eKtab
EN ع
فاتحة الألفية الثالثة وأسئلة تنتظر الجواب
اقرأ عينة مجانية

فاتحة الألفية الثالثة وأسئلة تنتظر الجواب

بقلم شاكر النابلسي

صفحة 1
-1-
 
 
حلَّت الألفية الثالثة على العرب قبل عشر سنوات· ومن الواضح، أن هذه الألفية، قد فاجأت العرب، وأدهشتهم، وربما أخافتهم كذلك·
فاجأتهم، وأدهشتهم، وأخافتهم، لأنها هجمت عليهم هجوماً ثقافياً ومعلوماتياً وتكنولوجياً·
فاجأتهم، وأدهشتهم، وأخافتهم، لأنها حملت لهم كماً من الإنجازات الإبداعية البشرية، ما لم تحمله قرون طويلة سابقة، كانت فيها المعلومة تحتاج إلى وقت طويل، لكي تصل من المرسِل إلى المرسَل إليه·
فاجأتهم، وأدهشتهم، وأخافتهم، لأنها أخبرتهم بمدى التخلف، والجهل، والفقر، الذي هُمْ فيه·
فاجأتهم، وأدهشتهم، وأخافتهم، لأنها أيقظتهم من سُبات عميق استمر عدة قرون، فكانت أقوى بكثير من الهزة الحضارية، التي أحدثتها حملة نابليون على مصر 1798·
صفحة 2
-2-
 
فبماذا قابل العرب، ممتطين نوق الدين·· كل هذه التحديات؟
قابلوها بكارثة 11 سبتمبر 2001، وبتحطيم برجي التجارة العالمية، رمز العولمة، والتقدم التكنولوجي، ورمز الحداثة، والليبرالية، والحرية· وحيث كان يعمل هناك أكثر من أربعة آلاف خبير وباحث وموظف، من أكثر من خمسين جنسية من جنسيات العالم·
ثم أتبعوا ذلك بتنظيم عشرات الميليشيات الإرهابية، لقتل وتدمير كل مظهر من مظاهر التقدم في فاتحة الألفية الثالثة· فكانت موجات الإرهاب المدمرة في العراق، ومصر، والسعودية، ومناطق مختلفة من الغرب·
فهل استوعب العرب والمسلمون الردَّ على إنجازات الإبداع البشرية، التي جاءت بها فاتحة القرن الحادي والعشرين؟
لا أظن ذلك··!
صفحة 3
-3-
 
في كتابنا هذا، نحاول من جديد، أن نُحضر العرب والمسلمين، ليقفوا أمام مرآة الألفية الثالثة لكي يروا في هذه المرآة وجوههم بوضوح· فشرحنا أسباب الانسداد التاريخي، وفشل التنوير العربي، ثم شرحنا، كيف يمكن أن يتم الانفراج من هذا الانسداد·
وفي أسئلة العرب، في فاتحة الألفية الثالثة، طرحنا بعض الأسئلة التالية، وحاولنا الإجابة عنها:
هل العرب آخر الإرهابيين؟
هل يعيش العرب الآن مرحلة ما بعد الأصولية؟
لماذا سيكون المستقبل العربي مظلماً وقاسياً؟
ما مستقبل المجتمع المدني العربي؟
الاستلاب العربي وصعود التفاهات···
فيروس الطائفية وكيفية القضاء عليه·
أما أسئلة السلام والديمقراطية في هذا الكتاب، فكانت:
لماذا كان السلام الدائم خرافة ووهماً؟
أسباب رفض إسرائيل الآن السلام العربي·
أسباب تعثُّر الديمقراطية في العالم العربي·
هل الديمقراطية عصيّة في الخليج العربي؟
أسباب العزف الأمريكي المنفرد للديمقراطية على الربابة العربية·
لماذا تراجعت المطالبة بالديمقراطية؟
لماذا خابت آمالنا في العراق الجديد؟
صفحة 4
-4-
 
