eKtab
EN ع
دروس التفكيك
اقرأ عينة مجانية

دروس التفكيك

بقلم د. حسام فتحي نايل

صفحة 1
مقدمة الطبعة المصرية المحدَّثة

الوفاء لأكثر من واحد

يحكي هذا الكتاب قصتي الأولى مع التفكيك وقراءة الفلسفة، أذكر أن بدايتها كانت أوائل عام 1996، في هذا الوقت بلغ امتعاضي من دروس النقد الأدبي الرتيبة في جامعة القاهرة غايته، ولم أجد حينها وسيلة للتعبير عن هذا الامتعاض سوى القراءة في الفلسفة والتفكيك، فكنت أراوح بينها وبين قراءة الأعمال الأدبية حتى وقعت على ثلاثية إدوار الخرّاط، وأدهشني غاية الإدهاش الوقْع التفكيكي الحاد الذي يتخللها، فشرعت في اتخاذها نموذجًا أعمل على درسه، حتى كان هذا الكتاب الذي استغرقت كتابته ست سنوات تبدأ من أوائل عام 1998 حتى أوائل عام 2004، بلغت حماستي أثناءها المنتهى، في القراءة والسهر وإعادة القراءة، وفي اللعب والتسلي أحيانًا.

أردتُ به أن يكون درسًا تفكيكيًا نموذجيًا لثلاثية إدوار الخرّاط، وقد أعانني على ذلك نص الثلاثية نفسه، فلم أقرأ إلى الآن أعمالاً أدبية أخْلص للتفكيك من أعمال الخرّاط، بل لعل الخرّاط في أدبه أخْلص للتفكيك من إخلاص دريدا له في أعماله، ولم يكن لأحدهما معرفة بأعمال الآخر. ولعلي لا أجاوز الحقيقة لو قلت إن أدب الخرّاط من نوع الأفاعي التفكيكية الماحقة، فمنه تعلمت التفكيك حق التعلم؛ وإنه ليمثل حقيقةً ساطعةً وإثباتًا جليًا ناصعًا لمقولة دريدا اللافتة التي مفادها أننا نتعلم التفكيك من الأدب، فلم يكن درسي له جلبًا لإجراءات نقدية خارجة عنه. ثم اجتهدت ما وسعني الحال وقتها أن يكون درسي استجابة لتعليمٍ تفكيكيٍّ آخر قرره دي مان بمقولته الذائعة ومؤداها أن لغة الأدب وكذلك لغة النقد لَهي اللغة التي يسمِّي بها الإنسانُ نفسَه ويُحَوِّلُها أثناء تسميتها.

تلك أيام مضتْ وولّتْ!!

لذا كله، يمثل هذا الكتاب قطعة ماضية من نفسي، نسيجًا تتابعت عليه السنون. ولا زلت أذكر إلى الآن تفصيلاً إجراءات طبعته السورية الأولى- المحدودة- في دار الحوار حتى صدر عام 2006 تحت عنوان (أرشيف النص: درس في البصيرة الضالة)، مع أني كثير النسيان هذه الأيام. ومنذ أن شرعت في كتابته أوائل عام 1998 انقضت إلى الآن خمسة عشر عامًا أو تزيد شهورًا، كأنها السراب.

وقد حملت تلك الأعوام الخمسة عشر المنقضية في أواخرها حوادث عظيمة، مقلقة في كثير منها ومطمئنة في القليل، ولكنها في كل الأحوال تدعو إلى توقف وتدبر ثمَّ إلى قدر كبير من المراجعة والتساؤل عن جدوى الأطر الفكرية والفلسفية التي شَبَّ عليها المرءُ وبخاصة لو أخذنا في حسباننا إشارة البدء الإيجابية في تحول الوعي المصري المعاصر، التي مثلتها واقعيًا ورمزيًا 30/6-3/7 من عام 2013. ولا أدري إلى أية ناحية فكرية وفلسفية قد أنصرف بعد هذا التوقف المُراد ـ تناسب هذا الوعي الجديد ـ فأردت أن تقوم قطعة الماضي- كتابي هذا- مثل شاهدٍ مُنْتَصِبٍ.

لكن اقتلاعًا مفاجئًا بالانتقال من أرض إلى أرض على المستوى الفكري لا يناسب نفسًا عاقلة مفكِّرة، إنما يناسبها حركة هادئة متأنية. مُتدبّرة ومُريدة عازِمة.

لقد غيّرتُ عنوان الكتاب في النشرة الحالية. أردتُ بهذا التغيير تعبيرًا أدق عن مضمونه دون تعالٍ أو ابتهاج، وإني لأرجو من القارئ أن يغفره لي فقد نازعتني إليه نفسي نزوعًا لم أطق عليه صبرًا. كما أردتُ وصْله بكتابٍ لاحقٍ أوشكتُ على الانتهاء منه، يحمل عنوان: (دروس التفكيك: العائلة والقانون والدولة في الأدب المعاصر)، ثمَّ بكتابٍ ثالثٍ قيْد العمل يحمل عنوان: (دروس التفكيك: الفاتن المُدَوِّخُ وحركة العبد الأخير). أردتُ بتغيير العنوان أن أجعل الكتاب الحالي على رأس ثلاثية تعبر عن علاقتي بالأطر الفكرية والفلسفية العامة للحداثة وما بعد الحداثة في أوربا ومروِّجيها في أمريكا، وهي علاقة معقدة شأن كل علاقة بآخر غريب.

قمتُ في هذه الطبعة الجديدة بتنقيحات لغوية فتخففت من لوازم التركيب المعيبة التي رافقتْ تجربةَ الكتابة الأولى والتي نتجتْ عن المطالعة أو الترجمة عن لغة أجنبية. قمتُ أيضًا بإعادة صياغة كثير من العبارات، كما أضفتُ عبارات جديدة من النوع الشارح أو الإيضاحي. أما بناء الأفكار والفقرات ومفردات الكتاب الرئيسية فبقيتْ على حالها لم أمسسها، فلم أتدخل فيها بحذف أو إضافة، ولو أردتُ لما استطعتُ، أفبمقدور أحد إحداث تنقيح جوهري في قطعة ماضية من نفسه؟!

يظهر أن درس الحياة الأثير هو ضرورة الوفاء لأكثر من واحد.

حسام فتحي نايل

الجيزة، منشأة البكاري- 11/11/2013
صفحة 2
مقدمة الطبعة الأولى

إخلاص مزدوج

(1)

مضى زمن كنا نطالع فيه دروس الأدب التطبيقية على النصوص، وحين كنا نفرغ من القراءة نشعر بشيء من الرضى ناتج عن حسٍّ عام بالوحدة والتناغم- أو التوافق- مع النفس ومع الآخرين. أو قد يُهَيِّجُ فينا ما نقرؤه رغبة غامضة في التحريض واستشعار القدرة على التغيير حتى نصل- أيضًا- في نهاية الطريق إلى حسٍّ عام بالوحدة والتناغم أو التوافق مع النفس ومع الآخرين. وذلك مسعى كل الناس على اختلاف مشاربهم. وقد كان ما نقرؤه يتجاوب مع كل شيء آخر: ما نطالعه في الصحف أو ما يبثه لنا مبنى الإذاعة والتلفزيون أو ما نحياه يومًا بعد يوم على صعيد الأسرة والعائلة أو على صعيد العمل: التوافق أو الاختلاف الذي يسعى في النهاية إلى التوافق. وقلْ مثل ذلك على مستوى الممارسة السياسية. لكن هذا الزمن قد ولَّى، ولا أعرفُ إنْ كانت له رجعة أم لا. أنا لا أضمن للقارئ- بعد فراغه من قراءة هذا الدرس- مشاعر أيٍّ من الحاليْن السابقيْن. وما قد أَعِدُ به القارئ هو العنف: شَنُّ عنف من بعد عنف. لكنه نوع من العنف البارد لا يتجاوز حدود الغرفة التي كتبتُ فيها هذا الدرس، وحدود الغرفة التي تطالع فيها أيها القارئ هذا الدرس، وإني لأرجو ذلك. إنه نوع جديد من المشاعر: ساخر وهازئ ومختال. لكنه مدمر صامت. الفاصل فيه بين جحيمين جدار، لا رغبة لنا في اعتلائه أنا وأنت، أليس كذلك؟

