eKtab
EN ع
فضاء الجسد - معاناة واقعية لإنسان من الجنس الثالث -
اقرأ عينة مجانية

فضاء الجسد - معاناة واقعية لإنسان من الجنس الثالث -

بقلم ثريا نافع

صفحة 1

الإهــــــــداء

إلى كل من تدثـــّر برجفة الألم والوجع والصمت وعانى من عدم فهم الآخرين له. إلى قلوب غُسلت بيد السماء فرحبت بكل الاختلافات. وإلى كل من حمل أو مازال يحمل بين جنباته شعلة الإنسانية الباقية أبداً والتي لا تفرِّق بين شكل أو لون أو عرق أو دين.

صفحة 2

المظهر والجوهر...

نور بدر

مترجمة

قطــــــر

كان الطقس لا يزال حنوناً رائقاً يحاورني للخروج من المنزل وقد ناداني للاستمتاع، ففكرت بأن أذهب إلى منزل والدي لنجلس في الحديقة ننعم بهذا الطقس اللطيف بينما نراقب ابنتي الصغيرة وهي تلهو بيننا، دائماً ما أتوقع بأنني سأقابل أحدهم في منزل والديّ فمنزلهم يتمتع بدفء الاستقبال وأمي هي تلك السيدة التي لا يقاوم الكثير من البشر زيارتها أو الجلوس بصحبتها، وكما توقعت كان هناك ضيف لم يقاوم سحر قضاء بعض الوقت في منزلنا.

للوهلة الأولى لم أستطع رؤية الضيف وعندما اقتربت لألقي التحية هالني ما رأيت فقد رأيت الجمال مجسداً في شاب كان يجلس إلى أبي وأمي، وعندما ألقيت عليه التحية لم أعرف كيف أقوم بتصنيفه أهو ذكر أم أنثى! وساءني أن يسمح أبي وأمي لهذا النوع من البشر بالتواجد معنا، لم أجلس معهم وتوجهت غاضبة إلى غرفة المعيشة.

صفحة 3

بعد فترة جاءت أمي لتبحث عني ووجدتني أجلس وحيدة فسألتني: لماذا تركتينا وتجلسين بمفردك؟

أجبتها بحدة: لم أكن أتوقع إن أجد شخصاً شاذاً مرحّباً به في منزلنا!

لم تنطق أمي ولكنها غادرتني ونظرة الحزن تملأ عينيها.

بعد أن غادرنا هذا الشاب أو الشابة الذي لم استطع تحديد جنسه عادت أمي وقالت لي: كم من مرة ذكرت لكم أن المظهر لا يدل على الجوهر والأخذ به والتصرف على أساسه صفة الجهلاء، ولماذا افترضتِ أن هذا الشاب شاذاً؟

ثم ما الذي قاله أمامك أو فعله لتحكمي عليه بهذه الصورة المجحفة؟

ألم تفكري ولو للحظة أنه يعاني من حالة مرضية نفسية أو جسدية! وهل تلقين باللوم على شخص لا يملك من أمر نفسه شيئاً؟

لقد أهنتِ شخصاً لجأ إلى منزلنا لينعم ببعض الراحة والهدوء والعدل الذي لم يحظ بهم خارج عتبات هذا المنزل، وجرحت روحاً تئنّ من الوجع والظلم الذي يقع عليها كل ثانية من البشر الذين لا يزالون يحكمون على ما تبصره أعينهم ولا تدركه بصيرتهم. ولطالما طلبت منكم إظهار الرقة واللين للأشخاص حتى وإن لم تتوافقوا معهم،

صفحة 4

وأخبرتني أمي بأنها بصدد كتابة قصة هذا الشاب ففرحت لأنني عندما انتهت أمي من كتابة القصة، عرضتها عليّ لقراءتها وندمت في داخلي على عمى بصيرتي وقصر نظري وقسوتي على من قست الحياة عليهم.في طيّات صفحات هذه الرواية ستتعرفون عليه وستشعرون بألمه وتبكون لبكائه وستعرفون أننا نحن البشر نفتخر بأشياء لم نصنعها، نفتخر بجمالنا وألواننا التي لا دخل لنا بتكوينها بل هي خلقة الله الذي قدّر للبعض قدراً مختلفاً. وتمنيت أن تساهم تلك الرواية ولو بصورة متواضعة لجعل عددٍ من الناس يغيّرون طريقتهم في التعامل مع الآخرين ومحاولة فهمهم، ليس فقط هذا الشاب بل كل شخص خلقه الله مختلفاً لحكمة لا نعلمها نحن البشر العاجزون عن إدراك إرادة الله.

