eKtab
EN ع
ضيوف ثقال الظل
اقرأ عينة مجانية

ضيوف ثقال الظل

بقلم جعفر العقيلي

صفحة 1

«ضيوف» جعفر العقيلي

محمود الريماوي

من تُراهم الـ«ضيوف ثقال الظلّ» الذين يحملون بصفتهم هذه اسمَ باكورة المجاميع القصصية للكاتب الموهوب جعفر العقيلي؟

إنهم حشدٌ من أسماءٍ ذوي أرقام هاتفية، تزدحم بهم مدوّنات الملاحظات لبطل القصة الذي نزح منذ وقت قصير من القرية إلى المدينة، وتؤدّي به شبكة العلاقات المهنية والحياتية، إلى التعرّف إليهم بحكم الضرورة أو المصادفة، أو لحاجةٍ عابرة متبادلة بين البطل وصاحب الرقم، ولكن هذا البطل الشاب لا يتوافر مع ذلك إلا على صداقات حقيقية قليلة، كما أغلب أبناء المدينة وساكنيها، ومع ذلك فإن هذا العدد الهائل من الأسماء بأرقام هواتف أصحابها، «محسوبٌ» عليه كما يُقال في العامية، دون أن يرتبط بهم بعلاقات فعلية. وهو ما يبدو له ليس مجرد مفارقة (مقارنة بحاله في القرية أيام لم يكن يرتبط إلا بمن تنشأ بينه وبينهم صداقات حميمة)، بل إن الأمر يبدو أشبه بمهزلة، وحتى بخدعة. وإذ يستشعر مع نفسه أن الخدعة لا تنطلي عليه، إلا أنه ينوء مع ذلك تحت وطأة هذه الارتباطات الوهمية وفيرة العدد و«قليلة البركة».

وفي وقفته هذه مع ذات نفسه، تلحّ عليه فكرة أن يتخلّص من هذه «المحفوظات» التي لا تعني له شيئاً، ولا تثير أمراً ذا بال في النفس. فيقرّر بعد قليل من التردّد والممانعة أن يجعل منها طُعماً للنيران، ويقذف بها إلى غيبة النسيان، وقد فعل، وإذا بألسنة النار تتصاعد وتتلوّى وتتمرأى فيها صورُ أصحاب الأسماء وأخْيِلَتُهم، متّخذةً -كما توهّم البطلُ- أشكالاً مفزعة أخذت تطارده وتحاصره وتحاول النيل منه. ومَن تصوّر أنهم ضيوفٌ ثقالٌ غير مرغوب بهم وقد تم طردهم، إذ بهم يتمظهرون في مظاهر وتهاويم «شيطانية». فلا فِكاك من هؤلاء. وذلك أمارة على الوشائج الشبحية والمصلحية التي تربط أبناء المدن، والتي لا يملك أحدٌ التفلّت منها.

هذا الإيقاع؛ إيقاع عدم التلاؤم مع المدينة والانفصال النفسي عنها، يتكرّر في قصة أخرى هي «ضجيج»، فالبطل الشاب الذي وفد من القرية إلى المدينة، يحلم بحياة مستقرّة يتحرّر فيها من ضغوط العلاقات التقليدية القروية. وعنوان هذه الحياة أو شرْطها: بيت صغير ومستقل، ينفرد فيه البطل ببدنه ونفسه مع ملائكته وشياطينه، ومع هواياته المحببة. على أنه سرعان ما يكتشف وقوعه ضحيةَ عزلةٍ خانقة، فقد خسر العالم ولم يربح نفسه، وحين يعمد إلى الاستئناس بأصوات تثير لديه الشعور بالحياة وبالتأهُّب للاتصال بالآخرين والتواصل معهم، فإن السلوك الغريب الذي عمد إليه سرعان ما ارتدّ عليه، فالساعات المنبّهة التي وضعها لتُصْدر الرنينَ بنغمات مختلفة وفي أوقات متفاوتة، يطرأ عليها ذات مرّة كابوسُ خللٍ غريب، إذ تنفجر جميعها بالرنين في وقت واحد، ولا يفلح تحت وطأة ذهوله، في إسكات أيٍّ منها، فيهرب من البيت المنذور إما للعزلة الموحشة، أو لضجيج هستيري، وبين هاتين «الشفرتين» تتمرأى له حياةُ المدينة، أو حياته فيها.