ونلاحظ أن الإسلام في بداية القرن الحادي والعشرين قد اختُطف، وأصبح مطيَّةً، من قبل دعاة وجماعات الإسلام السياسي، الذين أرادوا تسييس الإسلام لخدمة أغراضهم، والوصول إلى السلطة· وهم بذلك قد وقفوا بموازاة العسكرتاريا في العالم العربي، التي اختطفت السلطة، وما زال الكثير منها في هذه السلطة· وفي باب الإسلام المُختَطَف ناقش الكتاب في العناوين التالية، كيف تمَّ اختطاف الإسلام؟:
فقهاء الأنوار وفقهاء الاجترار·
عودة الوعي الديني وتقدم الليبرالية·
الإخوان المسلمون: من العزاء إلى البلاء·
الإسلام السياسي ومعضلة الأصولية·
الإسلام والعقل في معركة الأفكار·
التكفير الديني والتفكير السياسي·
علاج الإرهاب في (ثلاثة فناجين من الشاي)·
صفحة 5
-5-
 
إضافة لذلك، ففي الكتاب أبواب مختلفة تطرح، وتناقش، سبب منع المتاجرة بالشعارات الدينية، ومنها ما قامت به مصر، من منع شعار الإسلام هو الحل في الانتخابات التشريعية التي جرت في 2010· كما ضمَّ الكتاب الإجابة عن سؤال: لماذا العلمانية؟ وإجابات عن أسئلة حول الدين والعلمانية· ونؤكد دائماً، وفي فاتحة الألفية الثالثة، أن العرب - كباقي شعوب الأرض - بحاجة إلى آباء سياسيين مؤسسين، لتحقيق الحداثة، والليبرالية· فكلتاهما مطروحة على قارعة الطريق، وتحتاج إلى من يجمعها·
شاكر النابلسي
مارس2011
صفحة 6
الانسداد التاريخي وفشل التنوير العربي
 
-1-
 
هاشم صالح المفكر السوري المقيم في باريس، جنباً إلى جنب مع المفكر الجزائري الراحل محمد أركون،(1)له أهمية كبيرة، وخاصة في مسيرة التنوير الفكري العربي المعاصر· فقد وقف هاشم صالح حياته وجهده على ترجمة كُتب محمد أركون - الذي يكتب بالفرنسية - إلى العربية، والعربية المُيسَّرة· وهذا هو المهم بالموضوع· فهاشم صالح، لا يُعتبر مجرد مترجم لأعمال محمد أركون، ولكنه شارح له، وميسِّر لكتاباته، بحيث يستطيع القارئ العادي، أو قارئ الصحف أن يقرأها، ويفهمها· وهذا ما نحتاجه لنشر أفكار التنوير، والإصلاح، والليبرالية· فيجب أن نكتب لغة للعامة· فالخاصة تعلم جيداً ماذا سنقول، ولا حاجة لها بنا، وبقولنا· ولكن المهم كل الأهمية أن نكتب للعامة وهي الطبقة التي يسيطر عليها الأصوليون من رجال الدين، ويعتبرونها وقود نيرانهم· ويجب أن نُخاطب العامة ببساطة اللغة نفسها التي يُخاطب بها رجال الدين الأصوليون طبقة العامة· ولعل سرَّ انتشار أفكار طه حسين التنويرية، والأثر الكبير الذي تركه في العامة وسواد الناس، أنه كان مفهوماً جداً وبسيطاً جداً في لغته الموسيقية الجميلة في القرن العشرين· واستطاع بهذه اللغة الجميلة، أن ينقل للعامة فكره التنويري والحداثي الليبرالي· وكان الشيخ خالد محمد خالد من مدرسة طه حسين الأسلوبية كذلك، وهو سر الانتشار الكبير لأفكاره كذلك· وهذه اللغة هي ما نفتقده الآن في المفكرين التنويريين العرب، وخاصة في مفكري المغرب العربي، الذين يفكرون بالفرنسية، ويكتبون بالعربية، فتخرج أفكارهم يونانية لا تُقرأ، كما سبق وقال طه حسين نفسه شاكياً من عدم فهم بعض المفكرين الذين كانوا يكتبون في عصره·(2)ولعل عسر لغة معظم مفكري التنوير العربي في هذا العصر، واحد من أسباب الانسداد التاريخي، وفشل مشروع التنوير في العالم العربي إلى الآن· لذلك، كانت مهمة هاشم صالح، في ترجمة وشرح أفكار محمد أركون التنويرية، مهمة صعبة، ومهمة جداً في الوقت نفسه· فمن الصعب أن تكتب بأسلوب بسيط· ولكن من السهولة بمكان أن تكتب بأسلوب صعب· والصعوبة بالنسبة للكتَّاب كانت في البدء·
أما السهولة، فهي المعاناة الكبيرة·
صفحة 7
-2-
 
