eKtab
EN ع
ديوان الدكتور يوسف القرضاوي نفحات ولفحات
اقرأ عينة مجانية

ديوان الدكتور يوسف القرضاوي نفحات ولفحات

بقلم حسني أدهم جرار

صفحة 1
مقدمة
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
 
فمنذ قدمت إلى دولة قطر 1383هـ.. وأنا سعيد بمعرفة العالم الكبير والداعية المربي الدكتور يوسف القرضاوي..
 
عملت معه في المعهد الديني يوم كان عميداً للمعهد... يربي الشباب منذ نعومة أظفارهم على الإسلام...
 
وجلست معه في درس الاثنين في عدد من مساجد قطر... يفقِّه الناس بأمور دينهم ويصحح مفاهيمهم عن الإسلام...
 
واستمعت إليه في خطب الجمعة... يلهب العواطف، وينير العقول ويغرس في نفوس الشباب قيم الإسلام وتعاليمه...
 
ولازمته في شهر رمضان من كل عام... يصلي بالناس التراويح، فيشعرون بمتعة التلاوة، وخشوع العبادة، وفقه الدرس...
 
ورأيته محاضراً في الندوات العلمية والثقافية في قطر وفي غيرها... يهدي الناس إلى الحق، ويعرِّفهم مواطن الخير ويبصِّرهم بالطريق السوي...
 
تابعته مسافراً يجوب البلاد الإسلامية وغيرها من الأقطار... لا يكاد يعود من سفر حتى يشرع في سفر آخر... يرهق نفسه ويتحمل وعثاء السفر...
 
يحضر المؤتمرات ويعقد الندوات، ويقدِّم لأمته الرأي السِّيد والفكر الرَّشيد...
 
شاهدت عامَّة الناس ينزلون على فتواه، ورجال الفكر يجتمعون على رأيه...
 
قرأت مجموعة من كتبه فوجدت فيها دقَّة العالم، وإشراقه الأديب، وحرارة الدَّاعية...
 
استمعت لمقتطفات من شعره... يحفظها عدد من الإخوة المصريين منذ الخمسينات... فسمعت شعراً كل بيت فيه ينبض بحرارة الإيمان...
 
واطلعت على مجموعة من قصائده، فوجدت أدباً حيَّاً في مضمون سامٍ ونغم فريد...
صفحة 2
كتبت عن أناشيده في كتاب "أناشيد الدعوة الإسلامية" وكتبت عن شعره في كتاب "شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث"، وقدمت له في شعراء الدعوة قصيدتين لا تكاد ترى مثيلاً لهما في الشعر المعاصر.
 
هذا العالم الجليل عرفه الناس خطيباً ومحاضراً... وعرفوه كاتباً ومؤلفاً... وعرفوه داعيةً ومربياً وفقيهاً ومفتياً... ولكن قليلاً من الناس عرفه شاعراً، مع أنه بدأ حياته وعرف بين زملائه وإخوانه بالقرضاوي الشاعر...
 
لقد نظم القرضاوي شعراً كثيراً... سجَّل فيه أحداث أمَّته، وصوَّر أفكارها ومشاعرها أصدق تصوير... ولو جمع هذا الشعر لكوَّن ديواناً ضخماً، ولكن ذهب أكثره في دوَّامة المحن المتلاحقة التي أصابت دعاة الإسلام ، فكان الأقارب والأصدقاء يتخلصون مما عندهم منه خشية أن يصيبهم مكروه من جرَّاء وجوده عندهم، ولهذه الأسباب لم يبق إلا القليل، وهذا القليل الباقي هو الذي نعرض على القاريء في هذا الكتاب.
 
وبعد أن اشتركت مع أخي وزميلي الأستاذ أحمد الجدع في إخراج سلسلة "شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث" ... بدأنا نفكر في جمع أشعار عدد من هؤلاء الدعاة، لتحفظ من الضياع، ولتكون زاداً للشباب المسلم في طريق الدعوة إلى الله...
 
وكان أول شعر بدأت به شعر أستاذنا وأستاذ الجيل المعاصر الدكتور يوسف القرضاوي...
 
