صفحة 1
مقدمة
شتاءُ الثورات
قيل عنه ربيع الثورات، وأنا أسميه شتاء الثورات، فلم تشهد الأرض غيوماً مثل هذه الغيوم، ولم تمطر مثل هذا المطر الذي اغرورقت منه الأرض دماءً ودموعاً، ولم تُخصب وتُمرع كما أخصبت وأمرعت.
عام 1432هـ الموافق لعام 2011 سيظل له ذكر مدو على مدى التاريخ، فالقمقم الذي حُبس به الشعب العربي انفجر، والشرنقة التي كُتمت بها أنفاس الناس تقطَّعت، وما كان حلماً أصبح حقيقة، وما كان مستحيلاً غدا واقعاً.
الحلم يتماس مع الواقع، يتماهى فيه، يتلبسه، فيغدوان حالة واحدة متفقة متوافقة، لا تكاد تميز بينهما إلاَّ في خطٍّ يسير تماماً كما يميز خط اللب فلقتيه.
حلمنا العربي غدا أمراً حقيقياً، نلمس أهدابه، ونعيش في ظلاله، بل ونتنفس أنسامه، فالكابوس الجاثم على الصدور الذي ناء بكلكله زمناً، وشدَّت حبال بقائه بيذبل الخوف، وأمراس الترهيب، وصمِّ جنادل القوى الأمنية، تفتتت أليافه، وحُلَّتْ عُقَدُهُ،وسقطت أركانه، وبان أمره، وذاق وبال أمره.
لم يكن أحدنا أيّاً كان يستطيع أن يذكر خالياً أمر حاكمه بلذعة انتقاد، حتى صار بعضهم يتخوَّف من أن يُحاسب على منامٍ رآه، وقد حدَّثني أحد كبار الضباط أنه شاهد عرضاً عسكرياً لإحدى الدول العربية على شاشة تلفازه في بيته، فاستدعته المخابرات العسكرية في اليوم التالي، وأبلغوه بأنهم سمعوا عبارات الإعجاب الصادرة منه نحو هذا العرض، ولما استفسر منهم، هل هذا ممنوع؟ قالوا: أحببنا فقط أن تعرف أن ما يدور داخل بيتك نعلمه.
صفحة 2
ضابط آخر كبير كان في استقبال أخٍ للحاكم عائد من دراسته في الخارج، ورأى كبار المستقبلين يقبلون يده، فقال يخاطب نفسه: غلام طول الشبر، وأشار بيده، ويقبلون يده. وفجأة خرج له رجل مخابرات قائلاً: ماذا تقول سيدي؟
فقال الضابط الكبير: أقول: ما شاء الله ذهب صغيراً وعاد شاباً.
شاعر من الذين لهم شهرة كبيرة كتب قصيدة في أحد الحكام، فكان أن منع من الكتابة، وهذا أفضل حالاً ممن غُمست يده في الزيت الحار، أو من غيّبته السجون.
أحدهم في بيت الله وفي الطواف حول الكعبة، رأى الرئيس، ولم يكن الأمر مخططاً، فقال له من باب النصيحة، اتق الله يا ريِّس في شعبك، فكان جزاؤه أن أُعيد إلى بلده وسجن فيها سبعة عشر عاماً، مجرد ورود رقم تلفون لشخص مطلوب من دولة ووجد في محفظتك، فأنت وراء الشمس حتى تأتي بهذا المطلوب، أحد من أعرف أوقف شهوراً لمجرد تشابه اسم مع مطلوب أدّى إلى خسارته وظيفته.
هذه شذرات ولا شكَّ أنَّ عند كل واحد منكم ما يُعلَّق على أستار حقوق الإنسان.
ويتبدَّل الأمر ويتحوَّل الواقع إلى حلم والحلم إلى حقيقة، فمن كان يصدِّق أنَّ الناس يتكلمون في الحاكم على رؤوس الأشهاد، بل من كان يحلم أن يرى الجماهير تلقي بالأحذية في وجه الحاكم وهو على سدة الحكم، كان حلماً، ولقد كتبت حلماً رآه الرئيس قبل أكثر من ثمانية عشر عاماً، وقد صدر في ديواني ردُّوا الخيول الصادر عام2003م وتاريخ القصيدة يعود إلى عام 1993، وفيها لم أستطع ذكر الحالم، فوضعت بدل اسمه كلمة " كمن " فقلت:
في نومه " كمن " رأى
حُلماً مخيفاً مُرعبا
كأنَّ ثعباناً نضا
صفحة 3
ناباً له مُدبّبا
ففرَّ مِنْ أمامه
وطارَ يرجو مهربا
وراحَ يدعو جُتدَهُ
ويسْتشيطُ غضبا
أينَ جنودي؟ أينَ منْ؟
كنتُ لهمْ مُحبّبا
تخاذلوا وتركوا
رئيسهم مُضطربا
منْ بعد ما منحتُهُمْ
عزّاً ومجداً رُتَبا
أشبعتُهُمْ أعطيتُهُمْ
منْ دمِ شعبي ذهبا
كسوتُهُمْ ألْبسْتُهُمْ
صفحة 4
صوفاً حريراً معجِبا
ويلٌ لهم! ويلٌ لهم!