صفحة 2

وفي الحالتين؛ أي في القصتين، فإن البطل الشاب وافدٌ حديثُ العهد بالمدينة، مفعَمٌ بالآمال الكبار وبالرغبة الجيّاشة في حياة مليئة وعريضة، ويساوره طموحٌ دفين أن يجمع -وفي حياته الجديدة- بين ألفة القرية وسهولة عيشها، وبين حيوية المدينة وجاذبية مباهجها وفُرَصها، لتقع لحظة الارتطام مع الوقائع الأليمة. فالمدينة قد لا توفّر هذه أو تلك المزايا، والكائن فيها مدعوّ لأن يصنع نفسه بنفسه، وأن يشتقّ بجهده ورهيفِ حسه وما يتأتّى له من خبرةٍ، هوامشَ حياته.

ولأن البطل، في الحالتين، متعلّم ومثقّف، فإن كلّاً من القصتين مفتوحة على مزيد من التجارب التي تنتظر البطل، خلافاً لبطل قصة «الجولة الأخيرة»، الذي لم يفلح في تدبر إقامة ناجحة في المدينة، وكان هرب إليها من القرية، تحت ضغط التدخلات في خصوصياته، ليجد نفسه بعد أن فشل مشروعه في دكان صغيرة، يهرب مرّة أخرى من المدينة عائداً إلى القرية، وقد أعياه البحث عن حلٍّ لفشل حياته الزوجية، وكيما ينهمك في تربية أبقار واستيلاد نسلٍ منها.

ليست هذه هي الأجواء أو «الثيمات» الوحيدة في مجموعة جعفر العقيلي، ولكن القصص الثلاث المشار إليها من جملة سبع قصص تضمّنتها المجموعة، تكشف عن انشغالات الكاتب وصَنيعِه الفنّي، فهو معنيٌّ بمعالجة ظاهرة الالتحاق بالمدن، وما ينشأ عن ذلك من صدمات شعورية، حتى لو لم تكن القرى الأردنية بعيدة الشقّة عن المدن، وحتى لو لم يكن الريف منغلقاً على عالمه الخاص. ولعلّ العقيلي يفيد بذلك من تجارب شخصية، وتجارب أخرى كان شاهداً عليها، وذلك في غمرة المرحلة الانتقالية المتسارعة التي يشهد عليها المجتمع الأردني.

وإذ تحتلّ هذه المسألة حيّزاً واسعاً من اهتمامات الكاتب، فإنه ينجح إلى جانب ذلك، في بناء عالم قصصي شديد الثراء والحيوية كما في قصة «الجولة الأخيرة»، وينجح في «ضيوف ثقال الظل» في المزج بين ما هو واقعي وفوق واقعي دون أن تختلّ سيطرته على أدوات القصّ والتشخيص الحسّي للوقائع، ويتقدّم بعدئذٍ خطوة أخرى في ولوج عالم غرائبي، وذلك انطلاقاً من عالم واقعي، وتأسيساً عليه، كما في قصة «ضجيج»، وذلك بالتكثير من وجود سمّاعات التنبيه وانفجارها بالرنين دفعة واحدة، ولئن بدا ذلك غير واقعيّ إلا أنه لا يصعب العثور على سند أو مسوّغ له في الواقع، وذلك لما قد يتسبّب به رنينُ ساعة منبّه واحدة من ضجيجٍ ناجمٍ عن التداعيات التي يولدها الرنين في الرأس والنفس.

ويبرع العقيلي في قصص أخرى مثل «هزائم كبيرة.. هزائم صغيرة»، في ملامسة عالم خشن وبارد وزاخر بالأفخاخ والمحظورات.. وحيث تنعكس الهزيمةُ الكبيرة، كهزيمةٍ شخصية، تُلقي بظلالها الكآبية على نفس شاب غضّ ما يزال على مقاعد الدراسة الجامعية.

تجارب الأجيال الجديدة تطبع أجواء هذه المجموعة المتميزة، وبما يجعلها شهادةً فنية رفيعة على أزمة ومطامح جيلٍ بأسْرِه.