إن هذا الشعر الحي لا بدَّ أن يجمع، ولا بد أن يخرج في كتاب، لأنه يمثل تاريخ دعوة، ويحكي قصة شعب، ويدافع عن كرامة أمَّة... إنه أدب هادف وذخيرة من ذخائر الأدب الإسلامي المعاصر...
 
يقول شاعر الإسلام الكبير الشهيد محمد محمود الزبيري: "أرى أن واجب الأدب العربي المعاصر يحتم على من يكتشف ذخائر من الأدب الحي الذي يستحق الخلود أن يقدَّمه إلى التاريخ، وأن يعلنه للناس، وأن يبشرِّ به عشاق الأدب".
 
وبعد أن اكتشفت هذه الذخائر بدأت في تسجيلها، وأخذت أبحث عن شعر الدكتور القرضاوي عند من يحفظون شيئاً منه، وفي المجلات القديمة كمجلة الدعوة ومجلة المباحث القضائية في القاهرة، والمجلات الحديثة كمجلة الحق التي يصدرها المعهد الديني في قطر، ومجلة حضارة الإسلام الدمشقية وغيرها من المجلات الإسلامية...
 
وجلست مع الشاعر مرات عدة سجلت فيها ما يحفظ من شعره، وأخذت ما بقي عنده من أوراق مكتوب عليها بعض قصائده...
 
وتمكنت بعون الله من الحصول على مجموعة القصائد والأناشيد التي يحويها هذا الديوان. وسأواصل البحث عمّا بقي من هذه الذخائر الأدبية لأثبتها في طبعات قادمة إن شاء الله تعالى.
صفحة 3
خطة الكتاب:
 
قسمت العمل في هذا الكتاب إلى الأقسام الثلاثة التالية:
 
القسم الأول: حياة الشاعر وشعره...
 
كتبت فيه عن حياة الشاعر، وعن الشخصيات التي أثَّرت في حياته، وعن الأحداث التي عاصرها، وأعماله الرسمية التي مارسها، ونشاطه في خدمة الدعوة، ونشاطه في تأليف الكتب، ونشاطه في الشعر، والأغراض الشعرية التي طرقها في شعره، ثم عن تحوله من الشعر إلى الفقه والدعوة.
 
القسم الثاني: القصائد...
 
دوَّنت في هذا القسم أربع عشرة قصيدة للشاعر رتَّبتها حسب تاريخ نظمها، وقمت بكتابة تقديم لكل قصيدة ذكرت فيها موضوع القصيدة، والمناسبة التي قيلت فيها، وتاريخ نظمها، والمكان الذي نظمت فيه... كما ذكرت أسماء الكتب والمجلات التي نشرتها إن كانت قد نُشرت من قبل. وفي النهاية أثبتُّ عدد أبيات القصيدة.
 
القسم الثالث: الأناشيد...
 
دوَّنت في هذا القسم ستة أناشيد للشاعر رتبتها أيضا حسب تاريخ نظمها، وقمت بكتابة تقديم لكل نشيد ذكرت فيه تاريخ نظم النشيد، ومناسبته، والكتب والمجلات التي نشرته.
 
وبعد، فإني أرجو الله تعالى أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه وابتغاء مرضاته... إنه سميع مجيب...
 
والحمد لله أولاً وآخراً
 
[الدوحة في غرة شوال 1405هـ]
 
