البدايات الصائبة
"كل الأشياء المعتادة، وأحداث كل يوم التي تبدأ في ساعةٍ وتنتهي في أخرى مُتَـعتنا وسخطنا.. - ليست جميعها إلا جولات يمكن لنا من خلالها أن نرتقي".
"لا نملك أجنحةً، فلا يمكننا التحليق..
كننا نملك قدمين لنرتقي ونتسلق".
لونغ فيلو
"في الحياة الاعتيادية، ورغباتها
وعلى طرقاتها، هل لي أن أنطلق في جمال ألوانها؟".
براونينغ
الحياة مليئة بالبدايات التي يعيشها الجميع كل يوم وكل ساعة. معظم البدايات صغيرةٌ، وتبدو تافهةً غير مهمة، لكنها في الحقيقة أكثر الأشياء أهميةً في الحياة.
انظر في العالم المادي وكيف ينبثق كل شيء من بدايات صغيرة. أعظم الأنهار في بدايته مجرد جدول يمكن للجندب أن يقفز ليعبره، وأعظم الفيضانات يتشكل من بضع حبات من المطر. وشجرة البلوط العملاقة التي تحملت عواصف ألف شتاء، كانت بذرةً مرة، وعود الكبريت المدخن المرمي دون اهتمام ربما يكون السبب في حريق يدمر بلدةً بأكملها.
تفكَّـر أيضاً في العالم الروحاني وكيف تنبع أعظم الأشياء من أصغر البدايات. إذ يمكن لخيال الضوء أن يبذر فكرة اختراعٍ رائع أو عملٍ فني خالد، ويمكن لجملة تُـقال أن تحول مجرى التاريخ، ويمكن لفكرة صافيةٍ أن تؤدي إلى تطبيق قوة تجديد تعـمُّ العالم بأسره، ويمكن لاندفاعة غريزية حيوانية مؤقتة أن تؤدي إلى أبشع الجرائم.
هل اكتشفت إذن الأهمية الكبرى للبدايات؟ هل تعرف فعلاً بمَ هذه البدايات حبلى؟ هل تعرف عدد البدايات التي تصنعها باستمرار وتحقق أهميتها الفعلية؟ إن لم يكن هذا فرافقني لبعض الوقت وتعمَّـق في استكشاف هذا الدرب المهمل إلى النعيم، لأنه دربٌ مبارك عندما تتبعه بحكمة، وفيه الكثير من القوة والراحة للذهن المدرك.
البدايةُ سببٌ، ولا بد، من ثم، من أن تتبعها نتيجةٌ أو سلسلة من النتائج، والنتيجة دائماً من طبيعةِ السبب نفسها. إن طبيعة الدافع الأساسي هي المحدد دائماً للنتائج. تفترض البدايةُ أيضاً نهايةً، أو استهلاكاً أو إنجازاً، أو هدفاً. تؤدي البوابة إلى طريق، ويؤدي الطريق إلى وجهةٍ ما، وعليه فإن البداية تؤدي إلى نتائج، وتؤدي النتائج إلى خاتمة.
ثمة بدايات صائبةٌ وأخرى خاطئة، وتتبعها كلها نتائج من طبيعتها. يمكنك بالتفكير العميق أن تتجنب البدايات الخاطئة وتختار بداياتٍ صائبة، لتنجو بالنتيجة من النتائج السيئة وتنعم بالنتائج الجيدة.
من البدايات ما لا تملك سيطرةً أو سلطةً عليه، لكن اعمل على توجيه طاقتك وانتباهك إلى تلك البدايات التي تملك سيطرةً وسلطةً كاملةً عليها والتي تنسج الشبكة المعقدة من النتائج التي تتشكل منها حياتك. تجد هذه البدايات ضمن تيار أفكارك الخاصة وأفعالك، وفي مواقفك الذهنية ضمن الظروف المختلفة التي تمر بها خلال فعالياتك اليومية أو باختصار خلال حياتك التي تعيشها كما تصنعها، لتصنع حولك عالماً من الخير أو من الشر.
عند استهداف حياة النعيم فإن أبسط البدايات التي على المرء أخذها بعين الاعتبار والقيام بها هي تلك التي نقوم بها كل يوم بعناية، وهي بداية حياةِ كل يوم.
كيف تبدأ كل يوم من أيام حياتك؟ متى تستيقظ؟ كيف تتولى مسؤولياتك؟ ما الإطار الذهني الذي تدخل منه محرابَ الحياة المقدسة لكل يوم جديد؟ ما الإجابة التي تستطيع تقديمها من قلبك عن كل من هذه الأسئلة المهمة؟ ستجد أن معظم السعادة أو التعاسة تتبع للبداية الصائبة أو الخاطئة لكل يوم، وستجد أنك إذا بدأت كل يوم بحكمةٍ، فسترى مساره موسوماً بالسعادة والتناغم، وأن الحياة بمجملها لن تنقصها البركة.
إن الاستيقاظ مبكراً كل يوم هو بالتأكيد بداية قويةٌ وصائبة. حتى لو لم تتطلب واجباتك الدنيوية هذا فمن الحكمة أن تجعل من الاستيقاظ المبكر واجباً، وأن تبدأ يومك بقوة وتنفض عنك الكسل. كيف تطور قوة الإرادة والجسد إذا بدأت يومك بالإذعان للضعف؟ التساهل مع الذات تتبعه التعاسة دائماً، وتجد من يبقون في فراشهم حتى وقت متأخر بعيدين عن الابتهاج والسرور والنشاط، وتجدهم ضحايا الاهتياج، والاكتئاب، والوهن، والاضطرابات العصبية، والميول الشاذة، وكل الأمزجة غير السعيدة. وهو ثمن باهظٌ ينبغي عليهم دفعه لقاء تساهلهم هذا. يشبه الأمر أن تُـعمي نفسك وتتركها منقادة كما يفعل السكير الذي يتناول جرعته اليومية معتقداً أنه ينشط أعصابه المنهكة طوال الوقت، فتبقى في فراشك مقتنعاً بأن الساعات الطويلة من الراحة ضرورية، وأنها بمنزلة العلاج لك من تلك الأمزجة والضعف والاضطرابات التي سببها تساهله مع نفسه. يغفُل الناس، سواء من الرجال أم النساء تماماً عن هذه الخسارة الكبيرة التي يتكبدونها جـرَّاء هذا التساهل عموماً: فقدان القوة سواء في الذهن أم الجسم، وخسارة الغنى، وخسارة المعرفة، وخسارة السعادة.