صفحة 3

الرأسُ والمرآة

إنّها رأسي؛

الوجهُ الناحلُ الذي ورثتُهُ عن جدّي لأبي، العينان المغروزتان في أعماقِه، الأنف المضغوط الباسط قاعدته فوق أرجاء وجنتين ضامرتين، والفم الممتدّ حتى أطراف الأذنين المنكمشتين بعيداً..

بالتأكيد إنّها هي.. رأسي التي أعرفها جيّداً؛

الشَّعْرُ المتجعّد بخصلاته المتماوجة كيفما اتّفق، الجبهة المفلطحة التي تضيق عند حدود الحاجبين، والندبة السوداء التي تزيِّن حنطةَ خدّي الأيسر.

نعم، لا أشكُّ في مقدرتي على معرفتي -أقصد معرفة رأسي-، فما زلتُ أذكرُها تماماً بكامل بُؤْسِها الذي رأيتُها فيه آخر مرّة..

هل مِن أحدٍ غابت تفاصيلُ رأسِهِ عن ذهنِهِ يوماً ما؟ هل من شخصٍ ينسى ملامحَهُ؟ حتّى أولئك الموغلون في السنوات يَذكرونَ وجوهَهم العتيقةَ التي لا تفتأُ تشي بتاريخٍ فائضٍ بالأحداث والصُّوَر والتفاصيل كبيرها وصغيرها.

***

إنّها رأسي.

بدا الأمرُ غريباً إلى الحدّ الذي لا يمكنُني فيه أن أستوعبَه.

صباح أمسِ رأيتُها في مواجهتي، تُطلُّ علَيَّ من فضاء مرآةِ الحمّامِ الدائرية ذات الإطار البلاستيكي المُزركش.

أمعنتُ فيها كعادتي، ورفعتُ حاجبَيّ مرّات عِدّة. شذّبتُ ما شذّ من شَعْرهما. سبَّلتُ جفنَيّ؛ دكونَةٌ ما تُلوِّنُهما. إنّه الأرق. ابتسمتُ، فابتسمتُ. أعني ابتسمَ الذي يقابلني. أزَحتُ رأسي إلى اليمين، ففعلَ البغيضُ مثلي.. وحين عبستُ في وجههِ، لم يتوانَ عن العبوس في وجهي بكثيرٍ من الشّماتة. حينها راودتني رغبتي التي بدأتْ منذ ثلاثين عاماً ونيّف وما زالت عصيّةً على التحقّق؛ أنْ ألعبَ «الكُمُستير»[*] مع قريني؛ أغافله وأمسك به.

مددتُ لساني، ثُمَّ أعدتُهُ إلى فمي بلمْحِ البصر، توقّعْتُ ألاّ يفطنَ لحركتي هذه، لكنّه كرّرها بحذافيرها. بصقتُ في وجههِ حَنقاً، فَردّ الصّاعَ صاعَين، حتّى شعرتُ أنّ وجهي تَعكّرَ بسائلٍ لزج.

لَكَمْ كرهتُ هذا النِّدّ الذي لم أحمل أُلفةً تجاههُ منذ معرفتي به.

صفحة 4

المهمُّ أنني الآن في مواجهةِ رأسي. بدت فكرةً فانتازية كلّما أمعنتُ فيها قادتني إلى ضفاف الجنون. رأسي معروضةً للبيع في حانوتٍ قديم. رأسي التي أستطيعُ تمييزها من بين ملايين الرّؤوس، تنتظرُ من يشتريها. يا لها من «مسْخَرَة».

تذكّرتُ المرآةَ التي كم تمنّيتُ أن أنسحبَ من محيطها تاركاً صُورتي فيها. كم حاولتُ أنْ أمضي بينما رأسي محاصَرةٌ بإطارها البلاستيكي، ولكن!

عندما لاحَ لي هذا الخاطرُ بدوتُ أكثرَ تقبُّلاً لِمَا يدور حولي؛ فما الفرقُ بين أن أتركَ رأسي في المرآة، وبين أنْ تُزيِّنَ واجهةَ حانوتٍ قديمٍ يكتظّ بالتُّحَف. هكذا قُلتُ لي مقرّراً مواصلةَ مشواري الذي خرجتُ لأجلهِ. لكنّني تراجعتُ.. تفرَّستُ في رأسي مرّة أُخرى؛ كانت تكتسي ملامحَ صامتة؛ الفمُ يتّخذُ خطّاً مستقيماً بانحناءةٍ بسيطةٍ عند طرفَيه، والعينان تُحملقان فِيَّ بحياديّة كأنّني لستُ بصاحبِهما.

