eKtab
EN ع
فازع شهيد الإصلاح في الخليج
اقرأ عينة مجانية

فازع شهيد الإصلاح في الخليج

بقلم د. أحمد عبد الملك

صفحة 1
انتقــــاموقفت (أم فازع) أمام الخيمة ترنو إلى الأفق المهاجر المتواري خلف جيوش السراب، متحاشية النظر إلى النخلة الميتة المنتصبة على مسافة مئة متر من الخيمة. غريب جداً أن تموت هذه النخلة في هذه المنطقة الحبلى بالآبار الارتوازية! لربما كانت النخلة حزينة على الفعلة الشنيعة التي أقدمت عليها (أم فازع) ذات يوم!. لقد قتلت طفلة لها وهي في المهد خوفاً من غضب (أبو فازع) الذي يكرهُ البنات جرياً على السجية الجاهلية للعرب. كان (أبو فازع) في رحلة إلى الحج، حيث يقضي قرب بيت الله النصف الثاني من رمضان من كل عام، وهذا ما يسمح لـ (أم فازع) أن تبرر سقوط حملها، ولربما لن يسألها عن ذلك نظراً لكثرة أبنائه وبناته.
الأفق البعيد يغري بالتأمل. (أم فازع) ممسكة بحبل الخيمة المشدود تترقب أية حركة في الصحراء. الهدوء يلف المكان، في أواخر الشتاء، حيث المناخ يجعل المكان ملائماً لفعل الحياة. ثغاء جَدي صغير في الزريبة الملحقة بالخيمة الكبيرة، ناقة شبقة تراود ذكراً عن نفسه. دجاجات (أم فازع) تكأكي مستحثة الديك المغرور بفحولته وتاجه المنفوش. نسمات عليلة تأتي من الشمال محملة برائحة نباتات الصحراء النديّة. الشمس ساطعة تلفح وجه الصحراء الذي لا نهاية له. وخيمة الخادمات الآسيويات صامته إلا من صوت راديو خافت يحمل أثير أغان أجنبية. اللاندكروزر البيضاء تربض أمام الخيمة مثل الحارس. وقعت عينا (أم فازع) على السيارة البيضاء. نازعتها نفسها أن تستقلها وتبتعد عن هذا المكان الذي غاب عنه الرجال.
إمراة تحمل في صدرها ضجر العالم كله، لا يرقّ لها قلب، ولا تغمض عيناها حتى وقت المنام، إنها في حالة استنفار دائماً! طولها يقارب المترين، صدرها كبير وناهض يقاوم إغراءات الأستار التي تضعها عليه. عيناها كما عيني صقر، أنفها معقوف كخنجر وعلى يمينه شامة سوداء واضحة. شعرها، رغم تجاوزها الستين، مازال طويلاً وتحتاج لوقت طويل حتى تسرّحه وتلفه خلف رأسها. كل شيء فيها يوحي بالغموض، خصوصاً صمتها الذي يضايق صمت الصحراء.
لم تجزع عندما جاء الحرس العسكري وأخذوا ابنها (فازع)، ولم يتحرك فيها أيُ شعور إنساني أو عائلي. لقد علّمها (أبو فازع) على القسوة وغلظة القلب. كانت عينا (فازع) على وجهها عندما اقتاده الحرس التابع للقاعدة الأمريكية إلى المجهول. لكنها لم تبد أي موقف سوى النظر لوجه (أبو فازع) الذي أخفى حزنه بمسح لحيته البيضاء بيده؛ وهو يتمتم "لا حول ولا قوة إلا بالله.. حسبي الله ونعم الوكيل".
هذا المخيم هو المكان الشتوي للعائلة. تداول عليه أجدادهُ منذ مئتي عام بعد نزوحهم الأول من وسط الجزيرة العربية. وبنوا فيه بيوتاً طينية، أصبحت خرائب بعد أن نزحوا إلى العاصمة. يأتي (أبو فازع) كل شتاء مع زوجاته الثلاث وأبنائه وبناته ليستمتعوا بجمال الطبيعة وليبتعدوا عن ضجر العاصمة (ذلول) وأصوات سياراتها وحافلاتها التي لا تكلّ عن المسير ليل نهار. تلك المدينة الرابضة على شواطئ الخليج العربي، المفعمة بالحركة والتجارة والصناعة؛ الجاذبة لرؤوس الأموال والاستثمارات من كل بقاع الدنيا، وكذلك الشركات والبشر من كل الأجناس والألوان منذ بدأ النفط يتفجر فيها مع بداية الثلاثينيات من القرن الماضي. ولولا المدارس لما سكن (أبو فازع) تلك المدينة! لقد كان عليه إدخال أبنائه وبناته المدارس، رغم عدم اقتناعه بذلك. وصار أن عيّرهُ إخوانه بالتخلف - لأنه كان يعارض إدخال بناته المدارس- ويعتمد على تجارة بائسة وتوسلات إذلالية شهرية عند ديوان الحاكم.
اختلف (أبو فازع) مع إخوانه على ميراث والدهم. وكان أن أوصلوا الأمر إلى المحاكم. ولما تم الحكم وأخذ كل أخ حقه من الميراث، توزعوا في الأرض. أحدهم ذهب غرب الصحراء الواسعة وتوارى عن الأنظار. الآخر (سلمان) اشترى بيتاً في لندن وعاش بعيداً عن دنيا العرب منذ السبعينيات، وعلّمَ أبناءَهُ خير تعليم. وحدهُ (أبو فازع) الذي تمسك بأرض أجداده وتأقلم مع وضعه الجديد في البلاد التي أخذت تنمو بسرعة غير متوقعه. وتستحث القادمين بشهوة غريبة وتفتح ذراعيها بل وساقيها لكل مدهش وجديد. أغرته المدينة الجديدة ففتح تجارة للأغذية وكانت تدرّ عليه أموالاً طائلة؛ لأن البشر لا يتوقفون عن الأكل.
تلفتت (أم فازع) يمنة ويسرة، ونادت على الخادمات ليبدآن في طهي طعام الغداء؛ ثم دخلت الخيمة بعد أن أشبعت ناظريها في اللاشيء! الخيمة عبارة عن غرفة نوم أنيقة بها سرير من خشب الزان القوي، عليه مفارش باللون البورغاندي وغطاء نصفه أبيض والنص الآخر ذهبي يغطي جزءاً من مخدتي ريش متدثرتين بغطاء أبيض. على الجدار عُلق مسدس واتكأت بندقية صيد عند الكوميدينو. ساقتها رجلاها إلى البندقية. لمستها بأطراف أصابعها وكأنها تسمع هاتفاً من بعيد:
"تتساهلين حتى في ضناك. (فازع) صار له ستة شهور محد سأل عنه! وين الأمومة؟ وين عواطفك؟ مثل ما قتلتي البنت البريئة تساهلتي مع (فازع) وما سألتي عنه! مات.. حي! قلبك صار أقسى من الصخر".