أعرفُ الكلمة التي تقف على لسانك الآن: السقوط. نعم هي متعة جديدة: معاينة سقوط الذات وسقوط المؤسسة الأخلاقية أو الاجتماعية أو السياسية أو الأدبية أو الأكاديمية أو سَمِّها ما شئت، فالتفكيك يعلمنا أن كل الطرق ستؤدي إلى القاهرة. ألسنا كلنا هذا الشيء الذي يسقط؟ ليس خليقًا بنا والحال هكذا أن نظن بأنفسنا ظنونًا لسنا عليها. أنت وأنا نعرف هذه الألعاب البلاغية العتيقة. وقد انتشرت رائحة كريهة. ومع ذلك: لا بد من التريث. ما رأيك فيمن يعلو وهو يسقط؟ ألم تجرب حالة كهذه من قبل؟

قد يأخذ الدفاع عن الأخلاقية عمومًا- أيًّا كانت اجتماعية أم سياسية- شكلاً مقلوبًا في نصوص الأدب. تمهلْ إن شئتَ على سبيل المثال أمام نص منتصر القفاش «أن ترى الآن» أو أمام نصوص مصطفى ذكري. إنها نصوص تنذر بخطر كبير. وكنت أحسب أن الخطر بعيد، بيننا وبينه عشرات السنين، فإذا به قائم. انظر مثلاً- مع فارق كبير (والحق أني لا أعرف لأيّ حساب يعمل هذا الفارق)- إلى نص أحمد العايدي «أن تكون عباس العبد». أعرف أنك تستنكر إشارتي الأخيرة، وقد تنصرف بسببها عن استكمال القراءة. أنا أيضًا أستنكرها. لكن طرق الأدب عميقة لا يُسْبَرُ غَوْرُها. التريُّث مطلب لا بد منه. ولا تفزعنَّ من بيت يتقوَّض، فقد يكون الخير في ذلك. ولأننا لسنا متيقنين فعلينا مراقبة هذا التقوض. لا بد من المراقبة حتى نتعلم شيئًا جديدًا، وإذا شاركنا فقد نتعلم أكثر. اعطفْ على سوأتك فقد ترى خلفها ما تطيب به نفسُك. أما يكفي ما قد فات حتى نبدأ تعلمًا جديدًا قد يهدينا سبيلاً. أتريد حقًا خيرًا مما سبق: إني متشكك وليست لي قدرة على حسم الأمور.
صفحة 3
(2)

ستصادف في هذا الدرس- وأنا هنا أخص قارئ النقد الأدبي الحاذق المخلص الذي له خلفية فلسفية معينة- ثلاثة أنواع من المفردات المتواترة على امتداده. النوع الأول تمَّ التعارف عليه اصطلاحًا ويشمل: حضور، غياب، وجود، عدم، كينونة، هوية، تماهٍ، تطابق، اختلاف، وحدة، تعدد، كثرة، وحدة كلية، عقل جدلي، إمكان جدلي، رفع جدلي، توتر جدلي، انقلاب جدلي، تنافر، تناقض، فعل، غاية، حقيقة، تمثيل، ظهور، تعالٍ أو علو، ردّ ظاهراتي أو اختزال وجودي. وهي مصطلحات مستقرة ومألوفة في دروس الفلسفة وبخاصة فلسفتيْ هيجل وهوسرل. وأنت تعرف أن فلسفة هيجل- وكذلك هوسرل وهيدجر- تمثل خلاصة رحلة الفلسفة الطويلة، كما أبان لنا دَريدا غير مرّة.

أما النوع الثاني من المفردات فيشمل: تفكيك (وأحيانًا أستخدمُ كلمة تقويض عوضًا عنها)، قلب وإزاحة، اختلاف مُرْجِئ، تشتيت (وأحيانًا أستخدم كلمة انتشار أو نثر وتفرُّق عوضًا عنها)، أثر، بنية أثر، تحت علامة شطب، أثر آثار، عدم قابلية الحسم، مُكَمِّل أو زيادة، طبقات مجاز، إخلاف، أصل، أصلية الأصل، لاأصل، سجل أصلي، اختلاف أصلي، أرشيف. وهي مفردات أستمدها من الفيلسوف الجزائري الفرنسي جاك دَريدا. وثمة مفردات أخرى هي: عمى، بصيرة، لغة غير جدلية، وجه بلاغي ووجه نحوي أو منطقي وبرهاني، توتر دلالي، انحلال. وهي مفردات أستمدها من المنظِّر البلجيكي الأمريكي بول دي مان. أما الفئة الأخيرة من هذا النوع من المفردات فهي: وعد، تَهادٍ، هدية، توزيعة الهبة، هبة المستحيل، شروع في النقص. وأستمدها من الأكاديمي التونسي فتحي بن سلامة. والحق أن تزوُّدي بهذه المفردات جاء من النظر في ممارسات أولئك الثلاثة لتلك المفردات، وليس من تعريفات مفهومية أو اصطلاحية إذ لم يقم أيٌّ منهم بشيء من هذا، والحق أن أولهم- أعني دريدا- يشدد في غير موضع على عدم قابلية مفرداته للتعريف فالأوْلى النظر إلى كيفيات اشتغال تلك المفردات أثناء الممارسة.

ويشمل النوع الثالث تعابير من قبيل: أنطولغوي، أنطوبلاغي، أنطوزماني، تفاوض، عودة جدلية، استئناف أبدي، حضور العدم، ضلال، وجه العدم، آخرية الآخر، مطلق النسيان، قضاء وقدر بنيوي، اشتغال حرفي، اشتغال مجازي، تهيئة مجازية، سقوط مزدوج، استدخال، إحلال تبادلي، تجربة الحد الأقصى، فائض الكلام أو فائض اللغة. وهي تعابير استلهمتُها بشيء من طول النظر والتدقيق في ممارسات أولئك الثلاثة- وبصفة خاصة أولهم وثانيهم- أثناء ممارستي قراءة نص إدوار الخرّاط، حتى بتُّ لا أعرف إنْ كانت تعود لهم أم لي، غير أني على ثقة من أن التعابير الخمسة الأولى من هذا النوع خالصة لي.

(3)

لقد تزامنت معرفتي بالتفكيك مع معرفتي بنص إدوار الخرّاط حتى صرت لا أعرف أيّهما قادني إلى صنْوه. وأيًّا كان الأمر فالدرس المستفاد من هذا التزامن يتمثل في ضرورة الإخلاص لقصد مزدوج: الإخلاص للنص ولقارئ النص في آنٍ معًا. إن ممارسة التفكيك والنص الذي نحن بصدده يتناقضان وأيّ إلزام شمولي، بل ويقومان بتقويضه. لا بد من إخلاص لأكثر من واحد على قدم المساواة. لا بد من تنقل دائم بين أطراف متعددة. ألا تعلمنا الحياة ذلك؟ إن شيخًا طاعنًا في السن يعرف هذه الحكمة، لكن الشيوخ الأجلاء لا يتكلمون، ينظرون إلينا بصمت ثم يذهبون إلى القبور متكفنين بتلك الحكمة.
صفحة 4
(4)

قامت نظرية الأدب على فكرة مركزية هي التشابه من حيث هو الأصل المعرفي الحاكم لها في مختلف تبدياتها. ودرسنا الحالي يُقَوِّضُ هذا الأصلَ المعرفي الراسخ العتيق؛ فيحيي ذكرى الاختلاف الذي تردمه نظرية الأدب، اختلاف أبدي يُرْجِئُ بذاته فكرةَ التشابه التي تؤدي في نهاية الطريق إلى التناغم والوحدة. لا يعمل التفكيك لحساب شيء خارجه. إنه يعمل لحساب نفسه على الدوام. الوجود أيضًا يعمل لحساب نفسه. أم ترانا نسينا هذه الحكمة الجليلة؟ نص مخلص لنفسه وقارئ مخلص لنفسه وإخلاص مزدوج. وهذا أمر لا أشك فيه. لكنّ ما أرتابُ فيه الغاية من هذا الإخلاص. فهل يسوؤني أن أقول: لا أعرف.نعمالسوأة إذن.