حُسِني أدهم جرار
صفحة 4
حياة الشاعر وشعره
 
• حياة الشاعر
 
• شخصيات أثرت في حياته
 
• الأحداث التي عاصرها
 
• أعماله الرسمية
 
• نشاطه في خدمة الدعوة
 
• نشاطه في تأليف الكتب
 
• نشاطه في الشعر
 
• شاعريته وميزات شعره
 
• الأغراض الشعرية في شعره
 
• بين الفقه والشعر
صفحة 5
حياة الشاعر
 
ولد الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي عام 1926م في قرية "صفط تراب" التابعة لمركز المحلة الكبرى، من أعمال محافظة الغربية بمصر، ونشأ في أسرة متدينة رقيقة الحال يشتغل أفرادها بالزراعة، وانتقل والده إلى رحمة الله تعالى وهو في الثانية من عمره، فكفله عمه، وأحاطه من الرعاية بما يُفتقد لدى الكثير من الآباء، ووجد في أبناء هذا العم الفاضل خير ما يلقاه أخ من إخوته البررة، فنشأ في جو من الحنان والرعاية كان فيه يَعتبر العمَّ أباً وأبناء العم إخوة، واتسعت دائرة هذا العطف حوله حتى أصبح موضع رعاية من سائر أقاربه... فكان هذا تعويضا عن يتمه المبكر...
 
وفي الخامسة من عمره تم إلحاقه بأحد كتاتيب القرية الأربعة ليحفظ القرآن الكريم، ولما وافته السابعة أُدخل المدرسة الإلزامية التابعة لوزارة المعارف ليتلقى فيها المعارف العصرية: كالحساب والتقويم والتاريخ والصحة وغيرها، فكان يجمع بين الكُتَّاب والمدرسة، هذا في فترة الصباح وتلك في فترة المساء.
 
وقبل أن يبلغ العاشرة أكرمه الله فأتم حفظ القرآن الكريم حفظاً لا يكاد يضيع منه حرفا مع الإلمام بأحكام التجويد... وأقيم له بهذه المناسبة الطيبة حفل متواضع في الكُتَّاب، حيث وُزِّعت الحلوى والشربات وأطلقت الزغاريد، وقرأ فيه آخر لوح من الصحف كتبه بيده من سورة "الضحى" إلى"سورة الناس" وكان يتلو كل سورة ثم يهلِّل بعدها ويكبر: لا إله إلا الله، والله أكبر، ولله الحمد... والتلاميذ يكبرون معه، فكان حفلاً بهيجاً يتطلع إليه كل تلميذ في الكُتَّاب... ومن يومها أصبح في نظر أهل قريته "الشيخ يوسف" وبسبب ما منَّ الله عليه من حسن التلاوة كثيراً ما كانوا يقدمونه ليؤمهم في الصلاة وبخاصة الصلاة الجهرية، وذلك تأثراً بما يتقن من تلاوة، وما يزين هذه التلاوة من نغمة توجه المشاعر الخاشعة إلى مضامين الآيات القرآنية.
 
وهذا التشييخ المبكر حرمه فرص اللعب التي يستمتع بها أقرانه من الصبية، وأعطاه الحصانة التي حفظت عليه شبابه، والوقار الذي لازمه طيلة حياته.
 
وعاش الشيخ يوسف حياة إسلامية هنيئة في جو ريفي جميل، يحمل في ثناياه عبير الحب والتعاون والصفاء... عاش مع أبناء قريته يقبسون من نور القرآن ويقبلون على تلاوته ويتنافسون في حفظه...
صفحة 6
وفي أعقاب تخرجه من المدرسة الإلزامية كان لا بد لأهله من أن يختاروا له الطريق الذي سيسلكه في الحياة... ولم يكن أحب إليه من متابعة طريق العلم الذي اجتاز مرحلته الأولى، فكان يتحرق شوقا إلى اليوم الذي يصبح فيه عالماً... إلا أن عمه لم يكن على مثل رأيه، فهو على الرغم من حبه للعلم وحرصه على تشجيع ربيبه الذكي... كان يرى أن طريق العلم طويل طويل، ومع طوله لا يضمن لصاحبه العيش المنشود، هذا فضلاً عما يتطلب من نفقة تضيق عنها قدرتهم، ولهذا حاول إقناعه بتعلم حرفة توفر له وسائل العيش من أقرب طريق. غير أن رغبة الفتى كانت أقوى من حجة عمه، فما زال يحاوره في ذلك، حتى شرح الله صدر عمه لتحقيق أمنيته، وساعده في ذلك أبناء عمه الذين أعلنوا استعدادهم للتضحية بكل شيء في سبيل تعليمه.
 