وقد تأثرت جداً بالأحداث التي مرّ بها ولم أكن على دراية بها وصممت في داخلي أن اكتب كلمة ولو قصيرة لتقديم اعتذاري لهذا الشاب على الملأ عمّا بدر مني في حقه ولأقول له «لن تنتهي المآسي من حياتك وقد تظل تعاني حتى آخر يوم فيها ولكن ما يجعلك مميزاً عن البقية هو أنك صبرت وتابعت حياتك الصعبة الجافة والقاسية بمنتهى الهدوء ومنتهى الأمل بوجه الله تعالى الذي تعلم تمام العلم أنه رؤوف بك رحيم عليك ، وأنك ستعود إليه يوماً ليكافئك عل صبرك وإيمانك».

وإلى أمي أعتذر وأودّ أن أقول «لم أجد شخصاً يا أمي يحب الناس ويقدرهم ويدرك أبعد مما ترى الأعين مثلك.

أمي لطالما اعتقدت أنك مختلفة وأنت كذلك، لا أذكر يوماً خلا فيه منزلنا من البشر على جميع أصنافهم وأعمارهم وجنسياتهم ودياناتهم، لم تردِّ يوماً أحداً ولطالما كنتِ الصدر الحنون لمن يشكو ويئن، والأم الدافئة للكبير قبل الصغير، حتى نحن أبنائك نحس بمدى تميّزك وقدرتك الرائعة على الاستماع والتفهم مما يجعل أي شخص يودّ الجلوس معك، وفي نظري بأن أكثر ما يميزك هو اعتقادك التام وقناعتك بأنك جميع هؤلاء البشر وأنك لست سوى إنسان».

ومرة أخيرة أعتذر لكِ ولكل من عانى من عدم تقبّلي لاختلافه ولو بنظرة..

صفحة 5

تمهيد

د.محمد مصطفى سليم أستاذ مساعد بكلية الآداب والعلوم

جامعة قطر

أستطيع القول بأنه لا يمكن تهميش ما قد يتداعى إلى الذهن جراء هذا العنوان الدَّال (فضاء الجسد)؛ لأنه يبدو وكأنه إعمالٌ مغرضٌ لإيقاظ الجسد. ذلك الجسد الذي يبقى في روعنا على أنه الفتنة النائمة في منظومة الأعراف الكلاسيكية لمجتمعاتنا، لكننا نكتشف أن ثريا نافع راوغت به- دون إسراف-؛ لتستدرج القارئ فيدخل في وميض حلبة الجسد، بفضائه الدلالي، وبوصفه خطابًا غير لفظي (non-verbal)، ونظامًا من الرموز المعقدة التي تمنح تفاصيله من الدلالات ما يقرّبها من التَّابو تارةً، ويبعدها عنه تارة أخرى، ويظل النصًُّ السرديُّ باسطًا سطوته في اللعبِ على القرب والبعد؛ ليدفع بلهفة الكشف وإثارة مكنون الذاكرة حول المسكوت عنه جسديًّا. وهنا يتواصل فعل القراءة.

صفحة 6

وأمام هذه المراوغة تأتي (فضاء الجسد) لتؤسس وضعيتها الموضوعية، لا الفنيّة، على أنها وثيقةٌ عرْضيةٌ، لا طولية، تُدينُ المستقِر في الوعي. ففي الوقت الذي تقدم فيه تأزم الجسد عند (نداء) الشخصية المحورية وقطب التفاصيل الروائية، نجدها لا تقف به وحده في العراء؛ إذ تقدّمُ في القطاع العرضي للجسد أجسادًا مكلومة أخرى؛ منها ما هو مؤطَّرٌ اجتماعيًّا بالزواج ممثلاً في عبلة وزوجها حنا، وما هو منزوع الإطار والشرعية الاجتماعية ممثلاً في نماذج ساقطة: نهال وآمال وهويدا، وما هو رمزي يتخطى حدود الذات وصولاً إلى جسد الأرض والعِرض والأوطان المنتهكة.