أشاحت بوجهها عن البندقية وطردت الهاجس الذي حاول فاشلاً ترقيق قلبها كي تتذكر (فازع). جلست على طرف السرير وهي تنظر بأسى إلى المخدتين العذراوتين المشتهيتين للمؤانسة؛ بينما تسللت يداها نحوهما. تناهي إلى سمعها هدير سيارة يأتي من خارج الخيمة. تنبّهت من شرودها. رفعت يدها بسرعة عن المخدتين واستدارت نحو باب الخيمة. اقتربت سيارة عسكرية أمريكية من باب الخيمة بعد أن خلفت وراءها سيلاً من الغبار المنفلت من تحت دواليبها القوية. نادت (أم فازع) إحدى الخادمات كي ترى ما الأمر؟
 
صفحة 2
بينما بقيت هي متوارية خلف باب الخيمة. ترجّل رجل أجنبي من السيارة، وتحدث بعربية مكسّرة:
- أين (أبو فازع)؟؟
ردّت عليه الخادمة بأنه غير موجود، وأن (أم فازع) موجودة.
زمجر صوت (أم فازع) من داخل الخيمة:
- منهو يبي (بوفازع)؟
تحدث الرجل بعد أن خطا خطوات حذرة باتجاه الخيمة، مصدر الصوت:
- أنا من القاعدة الأمريكية.. جئت أطمئنكم على (فازع). إنه بخير.
ران صمت قصير بين الرجل المنتصب خارج الخيمة - والهواء العليل يلعب بشعره الذهبي وسرواله الأسود - وبين (أم فازع) وكأنه دهر. تنحنح الرجل ونظر إلى الخادمة التي تبدو في حالة مزرية بعد أن قامت بتنظيف زريبة الدواب. نظر الرجل إلى الأفق وعاد من جديد يسترق السمع نحو باب الخيمة. هز رأسه دونما تعليق. تراجع خطوتين باتجاه السيارة، والصمت مازال مُصراً على عدم تجاوز شرف الخيمة. أعاد الرجل نظارته الشمسية الداكنه على وجهه واستدرك:
- حسناً.. أنا ذاهب. هل من رسالة إلى (فازع)؟
لم يأت أي جواب من الخيمة. تراجعت الخادمة مبتعدة عن السيارة التي بدأت تهدر. رجعت السيارة إلى الوراء وغابت في غبار لا نهاية له.
ظهرت (أم فازع) من الخيمة وتابعت السيارة السوداء المثيرة للغبار الكثيف وهي تتوارى نحو القاعدة الأمريكية. التقطت غصناً يابساً من عند باب الخيمة وجلست ترسم بلا هدي على الرمال! رسمت وجهاً ثم مسحته. ثم رسمت قمراً ومسحته. كتبت اسم (فازع) وعملت عليه علامة إكس. تذكّرت الصحافي (هذلول) عندما اختلف مع رئيس التحرير وأوقفوا مقالاته؛ حيث قال له رئيس التحرير: عملنا عليك إكس!؟ كان (هذلول) صديقاً لإبنها (فازع). وكثيراً ما دافع عنه إبان اعتقاله قبل ستة شهور وتعرّض لمساءلات عديدة، ثم أوقفوا مقالاته بدعوى أنه يتدخل في أمور أمنية تخصّ بالنظام ويعادي أمريكا. لكنه واصل اتصالاته مع المسؤولين من أجل إطلاق سراح (فازع).
تنبّهت (أم فازع) على صوت دجاجة قذفت من ورائها للتو بيضة وأخذت تكأكي! أخذها المشهد إلى يوم ولادتها لطفلتها (خمشة)، التي بدت مثل القمر، كاملة النمو، ممتلئة الجسم. لم تحتضنها – كعادة الأمهات – بل أدلت لها ضرعها دونما اهتمام، وبدأت الطفلة ترضع بلهفة. بعد يومين، وفي منتصف الليل وضعت (أم فازع) المخدة على وجه الطفلة وخنقتها!؟ في الصباح أخذت تولول وتدّعي بأن البنت قد ماتت! تراكضت الخادمتان السيرلانكيتان النحيفتان نحو الخيمة لتجدا (أم فازع) منكبة – في صورة مسرحية واضحة – وهي تبكي على الطفلة. وبردة فعل سريعة وصادقة أخذت الخادمتان تبكيان بحرقة وخوف، وتمسحان دموعهما الغزيرة بأيديهّن النحيفة كأقلام الرصاص. حاولتا الاقتراب من (أم فازع) ومسكتاها من كتفيها، لكنها نهرتهما – أيضاً بطريقة مسرحية – وعادت إلى البكاء، أو تمثيل البكاء.
توارت الخادمتان خارج الخيمة، وكأنهما شبحان يتراقصان داخل الجلابيتين الفضفاضتين. توقفت (أم فازع) عن النحيب المزّور. وألقت نظرة حاقدة على وجه الطفلة البريئة، حيث مازالت عيناها مفتوحتين. عندما انتصف الليل لفّت الطفلة في قماطها الأبيض وحملتها نحو الصحراء تحت النخلة اليابسة. تلفتت يميناً وشمالاً وبدأت تحفر حفرة كي تواري فيها الطفلة. بعد دقائق كان القبر قد أعد. ألقت الطفلة في القبر الصغير وأهالت التراب عليها دون أن يخفق قلبها بأي شعور أو أمومة. وضعت حجرين كشاهدين على القبر الصغير الذي لم يتجاوز طوله الأربعين سنتيمتراً، وعادت أدراجها إلى الخيمة وهي تمشي على أصابع قدميها. كانت الخادمتان تسترقان السمع وتركزان نظراتهما من خلال شق في جدار خيمتهما، حيث شاهدتا كل ما قامت به (أم فازع). كان الخوف والدهشة يسلبانهما قدرة الكلام!.
صفحة 3
انتصبت (أم فازع) وسط الخيمة الفسيحة. رافعة صدرها المتهدل بصورة واضحة وكأنها تريد استنشاق المزيد من الهواء، حيث بدت مؤخرتها الكبيرة تلامس جلابيتها اللاصقة على جسدها. كان ملفعها قد ارتخى قليلاً، فبرز جزءٌ من شعرها الذي تداومُ على صبغه باللون الأسود. تهاوت على أحد المساند في الخيمة تتقاذفها الأسئلة:
- لماذا أكره أولادي هكذا؟
- ماذنب هذه المسكينة البرئية؟
- ماذنب (فازع) الذي لا يسأل عنه أحد؟
- ماهذه العائلة الممزقة الحاقدة؟
الصمت يصادر وداعة المكان، والريح الخفيفة تعبث بذوائب حبال الخيمة المتفلتة، ووشوشات الخادمتين تتسلل متقطعة من الخيمة المجاورة. فجأة داهمت (أم فازع) صور الماضي. انتفضت وتفصّدت أعضاؤها عرقاً. بسملت وحوقلت وأعادت وضع ملفعها على رأسها، لكن صور الماضي حاصرتها بكل إصرار.