وهكذا يسرَّ الله له طريق العلم، فالتحق أولاً بمعهد طنطا الديني الابتدائي حيث قضى أربع سنوات، انتقل بعدها إلى معهدها الثانوي الذي استمر فيه خمس سنوات، ومن ثم رحل إلى القاهرة للدراسة العليا في الكليات، حيث التحق بكلية أصول الدين، وحصل منها على الشهادة العالية سنة 52-1953م وكان ترتيبه الأول على دفعته، ثم التحق بتخصص التدريس بكلية اللغة العربية، فحصل على العالمية مع إجازة التدريس حائزاً المرتبة الأولى على خمسمائة طالب من كليات الأزهر الثلاث ثم التحق في عام 1957م بمعهد البحوث والدراسات العربية العالمية التابع لجامعة الدول العربية، فحصل منه على دبلوم عال في شعبة اللغة والآداب.
 
وفي هذه الفترة نفسها كان التحاقه بقسم الدراسات العليا في شعبة علوم القرآن والسنة من كلية أصول الدين ، فأتم سنواتها الثلاث بنجاح عام 1960م على الرغم من صعوبة الامتحانات التي لم يثبت لها أحد سواه بعد السنة الأولى. ومن ثم شرع في إعداد أطروحته للدكتوراه عن "الزكاة وأثرها في حل المشاكل الاجتماعية" التي كان مقرراً أن ينتهي منها خلال سنتين، إلا أن أقداراً غالبة حالت دون رغبته، وجاء عهد الأحداث الرهيبة في مصر فأخرت موعد حصوله على الدكتوراه إلى ما بعد ثلاثة عشر عاماً حيث حصل عليها عام 1973م بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى من الكلية نفسها.
صفحة 7
شخصيات أثَّرت في حياته:
 
تأثر الشيخ القرضاوي في مستهل حياته بمدرسة الإخوان وشخصياتها البارزة. وكانت أعظم شخصية تأثر بها في حياته الفكرية والروحية هي شخصية الإمام الشهيد "حسن البنا"" مؤسس كبرى الحركات الإسلامية في القرن العشرين...
 
يقول الشيخ القرضاوي عن إمامه: "إن أعظم الشخصيات أثراً في حياتي الفكرية والروحية هي شخصية الشهيد العظيم حسن البنا، مؤسس كبرى الحركات الإسلامية الحديثة... هذا مع أنني لم أعايشه كما عايشه غيري، فقد كان رضي الله عنه في القاهرة وكنت في طنطا طالباً، ولكني استمعت إليه في طنطا عدة مرات، ورحلت وراءه إلى بعض البلاد لأراه وأستمع إليه، كما قرأت تقريباً كل ما كتبه من رسائل ومقالات"..
 
ويصف الشيخ انطباعاته عن الإمام البنا فيقول: "كان رحمه الله في حديثه إذا تحدث، وفي كتاباته إذا كتب، يمثل السهل الممتنع، ويؤثر في العقل والقلب معا، فهو معلم وواعظ بالفطرة الموهوبة والدربة المكتسبة جميعاً. أذكر أني استمعت إليه وأنا طالب في السنة الأولى من معهد طنطا الابتدائي يتحدث بمناسبة الهجرة النبوية، فوعيت كلامه على صغر سني، وأكاد أحفظه من ذلك اليوم. كان واسع المعرفة، غزير المادة، أخرج مجلة "الشهاب" الشهرية وكان يحرر جلَّ أبوابها بقلمه، فهو يكتب في التفسير والعقائد ومصطلح الحديث والتاريخ الإسلامي وفي أصول الحكم كنظام اجتماعي... كل ذلك بإجادة وأصالة رغم أنه لم يكن متفرغاً للعلم والبحث، فقد كانت الدعوة ومتطلباتها تستغرق معظم وقته ولذلك كان من وصاياه "الواجبات أكثر من الأوقات، فعاون غيرك على الانتفاع بوقته"...
 
