eKtab
EN ع
فدوى طوقان حياتها وشعرها
اقرأ عينة مجانية

فدوى طوقان حياتها وشعرها

بقلم يوسف عطا الطريفي

صفحة 1
الشاعرة فدوى طوقان
 
العمة النجمة
 
بقلم: جعفر طوقان
 
«منذ أن بدأت أتذكر الأشياء كانت العمّة فدوى تشغل الغرفة المجاورة تماماً لغرفتنا أنا ووالدتي وشقيقتي في بيت العائلة الكبير في نابلس، حيث انتقلنا للعيش بعد وفاة والدي عام 1941، وكان لي من العمر ثلاث سنوات، وبقينا متجاورين لمدة تقارب الخمسة عشر عاماً.
 
والصورة التي تكونت في ذهني عن غرفتها ذات الباب الزجاجي والتي ترتفع بأربع درجات عن مستوى غرفتنا، هي صورة شيء أشبه ما يكون بالمحراب. كانت غرفة صغيرة تغطي جدرانها رفوف مرصوصة بالكتب، ويتوسط كل جدار من جدرانها الثلاثة شباك صغير يطل على حديقة الجيران. وأذكرها وهي تجلس على سريرها على الناحية اليمنى من الغرفة وبجواره طاولة الكتابة وكرسيين. وكانت الغرفة محراباً يغشاه الضوء والهدوء، أذكرها تقرأ أو تكتب سابحة في الضوء والهدوء. وإذا ما تعبت من القراءة أو الكتابة كانت تتناول عودها تعزف عليه ألحاناً لعبدالوهاب وأم كلثوم وتنشد بصوت هادئ رقيق مع دندنات العود.
 
هذه هي الصورة، الذكرى التي تعود وتتجسد أمامي كلما ذهبت إلى البيت القديم وصعدت إلى الطابق الذي كنا نشغله، وأرى غرفتها الخالية بعد انتقالها إلى صومعتها الجديدة القديمة على جبل جرزيم.
 
علاقتي بالعمّة فدوى ومن وجهة نظري الشخصية كانت علاقة خاصة جداً، فمن جهة كانت هي القناة التي كنت أتعرف من خلالها على والدي الذي لم تتح لي وفاته المبكرة فرصة معرفته مباشرة. من علاقتها الخاصة به، والتي تعرفون عنها الكثير، استطعت أن أعرف جوانب من شخصية والدي ما كان يمكن لي أن أعرفها من أي شخص آخر وخاصة عندما ترويها لي العمّة فدوى بعباراتها الواضحة الرقيقة التي كانت تتدفق بسلاسة ودفء متضمخة بالحب العميق الذي كانت تكنه لإبراهيم.
صفحة 2
من جهة أخرى، كانت علاقتي بها علاقة المعجبين بنجومهم المفضلين. فقد كانت بالنسبة لي هي النجمة ذات القدرات الغامضة، تفعل أشياء إعجازية تقرؤها لنا بصوتها الخافت الذي كان يبدو وكأنه يخرج مباشرة من أعماقها، ونجلس كلنا، كباراً وصغاراً، صامتين خاشعين حتى تنتهي فدوى من قراءتها. وكنت في كل مرة أسمعها أشعر بشيء يختلج في حلقي وتتدافع الدموع في عيناي، ولم يكن البكاء، بل كان هو الشعور نفسه الذي أحس به دائماً وحتى هذه اللحظة عندما أرى الإبداع.
 
وأجمل ما في فدوى أنها لم تكن في يوم من الأيام واعية إلى هذه النجومية، لم تكن ترى أنها تختلف عن سائر نساء العائلة أو الجيران والأصدقاء. لقد كانت بكل هذه النجومية واحدة منا، تخاف وتفرح وتخجل وتتردد وتغضب وتكره وتحب.
 
وبعد ذهابي إلى لبنان للدراسة ومن ثم العمل لم أعد أراها بنفس الكثافة السابقة، وعوضت عن هذا الغياب بمتابعة ما تكتب. ومرت علينا كفلسطينيين خاصة وكعرب عامة ظروف أليمة، ظروف تغص بالإحباط والهزيمة والقهر، تتخللها ومضات من الأمل، سرعان ما كانت تتلاشى تاركة إيانا في أعماق أكبر من الإحباط والهزيمة والقهر. وكانت أشعار فدوى كما كانت أشعار محمود درويش وسميح القاسم الرئات التي استطعت من خلالها أن أتنفس من تلك الأعماق أنفاساً نقية تساعدني على تحمل عفن تلك الأعماق.
 