لم تكن هذه المرأة الصلبة القوية هكذا قبل ثلاثين عاماً! بل كانت إمرأة رائعة الجمال. تسابق عليها رجال القبيلة مذ كانت في الخامسة عشرة. ووصفتها النساء لإخوانهن وخوالهن؛ بل ولأزواجهن؛ جرياً على موروث التعدد المزعوم والذي تكسب فيه المرأة أجراً لو اختارت عروساً جميلة لزوجها؟! كانت عيناها تشعّان جمالاً خلف البرقع الأسود، لم تكن تعرف (الماسكرا) أو الكحل؛ ولم تكن تضع حمرة الخدود أو الشفايف. كان وجهها أخاذاً باستدارته ولونه الطبيعي. وكان أنفها الخنجري يزيدها هيبة وشموخاً. كانت شفتاها ورديتين ولم تك تحتاجان إلى تحديد – كما يفعل نساء اليوم - أو الأصباغ المتعددة، بل كانت حمرتهما طبيعية. نهداها كانا واقفين كأرنبين صغيرين مُتحفزيَن. ولم تكن بحاجة لأن تضع حمالات لترفعهما. الجزء الأسف من جسدها كان موقع الحسد ومؤئل الشبق كلما مشت في الأسواق أو ترجلت من باص المدرسة وتثنت وهي تدخل منزل أبيها في المدينة. لقد سرقت ألبابَ الشباب، بل إن أحدهم رسمَ لها صورة على جدار المدرسة وكتب تحتها (أحبك ياحلوة) مُبرزاً مؤخرتها الواضحة.
توحشت (أم فازع) عندما شاهدت ذات مساء صيفي – وهي في السادسة من العمر- والدها وهو يضاجع أختها الكبرى(شهدة) المطلقة من (وجع الشّري). كانت أختها تقاوم وتستغيث، لكن الوالد المتهور لم يتوقف قبل أن يصبّ ماءَهُ داخل ابنته. انتبه الوالد بعد أن قام يرخي ثوبه على خزيه لوجود ابنته الصغرى(أم فازع). رمقها بنظرة قاسية وتوارى إلى حوش المنزل. لم تتمكن (أم فازع) وقتها تحديد موقفها مما رأته. حاولت التقدم لمواساة اختها الجريحة، لكن عزيمتها خارت وانطلقت نحو غرفتها باكية. ومنذ ذاك الوقت حقدت على العالم كله.
اعتدلت أختها محاولة لملمة نفسها، وسترت جسدها ولمّت ساقيها المفتوحين؛ بينما كان ماء الخيبة و دم الغدر يتسلل من تحتها. كانت (شهدة) إمرأة فارعة الطول، ممتلئة بصورة فاحشة ومغرية، وكانت تتعطر باستمرار حتى عندما تكون في المنزل. حيث تترك عطرها يختال في كل ناحية تتجه لها. كانت تستمتع بالأغاني الراقصة، وكثيراً ما شاهدها أبوها وهي ترقص بعذوبة، وتترجرج خلفيتها ونهداها بصورة مغرية، رغم أن أمها رحمها الله كانت تنهرها دوماً عن هذه الأفعال المشينة وتدعو لها بالستر وحسن الختام.
اقتنعت (أم فازع) عندما تزوجت واكتمل عقلها أن أختها (شهدة) كانت تتعمد إثارة أي رجل، بل إنها كانت تخرج إلى حوش المنزل لتشاهد الرجال وهم يخرجون من المجلس بعد أن ينتهوا من غدائهم أو عشائهم، وكانت تتعمد أحياناً مناداة الخادمات حتى ينتبه لها الرجال!؟ لم يكن والدها طبيعياً في تلك الليلة الصيفية. فقد شمّت رائحة الخمر تحتلُ فِيه. واخبرتها بعد ذلك أختها (شهدة) أنه كان سكراناً وكاد يخنقها بعد أن اعتلاها، ولم يكن يلفظ اسمها، بل كان يهذي (تعالي يالحلوة.. تعالي.. أنا عطشان من زمان..) ولم يترجل عنها إلا عندما قضى وطرهُ منها.
منذ تلك الليلة اختلفت (أم فازع) وكرهت الدنيا، وحقدت على كل البشر. حتى زواجها من (أبو فازع) كان مقاربة اجتماعية أو حتمية قبلية لا أكثر!؟ فلقد ألزمها أبوها بالزواج من (حربي الصاعق) (أبو فازع) وهي في الثامنة عشرة من العمر. لم تكن لتقاوم تقاليد القبيلة. بل ولم تكن لتجرؤ على التحدث لأي كائن عما اقترفه أبوها بحق أختها المسكينة. ومع مرور الأيام أخذت تلك الصورة المؤلمة تنهش أعماقها وتزيد في كرهها للبشر. رغم أنها ولدت ولداً وبنتاً! شبَّ الولد (فازع) محباً للأخرين، حسن السيرة والسلوك، وأكمل تعليمة الجامعي بعيداً عنها. لكنها كانت تتحين الفرص لقتله! ولقد أنقذه أبوه عندما أخذه للعيش عند عمته في المدينة عندما شعر بجفاء العلاقة بينه وبين والدته، التي كانت تعامله مثل صبي المنزل. وإذ نجا (فازع) من الموت، فإن الطفلة أخته لم تنجْ، حيث حانت للأم فرصة الانتقام بقتلها عندما سافر (أبو فازع) إلى الحج.
لم تكن (أم فازع) إمرأة طبيعية. ولم يكن لها موقف من أي شيء؛ سوى كره الناس والحياة معاً! ولم يحاول زوجها ليأبه بتصرفات زوجته أو حياديتها في المواضيع التي يتطرقان إليها. رغم أنه يعاشرها المعاشرة الزوجية كما يفعل مع زوجتيه الأخريين!؟ لقد تفرغ (أبو فازع) لتجارة الأطعمة التي درّت عليه أموالاً كثيرة، ذلك أن علاقاته مع بعض النافذين في البلد أهلته ليكون الممول الرئيسي لأطعمة الجيش والحرس الخاص للملك. كما عرّفه أحد العسكريين على القائم على شؤون التغذية في القاعدة الأمريكية ودخل معه في شراكة، وأصبح له مصدر رزق كبير. القواعد الأمريكية تنتشر في هذه المنطقة منذ أكثر من مئة عام ، لكن هذه القاعدة لم تأت عبر اتفاقيات مع الحكومة، بل جاءت ضمن حملة لحماية الملك إثر حدوث انقلاب في المملكة قبل عشر سنوات، ولم تخرج حتى اليوم. اليوم يتلقى (أبوفازع) الدولارات ويفقد ابنه.