فرّوا وولّوا الهربا
وظلَّ يمضي مُسرعاً
خوفاً ويخشى العطبا
حتى أتى لبركةٍ
وهيَ تلظَّى لهبا
وفي دُجى لُجَّتِها
رأى بها ما شيّبا
فرعونَ في نيرانها
وهوَ يُعاني الوصبا
فزلقتْ أقدامُهُ
وكادَ يلقى الحَرَبا
هنا صحا مِنْ نومِهِ
وهو يقولُ الهذْربا
يا ليتني يا ليتني
كنتُ بعيراً أجربا
فهل ترون معي أنَّ هذا الحلم تحوَّل فعلاً إلى حقيقة؟
صفحة 5
خطاب إلى محمد البوعزيزي
محمد البوعزيزي شاب تونسي، قام بإضرام النار في جسده يوم الجمعة 11/1/1432هـ الموافق 17/1/2011م أمام مقر ولاية سيدي بوزيد بعد أن قامت شرطية بصفعه، وطردته، قائلة له ارحل، فرحل، وكان موته مفجّراً للثورات العربية.
إليكَ خطابي بنورِ الحروفِ
يُزَفُّ إليكَ بنارِ اشتياقي
فأنتَ خطابُ الشعوبِ التي
تجرَّعَتِ الذُّلَّ مُرَّ المذاقِ
وأصبحتَ منها اللسانَ الفصيحَ
لإحقاقِ حقٍّ ونيلِ انعتاقِ
مِنَ الظُّلْمِ ظلمِ ذوي الأقربينَ
يُصَبُّ علينا وقهرِ الرِّفاقِ
ففعلُكَ حرَّكَ فينا الحياةَ
فماجتْ عروقٌ وفاضتْ سواقي
صهلْتَ فسِرْنا وراءَكَ صفّاً
تلاميذَ نعدو بدرْبِ السِّباقِ
صفحة 6
ومنْ بعدِ طولِ ركوبِ الهجانِ
غدونا فوارسَ خيلِ عِتاقِ
إلى البوعزيزي الذي قادنا
لنورِ الحقيقةِ وصلِ التلاقي
بموتِكَ كانَ انتصارُ الحياةِ
وموتُكَ كانَ ادِّخارَ البواقي
وعزَّزْتَ فينا شموخَ الإباءِ
بغرسِ الوفاقِ وقلعِ الشقاقِ
بشُعْلةِ نارٍ علتْ أُفْقنا
أضاءَتْ كبدْرِ بُعيْدَ المحاقِ
فإنْ أوثقتْكَ قيودُ الَّلظى
صفحة 7
فنحنُ حللنا قيودَ الوثاقِ
ولما احترقْتَ عزيزي نضجنا
عرفنا الطريقَ طريقَ الوِفاقِ
وإنْ أنتَ عانقتَ منها اللهيبَ
فنحنً نعيشُ لذيذَ العناقِ
عناقُكَ للنّارِ يا سيِّدي
محا منْ سجلّي سطورَ النِّفاقِ
وسطَّرَ فيهِ بإذْنِ الإلهِ
حياةَ اعتزازٍ وفجرَ انبثاقِ
صفحة 8
تحيةُ شوق
لكـمْ جميعاً تحياتـي يُعطِّـرُها
ريحُ القرُنْفُلِ أوْ عِطـرُ الرَّياحينِ
إلى الشبابِ شبابِ العزِّ أحمِلُها
في مصْرَ في تونسٍ في أَرْضِ حطّينِ
في ليبيا أرضِ الإباءِ لهمْ
منّي التحيّةَ للغُرِّ الميامينِ
إلى شبابٍ على أرضِ الفراتِ لهم
نبعُ المحبةِ يجري في الشرايينِ
صفحة 9
فسوريا ربوةٌ بالعزِّ كَلَّلها
تاجٌ من الفخرِ بالشُّمِّ العرانين
إلى شُموخِ الرِّجالِ السُّمْرِ في يَمَنٍ
هُداهِدُ الشوقِ والبُشْرى بتمكينِ
تحيّـَةَ الودِّ والأشواقِ أرْفَعُـها
إلى الأحبَّاءِ في التَّقوى وفي الدِّينِ
ومـنْ فؤاديَ كلُّ الشَّوقِ تحملُهُ
نسائـمُ الفجرِ منْ زهرِ البساتينِ
صفحة 10
أنقى مـنَ النَّبْعِ في حصْباءَ عاليةٍ
يحفّـُهُ الزَّهـرُ بالإيناسِ والِّلـينِ
إلى قلـوبٍ لها في القلبِ منـزلةٌ
كالطَّـوْدِ راسيةٌ فـي أُسِّ تَمكينِ