ولعل هذا النسيج المضفَّر جسديًّاً يؤكد عدم افتعال مثل هذه الكتابة الروائية للضجيج وصولاً إلى متعة عاجلة استهلاكية؛ إذ الهمّ الحاضر أقوى من رغبات الذات، والالتفاتُ الحاد صوب قضايا شائكة تنقض الثابت وتهزُّ المستقر لهو فرصةٌ أخيرة؛ لنعيدَ ترتيبَ مكوّنات الوعي، بما يعمل على إنتاج ذاكرة جديدة تفكُّ مغاليق الجسد، وتسمو بجوهر الإنسان.

لذا؛ يحقُّ لنا التساؤل عن الكيفية التي تتبدى عليها وضعية قراءة الرواية، إذ وجدتني أمام هذا التلويح المغرض بظلال الجسد وما يوحي به من تداعيات تُداعبُ الذكورةَ أو الأنوثة في مخيلة القارئ على اختلاف نوعه-أجدني أصف فعل القراءة بأنه إنجاز حسي لا يتحقق إلا في لذة النص عبر تماس سرِّي بين الراوي والمروي له. نعم فهذا التلويح غير البريء فنيًّا- قصدًا- من ثريا نافع يُكرِّس لبُعدٍ حسّيٍّ في القراءة سرعان ما يتخذ شكل توقعات توَهُّمِيَّة تظل تتراكم لدى القارئ فيما يُعرفُ بـ (الشهوانية النَّصية) على حد تعبير رولان بارت. وإذ بالقارئ يطوي مواقف النص موقفًا موقفًا حسب إلحاح الرغبة المستبدة بالتكوين القَبْلي للإقبال على رواية تُعلِنُ، منذ البداية، إخلاصَها للجسد، ومع ذلك سرعان ما يكتشف اللعبة في أنها عقد سردي غير متحقق بينه وبين ثريا نافع مفاده أن ثمة إِخْبَارًا وتقريرًا وحقائق لابد أن تُدَبَّ في قعر الوعي لتُفقِدَ القارئ التهيئة القَبْلِيَّة التي أَهَّبَ نفسه عليها للدخول في فعل القراءة. وهنا يتحول فعلُ القراءة لرواية (فضاء الجسد) من كونه إنجازًا حسِّيًّا إلى كونه إنجازًا معرفيًّا، يستوجب إعادة التهيئة من جديد، والإقبال بوعي مغاير، مهما قدَّمت الروايةُ بذخًا ماديًّا لمواقف جسديّة، إذ سيظل مكمن الوعي بجوهر الأزمة يبرق ويختفي وراء اللغة والعلامات الجسدية والحيل المُحرِّضة للرغبة.

صفحة 7

لهذا كان من المناسب جدًّا- فنيًّا- ألا تتوقّف الرغبة لدى (نداء) وتأرجحه الدائم بين سلطة الرجولة الباهتة وطغيان الأنوثة المُهْدَرَة في جسدٍ مرهَق، فلا هو بالذي يُشبع الرغبة ولا هو بالقادر على تقويض دعائمها. كل هذا جعل الرغبة عنده لا تنتهي عند مدلولٍ نهائي؛ لأنها مؤسسة على الفَقْد؛ فَقْد الرجولة في كمالها، وفَقْد الأنوثة في تمامها أيضًا، فهو مثل الرجل ومثل المرأة في آن، فكان لاشتعال الرغبة في أعماقه ما يبرره أمام مجتمع يعبث بالحد الأدنى من تطلعات الذَّاتية، فالذكورة والأنوثة تتدافعان في جسدٍ واحدٍ من موقف إلى آخر بحثًاً عن إشباعٍ لا يتحقق أبدًا، وتلكم هي عين الأزمة التي تتجاوز حدود الرواية وطبوغرافية النص السردي، بل تتخطى كذلك جسد نداء إلى جسد أوطان مِثْلِيَّة؛ تمتلك الرغبة وتفتقد القدرة في سياق، ثم تمتلك القدرة وتفتقد الرغبة في سياق مُغاير.

ولعل هذا ما حدا بثريا نافع أن تقع في شرك الربط الآلي والرمزية المجانية عندما قصدت إذابةَ الفواصلِ المُمَيِّزة بين مختلف الجُمل الحوارية؛ لكي تبدو جملاً غير قاطعة بنقاء جنس مثلما هي قاطعة بعدم نقاء منطوقها ومحليَّتها؛ فلجأت إلى تقديم مزيج من عاميَّات عربية أردنية وفلسطينية وخليجية مطعَّمة بمذاق اللهجة المصرية؛ لتتسع رقعة الإدانة. قد يكون لذلك ما يبرّره وقد لا يكون!!.