صفحة 4

ملك وشكوك

في قصر الملك تبدو الأمور دوماً متحفّزة. الأشخاص، الردهات، اللوحات، الستائر الذهبية التي تكسو الجدران من السقف وحتى الرخام الأرضي. تشعر وأنت تخطو في هذا المكان أن ألف كاميرا تتبعك، وألف عين تحرسك، حتى أنك لا تستطيع أن تلتفت يمنة أويسرة أو تحك أنفك أو استك؟! الرخام الطبيعي الضخم تحاذر أن تضغط عليه بقدمك، اللوحات العالمية الأصلية الضخمة – التي تصل قيمتها إلى الملايين من الدولارات – تأسرك باتساعها وغموضها وبراويزها الضخمة. صور والد الملك (الذي توفي إثر مرض عضال) تتوسط المجلس الذهبي، وتحتها الكرسي المُذّهب الخاص بالملك؛ والذي لا يقترب منه أحد إلا ومعه الحارس الخاص للملك، حتى عمال التنظيف لا يقتربون منه إلا بوجود الحارس. إنها احتياطات أمنية يعرفها الحكام والملوك!؟ الأعمدة الرخامية تذكّرك بمعبد (الأكروبولوس) في أثينا. الستائر الضخمة تذكّرك بمسارح لندن العتيقة. السجاد الإيراني النفيس ينتشر بنشوة هنا وهناك. الأبواب التي يصل طول الواحد منها إلى خمسة أمتار لتلامس السقف الذي تبزغ منه ثريات من كل الأنحاء فتحيل ليل هذا القصر إلى نهار دائم؛ لا أحد يفكّر هنا في دفع فواتير الكهرباء!!
(شاهة) هي سيدة القصر وزوجة الملك المقرّبة! هي أثرى إمرأة في هذه المملكة. وأكثر النساء أناقة وأجملهن منظراً! ولربما فاقت جمال نساء الممالك القريبة. بعد زواج استمر عشر سنوات؛ في مقابل زوجتين أخريين للملك، بدأت علاقتها تفتر بالملك. وبدأت تنشغل بأمور القصر والأولاد الأربعة. ولم تعد تحفل بالعلاقة الحميمية بينها وبين الملك. وإذا جاء شيء من الله حياه الله!؟ كانت تردد هذه الجملة دونما اهتمام أو ترقب. (شاهة) في أواخر الثلاثينيات، يؤتى لها بأرقى الأطباء وأخصائيي التجميل من أوروبا وأمريكا. رغم أن صحتها جيدة، لولا السمنة الملحوظة التي تبدو عليها بعد كل حمل. وتظل عيناها أجمل ما فيها. إنها آسرة وتقتلع الألباب من مكانها. لذلك أُعجب بها الملك عندما سمع عن جمال عينيها وقرر الزواج منها.
عندما تستيقظ (شاهة) من النوم عند الثامنة صباحاً تضغط على الزرّ الكهربائي، حيث تدخل إحدى الخادمات وتهيئّ لها الحمّام. في هذا الوقت تدخل الخادمة الأخرى بالجرائد التي تقرأها عادة وهي في السرير. لم تكن (شاهة) تهتم بالأمور السياسية قدر اهتمامها بشؤون المجتمع وتطويره. وكثيراً ما كانت تتصل بالصحفيات وتأمرهن بتغطية الجوانب الاجتماعية التي لا يلتفت إليها الصحافيون الرجال. وكثيراً ما كانت تفتح حوارات مع صديقاتها حول نفس المواضيع وتستمع لآرائهن في قضية تحديث المجتمع ورفض الدعاوى التقليدية التي يربطونها دوماً بالدين. وكانت ترفض أن يكون الدين قيداً ضد التحضّر وسعادة الإنسانية. ولقد أوقعها ذلك في إشكالات مع الملك الذي يعتمد على رجال الدين في توطيد أركان حكمه، حيث يذكّرونه دوماً بما تفعله بعض النساء في المملكة دون أن يشيروا صراحة لزوجته. لكن الملك (يفهمها وهي طايرة) فيأتي إلى (شاهة) ويلمّح لها بالتخفيف من الاندفاع وإغضاب رجال الدين.
بعد أن تدخل الحمّام تختار (شاهة) كل يوم صابونة جديدة من ماركة معروفة، مع صابون سائل (Shower Gel) من نفس الماركة. وتغطس في الجاكوزي الذهبي الذي يُصدر أنواراً وموسيقى باللمس، حيث تتلاءم الأنوار مع نوعية الموسيقى وتتراقص معها. تدعَك جسدها بالصابونة العذراء وتلامس جسدها بليفة ناعمة تمرّرها من عنقها حتى أخمص قدميها. ترفع أحياناً ساقيها كي تتأكد من أنهما مازالا بنفس الحجم والتناسق والصلابة؛ وتقوم بعملية مقارنة الساقين ببعضهما البعض. تتلمس أصابع قدميها لتتأكد من أن أظافرها مناسبة. بعد نصف ساعة تنهض وتقف تحت الدوش البارد، تلفّ جسدها بروب وردي من ماركة معروفة وتعود إلى غرفتها لتتناول الفطور بعد أن تفتح الراديو كي تستمع إلى البرنامج اليومي. تأتيها الخادمة بمواعيد الزيارات أو الاستقبالات أو الدعوات. تلبس أحلى ما في خزانتها الضخمة من ملابس نفيسة وتبدأ يومها.
سمعت (شاهة) بقصة اعتقال (فازع)! لم تتفوه بأي كلمة أمام الملك عن القضية. إنها تدرك المسافة المرسومة بينها وبينه. ولقد علمّها برتوكول الحكم ألا تتدخل في أي شأن من الشؤون العامة، أو تعترض على أي قرار؟! دوماً هنالك حدود في العلاقة بينها وبين الملك. ولم تكن لتجرؤ على طرح موضوع ما لم يطرحه الملك أولاَ! هذا الحذر جزء من ثقافة القصر، الذي يقوم على السرّية والصمت والكهنوت.
صفحة 5
ذات يوم كانت تنقر على (فأرة) الكمبيوتر، ودخلت على أحد المواقع المعروفة لتجد قصة (فازع) بكل تفاصيلها. دفعها حبُّ الاستطلاع إلى الدخول إلى أكثر من (رابط) كي تستكمل لديها الصورة. تعرّفت (شاهة) على ملابسات اعتقال (فازع) وكيف أنه جاء على خلفية كتابته موضوعاً عن العلاقات مع الولايات المتحدة، وهو ما أغضب السفير الأمريكي الذي أوعز للعسكريين في القاعدة بإلقاء القبض عليه، رغم أن ذلك يُعتبر من التدخل غير المسموح به في علاقات الدول، لكن سوء أوضاع الملك، وجبروت الأمريكان كان واضحاً في هذه القضية. ولقد اكتفى السفير الأمريكي بمهاتفة وزير الخارجية وإبلاغة بنبأ اعتقال (فازع) وأنه سوف يُسَلم إلى الجهات الأمنية بعد فترة. قامت منظمات حقوقية بمناشدة الملك إطلاق سراح (فازع)! وبثت فضائيات عالمية قصته بالتفصيل وبحوارات مستفيضة، إلا أن الصحافة والإعلام المحلي لم يتناولا الموضوع جرْياً على العادة في الثمانينيات في هذه المنطقة. وهذا ما حفّز (شاهة) أن تتعمق في القصة أكثر، وتسأل صديقاتها من الصحفيات عن قضية الاعتقال.