كنت أردد بصوت عالٍ وأنا أذرع زنزانتي المنزلية:
 
قول فدوى:
 
يا وطي الحبيب لا ، مهما تدر
صفحة 3
عليك في متاهة الظلم
 
طاحنة العذاب والألم
 
لن يستطيعوا يا حبيبنا
 
أن يفقأوا عينيك، لن
 
وقول محمود درويش:
 
شدوا وثاقي
 
وامنعوا عني الدفاتر والسجائر
 
وضعوا التراب على فمي
 
فالشعر دم القلب
 
ملح الخبز
 
ماء العين
 
يكتب بالأظافر
 
وقول سميح القاسم
صفحة 4
أتدحرج يا جبل الأحزان
 
أتدحرج مطعوناً عريان
 
أتدحرج من أقصى السطح إلى القمة
 
وأنا أمه
 
من خلال عملي كمعماري أتيحت لي فرصة الاحتكاك بالعديد من الفنون الأخرى، كالرسم والنحت والموسيقى والأدب نثره وشعره والمسرح ... إلخ، وتوصلت إلى قناعة هامة كان لها أثر كبير على نظرتي للعمارة كفن بالمقارنة بالفنون الأخرى، الإبداع المعماري يبدأ مكبلاً باعتبارات مادية، فقبل العمل لا بد من وجود صاحب العمل، وقيود الموقع، وأنظمة البناء، ومواد البناء والميزانية المرصودة لتنفيذ العمل وغيرها. الإبداع الفني المطلق لا يسبقه إلا تفاعل الفنان مع مشاعره الخاصة فاللوحة الفنية، والمقطوعة الموسيقية والقصيدة هي تفاعل مباشر بين وجدان الفنان وعاطفته دون وجود مشاهد أو مستمع خارج الذات.
صفحة 5
لقد كتبت فدوى الكثير خلال رحلتها الطويلة في عالم الشعر والنثر ولم أشعر في يوم من الأيام أن فدوى كتبت شيئاً سوى ما يجيش بصدرها ويعتمل في وجدانها، كتبته برشاقة ملائكية وبساطة ما بعدها بساطة، لتقول بسطر واحد رائع ما لا نستطيع قوله بأضعاف الكلمات. وفي كل هذا لم تكن فدوى تبحث سوى عن نشوة ولادة القصيدة بعد المخاض الوجداني وكان كل اعتبار غير هذا غائباً. ولعل الانغماس التام في العملية الإبداعية والانشغال بها دون سواها للغوص في أعماق نفسها وتحسس ما يعتمل في هذه الأعماق من تفاعلات تثيرها الحالة العاطفية شخصية كانت أم وطنية كان وراء هذا الصفاء وهذا العمق، ووراء سمو البساطة في شعرها. ولعل هذا الانغماس كان وراء زهد فدوى في المظاهر المادية للحياة، في ملبسها ومسكنها ومأكلها. وعندما حازت فدوى في العقد الأخير على العديد من الجوائز العربية والدولية والتي كان لها جانب مالي سخي، كنت أراها وكأن هذه المكافآت المالية عبء ثقيل سرعان ما كانت تتخلص منه بتوزيعه على أحبائها. وكانت دائماً تتحدث عن التقدير والإعجاب اللذين لقيتهما هنا وهناك بنبرة يشوبها دائماً شيء من الاستغراب وشيء من الاستحياء.
 
إن تكريم فدوى ضمن فعاليات هذا المهرجان، هذا التكريم المعنوي الكبير لا شك أنه سيثلج صدرها لأنه من تظاهرة ثقافية عريقة في وطننا العربي أصبحت مَعلَماً من معالم النهضة الفنية والأدبية فيه، ولأنه يعكس صدقاً وشفافية وبساطة هي فدوى. وتقف فدوى بهيكلها الرقيق وصوتها الخافت المرتجف عملاقاً يزمجر بتعبير كوني عما يتفجر به الضمير الفلسطيني والعربي والإنساني، وأشعر باختلاج في حلقي وتغرورق عيناي بالدموع، إنه الإبداع مرة أخرى».
 
المهندس جعفر إبراهيم طوقان
صفحة 6
المقدمة
 
فدوى عبدالفتاح طوقان، شاعرة فلسطين، سنديانة فلسطين، خنساء فلسطين، شاعرة الحب والألم، شاعرة الرثاء والموت.
 