ابدأ يومك إذن بالاستيقاظ مبكراً. فإذا لم يكن لديك غاية من هذا فلا تهتم، استيقظ واخرج في نزهة بسيطة في جمال الطبيعة وستشعر بالبهجة، والانتعاش، والفرح، وسلام الذهن الذي يأتيك كأنه مكافأة لك على جهدك. كل جهد خيِّـرٍ يتلوه آخر، وعندما يبدأ الإنسان يومه بالاستيقاظ مبكراً دون أن يملك غاية من استيقاظه فسيجد أن ساعات الهدوء الأولى تفضي إلى صفاء الذهن وهدوء الأفكار، وأن نزهة الصباح الباكر تمكنه من التحول إلى مفكِّـرٍ غزير الأفكار يرى الحياة ومشكلاتها ويرى نفسه وعلاقاته في صورة واضحة، ليجد نفسه مع الوقت ينهض مبكراً مع شعور بالمغزى المتمثل في إعداد ذهنه وتناغمه ليواجه كل صعوبةٍ بحكمةٍ وقوة هادئة.
هناك في الحقيقة تأثير روحاني لساعات الصباح، ففي السكون الإلهي طمأنينة لا تصفها الكلمات، وذلك الذي يتعمد أن يرمي عن نفسه بقوةٍ عباءة الراحة ويتسلق الهضاب لتحية شمس الصباح، سيتسلق في الوقت نفسه مسافة ليست بالقصيرة على هضاب النعيم والحقيقة.
البداية الصائبة ليومك تليها البهجة على مائدة الإفطار الصباحية، ليتخلل المنزل ذلك التأثير الشمسي، وستسير واجبات ذلك اليوم ومهماته بروح قويةٍ واثقة لتعيش يومك بأكمله.
هناك إذن شيء من حياةٍ جديدةٍ يمكن الشعور بها في بداية كل يوم جديد، يمكننا فيها أن نفكر ونتصرف ونعيش بروحٍ جديدة أكثر حكمة.
"كل يوم هو بداية جديدة
ويُـصنع العالم من جديد في كل صباح
وأنت.. أيها المتعبُ من الأحزان والخطايا
إليك أملاً جميلاً
أملاً لي وأملاً لك"
لا تجتـرَّ تلك الخطايا وأخطاء الأمس حتى تفقد كل الطاقة والذهن المتبقي، لتعش اليوم بشكل صائب، ولا تفكر بأن أخطاء الأمس يمكنها أن تمنعك من عيش اليوم بصفاء. ابدأ اليوم بداية صائبة، واستمدَّ من تراكم تجارب أيامك الماضية، لتعيش أفضل من كل أيامك السابقة. لكنك لن تستطيع عيشها أفضل ما لم تبدأها بدايةً أفضل. صورة اليوم كلها تعتمد على صورة بدايته.
البداية الأخرى ذات الأهمية الكبيرة هي بداية أي مسؤولية محددة. كيف يبدأ الشخص بناء منزله؟ يضع في البداية خطة مدروسة للمبنى ثم يشرع بالبناء وفقاً للخطة متبعاً إياها بدقة في كل تفصيل، فيبدأ من الأساسات. أَلَهُ أن يتجاهل البداية؟ بدون رسم الخطة المدروسة سيضيع جهده هباءً، وكذلك بناؤه. وإن وصل النهاية دون أن يجمع الأجزاء معاً، فسيكون بناؤه قلقاً عديم القيمة. تنطبق القوانين نفسها على أي عمل مهم: البداية الصائبة والأساس الأول هو الخطة الذهنية المحددة لما تزمع بناءه. لا تقبل الطبيعة العملَ المبتذل، والإهمال، وتُـفني الفوضى، أو بالأحرى فإن الفوضى فناءٌ بحد ذاتها.
النظام، والتحديد، والغاية، هي السائدة سيادة دائمةً وشاملة، ومن يتجاهل في أعماله هذه العناصر يحرم نفسه من تحقيق النجاح الاستثنائي الأقرب للكمال.
"الحياة دون خطة
عديمة الجدوى كلحظة بدأتْ
لا تخدم أكثر من كونها تربةً للسخط
لم يُـبذل أكثر من نصف جهدٍ لتُـعاش"
فلتفرض أن شخصاً ما يبدأ عملاً دون أن يرسم في ذهنه خطةً مدروسة بدقةٍ لتحقيق أهدافه بمنهجية، سترى أن جهوده غير منسجمةٍ، وستراه يفشل في عمله. القوانين التي لا بد من مراعاتها عند بناء منزل، نفسها نافذةٌ عند الشروع بعمل ما. الخطة المدروسة يتبعها جهد متناغم، والجهد المتناغم ينتج نتائج محبوكة ومرتبة وصولاً إلى شيء قريب من الكمال، وإلى النجاح والسعادة.
لكن ليست الاستثمارات العملية أو التجارية وحدها، بل إن كل المسؤوليات مهما كانت طبيعتها تخضع لهذا القانون. كتاب المؤلف، ولوحة الرسام، وخطبة الخطيب، وعمل الإصلاح، وآلة المخترع، وحملة الضابط، جميعها تُـرسم كخطةٍ في ذهن صاحبها قبل القيام بأي محاولة لتحقيقها، وبشكل متوافق مع وحدة الخطة الذهنية الأصلية وتماسكها وكمالها تكون صورة النجاح الفعلي النهائي لهذه المسؤولية.
الرجال الناجحون وذوو التأثير، والأشخاص الجيدون، هم أولئك الذين بين أشياء أخرى تعلموا القيمة واستخدموا القوة المخبأة في تلك البدايات الغامضة التي يتجاوزها الحمقى إذ يرونها "غير مهمة".