الأمور هادئة وطبيعية في هذه المملكة التي تختصر كل تناقضات العالم! فالحب موجود لأقصى درجة، والكراهية أيضاً موجودة لأقصى درجة! الغنى فاحش والفقر مُدقع. الشباب مأخوذون بالانتصارات الشبابية والموضات والأموال التي يغدقها عليهم الأباء بكل سخاء، ورجال الأعمال يخططون للمزيد من الأموال والاستثمارات، والمقاولون يخططون للفوز بالعطاء الضخمة – عبر شركات وهمية للنافذين من القريبين من القصر – والتي يكفي مبلغ أحدها للصرف على قبيلة كاملة طيلة بقائها حية لآخر رجل أو إمرأة!؟
الشاطئ الوادع يلامس وجه هذه البلاد المسترخية على يد الأمريكان، وطيور النورس تتكاثر دون انقطاع، والأشرعة البيضاء تجوب الشاطئ بكل حرية، ويخوت الأثرياء تتمخطر في الخليج بألوانها وطوابقها وأسمائها المنوعة. الأجانب من كل الأشكال والألوان يمارسون حياتهم الطبيعية بكل حرية على الشاطئ. الاسواق عامرة بكل جديد وغريب، الغالي والرخيص، الماركات العالمية المُكلفة وتلك المقلدَة من جنوب شرق آسيا والصين تتزاحم في المحال التجارية. فتيات الحجاب جنباً إلى جنب مع فتيات الجينز (السترتش) يتسابقن على التخلص من الدهون المُستوطنة للأرداف والبطون والصدور! الشباب يغوصون في البحر ويركبون الآلات الجديدة المثيرة. كبار السن – بعضهم يعضُّ بنان الحسرة – يتكئون على سواعد زوجاتهم نهاراً، ويركنون إلى الحبات الزرقاء والصفراء ليلاً، ولربما الإبر طويلة الأمد! الأغنياء يزدادون غنى، والفقراء يزدادون فقراً؟! رجال الشرطة الأنيقون يفرضون الأمن بوداعة وابتسامات. لا جرائم في هذه البلدة إلا السرقات الضخمة التي يتسترون عليها. ولا حبس دون جريمة، لكن الجرائم الكبيرة – والمالية منها على وجه الخصوص - لا تظهر على السطح، وتحلُّ ودياً عبر الهاتف. الناس قانعون بالنصيب والحكومة قانعة بما قنع به الناس!؟ إنها لا تريد تحريك المياه الراكة، طالما أن الكل راض ٍ بنصيبه!
ماذا فعل (فازع) حتى يدخل السجن؟؟!
داهم (شاهة) السؤال؟! وهل كتابة مقال عن الأمريكان يكون بتلك الأهمية حتى يدخلوه السجن!؟ إن الأمريكان ينتقدون حكوماتهم المتعاقبة، وتبث فضائياتهم وتنشر صحفهم انتقادات لاذعة بل وأخباراً حميمية عن الرؤساء – ومنهم بيل كلنتون مع مونيكا – وغيره من الرؤساء والرسميين. ثم إن كل دول العالم تنتقد القواعد الأمريكية في كل مكان، وتطالب الأمريكان بالرحيل، بل إن العائلات الأمريكية تكرّر دوماً بأنها تريد أن يعود أبناؤها لبلادهم ويكفيهم التشرد والموت والتشوهات منذ حرب فيتنام وحرب كوريا والكويت والعراق والمناوشات مع إيران.
استدركت (شاهة)! ولكن لماذا لم تتحرك قبيلة (فازع) المعروفة وتقدّم التماساً إلى الملك كي يطلقوا سراحه؟! لم تكن (شاهة) بتلك البلادة أو قِصر النظر كي تقوم بمفاتحة زوجها بهذه القضية، لكنها من الداخل تشعر بمسؤولية (ما) تجاه هذا المواطن الذي تعجبها كتاباته، وحبه لوطنه!؟ لقد مرّت ستة شهور على اعتقال(فازع). وفي كل ليلة كانت (شاهة) تأمل أن يتحدث الملك عن قضيته، لكن آمالها تخيب. فتذهب إلى الكمبيوتر وتلاحق المواقع بحثاً عن اسم (فازع).
ذات يوم تم استجواب (هذلول) الصحافي في الصحيفة التي يكتب فيها (فازع). وترجى (هذلول) المسؤولين كي يأخذوه ل(فازع). لكنهم رفضوا طلبه. عاد (هذلول) المسكين إلى الكتابة عن أثار القطارات المُعلقة على الصحة، وعن أخطار ناطحات السحاب ذات المئتي دور على المجتمع جراء سكناها من قبل الأجانب الذين يبثون ثقافات غريبة من المجتمع. وعن ضراوة هبوط أسعار البورصة، وعن نتائج المنتخب الوطني – الذي خرج من التصفيات الأولى رغم السبعين مليون دولار التي يدفعونها لمدربه البرازيلي الجديد - حيث لا وجع دماغ ولا استجوابات في هذه المواضيع.
قفزت إلى ذهن (شاهة) فكرة جنونية!؟ أن تتصل بالصحيفة وتطلب رقم (هذلول) كي تتعرف أكثر على قصة (فازع)؟! تراجعت عن الفكرة خوفاً من أن تكون الهواتف مُراقبة!؟ إن أجهزة المخابرات تعمل جيداً في المملكة!؟ ألحّت عليها الفكرة من جديد، وبأن تستخدم هاتف إحدى الخادمتين – بدعوى أن بطاريتها خالية – وفعلا اتصلت بالصحيفة وأخذت رقم (هذلول) الصحافي المسكين الذي يخاف من ظله. اتصلت به بعد أن وضعت غلالة فوق السماعة. بعد حوار قصير أغلقت الخط! لم تختلف قصة (هذلول) عن القصص المنشورة في مواقع الأنترنت. التهمة: التعرض للأمن الوطني والتنديد بالصديقة أمريكا ورئيسها!؟
صفحة 6
ظلت (شاهة) مشدوهة إلى قصة (فازع)؛ غير راضية عن حبسه بهذه التهمة السخيفة. كانت تتحدث إلى جدران قصرها في هدأة الليل، وتلتف حولها الأسئلة. كانت تقتنع أحياناً بما ساقته أجهزة الأمن من تُهَم ضده، لكنها تعود وترفض تلك القناعات. تفور من داخلها الأسئلة كونها زوجة رجل عادل، يرفض الظلم ولا يرضى بالاعتداء على حريات الأخرين، ولديه دستور توافقَ عليه الشعب!؟ لا شك أن رجال الأمن يتصرفون تصرفات غير شرعية وغير اخلاقية وهم يبالغون بقضية حفظ الأمن استرضاءً له. لم تجبْها الجدران العالية. وزادها صمتُ القصر المُطبق حيرة على حيرتها. ذلك أنها تربّت على المحبة والتواضع والعدل. ولم تكن لترضى بأي ظلم ضد أي كائن. كانت تبكي في داخلها عندما كانت تشاهد والدها يسلخ الغزال الصغير الذي جرّه الكلب الصخم في رحلات القنص. تعلمت (شاهة) من والدتها حبَّ الناس والصبر على المُلمات. كما تعلمت منها الحكمة وقوة الرأي والبصيرة. بعد أن تزوجت بلغت حكمتها واكتملت بصيرتها، وأقبلت بنَهم على قراءة سِيَر الأولين من الحكماء والملوك والملكات. أُعجبت بالملكة (بلقيس) و(زنوبيا) و(أم ياسر) كما ساعدتها الدورات التي حضرتها في الخارج في تعلم اللغة الإنجليزية والفرنسية وعلم الإتيكيت وعلم النفس والاتصال. وهذا ما كوّن لها مخزوناً ثقافياً كبيراً أُعجب به الملك، مادفعه لأن يتزوجها ويخرجها من سلك التدريس! ملكة وتكون مدرسة... لايجوز؟! بالطبع سمع أيضاً عن جمال عينيها الذي لا يوصف. وهكذا أصحبت سيدة القصر بلا منازع.