(5)

وقد يستاء القارئ لأني لا أقدم بين يديه تمهيدًا نظريًا يهديه حين يشرع في القراءة: أقصد شرح «مفردات» الدرس الأساسية، وبخاصة ما ينتمي منها إلى دريدا. فالحقُّ أن مفردات دريدا على وجه الخصوص تنأى بنفسها عن مجرد الشروح الاختزالية، لأنها تتورط في الاشتباك مع قضايا فلسفية معقدة. وقد رأيتُ أن قيامي بذلك النوع من الشروح الاختزالية يجافي نوعًا ما روح التفكيك، كما رأيتُ أن التوسع في شروح فلسفية منضبطة يجافي بالقدر نفسه روحَ الممارسة التفكيكية. ولذا ارتأيتُ الاكتفاء بما بذلته- سابقًا- من ترجمة شيء يسير بين يدي القارئ يمهد إلى استراتيجية التفكيك ويفضُّ بعض مغاليقها بشرح اشتباكاتها الأساسية مع قضايا الفلسفة بوجه عام، وللقارئ أن يلتمس ذلك في موضعه (1)، أما التماسه هنا فليس من الحكمة. لك أن تلتمس هاهنا روح الممارسة وهي ما أسميته الإخلاص المزدوج: إخلاصي للنص ولنفسي في المقام الأول، وهذا الإخلاص المزدوج لا يتقبل شيئًا خارجه. هو- لو شئت مجافاة الذوق واللياقة- إخلاص أعمى لا يهتدي بعصا النظرية التي تنحني لها ظهور قرَّاء الأدب الأكاديميين. إنه لا يهتدي إلا بنفسه.
صفحة 5
(6)

ينبني نص ثلاثية إدوار الخراط (رامة والتنين، الزمن الآخر، يقين العطش) وفق تجربة عشق بين ميخائيل ورامة. وعبر هذه التجربة تتوفر طاقة النص بكاملها وتلتف وتدور حول سؤال المعنى، ومن ثمَّ وبالضرورة حول سؤال الحضور، وأخيرًا حول سؤال الحقيقة سواء كانت حقيقة الموجود أم حقيقة الوجود بأسره، وفي اللحظة نفسها يُثار سؤال النص بما هو سؤال تجربة الكتابة في الأساس. وتفترض تجربة العشق اضطرارًا هذا الثنائي: الذات العاشقة (الرجل ميخائيل) والآخر المعشوق (المرأة رامة). وبحكم هذا الاضطرار ستظل تلك الأسئلة التي تثيرها الذات العاشقة مشدودة على الدوام بقضاء وقدر بنيوي صارم إلى هذا الآخر المعشوق.

لكنّ تجربة العشق التي تفترض اضطرارًا تلك البنية الثنائية لا تنكشف لنا إطلاقًا إلا من خلال الذات العاشقة: الرجل ميخائيل. وهو انكشاف مخصوص بكينونته في الذاكرة، فمن خلال الذات العاشقة العاكفة على قراءة سجل الذكريات المنقوش في داخلها الأليف تنكشف تجربة العشق بأسْرِها- قراءة تعيد نقش الرموز: كتابة تقرأ ما هو منقوش في داخلية الموجود وتُعِيدُ كتابتَه. وبذلك يضعنا النص أمام اضطرار هو بعينه المستحيل: نشوء أسئلة المعنى والحضور والحقيقة من تقاطع القراءة والكتابة الذي يُنتج النصَّ أولاً وأخيرًا من حيث هو بنيـ(ـة)ـات إعاد(ة)ات كتابة.

ويَنتج عن ذلك افتراض نظري مؤداه أن بنيات المكتوب هي نفسها بنيات وجود الموجود. وهذا معناه أنه في اللحظة التي ينشأ فيها درسٌ لبنيات المكتوب ينشأ بالضرورة وبحكم الاضطرار درسٌ لوجود الموجود. هذه الضرورة هي ما أطلقتُ عليه وصف الاشتغال الأنطوبلاغي. وهو وصف فرضته تجربة النص من حيث كونها تجربة كينونة في الذاكرة لم يكن لها أن تظهر أو تعرض نفسَها إلا من خلال تجربة الكتابة.

ثم قاد هذا الاضطرارُ الدرسَ إلى ادّعاء أنه ما من وجود يظهر إلا في نطاق اللغة؛ فاللغة سواء كانت منطوقة أم مكتوبة هي مسكن الوجود ومقرّه. ومن هنا جاء وصفي بنيات النص عمومًا بأنها بنيات أنطولغوية على الأصالة. لكن هذه البنيات تضع نفسَها بكيفيات مخصوصة في قلب إشكال ميتافيزيقي يتعلق بـ كينونة الواحد، ثمَّ لا تكتفي بالإعلان عن الرغبة في الصيرورة إلى كينونة الواحد بل تجهد بكل وُسعها من أجل إنفاذ هذه الرغبة وإنجازها عبر لحظات الذروة في التجربة العشقية: التبادل الجسدي الشهواني بين العاشقين.

وعليه، يقصد النص بما هو تجربة كتابة إلى اصطناع بنيات تمضي بالذات العاشقة والآخر المعشوق نحو إنجاز كينونة الواحد، وهذا معناه اضطرار المكتوب إلى الاضطلاع بهذا العبء، وهو إذ يضطلع به يصطنع لنفسه قانونًا يُراوح به بين بنيات حرفية وبنيات مجازية مراوحةً تكفل له هذا القصدَ. وعلى نحو أدق: إن قانون النص الذي يدعيه لنفسه هو أن بنيات الكتابة- سواء كانت حرفية أم مجازية- تنوب عن بنية تجربة التبادل الجسدي الشهواني وتقدر على أن تكررها إلى مالانهاية تكرارًا يُكَرِّرُ حضورَ كينونة الواحد على وجه التحديد، ذلك الذي يضمن تماميةَ المعنى وفورية الحضور كما يضمن في الآن نفسه وحدةَ نظام الحقيقة من حيث كونه نظام حقيقة الحق الأثير: كينونة الواحد.

وسؤال درسنا إذن هو: كيف تشرع بنياتُ النص بما هي بنيات كتابة في النهوض بعبء الصيرورة إلى كينونة الواحد؟ وكيف ينبني من ثمَّ أثناء هذه الرحلة المعنى والحضور ونظام الحقيقة بكامله؟ وبكلام آخر: كيف تستنُّ بنياتُ الكتابة القوانينَ التي تكفل إنفاذَ قصدها؟

ولم يكن قصدي أثناء الدرس إلا جَعْل تمفصلات النص البنيوية- تلك التي تمثل النقطةَ العُليا المعلِنة عن قصد البنية النصية من حيث هي بنية كتابة- تشرع في الظهور، وهي نفسها التمفصلات التي تشي بلحظات انقطاع داخل البنية، تجعل البنيةَ تحيد عن قصدها الذاتي الذي اشترعته لنفسها بحكم حركتها الذاتية؛ ما يُومِئ بغرابة إلى نوع من الضلال الذي يقود البنيةَ ويصممها منذ البدء حتى الختام.

لعلي بذلك أكون قد هيأت القارئ لوجهة نظري التفكيكية العامة التي ستحكم ممارستي مع نص ثلاثية إدوار الخرّاط، والتي تقتضى اختيارات ومسئولية شخصية محددة. أيْ: تقتضي إخلاصًا مزدوجًا، بالمعنى الذي أسلفتُ ذكْره.
صفحة 6
(7)

وأخيرًا، أتوجه بعرفان وشكر وتقدير عميق لعبد المنعم تليمة، الذي كان صالونه الأدبي مساء كل خميس- منذ عام 1996 حتى عام 2001- مثمرًا غاية الإثمار بالنسبة لي وزادًا فكريًا لم يعدله شيء آخر، سوى ما قام به جابر عصفور من دعم فكري ومعنوي استمر سنوات عديدة رغم ما كان من خلاف في طرق التفكير فلسفيًا ومنهجيًا.

كما أتوجه بالشكر والتقدير وعرفان بالجميل لمحمد بريري وأحمد شمس الدين الحجاجي على مناقشاتهما التي أثرتْ هذا الكتاب إثراءً. ولا يسعني في النهاية سوى الإعراب عن شكري وامتناني لوليد الحمامصي لتوفيره معظم مراجعي الأجنبية- التي اعتمدتُ عليها في هذا الكتاب أو قمتُ بترجمتها لاحقًا- من مكتبة الجامعة الأمريكية بالقاهرة.