لكن الثَّابت أن (فضاء الجسد) صرخة موقفيَّة تنأى عن المتاجرة بكتابة الجسد، تلك الكتابة التي أصبحت ديدن الإبداع النِّسائي أو النسوي في الأدب المُعاصر، فهي بعيدة عن هذا التصنيف؛ لأن شخصياتها لم تستبطن الاعتقاد بالحرية الفردية عامة، ثم تنحط بهذه الحرية إلى حدود الجسد فقط، بما في ذلك عبلة زوجة رجل صارخ باختزال كيان المرأة في لقاء ساديٍّ؛ لأن عبلة لم تخرج عن إطار هيمنة الذكورة وارتضت لحياتها أن تبقى في كنف بيتي دون أن تنظر لنفسها على أنها جزيرة منفصلة تُلبي نداء المُتعة ورغبات الجسد. فضلاً عن أنَّ نداء نموذج مثلي لم يخلط بين التحرر الإيجابي الذي يعني صقل الذات بالإرادة والوعي، والتحرر السلبي الذي يحطم ضمير المجتمع المقدس والانحلال عن أخلاقياته، فلم يُكَبِّل (نداء) جسدَه أكثر مما هو مُكبَّل ُ

صفحة 8

كلمة الكاتبة

بطل حكايتي مستسلمٌ قويٌ، ونموذجٌ مضيءٌ كتب على جبينه أن يتعثّر في هويّته التائهة بين الذكورة والأنوثة، وقد قرّر أن ينثر مكنونات نفسه أمامكم بلا خجل، وأن يفك عقده المخبأة تحت لسانه، ووّسطني أن أبثكم جراحه، ويناشدكم تصديقه لجرأته في تعريه، وأن تغفروا له صدمتكم في بشاعة العالم.

يناشدكم أن تجعلوا الوجع يتغلغل داخل أفئدتكم مثلي تماماً لتعذروه هو وأمثاله، الذين يشكلون شريحة كبيرة حولنا لا نعرف عنها شيئاً، ولا دخل لها في خلق نفسها! يناشدكم رغم يأسه وانقطاع أمله ألا تخوضوا المياه ضد انسيابها، وأن تنظروا إليها تجري أمامكم، لا يحدّها يأس أو انقطاع أمل.

يناشدكم الاستسلام دون خوض معارك وهمية!

يناشدكم استسلام الأبطال بجرأة وتخطيط، وأن ترفعوا رايتكم البيضاء، ولا داعي للمعارك الدونكيشوتية.

يناشدكم أن تستسلموا بشياكة النبلاء، وأن تقبضوا على طوق نجاة يصون ما تبقّى لكم من حياة لم تُبنَ على تميمة وهمية. ولا تحلموا بالفانوس السحري وساكنيه من الجن والعفاريت فهم أكثر استسلاماً منكم لأقدارهم، لا تخرجوهم لعالم يعج بمعجزات العلم، ولا يؤمن إلا بالتجريد والمنطق، ولو وجدتموه فإياكم والنفخ لإزالة تراب السنين؛ في انتظار معجزة التغيير، ووفروا أنفاسكم لتنسّم رفة هواء شمالية تركت الريح تلعب بمشاعركم وأهدتها لمن يستحقها.

والآن - وحتى لا أطيل عليكم - يجدر بي ألا أتدخل بينكم وبينه، وأتركه ليروي سيرته.

صفحة 9

1 ليس كله نوراً ذاك الآتي من فوهة الشمس

سألت أختي سحر التي تكبرني بخمس عشرة سنة: أتظنين بأن والدي فرح بالفعل عندما أتيت إلى الحياة؟

نظرت إليّ بتعجب وتأفف وقالت: كم من مرة سألت هذا السؤال؟

- وما مشكلتك الدائمة في الرد عليّ؟!

ردت بملل ونظرات الشفقة تطل من عينيها: لأنك حبيبي، وكل مرة توصلني معك إلى النتيجة ذاتها: كراهية الوالد لك؛ لأنه فشل في لمس الخلطة السرية الدفينة فيك، والتي لم يتعرف عليها أبداً..