لكن البداية الأكثر أهمية والتي يعتمد عليها الأسى أو النعيم، والأكثر إغفالاً والأقل فهماً في الوقت نفسه؛ هي إدراك الفكرة في الجانب الخفي من الذهن والسبـبي في الوقت نفسه. إن حياتك بأكملها عبارة عن سلسلة من الآثار التي تكمن مسبباتها في الفكرة، في أفكارك نفسها. تُـصنع كل الأفعال وتصاغ في فكرة، وكل الأفعال الجيدة والسيئة مجـردُ أفكارٍ متجسدة. البذرة الموضوعة في الأرض هي بدايةٌ لنبات أو شجرة، تنتش البذرة لتتجسد نباتاً أو شجرةً وتتطور. والفكرة المحمولة في الذهن هي بداية سلسلة من الأفعال: ترسل الفكرة أولاً جذورها لتتعمق في الذهن، ثم تنـدفع متقدمةً إلى النور في الشكل أو الفعل الذي يتطور إلى شخصيةٍ وقدر.
الضغينة والغضب والحسد والجشع والأفكار غير الصافية، جميعها بدايات خاطئة تؤدي إلى نتائج مؤلمة. أما أفكار الحب واللطف والنبل، وإيثار الآخر، والأفكار الصافية، فهي البدايات الصحيحة التي تؤدي إلى نتائج مباركة. الأمر بسيط جداً وواضح وصحيح تماماً! ومع ذلك فكم هو متجاهَـلٌ ومُتَـجنَّـبٌ وغير مفهوم!
يحصد البستاني الذي يدرس بعناية كيف يضع بذوره ومتى وأين يحصد أفضل النتائج، ويكسب معرفةً أعمق بأمور البستنة. ويرى أفضل المحاصيل فتَـسعدُ روحه؛ إذ تبع أفضل البدايات. والشخص الذي يدرس بصبرٍ كيف يضع في ذهنه أفكار القوة والحكمة والخير يحقق أفضل النتائج في حياته، ويكسب أوسع معرفةٍ بالحقيقة. يأتي النعيم الأكبر لمن يزرع في ذهنه أكثر الأفكار صفاءً ونبلاً.
لا تتبع الأفكارَ الصائبة إلا أفعالٌ صائبة، ولا تأتي الحياة الصحيحة إلا من الأفعال الصائبة، ويتحقق كل النعيم من خلال العيش الصائب للحياة.
ذلك الذي يتفكر بالطبيعة ويستمد أفكاره منها، ومن يكافح يومياً لاستبعاد الأفكار السيئة واستبدال أفكار الخير بها، يصل أخيراً ليرى أن الأفكار هي البدايات للنتائج التي تؤثر في كل خيط من نسيج كيانه، وأنها تؤثر بقوة على كل حدثٍ وظرفٍ في حياته. وعندما يرى هذا فإنه يفكر الأفكار الصائبة، ولا ختار إلا القيام بالبدايات الذهنية التي تؤدي إلى السلام والنعيم.
الأفكار الخاطئة مؤلمةٌ عند التقاطها، ومؤلمة في أثناء نموها، ومؤلمة في ثمارها. أما الأفكار الصائبة فمباركةٌ عند التقاطها، ومباركةٌ في أثناء نموها، ومباركة ثمارها.
كثيرةٌ هي البدايات الصائبة التي على الإنسان أن يكتشفها ويتبناها في طريقه إلى الحكمة، لكن هذا هو الأول والأخير، وهو الأكثر أهميةً وعلاقةً، وهو المصدر ومنبع كل سعادة دائمة، وهو البداية الصائبة للعمليات الذهنية، ويتطلب هذا تطوراً مستمراً لضبط النفس، وقوة الإرادة، والجَـلَـد والقوة، والصفاء واللطف والتبصر، والقدرة على الفهم والشمولية. يؤدي هذا إلى مثالية الحياة، وذلك لأن من يفكر بالكمال يستبعد كل التعاسة، وتمتلئ كل لحظاته بالسلام، وتنعم سنواته بالبركة، وقد وصل إلى النعيم التام والكامل.
مهمات وواجبات صغيرة
"مخبأ في أقرب واجباتنا، المفتاحُ الذي يفتح لنا بوابات النعيم: مكشوفةٌ هي رؤيا النعيم التي سيراها، ذلك الذي يصل غير مبكرٍ جداً، ولا متأخراً" - "كما هي النجمة، التي تشع في البعيد، دون تعجلٍ، ودون كلال. فليدفع كل إنسان عربته مسيطراً عليها بثبات، لينجز المهمة التي تَـسود يومه، وليقدم أفضل ما لديه"
غوته
كما يتبع الألم والبركة البدايات الخاطئة والصائبة لا محالة، كذلك ترتبط التعاسة والنعيم بالمهمات والواجبات الصغيرة. ولا يعني هذا أن للواجب قدرةً ذاتية على منح السعادة أو العكس؛ إنما يندرج هذا ضمن الموقف الذهني المفترض تجاه الواجب، ويعتمد كل شيء على طريقة مقاربة الواجب وتأديته.
ليست السعادة العظيمة فقط هي التي تنبع من القيام بأشياء صغيرة دون أنانيةٍ، وبحكمةٍ ومثالية، بل إن القوة العظيمة كذلك؛ لأن الحياة بجملتها مركبةٌ من أشياء صغيرة. تلتصق الحكمة بالتفاصيل العامة للوجود اليومي، وعندما تصنع الأجزاء بشكل مثالي فإن الكـلَّ لن يشوبه عيب.
كل شيء في الكون مصنوع من أشياء صغيرة، وكمالُ العظيم يرتكز إلى كمال الصغير. لو أن أي تفصيل في الكون كان غير مثالي فسيكون الكـلُّ غير مثالي. ولو أن أي جزيئة أُهملت لما تكوَّن المركَّـب. لن يكون عالم من دون ذرة الغبار، والعالم مثالي لأن ذرة الغبار مثالية. وتجاهل الصغير يسبب الفوضى في الكبير. ندفة الثلج مثالية كما هي النجمة، وقطرة الندى متناسقة كالكوكب، والميكروب ليس أقلَّ من الإنسان تناسباً. من خلال وضع حجر على حجر، ومد الأنابيب وتركيبها معاً في تناسق مثالي يقف المعبد في النهاية بكل جماله العمراني. الصغير يسبق الكبير، وليس الصغير مجرد ميل فوقيّ للكبير، إنما هو سيده والعبقري المكون له.