ظل السؤال يلاحقها، لماذا لم يسألوا عن (فازع)؟ وكيف ظلوا أكثر من ستة شهور – حتى الآن – دون أن يفاتحوا أحداً بالموضوع؟ أو يلجأوا إلى مجلس الملك أو القضاء لطرح القضية!!؟
دخل عليها الملك بعد منتصف الليل وعليه آثار التعب والارهاق. ابتسمت له كعادة الأميرات. وحيّتهُ بتحية لطيفة وأخذت عنه غترته وعقاله. تهاوى الملك على الكرسي وأخذ سيجاراً كوبياً ضخماً ولعقَ طرفه وأشعله. انطلق دخان كثيف وسط الغرفة الخوخية اللون. على يسار الكرسيين الأنيقين سرير ضخم يتسع لأربعة أفراد وقد وُشيّ غطاءهُ الأبيض بخيوط الذهب، كما أضاف لون الغرفة البصلي نوعاً من الاسترخاء والطمأنينة. لم تكن بالغرفة أية صور سوى صورة كبيرة ل(شاهة) مرسومة رسماً طبيعياً كانت قد جلبتها معها من باريس، حيث رسمها أحد الرسامين المشهورين قبل سنوات. الستائر الضخمة تنساب بدلال حيّ من السقف وحتى الأرض. امتلأت الغرفة بدخان السيجار – الذي اعتادته (شاهة) وأحبته – الملك يقلب رأسه يميناً وشمالاً. وضع الملك السيجار في المنفضة المستطيلة، وفاجأ جليسته:
- في شيء شاغلك هالأيام؟
ارتبكت (شاهة) وانتفضت. هزّت رأسها بعصبية واستدراك واضح:
- لا ما شاغلني أي شيء طال عمرك.. إنته ما مقصّر.. الله يطول عمرك.
جال الملك ببصره في الغرفة، ووضع رأسه بين يديه وأطرق ملياً!
باغتها السؤال القنبلة. وأصبحت عروقها أكثر نشاطاً وبدأ قلبها يخفق بصورة غير طبيعية. لماذا يسألها هذا السؤال، وفي هذا الوقت بالذات؟ حاولت جرّه للحديث:
- يا بو طلال.. إنت شاغلك شيء! مهب على العادة؟
تناول السيجار من جديد وأخذ نَفسَاً قصيراً ونفث الدخان في الهواء. التفت إليها:
- اليوم جوني أهل المسجون (فازع)؟
وقعت الكلمات عليها مثل الصاعقة! أطلقت استفساراً مغلفاً:
- منهو ذي (فازع)؟؟
نظر إليها ثم نظر إلى الجدران العالية والدخان الذي يتماوج في وسط الغرفة؛ قال:
- (فازع) هذا ولد عاق.. نسى إيش سووينا له ولقبيلته! وفي الأخير تطاول علينا وعلى أصدقائنا.
صفحة 7
كانت تودُّ لو أنه استرسل في الحديث؛ لكن اللياقة تتطلب أن تشجّعه وتزيل عنه همومه، قالت:
- بلدنا بخير.. وماعندنا مشاكل طال عمرك.. بس بعض الجهلة مثل (فازع) يبون يصيرون أبطال على حساب الأمن في البلد.
كان يتوقع أن تشاركه بسؤال! لكنها كانت خائفة وحذرة في ذات الوقت. نظرت إليه من جديد، همّت بالنهوض قائلة:
- أجيب لك عصير طال عمرك؟
- لا مافيه داعي.
تهاوت بهدوء على الكرسي وهي تلم طرف فستانها الأنيق. ورمت شعرها الفاحم إلى الوراء، تابع الملك حديثه:
- الشباب يكتبون اللي يفيد بلدهم، لكن هناك فئة ما تخاف الله.. تحب تعكير الأمن علينا.
حفّزها الحوار العام، قالت:
- وأيش سوويتوا معاه؟؟
- القانون يأخذ مجراه. إحنا بلد القانون،، وبنتعامل معاه حسب القانون.
- وأهله ليش جوك؟
كأنها نكأت له جرحاً أو لمست ملمساً يدغدغه؛ ردّ الملك:
- عادي.. كل أهل يسألون عن إعيالهم. لا وهم تأخروا علينا وايد؟!
تجرأت (شاهة) لسلاسة الحديث وانطلاق الملك، قالت:
- وش قلت لهم؟
- قلت لهم اللي قلت لك.. بلدنا فيها قانون.. والقانون يحكم!
امتعضت من الداخل دون أن تبدي أي موقف.. قالت:
- الله يزيدك صحة.. الناس كلهم يحبونك يابوطلال.. ويدعون لك بطولة العمر.
- الحمد لله على كل حال.. لكن بعد أصابع اليد مهب وحدة!؟
محاولة لإنهاء الموضوع، قالت:
- أطلب لك العشه؟
- لا يا حبيبتي.. أنه الليلة أحب أنام خفيف. إيش رايك نشوف التلفزيون معا بعض؟
ابتسمت (شاهة) لأن مشاهدة التلفزيون معاً يعني في أعراف القصر أنه سينام عندها الليلة؛ وقد يأتي من الله ما يمكن أن تقول له: حيّاهُ الله.
مسكت يده وتواريا إلى الصالة الكبرى التي تتوسطها شاشة تلفزيون عملاقة، كتلك التي نراها في ملاعب كرة القدم أو المطاعم الكبرى.
صفحة 8
القصر يلفه الصمت. الحراس عند البوابات الخمس للقصر متأهبون بأسلحتهم المعتادة! الدبابات تقف بتحفّز أمام كل بوابة. أسوار القصر مضاءة كالعادة. الحراس يتناوبون المكان مع زملائهم ويشعلون سجائرهم وهم يتهامسون. حدائق القصر صامتة في ذاك الليل الربيعي. أنفاس الزهور تتلاقح بكل عذوبة. بعض الأغصان تهتز متراقصة مع النسيم. وقعُ أقدام الحراس تقطع هدأة المكان. في المطبخ كان الطباخ السوداني يتسامر مع زوجته (أم حسن) وهما يتناولان طبق العشاء. رجال الأمن في غرفة المراقبة العامة يقضون الليل في ملاحقة الكاميرات العشر الموزعة فوق أسوار القصر وهم يتناولون القهوة الأمريكية؛ لقد تدربوا في الولايات المتحدة وأُعجبوا بالقهوة الأمريكية؟! الخادمتان الإثيوبيتان المقرّبتان من الاميرة (شاهة) تجلسان في غرفتهما تتناولن المكسرات المحمصة وتتحدثان عن ملابس (شاهة). لا يقطع صمت المكان إلا عجلات سيارات الحراسة التي تجوب المنطقة، وهدير طائرة هيلوكبتر، التي عادة ما تكون على ارتفاع عال حتى لا تزعج الناس.