وعلى كلٍ - وأقولها للمرة الألف - فقد صادف يوم ميلادك ثاني يوم من مذابح صبرا وشاتيلا.. واضحة المبشرة بدايتك طبعاً! كنا وقتها في بيت لحم؛ مدينتنا القديمة التي شهدت سنواتك الأولى. وما أزال أتذكر ذلك اليوم جيداً: صديقات أمي وزميلاتها في المدرسة: راشيل وعبلة وجمانة، الداية أم أحمد، صراخ أمي.. هلعي وأنا أستمع لصرخاتها بين الحين والآخر كلما اشتدت عليها انقباضات قرب الولادة، الحركة المتعجلة ما بين المطبخ وغرفة نوم أمي وأبي، الأواني الكبيرة والبخار يتصاعد منها، الوجوه القلقة التي انتظرت هذا اليوم الذي مرّ عليه أكثر من خمس عشرة سنة.. سنوات من الرجاء المتواصل في طفل آخر للجميلة الفنانة ساشا، الشركسية الوقورة، صاحبة وحبيبة كل نساء الحي.

تنساب دموعي الصامتة كلما سمعت صرخات أمي والمصحف الكريم بين يدي مفتوح على سورة مريم التي كم أحببتها، تتراقص أمامي الحروف "وبرّاً بوالديه، ولم يكن جبّاراً عصيّاً" أبي يهديني حضنه الدافئ وهو يهمس لي:

ستكون أمك بخير يا سحر، وستمنحك أخاً أو أختاً لتسعدي..

صفحة 10

أذكره وهو يقرأ بنهم عناوين جريدة القدس العربي، ولست أدري من أين حصل عليها، لا أزال أحفظ - عن ظهر قلب - العنوان الذي كتب يومها على الصفحة الأولى في عددها الصادر في نفس اليوم لإطلالتك البهية على عالمنا التعيس: "رحيل رجال المقاومة الفلسطينية عن لبنان.. مصيبة كبرى على المدنيين العزّل الذين لم ينجوا من بطش الصهاينة وأذنابهم".

يثقلني انتظاري الذي طال لأخ أو أخت يشاركني أفراحي وأتراحي الصغيرة، وكلمات أبي والحزن يكبله على ما كان يحدث في صبرا وشاتيلا.. كلماته الحزينة التي لا تزال ترن في أذنيّ رغم مرور السنوات: أيأتي هذا الطفل يا ربي في تلك الأيام السوداء!؟

أنسحب من الصالة وأقترب من غرفة نومه لأتابع الموقف عن قرب: أم أيمن عبلة تنهرني بصوت جاف: عيب على البنات أن يتلصّصن.. اذهبي وانتظري مع والدك..

وأزاحتني من طريقها وهي تحمل فوطاً كثيرة، ولفة قطن عظيمة جعلتني أتساءل: ماذا يفعلون في الداخل؟

سحبت نفسي بعيداً، وعدت إلى والدي الذي كان يقرأ، ونظرت إلى الصحف العربية متناثرة بجانبه فوق الأرض بعد أن التهم صفحاتها كلمة كلمة. أمسكت إحداها وتصفحت صفحاتها التي تصدرتها عناوين نارية، تنعت العرب بالقصور والخيبة والضعف في تلك الأيام.. ولست أدري لم التصقت عناوينها في ذاكرتي ووجداني حتى الآن:

- قبل أن يجف مداد التعهد الأمريكي لحماية أرواح الفلسطينيين في مخيمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة كانت خطة الانقضاض قد رسمت على العزّل من المدنيين.. سكان المعسكر من قبل شارون - وبالتعاون مع حزب الكتائب - فانقضوا بلا وازع على المخيم، ونفّذوا إبادة جماعية لمدنيين عزّل كان سوء حظهم أن جعلهم من ساكنيه! - اقتحام الدبابات الإسرائيلية المخيم بمساعدة الكتائبيين - وفي غياب تام للشرعية العربية - وصمت مهين كالعادة.. أعملوا في ساكنيه من النساء والأطفال والشيوخ قتلاً وحرقاً وذبحاً وتقطيعاً!

لم أستوعب ما يحدث ولمصلحة من تلك الدماء؟ ما تزال الذكرى البغيضة تلازمني كالهواء والماء.. وحتى بعد مرور خمسة وعشرين عاماً ما أزال أحيا هذا الكابوس الذي وقع يوم ميلادك؛ خاصة بعد أن استوعبت ما حدث.