لقد تأثر القرضاوي بالإمام البنا كاتباً ومحدثاً وعالماً وواعظاً وبليغاً، ومريّباً للشباب والأجيال... وكما تأثر بإمام الدعوة وقائدها فقد تأثر أيضاً بعدد من علماء الإخوان المسلمين أمثال الشيخ محمد الغزالي والشيخ البهي الخولي، وكان تأثره بهذه المدرسة أقوى من تأثره بالدراسة الرسمية في الأزهر ومشايخه، على الرغم مما له ولهم من فضل لا ينكر في تكوينه العلمي. ومن الشخصيات الأزهرية التي كان لها اثر في نفسه: المغفور له الدكتور محمد عبد الله دراز لما كان يتمتع به من أصالة تفكير وفصاحة بيان وقوة في الخلق والدين. وكذلك الشيخ محمود شلتوت والدكتور عبد الحليم محمود.
 
وتأثر أيضاً بكتابات شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم والشيخ محمد رشيد رضا...
 
والذي يستمع إلى محاضرات الدكتور القرضاوي أو يطلع على مؤلفاته العديدة يرى أن إعجابه برواد الفكر الإسلامي من هذه الشخصيات الإسلامية الذين تركوا أثراً في توجيهه... لم يجعله يقلد أحداً منهم أو يتقمص شخصيته، ولكنه انتفع بمختلف المدارس الفكرية التي عرفتها حضارة الإسلام... وجاءت كتاباته تحمل روح التنقيب والاجتهاد والإبداع.
 
ويجدر بنا ونحن نتكلم عن المؤثرات في تكوين شخصية الدكتور القرضاوي ألا نغفل المؤثرات الروحية والتربوية التي أفاد منها في نشأته الأولى في القرية الهادئة الوادعة والبيت الكريم الذي رعاه وربَّاه على الخلق الإسلامي الأصيل.
صفحة 8
الأحداث التي عاصرها:
 
عاصر الدكتور القرضاوي أحداثاً في غاية العظم والأهمية... عاصر الحرب العالمية الثانية، والاستعمار الإنجليزي لمصر، وحرب القنال، وحرب فلسطين، ووقوع النكبة الأولى وقيام دولة إسرائيل، ووقوع نكبة 1967م التي احتلت إسرائيل فيها القنطرة والقنيطرة وسقطت القدس والمسجد الأقصى في يد اليهود...
 
ولم يكن القرضاوي في عزلة عن هذه الأحداث فقد شارك فيها- منذ كان طالباً في الابتدائي- بقلبه وأعصابه وعقله ولسانه... نظم القصائد وألقى الخطب وحرّض جماهير الطلاب على المظاهرات ضد الظلم والظالمين، وكان مسئولاً عن طلاب الحركة الإسلامية بكلية أصول الدين وكليات الأزهر الأخرى، وكان عضواً في الهيئة المسئولة عن كتائب الأزهر في حرب القناة ضد الإنجليز. وطاف القطر المصري من أسوان إلى رشيد والإسكندرية داعياً إلى الله، وطاف عدداً من البلدان العربية والإسلامية لنفس الغاية.
 
ولعل الشيء الذي جعله على صلة عميقة وحيَّة ومباشرة بأحداث بلده ووطنه العربي والإسلامي هو: الاتصال المبكر بحركة الإخوان المسلمين... فقد نقلته من جو الشعر والأدب الذي كان هوايته، إلى جو الدعوة العامة إلى الإسلام، ومن طريق الوعظ العام والتدين الفردي، إلى أفق الحركة الإيجابية الشاملة، التي تعمل على خلق تيار إسلامي عام وتكوين جيل يفهم الإسلام فهماً صحيحاً ويؤمن به ويجاهد في سبيله...
 
وكان من ثمرات هذا الاتصال أن: صحَّح فهمه للإسلام ورسالته في الحياة، وواجب دعاته في هذا العصر نحو وطنهم الصغير، ووطنهم الإسلامي الكبير... وأصبح مهتماً بأمر المسلمين جميعاً، وبقضايا الإسلام الكبرى، وبمؤامرات أعداء الإسلام، ووسائلهم في الغزو والتدمير....
 
وحدد هدفه من الحياة ورسالته فيها، وهي الدعوة إلى الإسلام كله عقيدة وشريعة ودولة وحضارة وأمة.
 