يطمح المغرورون إلى العظمةِ، ويسعون إلى القيام ببعض الأشياء العظيمة، متجاهلين المهمات الصغيرة التي تستوجب اهتمامهم الفوري ومتكبرين عليها، وهي المهمات التي لا يحقق قيامهم بها أي شيء لإرضاء غرورهم، معتبرين مثل هذه "التفاهات" أقلَّ من أن يلحظها الرجال العظماء. يفتقد الأحمق المعرفةَ لأنه يفتقد التواضع، ولأنه منتفخٌ من فكرة أهمية الذات، واستهدافه لأشياء مستحيلة.
يصل الإنسان العظيم إلى العظمة من خلال الانتباه الدقيق وغير الأناني الذي يعيره للواجبات الصغيرة. ولقد أصبحَ حكيماً وقوياً من خلال تضحيته بطموحه وغروره وقيامه بتلك الأشياء الضرورية التي لا تجلب له أي تصفيق أو تهليل أو مكافأة. لم يسعَ يوماً إلى العظمة، إنما سعى إلى الإخلاص، والغيرية، والنزاهة، والحقيقة، ومن خلال إيجاد هذه في محيط المهمات الصغيرة والواجبات ارتقى دون وعي منه إلى مستوى العظمة.
يعلم الإنسان العظيم القيمة الهائلة التي تحملها اللحظات والكلمات والتحيات ووجبات الطعام واللباس واللباقة والراحة والعمل والجهد الذاتي، والالتزامات العابرة في ألـفِ الأشياء التي تضغط عليه للفت انتباهه للحظةٍ ضمن تفاصيل الحياة العامة. يرى كل شيء موزَّعاً توزيعاً إلهياً، لا يحتاج أكثر من تطبيق الفكر الهادئ والفعل من جانبه ليصل إلى حياة مباركةٍ مثالية. لا يتجاهل أي شيء، ولا يتعجَّـل، ولا يسعى إلى التهرب من أي شيء إلا الخطأ والحماقة، ويقوم بكل واجبٍ كما يطلب منه، ولا يماطل أو يندم. ومن خلال تقديمه نفسهُ دون تحفظٍ لواجبه الحالي، ناسياً المتعة والألم، يصل إلى تلك البساطة الشبيهة ببساطة الأطفال والقوة اللاواعية التي هي العظمة.
نصيحة كونفوشيوس لتلاميذه: "كل على مائدتك كما تأكل جالساً على مائدة ملك"، تشدد على الأهمية غير القابلة للقياس للأشياء الصغيرة، وتشدد عليها أيضاً عبارة أخرى لمعلم عظيم آخر هو بوذا: "إذا كان لأي شيء أن يُـفعل، فليفعله الإنسان، وليفعله بهمة". إن تجاهل الواجبات الصغيرة، أو الاعتذار عنها بأسلوب لا مبالٍ أو بتكبر، هو علامة الضعف أو الحماقة.
إن بذل المرء انتباهه الكامل والغيري لكل واجب في مكانه المناسب يتطور بنمو طبيعي إلى تركيبات من المهمات أكثر فأكثر تعقيداً، لأنها تطور القدرة، وتطور المهارة والعبقرية والخير في الشخصية. ويرتقي الإنسان إلى العظمة طبيعياً ودون وعي كما يطور النبات زهرته، وبالطريقة نفسها من خلال التوفيق لطاقةٍ دؤوب لا تعرف الكلال، واضعاً كل جهدٍ وتفصيل في مكانه المناسب، وتوفيق حياته، من ثم، وشخصيته دون هدر طاقته أو تشتيتها.
من بين وصفاتٍ لا تحصى انتشرت في كل مكان لتطوير "قوة الإرادة" و "التركيز"، يبحث المرء عبثاً عن أي نصيحة متكاملة وقابلة للتطبيق على تجربة حية. "التنفس، وضعية الجسم، التخيل، الأساليب السحرية" جميعها ممارسات مخادعة ومصطنعة وبعيدة عما هو حقيقي وجوهري في الحياة، في حين أن المسار الحقيقي، مسار الواجب المتمثل في الإنجاز المستمر والصادق لمهمات المرء اليومية، والتي يمكن من خلالها وحدها أن تتطور قوة الإرادة وتركيز الأفكار تطوراً شاملاً وطبيعياً، يبقى هذا المسار مجهولاً، غير مطروق، وغير مستكشف حتى من قبل النُّـخبة.
لابد من التخلي عن أساليب القسر والتقييد التي تهدف إلى كسب السيطرة، وليس هناك من طريق بين الطفولة والبلوغ إلا عبر النمو، وليست هناك أية طريق أخرى من الحماقة إلى الحكمة، أو من الجهل إلى المعرفة، أو من الضعف إلى القوة. على المرء أن يتعلم كيف ينمو شيئاً فشيئاً ويوماً بعد آخر بإضافة فكرة إلى أخرى، وجهدٍ إلى جهد، وفعلٍ إلى آخر.
صحيح أن المسكين يكسب نوعاً من السلطة من مثابرته الطويلة على "الوضعيات" و "التذلل"، لكنها سلطة باهظة الثمن، وذلك الثمن هو خسارة مكافئة في القوة لكن في اتجاه آخر؛ فلا يكون قوياً أو شخصية مفيدة أبداً، بل يبقى مجرد متخصص مبدع ببعض الخدع النفسية، وليس رجلاً متطوراً إنما هو رجل مبتور.
تتكون قوة الإرادة الحقيقية من التغلب على نوبات الهيجان والحماقات والاندفاعات وزلات الأخلاق التي ترافق الحياة اليومية للمرء، والتي لابد لها من أن تتجسد مع كل استفزاز بسيط. ومن خلال تطوير الهدوء وضبط النفس والفعل الهادئ تحت ضغط الحياة وحمى الواجبات الدنيوية، ووسط زحام الشغف غير المتزن. أي شيء أقل من هذا ليس بقوةٍ حقيقية، وهذه لا يمكن تطويرها إلا عبر المسار الطبيعي للنمو الثابت في التنفيذ بمزيد ومزيد من الإتقان، والغيرية والمثالية يومياً في المهمات المنطقية والالتزامات الضرورية.