وهاشم صالح (ابن رشد المشرقي)، يُعدُ بمثابة ابن رشد المغربي (1126-1198م) في الأندلس، الذي قام بترجمة أعمال أرسطو المعلم الأول وشرجها· ولم تقتصر مشاركة هاشم صالح في مسيرة التنوير العربي المعاصر على ترجمة أعمال أركون وشرحها، ولكنه إلى جانب ذلك، وانطلاقاً من دراسته العميقة للفكر الغربي في ماضيه وحاضره، ودراسته العميقة للفكر العربي في ماضيه وحاضره أيضاً - وهذه هي الأدوات اللازمة لشرح أعمال أركون - كتب عدة كتب مهمة في مسيرة التنوير العربي المعاصر منها : معضلة الأصولية الإسلامية، ومدخل إلى التنوير الأوروبي، وكتابه الأخير الانسداد التاريخي: لماذا فشل التنوير في العالم العربي؟، وغيرها·
صفحة 8
-3-
 
ما هو الانسداد التاريخي في العالم العربي؟
ولماذا فشل التنوير في العالم العربي، بينما نجح في أوروبا، وأمريكا، واليابان، وكوريا الجنوبية، وتركيا، وبعض البلدان في آسيا كسنغافورة وغيرها، وفي بلدين عربيين قديماً في مصر على يد محمد علي باشا(1769-1849)، وحديثاً في تونس على يد الحبيب بورقيبة (1903-2000)؟
دون الذهاب بعيداً في أعماق التاريخ العربي والأوروبي، ودون تفاصيل كثيرة عن أسباب الانسداد التاريخي العربي، والانفتاح التاريخي الأوروبي، يمكن لنا أن نلخِّص أسباب هذا الانسداد، وبالتالي عوامل الانفتاح بالحرية الفكرية التامة· متى حضرت حضر الانفتاح، ومتى غابت وحلَّت محلها الحقيقة المطلقة الواحدة، والعقيدة الحقيقية الواحدة، والرأي الواحد، واللون الواحد، كان هناك الانسداد التاريخي، وهو ما نعاني منه في العالم العربي، بعد القرن الثاني عشر الميلادي، وهو القرن الذي عاش ومات فيه ابن رشد، آخر الفاتحين الفكريين العرب· وبعد هذا التاريخ، سقطت الإمبراطورية العباسية 1258م، وظهرت في العالم العربي عهود الطوائف، كالأدارسة في المغرب (788-974م)، والأغالبة في شمال إفريقيا (800-909م)، والطولونيون في مصر (868-905م)، والأيوبيون في مصر والشام والعراق (1171- 1342م)، والمماليك في مصر، وبلاد الشام، والعراق، والجزيرة العربية (1250-1517م)، والمرابطون في المغرب (1060-1147م)، والموحدون أيضاً (1147-1269م)، وغيرهم من الطوائف· ثم جاء الاستعمار العثماني للعالم العربي منذ 1517م عندما فتح السلطان سليم الأول الشام ومصر، وسقوط المماليك في معركة مرج دابق في نواحي حلب، واستمر هذا الاستعمار العثماني أربعة قرون (1517-1918) وبعد الحرب العالمية الأولى، جرى تقسيم العالم العربي كمناطق نفوذ واستعمار بين بريطانيا وفرنسا، وايطاليا كذلك· ولم يرحل الاستعمار نهائياً إلا عام 1971 من دولة الأمارات العربية المتحدة· فكان العالم العربي بذلك في سبات فكري عميق طيلة أكثر من ثمانية قرون (1200- 2000م)، خاصة وأن الخليفة العباسي المتوكل ( قفل باب الاجتهاد وقال: ما قرره الخلف لا يرفضه السلف وقد أدين غلق باب الاجتهاد من قبل الكثيرين، وكان من بينهم رجال دين، قالوا إن توقف الاجتهاد، أو قفل باب الاجتهاد، على الرغم من أنه اجتهاد غير ملزم، فإنه مناقض لخاتمية الشريعة، وخلودها، وتجديد فهمها في ضوء معطيات العصر، وتخاذل عن حمل أمانة المسؤولية، والمساهمة السلبية بفصلها عن الحياة من حيث الواقع، مهما كانت دعوانا عريضة، بأن الشريعة خالدة وصالحة لكل زمان ومكان، على مستوى الشعارات· وأعتقد أن مسوغات إغلاق باب الاجتهاد عند من اجتهد في ذلك، سدًا للذرائع بحجة فساد الزمان، وانعدام الأهلية، والخوف من دخول الساحة من قبل من يُحسن ومن لا يُحسن، ومن يملك المؤهل والشروط ومن لا يملكها، هو فوق كونه اجتهاداً يلغي اجتهاداً·)(3)
صفحة 9
-4-
 