إذن، كيف وصلتُ إلى هنا دون رأس؟ من غير المعقول أن يحدثَ هذا. كان صباحاً طبيعياً، ألقيتُ فيه التّحيّةَ على «أبو العبد» و«سعيد» والآخرين في الحارة، وكلُّهم ردُّوا بأحسنَ منها. لو كنتُ مبتورَ الرأس هل كانوا سيفعلون؟ من المستحيل أنْ أحادِثَهُم بلا لسان. وقد رأيتهم بأمِّ عيني، فهل كنتُ حقّاً بلا عينين؟

لِمَ لا أتأكّد من ذلك! رفعتُ يدي إلى رأسي فوق عنقي أتلمّسُها، فَتنفّستُ الصّعداء حين وجدتُها تتربّع على عرشِ عنقي.

***

لكنّني أقفُ أمام رأسي، وأجزمُ إنْ كان ثمّة رأسٌ تشبهها إلى هذا الحدّ؛ المطابَقة. كما أنها من لحمٍ ودم، فالتَّغضُّناتُ التي ترسمُ ملامحَها حقيقيّةٌ، ورغم ما يتبدّى من جمودٍ فيها، فإنّ الرموشَ تتحرّك جيئةً وذهاباً كما لو كانت حيّةً.

راعَني أنّ ثمة رأسيَن: واحدة فوق عنقي، بينما ترتكز الأُخرى فوق قاعدةٍ مخمليّةٍ يُضفي عليها اللونُ الخمريُّ هالةً من قداسة.

«أيُّ مُصيبةٍ تلك التي أنا فيها؟»، ثم استدركتُ كمن فطنَ إلى حلٍّ سحري: «لِمَ لا أقطع الأمرَ من دابرهِ، وأستفسرُ عن تلك التي في الحانوت؟».

لا أعرف لِمَ استعدتُ مشهدَ مرآتي تتشظّى حين رشقتُها ظُهرَ أمس بالصّابونة لأنها لم تَرُقْ لي إذ رمقتُها من بعيد! ولتقاعسي عن شراءِ مرآةٍ جديدة، لم أمارسْ هوايتي مع قريني هذا الصّباح. حتّى إنني غسلتُ وجهي وحلَقتُ لحيتي اعتماداً على ذاكرتي، فثباتُ شكلي منذ سنين لا يُنبئ أنّ ملامحي ستتغيّر فجأة!

***

تمنّيتُ تحطيمَ الزّجاج الذي يفصلني عن رأسي مثلما فعلتُ أمس بالمرآة، غير أنّي ما لبثتُ أن اسْتسخَفتُ الفكرة، وقرّرتُ أن أدخلَ الحانوتَ كأيّ زبونٍ، وأسألَ عن ثمنها، فرُبَّما أشتريها، ورُبَّما حين ألمسُهَا، تألَفُني، أو تتذكّرني، فأسترِدُّني دون عناء!

لكنّني سرعان ما انتابتني خيبةٌ عندما انعطفتُ نحو البابِ في الطَّرف الآخَر فوجدْتُهُ مُغلَقاً. استطلعتُ المكانَ بحثاً عن أحدٍ، فما كانَ غير السّكون يلفُّ أرجاءه. ثم الْتَفتُّ إلى رَجلٍ يقف أمام بقالةٍ يفصلها عن الحانوت أمتارٌ قليلة، بدا من نظراته المُصوَّبة تجاهي كأنّه يتتبَّعُني. حيَّيْتُهُ، فتلعثمَ وارتبكَ، فارتبكتُ مثلهُ، وقبل أنْ أتفوَّهَ بحرفٍ بادرني بنبرةٍ متحسِّرةٍ وهو يدير ظهرَه ويمضي بعيداً: «مسكين.. عاشَ غريباً، وماتَ غريباً، لمْ يترك وريثاً ليفتحَ أبوابَ المحلّ بعده.. دُنيا!».