ليس السيد من يحقق "الإنجازات النفسية" المحاطة بالغموض والعجب لتتركه في لحظات الغفلة ضحية الثورة والندم والنكد، أو أحمق أو آثماً. إنما تتجسد "السيادة" في الجَـلد، وعدم الاستكانة للخيبة، والتحمل، والهدوء، والصبر اللامحدود. السيد الحقيقي هو سيد نفسه، وأي شيء آخر ليس سيادة بل وهم.
الشخص الذي يضع ذهنه بأكمله في القيام بكل مهمةٍ كما تطلب منه، ومن يضع طاقته وذكاءه، مبعداً كل شيء آخر عن ذهنه، ويكافح للقيام بذلك الشيء مهما كان صغيراً، وإتقانه وإكماله مبتعداً بنفسه عن كل جائزةٍ لمهمته. يحقق مثل هذا الشخص سيطرةً أكبر على ذهنه كل يوم، ويتحول من خلال الارتقاء المستمر ليصبح في النهاية رجلاً ذا سلطةٍ، وسيداً.
انغمسْ دون تحفُّظ في مهمتك الحالية، وبهذه الطريقة اعمل وتصرف وعِـش بحيث تترك كل مهمةٍ قطعة جهدٍ مكتملةً، فهذه هي الطريقة الحقيقية لاستحواذ قوة الإرادة، وتركيز الأفكار، وحفظ الطاقة. لاتبحث حولك عن وصفات سحرية، أو عن أساليب مصطنعة أو مرهقة. كل المصادر موجودة معك وفيك سلفاً، وليس عليك إلا أن تتعلم كيف توظف نفسك بحكمةٍ في الموضع الذي تحتله. وحتى تقوم بهذا لن تتمكن من الوصول إلى الأماكن الأعلى التي تنتظرك أو امتلاكها.
ليست هناك طريق إلى الحكمة والقوة إلا من خلال التصرف بقوةٍ وحكمة في اللحظة الحاضرة، وكل لحظة حاضرة تكشف مهمتها الخاصة. يقوم الرجل العظيم والرجل الحكيم بالأشياء الصغيرة بعظمة دون اعتبار أي شيء ضروري "تافهاً". أما الشخص الضعيف أو الأحمق فيقوم بالأشياء الصغيرة بشكل رديء وكيفما اتفق متشوقاً إلى عمل أعظم فيما بعد، فيعمل من خلال عدم قدرته هذه على أداء مهمته الصغيرة على نشر صورة عدم كفاءته. يطمح الشخص الأقل سيطرة على نفسه باستمرار للسيطرة على الآخرين ويتظاهر بتوليه لمسؤوليات كبيرة. "الشخص الذي يتجاهل شيئاً يرى ضرورة فعله لأنه يراه أصغر من أن يفعله هو شخص يخدع نفسه، فليس هذا الشيء بالغ الصغر بل إنه شيء أكبر من أن يتمكن هذا الشخص من القيام به".
كما يفيد قيام الرجل القوي بالمهمات الصغيرة بهمةٍ في زيادة قوته، كذلك يساهم قيام الرجل الضعيف بعمله دون همة في إضعافه أكثر. فما شخصية الرجل إذا كان مشتتاً بين مهماته؟ الضعف مصدر كبير للمعاناة كما الخطيئة، ولا يمكن أن تتحقق غبطة حقيقيةٌ حتى تتطور بعض مقاييس قوة الشخصية. يصبح الرجل الضعيف قوياً من خلال إضفائه القيمةَ على الأشياء الصغيرة والقيام بها وفقاً لهذا، ويتحول الرجل القوي ضعيفاً عندما يتراخى ويتجاهل الأشياء الصغيرة ليخسر بذلك حكمته البسيطة ويشتت طاقته. نرى هنا العملية المثمرة لقانون النمو المعبر عنه بكلمات بسيطة غير مفهومة جيداً: "يعطَـى الرجل الذي يملك، وأما الذي لا يملك شيئاً فسيؤخذ منه"، يكسب المرء أو يخسر فوراً بسبب كل فكرةٍ يفكر بها، وكل كلمة يقولها، وكل فعل يقوم به، وكل عمل يضع فيه قلبه. وشخصيته هي كمية متغيرة لحظةً بلحظة يضاف إليها في كل لحظة أو يحسم منها، ويأتي الكسب والخسارة يقيناً مع كل فكرة وكلمة وفعل، وهي تتتابع في تسلسل سريع.
يصبح من يتمرس في الأمور الصغيرة السيد الشرعي للأمور العظيمة، وأما من تسوده الأمور الصغيرة فلا يمكنه أن يحقق نصراً كبيراً.
الحياة أشبه بتعاونيةٍ؛ الكـلُّ فيها من طبيعة الجزء ومعتمدٌ عليه.
يتطور العمل الناجح والآلة المثالية والمعبد الفخم والشخصية الجميلة من التناسق المثالي لأجزائه المكونة.
يعتقد الأحمق أن الإخفاقات الصغيرة، وبعض التساهل، والخطايا الصغيرة لا عواقب لها، ويقنع نفسه بأنه ما لم يرتكب أفعالاً لا أخلاقية واضحةً فهو شخص فضيل، وربما مقدس، لكنه بهذا يتجرد من الفضيلة والقداسة، وعلى هذا يعرفه العالم، فلا يحترمه أو يعجب به ولا يحبه، بل إنه يتجاوزه، ولا يحسب له حساباً، ويتجرد من تأثيره. إن جهود مثل هذا الشخص لجعل العالم أكثر فضيلةً، وعظاته لرفاقه لترك الرذائل الكبيرة، فارغةٌ من المحتوى وعقيمة الثمار. عدم الاهتمام الذي يبديه تجاه رذائله الصغيرة يشوب شخصيته بأكملها وهو مقياس رجولته، فيُنظر إليه على أنه شخص غير مهم. رعونته في ارتكابه لهفواته ونشره لضعفه تعود عليه استخفافاً وفقداناً للتأثير والاحترام، فلا يسعى إليه أحد. ومن يمكن أن يسعى وراء أحمق؟ لا تزدهر أعماله، فمن يمكن أن يتكئ على قصبة فارغة؟ وتقع كلماته على آذان صماء لأنها خالية من الخبرة والحكمة والتجربة، ومن يمضي خلف سراب فارغ؟
الرجل الحكيم، أو من يزداد حكمةً يرى الخطر الكامن في تلك الأخطاء الشخصية الشائعة التي يرتكبها معظم الناس دون تفكير منهم راجين الإفلات من العقاب، يرى أيضاً الخلاص المرافق لترك هذه الأخطاء وممارسة أفكار الفضيلة وأفعالها التي يبخسها أغلبية الناس أهميتها، وفي تلك اللحظات الهادئة والهامة جداً يظهر ضبط النفس الخفي عن عيون الآخرين.