حسام فتحي نايل

الجيزة- 12/9/2005

الفصل الأول

المعنى والحضور والحقيقة

إذا ذهبت عن اسم الشيء ووصفه وعلمه ذهبت عن حكمه، فإذا ذهبت عن حكمه حللتَ في أول درجة من استواء الأضداد في الوجد، وهو أن تشهد المعنى الذي به حمى الماء؛ [و] هو الذي برد، فإذا كنت كذلك استوى عندك فقدُ الأشياء ووجودها؛ لأن السبب الموجب لهما مشهود لك، ولن تستأنس بوجود سبب، ولا تستوحش من فقد سبب، حتى تفقد السبب الموجب لهما من وجدك، ولن يغني عنك علم ذلك إذا علمته، وإنما يقوم بك فيه وجدُ لماذا وجدته، ولن تذهب عن اسم الشيء ووصفه وعلمه، حتى تشهد آثار التقليب فيه، فترى له اليوم اسمًا ووصفًا، وترى له غدًا اسمًا ووصفًا، وتراه عاجزًا عن إقرار اسمه ووصفه على حكم مقيم، فإذا شهدت ذلك ذهبت عن تسميتها كلها.

النفري، كتاب النطق والصمت، تحقيق وتقديم قاسم محمد عباس (الأردن: دار أزمنة، 2001)، الشذرة رقم 35، ص ص51 - 52.

ولما رأوا أن المحسوسات متغيرة وغير لابثة نفوا العلم أصلاً، حتى كان بعض القدماء إذا سئل عن شيء أشار بأصبعه. يريد أنه غير لابث ولا مستقر، وأن الأشياء في تغير دائم، وأنه ليس هاهنا حقيقة لشيء أصلاً. ونشأ من ذلك بالجملة رأي سوفسطائي.

ابن رشد، تلخيص ما بعد الطبيعة، حققه وقدم له د. عثمان أمين (القاهرة: شركة مكتبة ومطبعة مصطفي البابي الحلبي، 1958)، المقالة الثانية، فقرة 23، ص51.
صفحة 7
(1)

في الكلام عن «ما بلاغة النص؟»

حين يوضع سؤال بهذا النحو- ما بلاغة النص؟- نتوقع التأدية إلى حدّ. «والحدُّ معنويته الحصر، والحصر لا خروج له عن مقرّه»(2). لكنّ عبارة تضيف «البلاغة» إلى «النص» في سؤال عن الحد- وهو سؤال يهيئ حتمًا إلى مسألة الماهية- ستنطوي على درجة كبيرة من الخطورة لأنها تثير مجالين كاملين مختلفين إلى حد التناقض، بما يجعلنا أمام مشكلة، تمثل بحد ذاتها مدخلاً منهجيًا ملائمًا من النوع الذي يحفز كلامًا نظريًا يثق بنفسه. وعلامة هذه الثقة وضمانتها الاقتدار الأرشيفي الهائل في نظرية البلاغة ونظرية النص على السواء؛ فكل الأوراق في النظريتين شبه مرتبة ويمكن لأيّ باحث سحبها واللعب بها مدفوعًا بالرغبة في عمل توليفة جديدة: حدّ جديد. وما من شيء أيسر من التكنوقراط النظري (النقدي) الذي يستند إلى أسس ومبادئ ومعايير تصنيفية واضحة متميزة.

لو تجنبنا نظام الأرشيف المستقر الثابت المنطوي على حججه وأدلته البرهانية والتفتنا إلى النموذج الذي يعمل بمقتضاه السؤال عن بلاغة النص لأصبح نموذج السؤال- وليس موضوعه- هو الإشكال الحق. إن عامل الأرشيف لا يستطيع سوى الاشتغال بمقتضى نظام الأرشيف، وهذا معناه انقياد طوعي أو جبري لسنن وقواعد وأعراف متبعة تنطوي في ذاتها على سلطتها المرجعية؛ ذلك أنها تحيل إلى نفسها باستمرار ولا تستمد قوتها إلا من هذه الإحالة الذاتية التي يخضع لها عامل الأرشيف. وبهذه الطريقة يصبح- أو يكون- كل نظام أرشيفي وراثة وتوريثًا: انحدار المعنى والحضور والحقيقة في خط تصاعدي مستقيم، قد ينعطف أحيانًا لكنه لا ينعطف إلا من أجل تأكيد صلابة هذا الانحدار واستمراره ورسوخه (توزيعة الإرث). ولعلها مصادفة قد تكون سعيدة أن نموذج السؤال الذي أناقشه هو نفسه النموذج الذي ينبني وفقًا له- وبمقتضاه- أيُّ نظام أرشيفي خاص بالمعنى والحضور والحقيقة. فهذا النموذج يَتَقَوَّمُ به النظامُ كافلاً إياه وضامنًا إياه وجاعلاً إياه يدور حول نفسه مؤكدًا نفسَه، ويدور حوله كل شيء في النظام الأرشيفي، كما يؤسس بالدرجة نفسها أيَّ تفصيل مهما كان تافهًا في هذا النظام. وللوهلة الأولى يبدو نموذج سؤالنا- على الأقل بشكل احتمالي- من النوع الذي يقلب الأمور رأسًا على عقب لكنه إنما يفعل ذلك- لو فعله- من أجل إنشاء نظام جديد، ولن تكون هذه الجدة سوى إعادة تنظيم لمقولات المعنى والحضور والحقيقة. إن ما يقلب الأمور رأسًا على عقب ويخرج بها عن مجرد إعادة التنظيم أن يصبح نموذج السؤال- ذلك النموذج الذي يُقِيمُ أسسَ المعنى والحضور والحقيقة- في وَضْعٍ إشكالي مُحْرِج.

ولا يتعلق الإشكال الذي أقصده بتحديد الماهية وإنما يتعلق بتقليد بنيوي قارّ في نموذج السؤال، يشتغل ضمنه السؤال مثلما يعززه السؤال في آنٍ معًا. ويشتغل هذا التقليد البنيوي القارّ في السؤال على النحو الآتي: يوجد جوهر الشيء (جوهر المعروف) منفصلاً عن وعي الذات العارفة، ويجعله نموذج السؤال متصلاً بهذا الوعي، بكيفية ينطوي بها هذا التقليد على تغذية متضاعفة لحضور الذات العارفة. ذلك أن هذه الذات حاضرة تأويليًا- منذ البداية- في علامة الاستفهام ويُضَاعِفُ من حضورها السؤالُ عن الماهية، أضف إلى هذا أن أية إجابة محتملة ستُظهر جوهرَ الشيء من خلال تمثيله لغويًا أمام الذات بطريقة تضمن ليس حضور الشيء وحده وإنما أيضًا- وبالدرجة الأولى- حضورَ الذات التي تَمتثل حضورَها ثانيةً من خلال حضور الشيء حضورًا تمثيليًا. ويغذو امتثالَ حضور الذات هذا، حضورُ الذات التأويلي الذي تنطوي عليه علامة الاستفهام منذ البدء. إذن، عبر ذلك التقليد البنيوي القارّ في السؤال- الذي يؤسس أية معرفة- تؤكد الذاتُ نفسَها وتظفر بذاتها في عملية تأكيد متضاعف لحضورها وحقيقتها ومعنى هذا الحضور. وبعبارة أخرى: يشتغل منطق السؤال عن الحدِّ والماهية بنيويًا ضمن ثنائية ذات وموضوع، التي لا تؤكد حقيقة الموضوع وحضوره ومعناه إلا من أجل التعالي(3) بحقيقة الذات وحضورها ومعنى هذا الحضور، من خلال جَعْلِ حضور الموضوع مستمدًا من حضور الذات. ويتم هذا التعالي بحقيقة الذات وحضورها ومعناها عبر اشتقاق يُعْلِي طرفًا من الثنائي ويُدْني الآخرَ محولاً إياه إلى مرتبة ثانوية. وما هذا التعالي إلا رفع جدلي متنبأ به ومتضمَّنٌ إمكانه سلفًا في علامة استفهام تنطوي منذ البدء على حضور الذات تأويليًا؛ تلك الذات التي تسأل والتي تريد أن تعرف. هذا الرفع الجدلي هو نفسه إمكان وجود معرفة، يضمن هذا الإمكانَ ويكفله. إنها في النهاية عملية تأكيد حقيقة الإنسان ومعناه وحضوره إلى هذا المعنى على الدوام، تدعم فكرًا يُجَهِّزُ الحضورَ الصريح ويُجَهِّزُه الحضورُ التأويلي بالتبادل. ويضمن التقليدُ البنيويُّ القارُّ في سؤال الماهية هذه الكبرياء ويدعمها في كل خطوة.