صَعقتْني كلماتُهُ، وأصابتني بالكآبة. وبعد طولِ وجومٍ، اشتريتُ مرآةً دائريةً صغيرةً من دكان مجاوِرة، ووضعْتُها في جيب سترتي. وحين انزويتُ عن الأنظار قليلاً، أخرجتُها، وبحثتُ عنّي فيها، بحثتُ جيّداً، فلمْ أجدْني. لم أجدْ رأسي. مدَدتُ يدي مرّة أخرى أتحسّسُ تضاريسَها، فأدهشني استقرارُها فوقَ عنقي.

هرولتُ إلى بيتي أتأرجحُ كَبُندول، ودوارٌ عنيفٌ يبعثرُني على الطُّرقات، ويحيلُني إلى كتلةٍ من فوضى. عند مدخل الحارة، ألقيتُ التّحيةَ على «أبو العبد» و«سعيد» والآخرين، فردُّوا بأحسن منها..

كلُّهم عرَفُوني، إلاّ أنا.. يا للحسرة، لَمْ أعُد أعرفُني!

صفحة 5

ضيوفٌ ثِقالُ الظلّ

رغم النتائج، كان الأمرُ يتطلّب قراراً جريئاً كهذا، فما عدتُ أحتملُ الفوضى في أركان حياتي التي أسعى أن تكونَ دائماً في أفضل حالات ترتيبها.

كان لا بُدَّ أن أتخلّصَ من أولئك الكثيرين الذين عرفتُهم، وأطردهم من بين أوراقي التي يسكنونها رغماً عنّي منذ سنين؛ أكنُسُ ذاكرتي من بقايا أسمائهم، وملامحهم، وألقابهم، وأرقام هواتفهم، لأُعِيدَ تأثيثَها من جديد، كما أحبّ وأشتهي، بعد أنْ خلقَ وجودُهم في داخلي زحاماً لا يُطاق.

قبل أعوامٍ أربعة من الآن، لم تكن ثمّة مشكلة من هذا النوع في حياتي. فأصدقائي الذين لم يتجاوز عَدَدُهم أصابعَ اليدين مجتمعةً، كانوا من أبناء قريتي -كان لديّ أصدقاءٌ حقيقيّون!- وكُنّا نلتقي بعد الغروب دون مواعيد مُسبقة. وحين يغيبُ أحَدُهم، فَمِن اليسير الوصولُ إليه، إذْ لا تحتاجُ المسافةُ بين بيتي وبيتِ أبْعَدِهم عنّي من الزّمن سوى خمس دقائق، لذا لم أكُن مضطرّاً إلى حملِ أرقام هواتفهم، أو حفظها، أو تذكُّرِها، إن كان لديهم هواتف أصلاً.

بعد ذلك، وجدتُ نفسي في وسطٍ مختلف -بِحُكمِ العمل- ليس فيه من بساطةِ القريةِ شيءٌ. وسط مليء بعلاقات رديئة، ومجاملات احتَجْتُ كثيراً من الوقت -في بادئ الأمر- حتّى تفهَّمْتُها. فكان أبرزُ استحقاقاتِهِ عَلَيّ أنّني صرتُ أحملُ في جيبي دفتراً صغيراً، أُدَوِّنُ فيه الملاحظات الطارئة، ومن ضمنها أرقام هواتف الأشخاص الذين تعرَّفتُ إليهم في ظروف مختلفة، ولأسباب متعدّدة.

من هؤلاء من أصبح صديقاً لي في ما بعد، ومنهم من ارتبطتُ معه بعملٍ آنيٍّ أو دائم، ومنهم من أجبرني على تسجيل رقمه كي أُهاتِفَهُ لاحقاً، مع علْمهِ أنّني لن أفعلَ ذلك، وثمّة أرقامُ هواتفَ لآخرين لم أتّصل بهم البتّة، رغم الجهد الذي بذلتُهُ في الحصول عليها من غيرهم لِدَوَاعٍ لم أعُدْ أذكُرُها الآن.

لكنّ الدّفترَ امتلأ بالأسماء والأرقام والملاحظات في فترة قياسيّة، وبَدوتُ كما لو أنّني أشتغل في «العلاقات العامّة»، ما دعاني إلى التفكير في تجديده.