من يفكر بأكثر آثامه إزعاجاً على أنها قاتلة بطبيعتها يصبح قديساً. فيرى التأثيرات البعيدة سواء الجيدة أو السيئة التي تمتد لتتغلغل في كل أفكاره وأفعاله، وكيف أنه يصنع نفسه أو يدمرها من خلال سلامة أو عدم سلامة تلك التفاصيل التي لا تعـدُّ لتصرفاته التي تتجمع لتشكل شخصيته وحياته، لذا تجده يراقب ويحرس وينقِّـي ويدفع بنفسه إلى المثالية شيئاً فشيئاً وخطوةً بعد أخرى.
كما يتكون المحيط من نقاط الماء، والأرض من حبات التراب، والنجوم من نقاط من الضوء، كذلك الحياة مكونة من الأفكار والأفعال. من دونها ما وجدت الحياة. وعليه فإن حياة كل إنسان هي نتيجة ما تصنعه أفكاره وأفعاله التي تبدو مستقلة بعضها عن بعض في الظاهر. التركيبة بينها هي ذاته، وكما تتألف السنة من عدد محدد من اللحظات المتتالية، كذلك تتألف شخصية الإنسان من عدد محدد من الأفكار المتتالية والأفعال، والكـلُّ المكتمل يحمل دمغة هذه الأجزاء.
"يجب الأخذ بكل الأشياء والمناخات
وجمعها معاً لتكون السَّـنةُ ويكون الكوكب"
قليل من اللطف والكرم والتضحية يصنع الشخصية الكريمة، وقليل من إنكار الذات والتحمل والانتصار على النفس يصنع الشخصية القوية والنبيلة. والشخص الصادق فعلاً صادق في أدق تفاصيل حياته، والنبيل نبيل في كل الأشياء الصغيرة التي يقولها ويفعلها.
إنه لَـوهمٌ قاتل بالنسبة إلى الإنسان أن يعتقد بأن الحياة مستقلة عن الأفكار والأفعال الآنية، وألا يفهم أن الفكرة العابرة والفعل العابر هما أساس الحياة ومادتها. عند فهم هذا الأمر تماماً ترى الأشياء مقدسةً، ويصبح في كل فعلٍ شيءٌ من الـدِّين. تأتي الحقيقة مغلفةً بتفاصيل لا تنتهي، والتعمق هو العبقرية.
"تتلاشى الأملاك وتتغير الآراء
وتراوح الرغبات مكانها
لكن في عواصف الظروف
يبقى الواجب مكانه لا يتزعزع
ولا يكبر أو يصغر".
أنت لا تعيش حياتك بالمجمل، بل إنك تعيش أجزاءها، ومنها ينبثق هذا المجمل. وتملك الإرادة لتعيش كل جزء منها بنبلٍ إذا اخترت هذا، وعند القيام بهذا فلن يكون هناك أي جزء من الانحطاط في الكل المكتمل. إن مقولة "انتبه للفلس، وستعتني الليرات بنفسها"، هي مقولة يرى فيها أكثر من الحكمة الدنيوية عندما يتم تطبيقها روحانياً، لأنك حين تهتم بالفعل الحاضر عارفاً بأن القيام بهذا يحافظ على المجموع الإجمالي المتمثل في الشخصية وفي الحياة، وهذا معنى الحكمة القدسية. لا تتشوق إلى القيام بأمور عظيمةٍ جديرة بالثناء، فستنجز هذه نفسها إذا قمت بواجبات الحاضر بنبل. لا تغضب من القيود والعوائق أمام واجبك في الوقت الحاضر، بل كنْ نبيلاً غير أناني في قيامك بها، وضع جانباً السخط والفتور والتفكير الأحمق بالأفعال العظيمة التي تتجاوزك، ويا للعجب! العظمة التي سعيت إليها تبدأ بالظهور. وليس هناك ضعفٌ كالمكابرة. فاطمح إلى تحقيق النبل الداخلي، لا المجد الخارجي، وابدأ بتحقيقه أينما كنت الآن.
الإزعاج والحرقة التي تشعر بهما لقيامك بمهمتك موجودان في ذهنك وحدك. غيِّـر موقفك الذهني تجاهها، وستفتح الطريق أمامك فوراً، وتتحول التعاسة إلى فرح.
احرص على أن تكون لحظاتك العابرة كلها قويةً صافية وهادفة، وازرع الصدق والغيرية في كل مهمة تمر بك، واجعل كل فكرةٍ وكلمةٍ وفعل جميلاً وحقيقياً، وتعلم من خلال التجربة والممارسةِ القيمةَ التي لا تقدر للأشياء الصغيرة في الحياة، وستجمع شيئاً فشيئاً النعمة الوافرة والباقية.
السمو فوق الصعوبات والحيرة
"من أراد أن يكون إنساناً فليحكم إمبراطورية نفسه، في داخله وعليه لكي يؤسس عرشه، أن يتفوق على إرادة مقهورة، وعلى فوضى الآمال والمخاوف وعلى قمعها، وأن يكون نفسه ووحده"
شيلي
هل فقدت الهدف؟ حسناً لا تزال الشارة لامعةً.