وقد أدى انتماؤه إلى دعوة الإخوان المسلمين وجهاده في سبيل الإسلام إلى اعتقاله عدة مرات. أولها: اعتقاله سنة1949م نحو عشرة أشهر في عهد الملك فاروق، وقد كان طالباً في السنة الخامسة الثانوية. وقد ضاع عليه امتحان الدور الأول للشهادة الثانوية، ثم شاء الله أن يدرك الثاني بعد الإفراج عنه عقب سقوط وزارة إبراهيم عبد الهادي، وكان من إكرام الله وتعويضه له أن حصل على الترتيب الثاني بين الناجحين في الدورين من طلاب المعاهد الثانوية الأزهرية على مستوى القطر المصري. وكان اعتقاله الثاني في 2 يناير 1954م لمدة شهرين ونصف في عهد الثورة، ثم في نوفمبر 1954م ولمدة عشرين شهراً تقريباً، ثم في يونيو 1962م نحو خمسين يوماً قضاها في سجن انفرادي في مبنى مخابرات الثورة، وكان بجواره في الاعتقال صديق عمره ورفيقه في الدعوة والجهاد الداعية الكريم الدكتور أحمد العسَّال.
 
وبعد أن خرج القرضاوي من المعتقل سنة 1956م، حرَّمت عليه حكومة الثورة أن يتصل بالجماهير عن طريق الخطابة والتدريس، فلم يجد أمامه إلا القلم يخاطب به الناس، في صورة مقالات في مجلة منبر الإسلام ومجلة الأزهر، وفي صورة كتب كان أولها كتاب" الحلال والحرام في الإسلام"، وتلته مجموعات من الكتب والأبحاث في مجالات شتى... ودفعه هذا إلى التفرغ للبحث العلمي والكتابة
صفحة 9
أعماله الرسمية:
 
عمل الدكتور القرضاوي سنة1956م بمراقبة الشئون الدينية بوزارة الأوقاف المصرية بالخطابة والتدريس في المساجد، ثم أصبح مشرفاً على معهد الأئمة. وفي سنة 1959م نقل إلى الإدارة العامة للثقافة الإسلامية بالأزهر الشريف للإشراف على مطبوعاتها والعمل بالمكتب الفني لإدارة الدعوة والإرشاد، فشارك في توجيه المكتب الفني، وتولى الردود على الشبهات التي تثيرها الصحافة وغيرها حول الإسلام.
 
وفي سنة 1961م أعير إلى دولة قطر، عميداً لمعهدها الديني الثانوي فعمل على تطويره وإرسائه على أمتن القواعد والأسس العلمية والتربوية وأحدثها، حتى أصبح المعهد مثلاً يحتذى في المنطقة كلها، وأصبح مناراً يؤمه طلبة العلم من شتى أنحاء العالم العربي والإسلامي.
 
وفي سنة 1973م أُنشئت كلية التربية نواة لجامعة قطر، فنقل إليها ليؤسس قسم الدراسات الإسلامية ويرأسه.
 
وفي سنة 1977م تولى تأسيس وعمادة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، كما أصبح المدير المؤسس لمركز بحوث السنة والسيرة النبوية بجامعة قطر، إضافة إلى عمله كعميد للكلية.
 
نشاطه في خدمة الدعوة:
 
الدكتور القرضاوي عّلّمٌ بارز بين رجال الفكر الإسلامي المعاصر ورائد من رواد الحركة الإسلامية ورعاتها، أمضى أيامه ولياليه مجاهداً من أجل الإسلام... امتاز بدقة العالم وإشراقه الأديب وحرارة الداعية، فهو من المفكرين الإسلاميين الذين يمتازون بالاعتدال ويجمعون بين محكمات الشرع ومتطلبات العصر....
 