قرّرتُ تخصيصَ دفترٍ للملاحظات، وآخر لأرقام الهواتف، سرعانَ ما ضاقَ بدائرة معارفي التي كانت تتّسع كنارٍ في الهشيم، فاشتريتُ دفتراً ثالثاً. وتكرّرتْ هذه العملية لاحقاً، حتّى اكتشفتُ أنّني أقتني في جيوبي سبعةَ دفاتِرَ محشُوَّة بالحروف والأرقام، ما من أحدٍ رآها أو اطّلعَ عليها إلاّ واعتقدَ أنّني رجلٌ مُهمٌّ، مليءٌ بالمشاريع، وأنّ لي امبراطوريةً من الأصدقاء.

ولأنّ الدفاتِرَ أصبحت تعيقُ حركةَ يدي كلّما مدَدْتُها إلى إحدى جيوبي، فقد آثرتُ نقلَها مجتمعَةً إلى الدُّرج الأخير من طاولة مكتبي، أعودُ إليها بين الحين والآخر باحثاً عن رقم هاتف أحتاجُهُ من بينها. وقد استوجبَ ذلك قضاءَ وقتٍ طويلٍ في التنقيب الذي يزيد من صعوبتهِ تلك الأرقام التي لم أُسَجِّل إزاءَها سوى المقطع الأوّل من أسماء أصحابها، غافلاً عن كتابة أسماء عائلاتهم، فضلاً عن أرقامٍ كنتُ أعثُرُ مقابلها على رموزٍ وإشارات مختلفة، أغلبُ الظَّنِّ أنّني دوّنتُها بهذا الشّكل كيلا يتعرّف إليها أحدٌ غيري.

صفحة 6

وحدثَ مرّةً أنْ حاولتُ إحصاءَ عددِ الذين تزدحمُ بهم أروقةُ دفاتري، لكنّني تراجعتُ، مُبَيِّتاً في نيَّتي أن أقتنيَ دليلَ هاتف وطنيّاً، يُريحني من علاقتي الشّائكة بالدفاتر، ثمّ أقلعتُ عن تلك الفكرة عندما علمتُ أن طبعةَ الدّليل المتوفّرة في السوق قديمةٌ، ولا تفي بالغرض.

هذا ما دعاني إلى اتّخاذِ قرارٍ من نوعٍ مغاير، أُخَفِّفُ فيه وطأةَ شعوري بسطوة الحضور الطّاغي للآخرين في حياتي، غير آبهٍ بما قد ينتج عن ذلك من عواقب.

ذلك أنّني كنتُ كلّما لجأتُ إلى الدفاتر أنبُشُ فيها بحثاً عن رقمِ شخصٍ لأهاتفه، أضطرُّ إلى قراءة الأسماء جميعاً، لعدم ترتيبها ألفبائياً أو أبجديّاً، وكلّما مَرَّ من أمام ناظري اسمٌ، يستوقفني ويوقِعُني في شَرَكِ الماضي.. ذلك الذي كَمْ أقْنَعتُ نفسي أنّني تجاوزتُهُ، وإلى الأبد، لكنّني سرعان ما أنقادُ إليه قَسراً، وعلى غفلةٍ منّي، كلّما عَنَّ لَهُ ذلك.

ففي ما بعد، أصبحتُ أشعرُ كأنّني أستحضرُ عبرَ دفاتري، أرواحَ الغائبين عني والمغيَّبين، فيَمُرُّون في ذاكرتي، واحداً واحداً، بتفاصيل ومن دونها. أُجهدُ نفسي في تذكُّرِ معظمهم جيّداً، أو نسيانهم تماماً، لكنّهم يأبون، ويظلّون مُعَلَّقين بينَ بين، خصوصاً أولئك الذين لم أعُدْ قادراً على الاهتداء إلى ملامحهم بوضوح، لتبقى علاقتي بالأسماء فقط وقد غابَ أصحابُها. علاقةٌ باردةٌ، جافّةٌ، محايدةٌ، تُصيبُني بصداعٍ لا يزول إلاّ بإغلاق الدفاتر ودَفْنِها بين أوراقي هرباً من عالمها «السُّفلي».