هل أنهكك السباق؟ حسناً خذ نفساً للسباق التالي"
إيلو ويلار ويلكوس
لا بد أن الطرح القائل بأن أي درجة من النعيم يمكن التوصل إليها من خلال الصعوبات ومن الحيرة، سيبدو اقتراحاً غريباً بالنسبة إلى كثيرين، لكن الحقيقة متناقضة دائماً، وعلاج الأحمق هو بركة الحكيم. تنشأ الصعوبات من الجهل ومن الضعف، وتتطلب تحصيل المعرفة واستحواذ القوة.
مع تحقق الفهم من العيش الصائب، تقـلُّ الصعوبات، وتتلاشى الحيرة بالتدريج، لتعود ضباباً هشاً كما هي فعلاً.
ليست الصعوبات متضمنةً أساساً في الحالات التي تراها فيها، إنما في الحالة الذهنية التي ترى الحالة من خلالها، والتي تحملها عن هذه الحالة، والحالات التي تحاط بالحيرة في ذهن الشخص غير الذكي لن تقدم أرضيةً للحيرة للشخص الذكي.
بالنسبة إلى ذهن الطفل الصغير غير المعـذَّب وغير المتطور بعدُ؛ كم تبدو الصعوبات المرتبطة بمهمة تعلم درسٍ بسيط كبيرةً لا يمكن تجاوزها. وكم يكلف التخلص منها من ساعات وأيام وربما شهور من العمل المشوبة بالقلق والتعب، وكم من الدموع تذرف في التمعن بالنسبة إلى غير المتمرس، وكم تبدو أنها لا تقهر، وكأنها جدار من الصعوبات! لكن الصعوبة هي جهل الطفل فقط، وحلها والتغلب عليها ضرورة مطلقة لتطور ذكاء الطفل، وسعادته ومصلحته وفائدته.
كذلك هو الأمر بالنسبة إلى الأطفال الأكبر عمراً مع صعوبات الحياة التي يواجهونها والتي لا مفر منها لنموهم وتطورهم، والتي عليهم حلُّـها وتجاوزها. وكل صعوبةٍ يتم حلُّـها تعني اكتساب المزيد من الخبرة والتبصُّـر والحكمة، وهي تعني أن الطفل تعلم درساً ثميناً، مع السعادة الإضافية والشعور بالتحرر المرافق للمهمة المنجزة بنجاح.
ما الطبيعة الحقيقية للصعوبة؟ أليست حالةً غير متمكَّـنٍ منها تماماً وغير مفهومة بكل ما تحمله؟ هي من ثم تستدعي التطوير والتدرب على الرؤية الأعمق، وتوسيع الذكاء أكثر مما تحقق حتى الآن. إنها حاجةٌ عاجلةٌ لاستخدام الطاقة غير المستخدمة، وتتطلب التعبير وتوظيف القوة الكامنة والموارد الخفية. وهي من ثم ملاكُ خير، وإن كان متخفياً، كصديق أو معلم، وعند الإصغاء إليه بهدوء وفهمه بالشكل الصحيح فإنه يؤدي إلى نعمة أعظم وحكمةٍ أكبر.
لن يكون هناك تقدم من دون الصعوبات، ولا تجليات، ولا تطور، وسيسود الركودُ العالمَ، وتموت البشرية مللاً.
فلينتعش الإنسان حين يواجه العقبات لأنها تعني أنه وصل إلى نهايةِ مرحلةٍ محددة من اللامبالاة أو الحماقة، وأنه مدعـوٌّ الآن إلى استجماع طاقته وذكائه لتخليص نفسه وإيجاد طريق أفضل، ويعني أن الطاقات في داخله تطالب بمزيد من الحرية، وزيادة الخبرة وتوسيع المنظور.
لا يمكن لحالة أن تكون صعبة بذاتها، إنما هو افتقاد البصيرة للتعمق في تعقيداتها، والرغبة بالحكمة في التعامل معها، وهو ما يجعل الصعوبة تظهر، وعليه فإن السمـوَّ فوق الصعوبات يحقق كسباً لا يقاس.
لا تنبع الصعوبات اعتباطاً أو مصادفةً، بل إن لها أسبابها، وهي تستدعى بفعل قانون التطور ذاته، وبالضرورات المتزايدة لوجود الإنسان. وهنا تكمن بركتها.
توجد طرائق للعيش تنتهي لا محالة بتعقيدات وحيرة، وهناك طرائق للعيش تؤدي لا محالة أيضاً إلى الابتعاد عن الحيرة المربكة. ومهما ربط الإنسان نفسه بقوةٍ فإنه يستطيع دائماً أن يتحرر من قيده. ومهما تاه في مستنقع المشكلات بسبب جهله هائماً على وجهه في دروب الحيرة، يمكنه دائماً أن يجد الطريق التي أضاعها: طريق البساطة التي تؤدي في خط مستقيم وواضح إلى المدينة المشمسة: مدينة الحكمة والنعيم. لكن الإنسان لا يمكنه أبداً أن يفعل هذا من خلال القعود باكياً ومحبطاً، ولا بالتذمر والقلق وتمني أن يتغير حاله هذا دون هدفٍ واضح. تتطلب معضلته التيقظ والتفكير المنطقي والحسابات الهادئة. ويتطلب موقعه أن يضبط نفسه بحزمٍ، وأن يفكر ويبحث، وأن يستنهض نفسه ويبذل جهداً متقداً متواصلاً ليكسب نفسه من جديد. لا يخدم القلق والتوتر إلا في زيادة البؤس والمبالغة في رؤية حجم الصعوبات. إنْ عليه إلا أن يحمل نفسه بهدوء نحو تنفيذ مهمته، ويعيد التفكير مرةً أخرى بالطريق الأكثر أو الأقـلِّ تعقيداً الذي أوصله إلى مكانه الحالي، وسيدرك أين ارتكب الأخطاء، وسيكتشف تلك الأماكن التي اتخذ فيها منعطفات خاطئة، وأين كان يمكن لقليل من التفكير أو المحاكمة أو التنظيم أو إنكار الذات أن ينقذه. سيرى كيف ورط نفسه خطوةً بخطوة، وكيف كان لمحاكمةٍ أكثر نضجاً ولحكمةٍ أوضح أن تمكِّـنه من اتخاذ مسار مختلف تماماً منذ البداية.