استيقظت (شاهة) بعد أن جاءها الخير من الله البارحة! واغتسلت وأيقظت الملك. تناولا الفطور معاً في الصالة الكبيرة. هاتف الملك مدير مكتبه كي يتعرّف على مواعيد اليوم. لبس ملابسه المكوية بعناية، واستلت له (شاهة) غترة جديدة من الدولاب الذي يعجّ بكل جديد. لبس الملك الغترة والعقال والبشت الأسود وغادر القصر تحفُّ به سيارات الموكب الرسمي بكل تخصصاتها ورموزها وأشكالها.
رمت (شاهة) كل ثقلها على الكرسي الوثير. واستحضرت الحوار الذي دار بينها وبين الملك الليلة الماضية! حامت حولها شكوك كثيرة؛ قاومتها. حاولت أن تتلهى بمجلة نسائية مركونه في حامل الجرائد. رمت المجلة على الأرض. جاءتها فكرة الاتصال بالصحافي (هذلول)!؟ طردت الفكرة خوفاً من أن يكون هاتفه مُراقب!؟ قفزت كلمة (مُراقب) بقسوة إلى عقلها!. أتكون أجهزة الأمن قد عرفت بمكالمتها – الليلة الماضية- للصحافي(هذلول)؟ ضغطت على الزر الكهربائي. وصلت الخادمة الأثيوبية التي عملت المكالمة من هاتفها. وقفت الخادمة مطرقة الرأس وقد شبكت يديها إلى الأمام. رفعت (شاهة) رأسها إلى الخادمة وهي تتفحصها بعينيها الواسعتين:
- أحد سوى لك مكالمة؟
- لا ستي.. (مهد) محد سوى مكالمة.
- يعني ما صاح تلفونك ولا مرة؟
ترددت الخادمة لبرهه؛ وكأنها تذكرت شيئاً؛ قالت:
- لا فيه (صاه) صاح بس مرة واحدة بس ما فيه (هد) حد تكلم!
فار الدم في رأس (شاهة). لقد عرفوا الرقم. حاولت أن تسيطر على أعصابها. ابتسمت للخادمة وقالت لها:
- زين.. روحي سووي لي قهوة!
أفردت الخادمة يديها المتشابكتين وتراجعت إلى الخلف وخرجت من المكان. توالى هجوم الأسئلة على (شاهة)؛ واستحضرت نظرات الملك لها وهو يتحدث عن (فازع)؛
- ماذا يعني سؤاله: في شيء شاغلك هالأيام؟!
سؤال غير تقليدي، خصوصاً في ظل علاقة الحياد واللاشوق بينهما!؟ ماذا تفعل لو كان هاتف (هذلول) مُراقباً وسجلوا صوتها؟! هل عرفوا رقم الخادمة واستجوبوها وهددوها؟! داخلها الخوف المثير. مصّت شفتيها الورديتين الشهيتين بقوة وأطلقتهما من بين أسنانها المرصوصة بكل عناية. شبكت يديها بعصبية وطرقعت أصابعها العشرة. لوت عنقها ذات اليمين وذات الشمال. جميع هواتف القصر تحت الرقابة. وهواتفها النقالة الأربعة لا تستخدمها إلا عند الضرورة، فالسكرتيرات يملأن القصر. ولا يمكن أن تتحدث لأي غريب أو غريبة دون الرسميين والأقارب. ظلت شهرين وهي تعاني الأرق ليلاً والخوف نهاراً. أخذت تتعاطى حبوباً مهدئة كي تخرج من تلك العواصف التي يسوقها إليها الأرق اللعين.
ذات ليلة خرجت وقد غطت وجهها إلى منزل إحدى أخواتها. أرسلت سائق أختها كي يبتاع لها شريحة هاتف مقدم الدفع. استغربت منها أختها، لكنها لم تسألها لماذا؟! بعد أن أحضر لها السائق الشريحة، اتصلت ب(هذلول). ردَّ عليها باقتضاب لخوفة من أن يكون هاتفه مُراقب أو تكون هي من جهاز الأمن. الخوف واجب في ظروف هذه المملكة. لم تعرف منه شيئاً سوى أن (فازع) مازال في السجن. وأن أحواله سيئة. كما عرفت في أي سجن هو. شكرته. كانت الأخت تسمع ما يجري مستغربة. سألت (شاهة):
- خير أم طلال.. شالسالفة؟
استندت (شاهة) إلى الجدار وهي سارحة بعيداً:
- فيه شاب مسجون.
صفحة 9
ردّت الأخت بحدة تجاوزت فيها حدود مخاطبة زوجة الملك:
- خير.. وأنتي شدخلك في الموضوع؟ تذكرين كلام أبوي لك يرحمه!
التفت إليها باسمة وهي تهز رأسها بسخرية:
- القصة عودة يا (هند).. والملك الله يطول في عمره ما يرضى حد ينظلم في البلد!
زادت حدة الأخت:
- وانتي أيش يدخلك في مواضيع مثل ذي؟ خلي شغل الحكومة للحكومة.
أحسّت (شاهة) بأن الفرصة قد حانت كي تفجّر ما بداخلها:
- إشلون شيدخلني. هاذي إنسان مواطن مخلص. له حقوق. مهب عدالة يسجنونه بلا محاكمة!
- وأنتي بتصيرين القاضي العادل في العالم؟
ارتفع صوتها أكثر وبدأت تلوح بيدها في وجه (هند):
- شفتي الضغط إشلون تفجّر في صورة الإرهاب في المنطقة! شفتي صور 11 سبتمبر؟ شفتي إحتلال العراق؟ شفتي تجزئة المنطقة؟ ليش صارت كل تلك الحوادث؟
حاولت (هند) تهدئتها:
- ياأختي ذكري الله.. الإرهاب اللي صار ماله دخل في الموضوع اللي إحنه فيه!
- بالعكس له دخل! كل حُكم يرضى بالظلم ينقلب الظلم عليه. الإرهابيين اللي فجّروا الناس الآمنين في نيويورك كانوا يبون أحد يسمعهم. يئسوا من الواقع ومن الحياة المزيفة. والجماعة أغروهم بالشهادة وحور العين، هاذي بالضبط اللي صار. تفجيرات القاهرة وطهران ولبنان، كلها ردود أفعال.
- وانتي شعليك من الناس.. مافي بلد ما فيها ظالمين ومظلومين. خلّك معا زوجك وتركي هالأفكار عنك.
- يا (هند) أنه صحيح زوجة ملك، لكني إنسانه بعد! ولين طاح الفاس في الرأس بيعاتبني (بوطلال) ليش ما نصحته، أو على الأقل ليش ما قلت له رأيي.