لأعترفَ أنّ حالةً من الكآبةِ بدأتْ تُعَكِّرُ صَفْوي، وخليطاً من الخوف والقلق صار ينتابُني، كلّما أجبَرَتني الظروفُ على الاقتراب من الدّفاتر. فَمُجَرَّدُ التفكير في أنّ أشخاصاً بهذه الكثرة يعيشون معي تحت سقفٍ واحد، وينتظرون أن أفتحَ البابَ بحثاً عن أحدهم لينتشروا جميعاً في محيطي، أمرٌ يدعو إلى الضيق، خصوصاً أنّهم في معظمهم لا يعرف بعضُهُم بعضاً. بل حتّى إنّهم يختلفون -من النّقيضِ إلى النّقيض- في الأمزجةِ والرّغبات والنّوايا والأعمار، وليس يجمعهم هنا سوى حفَّار قبورهم: أنا. فلولا معرفتي بهم، ومعرفتهم بي، ما كانوا التقوا بهذه الفوضى بين دفاتري التي بدا الدُّرجُ الذي يُخفيها قمقماً يحبسُ خلف بابِهِ قبيلةً من العفاريت.

تخيَّلْتُ المشهد: لو أنّ صبايا المدينة اللّواتي كذبتُ عليهنّ طيلةَ معرفتي بهنّ، فادّعيتُ لكلِّ واحدةٍ أنّني لا أعرفُ سِواها، يلتقينَ هنا، كما تلتقي أسماؤهنّ وأرقامُهنّ في حضرتي، ليكتَشِفْنَ مقدارَ خيانتي وخداعي الذي حكْتُهُ جيّداً.

خلاصةُ الأمرِ أنّني سئمتُ السّاكنين غير المرغوب بهم، وصار حلمي أنْ أعودَ كسَابقِ عهدي في القرية، حيث قلَّةٌ من الأصدقاء الحقيقييّن. ولهذا أؤكّدُ للمرّة الأخيرة: كان الأمرُ يتطلّبُ قراراً جريئاً كالذي اتَّخذْتُهُ، لأتخلَّصَ من الضّيوف ثقالِ الظِّلّ الذين سكنوا أوراقي أربعة أعوام، وأرهقوني في حشْرِ أنوفهم في حياتي والتّطفُّلِ علَيَّ من دون استئذان.

جمعتُ الدّفاترَ. لم أشأ أن أُقلّبَ صفحاتها لأُوَدِّعها الوداعَ الأخير. ينبغي أن أُقْصيها بِمَنْ فيها عن حياتي. سأُعيدُ ترتيبَ ذاكرتي كما أشتهي بمنأى عن تأثيرها.

صفحة 7

ستكونُ مذبحةً بلا شَكّ. سَتتِمُّ مراسمُ الدَّفنِ من دون صَخب، من دون موسيقى، أو إطلاق إحدى وعشرين طلقة من المدفعيّة.

لم يَعُدْ هناك متّسعٌ للتّراجُع. حسمتُ أمري، وعقدتُ العزمَ على ألاّ أندمَ أو أشعُرَ بأسفٍ أو تأنيبِ ضمير، وقضيتُ على صوتٍ تململَ في داخلي يطالِبُني بالوفاء، ويذكِّرُني بأنّني إنّما أقتلُ أصدقائي.

أغمضتُ عينَيّ، وألقَيتُ الدفاترَ في النّار بلا رأفةٍ، بعد أن تماسكتُ جيّداً كيلا ترتجف أصابعي النّاحلة. فَعلتُ ذلك تماماً، كما كان سيفعلُهُ «روبوت» لو أُمِرَ بذلك، وإذْ بدخانٍ كثيفٍ شبيهٍ بالذي رأيتُهُ يخرج من مصباح علاء الدين في أحدِ أفلام الرسوم المتحرّكة ينبعثُ في فضاء الغرفة مُكَوِّناً شكلاً ضبابيّاً، ثمّ يواصلُ امتدادَهُ عبر الباب إلى أرجاء البيت.

تراجعتُ إلى الوراء لأتَبَيَّنَ ملامحَهُ التي بدأتْ بالاتّضاح شيئاً فشيئاً، فشاهدتُ بأُمّ عيني أشخاصاً أعرفُهُم، وآخرين لا أعرفُهُم، وأولئك الذين لا أذكر أين ومتى وكيف التقَيْتُهم. شاهدتُهُم جميعاً يتناسلون من الدّخان ويحيطون بي، يحاصرونَني بأجسادهم الأثيرية من دون رحمةٍ بي أو شفقةٍ علَيّ.