إن إثارة سؤال عن الماهية وأية أسئلة مشابهة لَهي الإثارة التي تبغي نقلَ المعنى والحضور والحقيقة من المستوى التأويلي إلى مستوى آخر معلن وصريح وله طبيعة تأكيدية جازمة. ولذا سيهدد وضعُ النموذج وضعًا إشكاليًا إمكانَ السؤال نفسه مثلما يهدد نظامَ أرشيف المعنى والحضور والحقيقة الذي يعمل بمقتضى هذا السؤال أولاً والذي يدعم ثانيًا إمكان تكرار السؤال نفسه والأسئلة المشابهة. وكما توجد تهيئةٌ متبادلةٌ بين نموذج السؤال ونظام الأرشيف يوجد أيضًا تهديدٌ متبادلٌ.

تعود صياغة ذلك التأكيد- المشار إليه أعلاه- إلى لحظة بدء أساسية في نظرية المعرفة يضطلع بها ديكارت الذي افتتح في الزمن الحديث هذا الإثباتَ المضاعَفَ لحقيقة الذات وحضورها ومعناها وللفكر الذي يصوغ هذا الحضورَ ويصوغ ذاتًا تفكر ضمن ثنائية ذات وموضوع، وضمنها فقط(4). ومن الجلي الواضح أن مقررات نظرية الأدب المستندة إلى صياغة دي سوسير بوجه خاص وما قبله بوجه عام- وتطويراتها المتعلقة بالدرس الأدبي- قد أسستْ نفسَها بالنظر إلى هذا الافتتاح، على الأقل في الحدود المعمول بها في قراءة النصوص.

لم يسائل ديكارت أبدًا الذاتَ التي تفكر وإنما بدأ بها من حيث هي إثبات محض مستبعدًا الذاتَ المنطويةَ على اختلاط الفكر وتَشَوُّشِه (أو الذات وهي في حال الجنون)، وقد تَوَلَّدَ عن هذا الإثبات طريقةٌ في البرهنة تقوم على إدراك الذات وجودَها المفكِّر، أيْ إدراك نفسها حال كونها موضوعَ نفسها ثم لاحقًا إدراك وجود العالم، أيْ إثباته حال كونه ما يواجِه الذاتَ المفكِّرة وفي اللحظة نفسها حال كونه مجالَ وجودها المثبَت. وبعبارة أخرى: تجعل الذات الديكارتية من نفسها موضوعَ نفسها (انفصال) كي تتطابق مع نفسها (اتصال) فيتحقق لنفسها إثباتُها، أيْ حقيقتها وحضورها إلى معنى وجودها، ثم تجعل من العالم موضوعًا أمامها تثبته باستمرار كي يتأكد لها إثباتُ نفسها باستمرار. إنه انفصال متضاعِف من أجل اتصال متضاعِف: إثبات الذات المفكِّرة العاقلة- بدايةً ونهايةً- ونفي الاعتباط والجنون، نفي اختلاط المشاعر وتَشوُّشِها. ولا يصبح الشك (أيْ: لحظة الاختلاط والتشوُّش المقننة) سوى مرحلة حضور الذات تأويليًا (بمعنى: الإثبات التأويلي عبر إثارة أسئلة)، يتم عبورها سريعًا من أجل حضور معلن وصريح وله طبيعة تأكيدية جازمة. وعلى هذا النحو، يولد الكوجيتو الديكارتي ذاتًا تسعى على الدوام إلى امتلاك ذاتها والتطابق مع نفسها (أيْ: امتلاك حقيقتها وحضورها إلى معنى وجودها) عبر منطق ثنائي يتم عبوره بتسوية جدلية (المعرفة الواثقة في نفسها): الإعلان عن تمامية الذات بعد إضافة موضوعها إليها- ذلك الموضوع الذي ليس سوى نفسها- ثم تأكيد هذا الإعلان عن حقيقتها وحضورها من خلال استرداد العالم (مجال وجودها المثبَت). إنها عملية رفع وتسوية تسترد الذاتُ معها حقيقتَها التي تَحْضر بها إلى نفسها مثلما تسترد العالمَ الذي توجد فيه: رفع جدلي وتسوية للاختلاف لا غنى عنهما من أجل ذات مثبَتة دومًا وحاضرة أبدًا في حقيقة وجودها ومتوحِّدة في هذا الإثبات النقي الصافي.

حين تجعل الذاتُ من نفسها موضوعًا لنفسها تنفصل عنه من أجل امتلاكه أبديًا، وحين تجعل من العالم موضوعًا لها تنفصل عنه من أجل امتلاك نفسها فيه أبديًا، فما ثمة إلا مخايلة باتصال كامل وتواصلية مطلقة بديلاً عن الانفصال الكامل. أيْ: يوجد في هذا التقليد مخايلة بتمامية الذات وتطابقها الكامل مع نفسها؛ مخايلة بمعنى الوجود وحقيقته وبالحضور إليهما على نحو فوري مباشر؛ ما يجعلنا نقول إن الحقيقة والحضور إلى معنى هذه الحقيقة لا يعملان ولا يشتغلان إلا عبر مخايلة. ثمة إذن وضع مجازي استعاري يتورط فيه الإثبات المنطقي البرهاني ويشتغل على نحو رئيسي من خلاله. وبكيفية مماثلة، يصبح للسؤال عن ماهية بلاغة النص- وهو سؤال ذو نموذج نحوي يفتش عن الحدِّ والماهية ومن ثمَّ فهو منطقي وتعقلي وحدودي- طبيعةٌ مجازيةٌ استعاريةٌ في اللحظة ذاتها. وتقوم هذه الطبيعة بتأكيد الإعلان عن حضور الذات السائلة. إذن ينطوي نموذج السؤال على وجهين: أحدهما نحوي يبغي الانتهاء إلى حدٍّ وتقنين، والآخر بلاغي يبغي نقلَ حضور الذات السائلة من مستواها التأويلي المتضمَّن في علامة الاستفهام إلى مستوى صريح تام حاضر بذاته.
صفحة 8
وبتعبير آخر: لا يؤدي الفرض الأولي المتعلق بالثنائي المتعارض (ذات وموضوع) الذي ينطوي عليه نموذج السؤال سوى إلى تأكيد حضور الذات من خلال رفع جدلي وتسوية للاختلاف يضيفان كلاهما الموضوعَ إلى الذات أثناء تعارضٍ يُحَوِّلُ الموضوعَ نفسَه إلى مرتبة ثانوية بطريقة تضمن تهيئةَ عملية رفع جدلي وتسوية تبغي الوصولَ بالذات- لا بالموضوع- إلى حقيقتها وحضورها عبر عملية المعرفة. وقد مهَّد الناقد الفرنسي رولان بارت إلى التوصل إلى مثل هذه النتيجة حين أشار صراحةً إلى أن الوصف الموضوعي لشيء ليس سوى الواصف بعد إضافة الموصوف إليه، وما هذه الإضافة إلا قيمة تؤكـد الإنسـانَ بحـد ذاتـه أكثـر مـن كونها قيمة تؤكد الموضوعَ بحد ذاته(5). وذلك على خلاف ليفي شتروس الذي يَغْذو بافتراضاته المنهجية التي يطورها عن دي سوسير هذا الرفعَ الجدلي دون قدرة منه على لمْحه، وبخاصة حين يزعم أن النشاطات الانعكاسية التي يوفرها الدرسُ البنيوي للأسطورة تعود بها إلى أصلها. إلا أن هذا النشاط الانعكاسي نفسه ليس سوى تأكيد حضور الذات التي تقوم بهذا النشاط، وعودة بها إلى بيتها. هكذا يدعم شتروس مركزية الحضارة الغربية حين يزعم العودة إلى المجتمعات البدائية(6).