شارك في العمل الإسلامي... خطيباً ومحاضراً... كاتباً ومؤلفاً... داعيةً ومربياً... مفكراً ومخططاً... واتخذ نشاطه لخدمة الإسلام صوراً عدة منها:
 
1- في المجال الجامعي... حيث يعمل أستاذاً وعميداً لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، وذلك بعد أن عمل اثنتي عشرة سنة مديراً لمعهد قطر الديني الثانوي، فأرسى بنيانه على قواعد جعلته نسيج وحدة، وأصبح مثلا يحتذي، في الجمع بين القديم والحديث،وتقريب علوم الدين والعربية وتيسيرهما، إلى جوار علوم العصر بحيث لا يحتاج إلى سنين أكثر من سني التعليم العام. ويعمل الدكتور القرضاوي مديراً لمركز بحوث السنة والسيرة النبوية بجامعة قطر، إضافة إلى عمله كعميد لكلية الشريعة.
صفحة 10
2- في الميدان الشعبي... عن طريق الخطابة والوعظ وإلقاء الدروس في المساجد... فالشيخ القرضاوي كان يخطب الجمعة في عدد من مساجد قطر ولا زال مستمراً على هذا في مسجد عمر بن الخطاب... كما أن له درس الاثنين في المسجد نفسه بعد صلاة العشاء من كل أسبوع... وهذا الشيخ الذي بدأت حياته العلمية في كُتَّاب القرآن... استمرت خطاه في الاتجاه نفسه، فهو لا يفارق سبيل القرآن الذي حمل أمانته منذ الطفولة... وكم يشعر الناس بالمتعة والخشوع بصلاة التراويح وراءه في شهر رمضان المبارك حيث يقرأ جزءاً من القرآن كل ليلة، ويعطي درساً حول هذه القراءة.
 
3- في المجال الإعلامي... عن طريق البرامج التي يقدمها في الإذاعة والتلفاز، حيث يقوم بالفتوى والرد على أسئلة المواطنين في قطر ومنطقة الخليج، منذ إنشاء إذاعة قطر وتلفازها إلى اليوم، في برنامجين أسبوعين ثابتين، وهما يمثلان مدرسة فكرية وفقهية لها تلاميذها وجمهورها الذي يترقبها كل جمعة على طول أرض الخليج والجزيرة وعرضها. هذا عدا برامج توجيهية أخرى يقدمها بين حين وآخر، وبخاصة في شهر رمضان، ومن ذلك برنامجه الأسبوعي: الشريعة والحياة في قناة الجزيرة.
 
4- المحاضرات التي يدعى لإلقائها بتكليف من الجامعات والجمعيات والأندية والمؤسسات الثقافية وغيرها في بلاد العرب والإسلام، وأحيانا خارج
 
العالم الإسلامي... ولقد زار عدداً كبيراً من البلدان والتجمعات الإسلامية في آسيا وأفريقيا، والجاليات الإسلامية في أوربا وأمريكا وكندا وبلاد الشرق الأقصى، وكان له فيها جميعا محاضرات وندوات ولقاءات تركت أثراً طيباً، ولا سيما بين الشباب
 
5- المشاركة في المؤتمرات والندوات... الدكتور القرضاوي شخصية بارزة في مجال الدعوة والفكر الإسلامي وآراؤه تتمتع باحترام رجال الفكر الإسلامي... وقلَّما تخلو من حضوره الندوات العالمية التي يبحث فيها قضايا الإسلام والمسلمين... لقد شارك في عدد من المؤتمرات والندوات الإسلامية والعلمية نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
 
ندوة التشريع الإسلامي في ليبيا. والمؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي في مكة المكرمة. ومؤتمر الفقه الإسلامي بالرياض. ومؤتمر "الدعوة والدعاة" بالمدينة المنورة. وندوة "الإسلام والمستشرقون". "والمهرجان التعليمي" لندوة العلماء بالهند. ومؤتمر مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة. ومؤتمر السيرة والسنة بالدوحة. ومؤتمر المصرف الإسلامي الأول في دبي، والثاني في الكويت. وندوة "الاقتصاد الإسلامي في مجال التطبيق" في أبو ظبي، وندوة "الإنجاب في ضوء الإسلام" "وبداية الحياة ونهايتها" بالكويت. ومؤتمر المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية بالأردن. ومؤتمر اتحاد الطلاب المسلمين في الولايات المتحدة وكندا وغيرها...