في ما أذكرُ، اضْيَقَّ المكانُ وأنا أحاولُ اختراقَ الجدار الذي اصطَدَمَ به ظهري، هرباً من ضرباتٍ موجعة فوق كلّ شبرٍ من جسدي، بينما قهقهاتٌ شامتة، تعلو..

وتعلو..

وتـ..

ـعـ..

ـلـ..

ــو.

صفحة 8

هزائمُ صغيرة.. هزائمُ كبيرة
(1)

كَكُلِّ مساء، يتَّجهونَ إلى اليمين ويغيّبهم الزّقاقُ المُعتم، بينما تقودُكَ خُطاكَ نحو «اليسار»، ثمّ تلتقونَ آخر اللّيل في البيتِ نفسهِ.

يحدِّثونكَ عمَّا حَظُوا به من دفءٍ وقد عادوا مُنهَكين، وفي الغالبِ يتهامسون مُحاولينَ إثارة شهيّتكَ. تصطنعُ الانشغالَ عنهم، وتَنْكَبّ على الكتابِ الذي تحضنُه بحرص. يتضاحكون ويرمونك بسهام السخرية، وحين ينامون لا تنام.

صفحة 9

(2)

ضجَرٌ شاسعٌ يجتاحُكَ، وكآبةٌ أيضاً. لا تَفهَمُكَ غادَةُ -على غيرِ عادَتها-، ولا تَفهَمُها. هذا الصّباح أشَحْتَ بوجهكَ عنها، فصرخَتْ مُتوسِّلةً: «ليسَ ذنبي أنّ عملَ أبي يتطلّبُ منهُ ذلك».

تركْتَها، ألْقيتَ سيجارتكَ على الرّصيف، ومضيْتَ خارجاً من الحَرمِ الجامعيّ.

تجتازُ ميدانَ جمال عبد الناصر صوبَ شارع الاستقلال. تتأمّلُ اللافتات المُلَوَّنة على جانِبَيهِ: مطعم الحُرِّيَّة، مكتبة جيفارا، سوبر ماركت النّصر، مخيطة الثَّورة. تتساءلُ عن سرِّ شغفِ النّاس بهذه الأسماء والشِّعارات وقد حنَّطها التّاريخُ، وفرَّغها من أرواحِها، وتفكِّرُ في الكتابةِ عن هذه الظّاهرةِ «المُزمنة» التي تفشَّتْ في الآونة الأخيرة أكثر من أيّ وقتٍ مضَى.

يقودُكَ لاوعيُكَ إلى حيٍّ شعبيٍّ ينزوي في قاع المدينة، لم تطأهُ قدماكَ من قبْل. تتذكَّرُ هنا مقُولةَ أحدِ الرِّفاق: «إذا أردْتَ أن تتعرَّف إلى الحياةِ على أُصولِها، فَزُرْ حيَّاً شعبيَّاً على هامشِ المدينة».

تتوغَّلُ في طُرُقاتهِ الضَّيِّقة، وأزقَّتهِ المُلتوية. تُلاطفُ الأطفالَ الذين يسدُّونَ منافذَهُ، وتتمنّى لو تعود طفلاً لم يتورّطْ بعدُ في لعبةِ «الكبار».

صفحة 10

(3)

البيت.

تُخيفُكَ العتمةُ.

تُشعلُ الضّوءَ، تتركُ البابَ مفتوحاً، وتُلقي بحقيبتِكَ على المقعد القريب.

تدخُلُ الحَمَّام، تبتسمُ قليلاً وأنتَ تقرأُ على بابِه: «الكونغرس». تُتمتمُ مبتسماً: «اللّعنة عليهم! لقد حوَّلوا البيتَ إلى صندوقٍ من الطّرائف؛ المطبخُ مكتبٌ سياسيّ، وغرفةُ النَّوم مقرُّ (الكَولَسات)، والشُّرفةُ مركزٌ للمُراقبة».

تَخرجُ مِن الحمَّام. تضغطُ زرَّ المذياع: «.. وأكّدَ رئيسُ الوفدِ أنّنا لن نُوَقِّعَ قبل الحصولِ على جميع حقوقِنا..». تخلعُ حذاءكَ. تتثاءبُ بقرف. ترتديه مرّةً أُخرى، تُقرّر الخروجَ رغم النّعاس الذي يداهمُك.