وعلى هذا إجمالاً لن تفضي إثارة سؤال عن ماهية بلاغة النص سوى إلى بلاغة الدارس الذي يسأل بعد إضافة النص موضوع الدرس إليه. والحق أن هذا لا يثبت ولا ينفي شيئًا بخصوص النص نفسه. لقد أشرتُ إلى رغبةٍ في حضورٍ ينطوي عليها نموذجُ السؤال، وهي رغبةٌ ذات طبيعة امتثالية تتحرك على مستويين يبدأ أولهما من امتثال الذات نفسَها في حضورها التأويلي المتضمَّن في علامة الاستفهام ثم امتثالِ موضوعَها الذي لن يكون سوى جهدها المبذول إزاء الموضوع، وذلك من أجل الظفر أخيرًا بالذات التي تسأل. إن وَضْعَ حدٍّ لبلاغة النص- نص ثلاثية إدوار الخرّاط على الأخص- لن يكون إلا حدًّا لبلاغة القارئ بعد أن حوَّلَ النصَّ إلى حسابه الخاص؛ بما يجعل من النص في النهاية محلاً يضطلع بحضور الذات القارئة وحقيقتها ومعنى هذه الحقيقة بدلاً من اضطلاعه بحضور النص ومعناه وحقيقته، وآنئذٍ نكون أمام بلاغة قارئ يتطابق مع ذاته في مجال وجوده المثبَت، أيْ: في النص الذي يصبح مسرح لعبة إعلان عن حضوره. ولا يعني هذا الكلام أن هناك على المستوى الأنطولوجي بلاغتين إحداهما للقارئ والأخرى للنص، بل إن تصور بلاغتين ما هو إلا نتيجة متضمَّنة في الرفع الجدلي (المثالي) للثنائي المتعارض: ذات وموضوع، قارئ ونص.

إن القارئ يستعير نصًا من ذات أخرى كي يكني به عن نفسه في عملية من الاستعارة والكناية تدعم مفهوم الهوية الواضحة المتميزة عبر إخضاع وتملك مجازيين. ولا تُهَيِّئُ هذه اللعبةُ البلاغيةُ سوى نوع شديد الغرابة من الحضور هو الحضور المستعار: الحضور دون شيء حاضر.

الوجود في اللغة: حضور وعدم

يقصد درسنا الحالي إلى هجر المؤديات التقليدية التي ينطوي عليها سؤال بلاغة النص لكنه الهجر الذي يلتفت إلى المهجور فيتركه كي يكشف نفسَه بنفسِه. ولهذا المسعى جانبان متلازمان تلازمًا أساسيًا:

يتعلق الجانب الأول منهما بطبيعة الوجه النحوي الذي ينطوي عليه نموذج السؤال، ذلك الوجه الذي يتغيّا وَضْعَ حدّ يأخذ نموذجه الأصلي من الصيغة اللغوية الآتية: «بلاغة النص هي كذا...». وتقتضي عبارة الهوية ألا تكون شيئًا آخر سوى نفسها، من خلال صيغة لغوية تحقق تناغمًا وانسجامًا أو تطابقًا. إنها صيغة تحقق وضوحًا وتميزًا يصلان مسعى هذا الدرس بنظرية الأدب ودراساته فيجعلانه مشتغلاً ضمن هذه الحدود فقط. وما من شك في أن هذا التحقيق يستدعي- كما أشرنا سابقًا- نظامًا أرشيفيًا كاملاً من القواعد والمعايير والأعراف، أضف إلى هذا ما ينطوي عليه هذا النظام من إشكاليات يُظَنُّ في الدرس الأدبي للنصوص- وهو هنا شاغلنا الأول- أنها محسومة. إن الصيغة اللغوية للإجابة- وهي صيغة يفترضها الوجه النحوي في السؤال حتمًا- تمضي وفق المنطق وتعتمد العقلَ وسيلة هذا المنطق؛ ما يعني أنها تمضي وفق ما ينطوي عليه هذا المعيار وتلك الوسيلة من ضرورة الاتساق وعدم التنافر أو التناقض أو التوتر. إذن، بغية السؤال وضع هوية لشيء يتطابق مع نفسه ويجتمع إليها ملتئمًا بنفسه ومتناغمًا معها دون أية تنافرات أو تناقضات أو توترات. أيْ: يخضع السؤالُ في وجهه النحوي- وما يفرضه هذا الوجه من إجابة- لتحديد أعلى هو المنطق والعقل، ولهذا السبب نفسه سينطوي السؤال على استبعاد النص نفسه، ذلك أن لحظة النص الحاسمة- وهو نص تجربة العشق بحق- هي الوجدان. أو على الأقل سيمثل المنطق معيارًا أعلى يُدْرِجُ الوجدانَ تحته بوصفه نوعًا جزئيًا يستمد أصولَه ومفاهيمه من هذا المعيار الأعلى. ولا بد أن يصطدم أيُّ سؤال عن بلاغة نصوص الأدب بهذه العقبة، ما دام أنه لا يقنع بالطرق الآمِنة.

ويتعلق الجانب الثاني بالوجه البلاغي في السؤال؛ أقصد حقيقة الإنسان وحضوره ومعناه، ذلك أن السؤال عن بلاغة النص كما أشرت سابقًا على صلة راسخة وعميقة بـ«الكينونة» ووضعها الأنطولوجي العام. فعبره ينكشف وجود الإنسان من حيث كونه حقيقة وحضورًا ومعنى؛ من حيث كونه قد حَدَّ نفسَه بكلامه. وقد نفهم من نص للنفري تلك الصلة العميقة بين الحُكْم- وكل سؤال عن الماهية سؤال عن الحُكْم- والوجود، حيث يقول في الشذرة رقم [7]: «والأسماء حدود للمعاني، والمعاني حدود للأحكام، والأحكام حدود للظهور، والظهور حدود للوجود، والوجود حدّ نفسه»(7). وما من كائن يستطيع الإبانة عن وجوده سوى الإنسان.

تقودنا إشارة النفري وملاحظتنا بخصوص احتمال الاختلاف الذي ينطوي عليه السؤال عن بلاغة النص إلى اضطرارين:

يتعلق الأول بإقامة جبرية- ومزدوجة في آنٍ- داخل مفهوميْ الحقيقة والحضور وخارجهما. داخليةٌ هي تَخَارُجٌ، مثل عابر السبيل الذي لا يمكن اعتباره دون اعتبار ما يكون بالنسبة إليه عابرًا. وهذه الإقامة المزدوجة هي التي يشتغل من خلالها النص- نص ثلاثية الخرّاط- بكامله، فيُهَيِّجُ أرشيفَ الحقيقة والحضور والمعنى، ولا يتم هذا التهييج- وليس له أن يتم- إلا في حدود اللغة. وعند هذه النقطة يتعلق الاضطرار الثاني- اضطرار هو مغامرة مع المستحيل- بأنه ما من وجود إلا وينكشف في اللغة، أيْ: في النطق والكلام والكتابة. ذلك أن اللغة هي التي تتحمل عبءَ الوجود ورهانَ الحقيقة والحضور والمعنى، فلا رهان خارجها. إن «الاسم»- حسب إشارة النفري- يبدأ سلسلة من الإحالات تجعل من الوجود حَدَّ نفسِه، وهذا معناه أنه لا يمكننا الكلام عن هذا الحدِّ إلا في نطاق اللغة. ووفق استبصارات هيدجر عن هولدرلن تكون اللغة هي ما يُسْلِمُ الموجودَ لنفسه، أيْ يمنحه وجوده، والرهان على هذا الوجود لا يكون إلا في حدود اللغة(8).
صفحة 9
إن سؤالاً عن ماهية شيء «لا يقل عن كونه «اقتحام» موجود يُسمَّى الإنسان- للموجود في جملته. وهذا «الاقتحام» أو «الغزو» يتم بصورة «يتفتح» فيها الموجود على ما هو عليه وبما هو عليه. وهذا الاقتحام الذي ينشأ عنه التفتح هو قبل كل شيء، ووفقًا لطريقته الخاصة، ما يُسْلِمُ الموجودَ لنفسه»(9).