ردّت عليها بحزم:
- (شاهة) آنه أعرفك زين، إنتي جبانه وماتقدرين تفتحين فمك جدام (بوطلال)!
حلت فترة صمت طويلة بعد كلمات (هند) الموبّخة. لكن غضب (شاهة) كان أبلغ:
- (هند) لا تتحديني! آنه كبرت.. وماعادت الدنيا ولا المظاهر تهمني. آنه بداخلي إنسانه يا (هند).. ليش ما تفهموني. الفلوس مهب كل شيء يا (هند).
أجهشت في بكاء مرير. وكأنها فجّرت براكين محتبسة في صدرها. جرت الدموع من عينيها بصورة لم تعهدها من قبل. احتضنتها (هند) بكل حب، وأخذت تمسح دموعها:
- لا تبكين يا (شاهة). إنتي أميرة وزوجة الملك.. ما يجوز تبكين.
زاد ذلك في نحيبها. واضطربت الكلمات في فيها:
- خليني يا (هند).. آنه فيني بكي وايد. آنه من زمان ودي أبكي. آنه مهب مثل ما تجوفوني في الصور بملابس الأميرة وجواهرها وحشمها وخدمها.. آنه إنسانه يا (هند).
عادت إلى البكاء بكل حرقة. وأخذت شيلتها لتمسح دموعها الحرّى. سال الكحل من عينيها واختلط بأحمر الشفاة الذي ظل طريقة عن شفتيها المرتجفتين. أحضرت لها (هند) كأس ماء.. شربت بسرعة.. ومصّت شفتيها بين فكين يرتجفان وصدر يرتفع وينزل، كأنها طفل أضاع والديه في غابة.
عادت بعد الظهر إلى قصرها. لم ترد أن تلتقي أحداً أو تأكل شيئاً. رن جرس الهاتف أول ما دخلت غرفتها.
صفحة 10

السـجـن

المكان رطب جداً.. رغم أن النافذة مفتوحة. يجلس (فازع) القرفصاء في مواجهة القضبان مستنداً إلى الحائط. نور خافت ينطلق من سقف السجن. عيناه جاحظتان تتحركان يميناً وشمالاً مع كل صوت، خصوصاً وقع أقدام الحراس وهم يجوبون المكان. صينية الطعام مازالت لم تمس. لم يكن يشعر بالبرد. السرير عند الحائط وعليه لحاف ثقيل أزرق اللون. توجد منشقة نظيفة عند المغسلة وصابون معطر؛ وكذلك رغوة حلاقة وماكينات حلاقة لمرة واحدة ومشط مدور. على السرير كانت ترقد جريدة الأمس؛ وعلى الجدار كتبت كلمة (آه ياوطني..) لا يعرف (فازع) من كتبها في هذا السجن (5 نجوم)! لا قوارض في هذا السجن ولا قطط. ولا طعام يقدّم في صفائح وسخة، ولا مكان لقضاء الحاجة – عبارة عن حفرة داخل الزنزانه – بل يوجد حمام أوروبي يُنظّف كل ساعتين. لا ظلام دامس ولا رائح نتنه. ولا برودة تنفد إلى العظام شتاءً ولا حرارة تسلخ جلد الإنسان خصوصاً المواقع الذكورية الحساسة.
أدار (فازع) رأسه في أركان الغرفة النظيفة. واستحضر مواقفه السابقة مع رئيس التحرير. وتحذيراته المغلفة غير المباشرة له وغمزات (هذلول) المتكررة حول ضرورة الانتباه وعدم الانزلاق نحو الهاوية، وأنك لا تعرف صديقك من عدوك في عالم الصحافة والسياسية. الكل يبتسم، لكن البعض هو الذي يوصل التقارير إلى الجهات الخفية التي تعصف بحياة الإنسان دون رحمة. ضحك (فازع) ضحكة مسموعة رنّت في أركان الغرفة، وسمعها سجناء آخرون. تكررت الضحكة ثلاث مرات وتلاشت.
أُطلق جرس في أنحاء السجن. إنه فرصة تلاقي السجناء خارج الزنزانات أو الغرف ذات الخمسة نجوم؛ حتى لا يصيبهم لين العظام أو التقرّح، ولكي يجدّدوا دوران الدورة الدموية في عروقهم ويدخنوا ويتحدثوا مع غيرهم حتى لا تتسرب إليهم الأمراض النفسية. إنه سجن (5 نجوم) حقاً!
في فناء السجن الواسع يرى السجناء الشمس بلا حُجب. ويروا السماء عارية ويرون بشراً أخرين. اقترب (فازع) من (خماش). (خماش) شاب في الثلاثين من عمره، تهمته الإنضمام إلى (القاعدة) ورفضه وجود القاعدة الأمريكية في المملكة. استطاعت الاستخبارات الأمريكية (C.I.A.) تعقبه من (تورابورا) إلى الشيشان، وعندما عاد إلى البلاد تم اعتقاله. إقترب (خماش) من (فازع) عارضاً عليه مسواكاً! لم يكن (فازع) في مزاج كي يُدخل المسواك في فمه. أخذ المسواك ودسّه في جيب بجامته الزرقاء التي تحمل رقم (995)، مذ دخل السجن كانوا ينادونه بهذا الرقم لا غير. أصبح (فازع) - الرجل الوطني والكاتب الأشهر وصاحب الرؤى الوطنية ورافع الظلم عن الأخرين - أصبح رقماً فقط. سقطت عنه جنسيته وحقوقه، حتى اسمه ماعادوا يذكرونه.
تبادل همسات قصيرة مع (خماش) الذي حدثه عن الجهاد وفضيلة التضحية بالروح من أجل إعلاء كلمة الله ودحر الكفار والمنافقين وإحقاق الحق وإقامة دولة الإسلام من الصين حتى المغرب؛ والرجوع إلى دولة الخلافة التي تحكم بالعدل والإحسان، وأن ما جرى عام2001 في أمريكا إنما بقضاء الله وحكمه وتوفيقه، وأن الشباب المؤمن الذي ضحّى بحياته قد استحق الشهادة، أنهم الآن يتمتعون ب (الحور عين) في الجنة! استمع (فازع) إليه بملل شديد، وهو يقلب رأسه هنا وهناك كي يرى مشاهد الحياة بعد وحشة الزنزانة أو الغرفة. لاحظ (خماش) صاحبَه شارد الذهن؛ غير متجاوب مع حديثه، نهرهُ بقوة:
- وشفيك يا (فازع) مليت من هرجي؟
رد (فازع) دونما اهتمام:
- لا طال عمرك.. بس أنه أفكر في مصيري.
- ماوراك إلا العافية ياخوي.. والله كريم يظهر الحق ولو بعد حين. إصبر ياخوك كما صبر الشهداء والصديقون. ربك يمهل ولا يهمل.
رد عليه بتثاقل:
- الله كريم يا (خماش). الله يفك أسرك أنت بعد.
رد (خماش) باحتجاج استهزائي:
- أسري أنا! لا يا خويك.. أنا باطوّل هنيّ.. هذا إذا ما يودوني السجن المركزي.