كانت المنازعات الطائفية/السياسية هي المظهر العام في العالم العربي، من خلال عهود ملوك وسلاطين وأمراء الطوائف· كما كان العالم العربي في عزلة عما كان يدور في أوروبا، وخاصة قيام الثورة الفرنسية 1789 ، وأسبابها الفكرية، والسياسية· وكان العرب كذلك، طيلة وقوعهم تحت نير الاستعمار العثماني، معزولين عزلاً تاماً عما يدور في أوروبا من تطورات سياسية وفكرية ودينية خطيرة في القرن الثامن عشر، والتاسع عشر، وهما عصرا التنوير الأوروبي· ولم يقرأ العرب فكر التنوير قراءة جادة وواعية ومتأملة، إلا مؤخراً، وخلال النصف الثاني من القرن العشرين·
وهذا التموضع التاريخي، خلال القرون الثمانية الماضية، كان من أهم الأسباب للانسداد التاريخي·
صفحة 10
-5-
 
فإذا كان الأسلوب، وقفل باب الاجتهاد، وسيطرة الاستعمار، وخاصة العثماني على العالم العربي من عوامل الانسداد التاريخي، وفشل مشروع التنوير في العالم العربي، فإن هناك عوامل أخرى يبسطها لنا هاشم صالح في كتابه المهم الانسداد التاريخي، وفشل مشروع التنوير في العالم العربي على الوجه التالي:
1- أن ما يقود إلى التنوير والإصلاح، هو أن نفهم الدين فهماً صحيحاً، يتوافق مع العقل الحاضر، ولا يتناقض معه كما هو حاصل اليوم في العالم العربي، حيث تنتشر أفكار الشعوذة والسحر والعادات والتقاليد والخرافة والأساطير، على أنها من صلب إسلام الرسالة وهي في الواقع من إسلام بعض الفقهاء، ومن الإسلام التاريخيالذيدخلت عليه أفكار ليست من صلبه، ولا من أساسه· ولعل أفكار الشعوذة هذه وغيرها مما ذكرناه، هي التي تكوُّن اليوم التدين الشعبي،(4)الذي يقوده بعض الفقهاء، ويسلطونه، بواسطة العامة على أفكار التنوير، والإصلاح والليبرالية·
2- إن دين العقل - وهو الإسلام في كثير من جوانبه الإنسانية، وحرصه على تقدم الإنسان وسعادته - دين كوني، يشمل الجنس البشري كله· والعقل هو القاسم المشترك الأعظم بين البشر على اختلاف عقائدهم، ومذاهبهم· وأن إبراز الجانب العقلي في الإسلام هو العامل الأكبر والفعال لمزيد من الانتشار للإسلام· فقد انقضى عصر الفتوحات· ونحن الآن نعيش في عصر العقل، وإنجازات العقل وتحقيقاته، تحيط بنا من كل جانب· ولا بُدَّ أن نُخضع النصوص الدينية إلى التأويل العقلي، والمعاني المجازية، ونُبعد هذه النصوص عن التفسير الحرفي النفعي·