد من الضرورة الإشارة إلى خير الدين التونسي كرائد للحركة الإصلاحية التونسية والعربية بصفه عامة، فهو مفكر وسياسي شغل العديد من المناصب العليا في تونس في عهد الباي أحمد، وقد أكد على ضرورة الإصلاح السياسي، واحتلت مسألة الحريات ومحورية دور الشعوب في العملية الإصلاحية مكانة خاصة في فكر خير الدين التونسي ونضاله.
أما فيما يتعلق بالجانب العملي من المشروع النهضوي العربي فيمكن الإشارة إلى بعض الممارسات السياسية العربية التي تعبّر عن محاولات نهضوية عربية.
فمشروع محمد علي محاولة نهضوية اعتمدت التحديث الشامل، حيث شمل الجيش واهتم بالإصلاح الزراعي وبناء الصناعة وتحديث التعليم والثقافة، كما يمكن الإشارة إلى ثورة 23 يوليو 1952م بقيادة عبد الناصر الذي اعتمد مفهوم التنمية الشاملة وركز على محورية البعد القومي للتنمية والأمن العربي، وكان لسياساته أثر واضح في تغيير ملامح المجتمع المصري والمجتمع العربي بصفة عامة، ويعود لمشروعه الوحدوي الفضل في الحراك الاجتماعي والسياسي العربي سواء على صعيد تنشيط وتوحيد صفوف قوى التحرر ومناهضة الاستعمار على امتداد الوطن العربي، أو على صعيد نشر التعليم وخلق حراك اجتماعي نشط على مستوى كل قطر عربي.
غير أن التدخل الأجنبي في شؤون المنطقة العربية قد عطل هذين المشروعين وحال بينهما وبين تحقيق غاياتهما الإصلاحية (6).
وبعد هذا الإيضاح لما يعنيه مفهوم الإصلاح وبعض المفاهيم المرتبطة به كمفهوم النهضة والتعرض لجذور الفكر النهضوي العربي ورواده، نأتي لمناقشة مفهوم الاستثنائية - أو بعبارة أكثر دقة - نحاول إيضاح المقصود بالاستثنائية العربية عند الحديث عن الإصلاح في عالمنا العربي.