بعد قطع هذه المسافة، وبعد أن استخلص من أحداث الماضي هذه الحكمة الذهبية التي لا تقدر بثمن فإن الصعوبة التي يمر بها ستبدو أقـلَّ منعةً وحصانة، وسيتمكن من وضعها تحت ضوء التفكير الهادئ، وأن يعمل على تشريحها بعمق، ليفهم تفاصيلها كلها، ويدرك العلاقة بين هذه التفاصيل وبين المصدر الدافع للفعل في نفسه. تنتهي الصعوبة عند القيام بهذا لأن طريق الخروج منها سيرتسم واضحاً، بعد أن تعلم هذا الشخص درسه، واكتسب من الحكمة ونصيباً من البركة لا يمكن تجريده منها أبداً.
مثلما توجد طرق من الجهل والأنانية والحماقة والعمى تنتهي بالارتباك والحيرة، كذلك توجد طرق المعرفة وإنكار الذات والحكمة والتبصر تؤدي إلى نهاياتِ السعادة والسلام. ومن يعرف هذا يواجه الصعوبات بروحٍ شجاعة، ويتغلب عليها، ويستنبط الحقيقة من الخطأ، والبركةَ من الألم، والسلام من الاضطراب.
لا يمكن لأي شخص أن يواجه صعوبةً لا يملك القوة لمواجهتها والتغلب عليها. القلق ليس مجرد أمر غير مجدٍ، بل هو نوع من الحماقة؛ لأنه يقضي على تلك القوة والذكاء المعادلة في الأحوال العادية والكافية لمواجهة الصعوبة. يمكن التغلب على أي صعوبة إذا تم التعامل معها بالشكل الصحيح، والقلق أمر غير ضروري، وأما الصعوبة التي لا يمكن التغلب عليها فتتوقف عن كونها صعوبة لتتحول إلى استحالة، ويبقى القلق في هذه الحالة غير ضروري لأن هناك طريقة واحدة للتعامل مع المستحيل وهي الخضوع له. والأمر المحتوم هو الأفضل.
وكما تنبثق الصعوبات المنزلية والاجتماعية والاقتصادية من الجهل وتؤدي إلى معرفةٍ أكثر نضجاً، كذلك يؤدي كل شكٍّ ديني، وكل حيرةٍ ذهنيةٍ، وكل سحابةٍ تحجب القلب إلى كسب روحاني أكبر، وينبئ بفجرٍ من الذكاء أكثر ألقاً لكل من يطلع عليه.
إنه يوم عظيم في حياة كل إنسان (وإن لم يعرف ذلك في وقته) عندما يشعر بالحيرة المربكة حيال غموض الحياة تحتـلُّ ذهنه، لأنها تكشف تلك المساحة من اللامبالاة، والتعطش الحيواني، والسعادة المشلولة، وتظهر الحاجة إلى إنهائها، والتقدم إلى الأمام في الحياة كوجود ملهمٍ متطور ذاتياً. لا يبقى الإنسان بعدها مجرد حيوان بشري، بل إنه يبدأ الآن بالعيش كإنسان مظهراً كل طاقاته الذهنية ليحل مشكلات الحياة، ويجد الحلول للحيرة التي تسكنه والتي هي حراس الحقيقة، تقف على بوابة هيكل الحكمة.
"هو ذلك الذي حين تظهر المِـحن العظيمة،
لا يسعى إليها ولا يتجنبها،
بل يثبُتُ هادئاً في مكانه"
لن يقبع مرةً أخرى في راحة الأنانية، وفتور الجهل، ولن يتخم نفسه بلذيذ الطعام ومتع الجسد، ولن يبحث عن مكان للاختباء من همسات قلبه العميقة المتسائلة التي لا تنتهي. فلقد استفاقت الروح في داخله، وبدأت تنفض عنه رؤى الليل غير المفهومة. لن يعود إلى سباته مرةً أخرى، ولن يرتاح مرةً أخرى حتى تقع عيناه على الطريق الواسع إلى الحقيقة.
من المستحيل لمثل هذا الإنسان أن يُـسكِت بعدُ ذلكَ النداءَ الذي يدعوه إلى إنجازات وغايات أسمى استفاقت في نفسه، لأن المَـلَـكات التي استفاقت في وجوده لن تتوقف عن حثِّـه على الإجابة عن حيرته، ولن يجد مزيداً من السلام في الخطيئة، أو الاستكانة في الخطأ، ولن يجد ملاذاً له إلا في الحكمة.
عظيمةً ستكون النعمة التي يعيشها مثل هذا الإنسان عندما يعي الجهل الذي ولدت منه الشكوك والحيرة، ويعترف بهذا الجهل ويفهمه دون أن يصارع لإخفائه عن نفسه. ويستجمع كل قواه، يجاهد بصدقٍ للتحرر منه، ويسعى دون كلال يوماً بعد يوم ليجد ذلك المسار المضاء الذي يحرره من كل الظلال السوداء، ويتخلص من شكوكه ليجد حلولاً لمشكلاته الملحة. تجده سعيداً كالطفل عندما يتقن درساً عمل عليه طويلاً، ويشعر بقلبه خفيفاً وحراً عندما يواجه صعوبة دنيوية بشكل يرضيه؛ كذلك هو قلب الإنسان الذي يسلِّـم بفرحٍ وسلامٍ عندما يتوصل في النهاية إلى الإجابة عن سؤال حار في أمره طويلاً، ويتحرر إلى الأبد من ظلمته.
لا تنظر إلى صعوبات حياتك وحيرتها على أنها نذير الشر، لأنك بهذا تحولها إلى شر؛ بل انظر إليها على أنها بشائر الخير، وهي كذلك في الحقيقة. لا تقنع نفسك بأن قادر على تجنبها فلست قادراً، ولا تحاول الهرب منها فهذا مستحيل؛ لأنها سترافقك أينما ذهبت، بل واجهها بشجاعةٍ وهدوء، وبكل ما تستطيع من كرامةٍ ونزاهة، وقم بتحليلها ووزن أهميتها وتمكن من تفاصيلها، وقِـس شدتها، وافهمها وهاجمها لتقضي عليها في النهاية. هكذا تطور قوتك، وهكذا تدخل واحداً من تلك الدروب الجانبية إلى النعيم. تلك الدروب الخفية بالنسبة إلى النظرة العابرة.