وهذا الإسلام- إسلام الموجود لنفسه- لا يحدث إلا في نطاق اللغة، ما دام الإنسان هو ما ينكشف وجوده لنفسه في كل مرّة ينطق أو يكتب فيها، وعملية الانكشاف تلك هي الوجود الذي يَتَقَوَّمُ به كلُّ موجود إنساني: النَفَسُ الذي يتيح الكلام. اللغة هي شهادة الموجود على وجوده وانكشافه أمام نفسه. وعندئذٍ، تصبح «مغامرة الحياة مع المستحيل الذي هو الوجود في اللغة، لا تنفك عن الذهاب أبعد وبوجه آخر؛ ذلك إذن هو الانجذاب إلى موضع آخر، والمعجزة الاستبدالية التي تجعل ممكنًا تقاطع قراءة وكتابة»(10)، وليس هذا التقاطع رفعًا جدليًا ولا تسوية اختلافٍ وإنما هو لقاء بالآخر، الآخر الميت الذي لا يتحرك، ذلكم هو العلامات المكتوبة على سطحِ صفحةٍ، لقاء هو مبادلة وتبادل وتهريب، لعبة لا تنفك أن تكون جدلية باستمرار دون رفع أو تسوية. لكن هذه المغامرة مع المستحيل تنطوي أيضًا على الآخر بأصالة، على آخرية الآخر، أعني أننا حين نلتقي بالوجود في اللغة من حيث هي مسكن الوجود ومقرّه نلتقي في الآن نفسه بوجه الغرابة، بغرابة الغريب، بالغريب على الإطلاق، ذلكم هو لقاؤنا بالعدم: العدم من حيث هو الأصل في السلب والنفي والغياب(11)، وليس بمقدورنا تفادي هذا اللقاء أو اجتنابه على الإطلاق. تنطوي اللغة إذن على تقاطع مزدوج رئيسي؛ ما يُسعف درسَنا الحالي بافتراضٍ يرى اللغةَ توترًا بين الوجود والعدم أو بدلية من الوجود والعدم؛ لا طرف فيها يسبق الآخر، كَلَّا، ولا علو لطرف على الآخر، إنما الطرفان- الوجود والعدم- يجذِّر أحدُهما الآخرَ تجذيرًا يجعلنا أمام توتر أو بدلية لا تقبل حلاً أو رفعًا أو حسمًا أو تسوية أبدًا.

لندققْ افتراضنا فنقول إن اللغة من حيث هي وحدة متوترة من الوجود والعدم مسكن الإنسان. وهذا التوتر أو التبادل مشعورٌ به ويدمغ نفسَه على كل نطق وكلام وكتابة. تشي اللغة شعوريًا بتجربة حضور عدم ما، وتشي منطقيًا بتجربة إثبات سالب. ذلكم هو محلُّ حدِّ الإنسان، المحل الذي يفضح المنطقَ والتعقل والاحتراس، ويفضح عمومًا حسابية الحساب، فيُهيج اللعبَ والجنون والموت والشهوة والاعتباط في المشاعر وشدة الهوى والانحلال. إنه حدٌّ غير متطابق، ومنذ زمن بعيد كان الجاحظ يلمح هذا اللاتطابق وحضور العدم: «قالت الفلاسفة لا يستكمل الإنسان حدّ الإنسانية إلا بالموت لأن حدّ الإنسانية أنه حدّ ناطق ميت»(12).

وفي هذا الحد الغريب الذي يكتبه الجاحظ إيماءة خفية إلى أن اللغة- والجاحظ هو رجل اللغة والكتابة في حضارتنا العربية- تضطلع بتجربة وجود جوهرية مثلما تضطلع في الآن نفسه بتجربة عدم جوهرية. إنه حدٌّ غريب لا يجعل المحدود متطابقًا مع نفسه، ويكشف عن موضع اختلاف رئيسي فيه.

طريق النص: تفكيك الأصل

وعلى هذا إجمالاً، سيكون درسنا لنص ثلاثية الخرّاط درسًا لبنيات اللغة بهذا المعنى السابق لها- معنى أنها مَحَلُّ انكشاف وجود الموجود الناطق وعدمه في آنٍ معًا. هو درس لبنيات اللغة والدلالة من حيث هي محل انكشاف وجودي بلاغي (أنطوبلاغي) للموجود الناطق والكاتب في آنٍ معًا. والفرضية الأبعد من هذا- التي نعمل بمقتضاها- مفادها أن نصوص الأدب هي التي تكتب حدَّ الإنسان؛ بمعنى أنها موضع انكشافه أمام نفسه وفي الوقت ذاته موضع شهادته على نفسه.

لكن هذا الدرس لن يكون تجريديًا وإنما درس تجريبي يلتفت إلى أنظمة المعنى التي لن تكون أنظمة مجردة بل أنظمة مشتقة من تجربة النص الرئيسية: التجربة الحِبية الجسدية (العِشقية) بين ميخائيل ورامة بوصفها التجربة التي تنكشف أساسًا- ومنذ البدء- في نطاق اللغة وبنياتها الدلالية. هو درس لأنظمة المعنى التي تسائل تجربة الوجود والعدم (الكائن الحي الميت) من خلال تجربة العشق، وتسائل- بدايةً ونهايةً- مشروعية الإنسان من خلال حكاية ذات أبعاد كونية إلهية:

كل شيء هنا والآن موضع السؤال. ليس الحب فقط بل وجودي نفسه، ومشروعيته كإنسان. كرجل. الحقيقة والخداع. الأمانة والخيانة. كل شيء. الحرية والقهر الإنساني والإلهي معًا. أنت معي الآن، لا تنظرين إليَّ، كأنك لست معي. ولكنك هنا- كالكون كله- فيك حقًا قبس من كيان متعدٍ متسامٍ إلهي. هناك بيننا حكاية كونية، إلهية (رامة والتنين، ص 114).

والأكبر من هذا أن صياغة أنظمة المعنى في هذا النص تسائل بوجه عام فكرة أن يوجد- منذ البدء- نظام للمعنى:

قلت: «لماذا دائمًا دائمًا يا رب أبحث عن معنى هذا العالم، هذا الحب، هذا الوجود- وهذا الوجد- كلها بلا معنى، طبعًا» (يقين العطش، ص204).

من الحق أن النص ينبني لغويًا وفق التجربة الحِبية الجسدية ويدور فيها وحولها إلا أن هذا «الحب ليس هو- وحده- أبدًا»، فهو دائمًا كما يرى ميخائيل: «شيء آخر. بل تتجسد فيه دائمًا أشياء كثيرة أخرى، ملتبسة، من معاني الحياة نفسها، بل الوجود. تركيبات داخلية مكنونة- طبعًا- ولكن أيضًا ميثولوجية، وثيولوجية»(13). ومع ذلك، ومع التسليم بتلك الارتباطات والتجسيدات الملتبسة الغريبة فهي دومًا محل سؤال النص:

لم يكن يستطيع، حتى في هذا الخدر المتوفز الذي يشيعه وجودها معه، في هذه الدوامة البطيئة من الاختلاط والفوضى الداخلية، لم يكن يستطيع أن ينسى وهو يقول لنفسه ها هي ذي الآن بين ذراعيك، معك، وحدك، ماذا تريد؟ لم ينس أن كل شيء ربما كان قد جاء بالصدفة البحتة، أنه مقبول، فقط، على علاته، كما تقبل الأشياء التي تأتي هدرًا، ومجانًا، لماذا الحب منصهر عنده بمعنى وجوده نفسه؟ وجوده الفيزيقي، وقامته في العالم، وموقع قدميه على كل هذه الأرض؟ (رامة والتنين، ص71).

هكذا ترتبط التجربة الحِبية الجسدية بين ميخائيل ورامة- وهي تجربة تنكشف في نطاق اللغة ومن خلالها أساسًا- ارتباطًا جوهريًا بالموجود وبمعنى وجود هذا الموجود، بما يجعل منها تجربة أنطولغوية. وعبرها يُصاغ سؤال المعنى: المعنى عمومًا وما تثيره هذه العمومية من أسئلة تتعلق بالحضور وبالحقيقة، وكما سأوضح لاحقًا بحقيقة الحق، وأولاً وقبل ذلك معنى ما حدث بين ميخايئل ورامة على وجه الخصوص:
صفحة 10
قال: حتى معنى ما حدث موضع سؤال. مجرد ما حدث على المستوى الحسي العياني الفيزيقي أقصد، من غير بحث عن حافز أو سبب أو غاية. مجرد ما حدث هو وحده الحقيقي. أما معناه، فما معناه؟ (رامة والتنين، ص17).

وبوجه عام، فأيُّ كلام عن المعنى ومن ثمَّ عن الحضور والحقيقة- سواء على المستوى الفيزيقي أو الميتافيزيقي للإنسان- لن ينكشف بحال إلا في نطاق اللغة، ذلك أنه ما من سبيل آخر وما من شيء آخر يَخُصُّ نفسَه بهذه الكيفية في الانكشاف إلا الأدب: لغة الأدب؛ النفق السري المعتَّم عليه مع أنه الذي فيه ينكشف حدُّ الإنسان فيقف أمام نفسه شاهدًا على نفسه.

ولذا كله، سيكون درس هذه التجربة الأنطولغوية درسًا لوضعها الأنطوبلاغي، ومن هنا فالاكتفاء بفكرة تقليدية عن التحليل البلاغي سيُعد تنازلاً عن أسئلة رئيسية يثيرها النص: أسئلة المعنى وأسئلة الوجود، التي تتدرج بشكل حتمي ومخصوص إلى تساؤل خطير عن حقيقة الحق وكيفية انبنائها. ومن ثمَّ، يتعلق الاقتراح الضروري واللازم لدراسة هذا النص بابتداع درس جديد يرى أن النظر الحق إلى نصوص الأدب لا بد أن يكون نظرًا إلى وضعها الأنطوبلاغي، وسينشغل درس هذا الوضع الأنطوبلاغي- أولاً- بفحص نظام المعنى وكيف ينبني هذا النظام، ثم- ثانيًا- بكيف يتبدّى فيه وجود الموجود فينكشف شاهدًا على نفسه. ولا ريب في أن هذا النوع من الدرس سيتورط ضمنًا في مناقشة حول الميتافيزيقا وما تثيره هذه المناقشة بخصوص المعنى الواحد الكلي والحضور وحقيقة الحق وما يتصل بذلك من نقاش حول الإنسان والله. ويدرك نص ثلاثية الخرّاط هذا التورط حين يصرح بأن التجربة الحِبية الجسدية بين ميخائيل ورامة قد حوَّلها ميخائيل «إلى آفاق ميتافيزيقية لا شأن لها بها»(14)؛ لكنه التصريح السلبي الذي يسعى- ما وسعه السعي- إلى الإيجاب: تصريح برأسيْن.

إن تجربة اللغة لَهي تجربة حضور عدم ما بمعنى محدد. وعبر اضطلاع اللغة بهذه التجربة الجوهرية المزدوجة يفضح النص- ويُعَرِّي- سلسلة كاملة من إحلالات تبادلية تَتَقَوَّمُ بشَبه بنيوي بين تجربة التبادل الجسدي الشهواني (أيْ فعل الشبق والتهتك الشَهَوي من حيث هو ذروة حضور فيزيقي لحدّ الإنسان) وتجربة الكتابة بما هي- بمعنى ما- بديل رمزي للوطء (أيْ فعل الفن من حيث هو حضور حدّ الإنسان في نطاق اللغة وحدها) وتجربة الإيمان (أيْ خبرة الدين الحميمة من حيث هي حضور بديهي ميتافيزيقي لحدّ الإنسان بالنظر إلى الله):

قال: في فعل الشبق الحق ليست هناك نتيجة محسوبة، مقننة، معروفة سلفًا، مألوفة ومكررة حتى الغثيان أو مجرد الملل. هذا فعل- مثل كل خلق- قائم على الغرر، والجدة، والدهش، والكشف- في كل مرّة- الضرب في المجهول، المخاطرة بدق العنق في الظلام، الظلام هناك، تحت، أو السطوع الباهر. قانون الاحتمال، والصدفة، وحده هو الذي يحكمه- إن كان ثمّ قانون.

سأل نفسه مستدركًا: مثل فعل الفن. مثل خبرة الدين الحميمة؟

ثم يواصل ميخائيل في هذا الحوار ذاته مع رامة:

قال لها: في هذا الكشف المتجدد- في هذه المخاطرة- كل مرّة- بكل شيء عنصر لعله مطلق، عنصر من الرسوخ والدوام. مقلق أيضًا إلى آخر حدّ. كيف أقول هذا؟ يعني أن السر لا يُسبر أبدًا حتى نهايته، يعني كل مرّة هناك- لا بد أن يكون هناك- جديد في هذا العالم الواحد. ليس عابرًا، ليس مجرد إشباع. هذه العَرَضية، هذه الاحتمالات، هذه الصدف، لعلها هي الشيء الوحيد المستمر، الدائم (يقين العطش، ص ص 118- 119).

ففي تلك التجارب (البنيات) الثلاث ما من شيء محسوب، لأنها هي نفسها لا تقبل الحساب، ومن ثمَّ تنطوي على السرّ، بكيفية تصبح معها العلامات المكتوبة التي تنكشف عبرها هذه التجارب مغامرة مع الأسرار: أسرار الوجود التي تنكشف من خلال تقاطع القراءة والكتابة. وليس هذا فضًّا أو هتكًا للسرّ؛ ما دام يحفظ الانكشاف في كل مرّة سرّية السرّ. الفضُّ والهتك يتعلقان كلاهما بالمحاسبة وبالنظرة الحسابية التي تعقل الأمور وتحسب الأبعاد، وليس فعل التبادل الجسدي الشهواني- وكذلك فعل الكتابة وفعل الإيمان- قابلاً للحساب. كل منها شهادة تخص المرء وحده، وكل منها يحل محل الآخر ويقوم بدوره: ليس الوجود قابلاً للحساب بحالٍ، ولن يقبل حسابًا.

ذلكم هو رهان النص ورهان قراءة هذا النص، رهان لا يرضى بالمكسب ولا بالخسارة وإنما يظل رهانًا دائمًا: مغامرة. هو الرهان الذي ينطوي على وضعية من الحضور لافتة، تذكرنا بوضعية العلامة (عند دي سوسير)، فهاهنا الدال حاضر باستمرار وهناك المدلول غائب باستمرار وعندما يظهر إلى حيز الحضور يعود دالاً من جديد: الظهور إلى حيز الحضور الذي هو إشارة البدء في الغياب من جديد، وهكذا باستمرار. وتلك هي الوضعية نفسها التي تحكم خبرة التبادل الجسدي الشهواني بين ميخائيل ورامة، خبرة تبحث دومًا عن الكينونة واحدًا وعن وحدة الكينونة. وهي الوضعية التي تحكم البحث عن المعنى عبر الدال المكتوب والتي تحكم أيضًا فعل الإيمان بما هو رغبة في الالتحاق بكينونة الواحد بالمعنى الإشراقي للإيمان.

وتفرض هذه الإحلالات التبادلية بين هذه التجارب (البنيات) الثلاث في لحظة واحدة درسًا بلاغيًا ودرسًا أنطولوجيًا ودرسًا أنطولاهوتيًا. لكن المثير في ثلاثية الخرّاط أن أيَّ درس بلاغي لها سيتضمن على الفور- وبشكل تلقائي- الدرسين الآخرين، وهذا التضمن هو ما أطلقُ عليه الدرس الأنطوبلاغي. تلك هي مغامرة النص ومغامرة الحياة في آنٍ معًا، مغامرة تقاطع الكتابة والقراءة:

وقال: إلا أنني وضعت حياتي كلها، فيما أظن، في نقوش ورسوم. لا أملك، حقًا، إلا الورق والمساطر والصياغات، معادلات وتخطيطات، مساقط رأسية وأفقية وكلية، لا أمسك بيدي عجين الأسمنت ولا أنحت بأصابعي حجر الحياة بل أنقش فقط الرموز (الزمن الآخر، ص288).

هذا التضمن الذي أشرت إليه حالاً جوهري وإلا وقعنا في عدم الإنصات إلى النص نفسه وإلى طريقة حركتنا معه. لا بد من إخلاص مزدوج: يقبل التضاعف إلى ما لا عدد له.

إن سؤالاً ساذجًا عن ماهية بلاغة نص لا بد أن يثير- بحكم سذاجته على الأقل- نقاشًا يتعلق بالأساس الذي يُقِيمُ السؤالَ. وهو نقاش يفرضه نص ثلاثية الخرّاط وبخاصة أنه النص الذي يسائل طبيعة الأسئلة ويَخُصُّ منها أسئلةَ الماهية وصياغتها. إنها مساءلة قلقة تتعلق بأساسٍ مثلما تتعلق في اللحظة نفسها بمحاولة البدء في تحويل الأساس. ونصوص الأدب هي النصوص التي تناقش حسابية الحساب وتكشف عن المغامرة القائمة في أساس الحساب: مغامرة الحياة ومغامرة الوجود في نطاق اللغة. مغامرة تتعلق بالمستحيل. ولعل مناقشة ثلاثية الخرّاط- هذا النص المغامر- ستتكفل بإيضاح ضمني لعبارة غامضة يكتبها دَريدا وتنقلها عنه جايتري سبيـفاك: «عند تفكيـك الأصل، ليس أمام المرء اختيار»(15).