تعرفت على صورتها من خلال كتابها «أخي إبراهيم» الذي حفزني إلى الاطلاع على شعرها، فقرأت دواوينها، واطلعت على رحلتيها: الصعبة والأصعب، وتابعت البحث عن مقالاتها وحواراتها، ولقاءاتها والكتب التي تحدثت عنها، والدراسات التي صدرت عن شعرها، فوقفت مندهشاً أمام شخصية مليئة بل مشبعة بالعواطف الحساسة التي تفيض بالانفعالات الصادقة القوية النابعة من تجارب خاصة وعامة، فجاء شعرها منسجماً مع ميولها وموهبتها التي حدثتنا عنها في سيرتها الذاتية، والتي لم تطلعنا فيها على الكثير من زوايا حياتها، وإن كانت قد تحدثت عن نوافذ أخرى بجرأة وصراحة، وخاصة عن علاقتها مع أهلها في البيت الكبير «بيت العائلة» وعن جوانب الحب والعواطف الشديدة التي رافقت علاقاتها في حياتها وعواطفها تجاه شعبها ووطنها، عندما تمكنت من الخروج إلى أمها الحياة، فانطلقت من شعرها الذاتي إلى شعرها الاجتماعي ثم السياسي والوطني، فبرعت وأبدعت وكشفت واكتشفت، وأصبحت محط أنظار المثقفين والصحفيين والسياسيين من عرب وغيرهم.
 
لقد وضعت دراسات كثيرة حول الشاعرة المبدعة، وأُلِّفت كتب متنوعة عن حياتها وشعرها، وقُدِّمت رسائل ماجستير ودكتوراه قيِّمة في فلسطين والعالم العربي عنها وكانت كل هذه الدراسات تكمل بعضها البعض، لكن دواوينها ما زالت بحاجة إلى البحث والدراسة المستفيضة وفتح أبواب خزانتها مما يعرفه أصدقاؤها وصديقاتها والمقربون منها والذين كانت لهم علاقات حميمة بها، لكشف ما خفي داخل هذه الخزانة.
صفحة 7
لقد اعتمدت عند إعداد هذا الكتاب على مصادر ومراجع متعددة ومتنوعة، وزادني رغبةً وإقبالاً إلى هذا العمل الممتع ما قدمه لي المهندس جعفر طوقان من أوراق عندما كنت أزوره في مكتبه وقد كتبها بنفسه عن عمّته الشاعرة أو عندما كنت أتحدث معه على الهاتف وطلبت إليه أن أصدر الكتاب بكلمة له فزودني بورقة ألقاها ضمن فعاليات إحدى الحلقات النقدية وكانت بعنوان: الشاعرة فدوى طوقان - العمة النجمة. وقد أثبتها حرفياً في مقدمة الكتاب احتراماً له وتقديراً وعرفاناً بجميله.
 
اشتمل هذا الكتاب على قسمين، وتضمن القسم الأول خمسة أبواب:
 
الباب الأول: واشتمل على جوانب حياتها، فتضمن ظروف ولادتها، وبعض جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية التي كانت سائدة في تلك الفترة، كما تضمن مرحلة طفولتها وسني مراهقتها بما فيها حادثة وردة (الفل) وما تبعها من نشوة وآلام وحرمان أثّر على شخصيتها وعلى إنتاجها الأدبي، وتضمن أيضاً مرضها ووفاتها، وختمت الباب بأقوال لبعض النقاد والدارسين عن الشاعرة.
 
الباب الثاني: واشتمل على ثقافة الشاعرة وكلمات مختصرة عن أعمالها الأدبية النثرية كتاب (أخي إبراهيم)، وكتاب سيرتها الذاتية في جزئيه (رحلة جبلية - رحلة صعبة) و(الرحلة الأصعب).
 
الباب الثالث: وتحدثت في هذا الباب عن غربة الشاعرة واغترابها من خلال ما ورد في سيرتها الذاتية، وضمنته في قصائدها الشعرية، وما أوضحه النقاد والدارسون في كتبهم أو ندواتهم أو محاضراتهم. كما تضمن الباب تجربة حب الشاعرة، ورحلتها إلى إنكلترا، ولقاءاتها المتميزة مع بعض الزعماء والسياسيين والصحفيين.
 
الباب الرابع: واشتمل هذا الباب على الرحلة الشعرية للشاعرة متضمناً مرحلة تعلمها للشعر وبدايتها الشعرية، ثم مرحلة النضج الفكري والشعري، وخاصة بعد حربي 1948 و1967.
صفحة 8
الباب الخامس: وتضمن هذا الباب الأغراض الشعرية التي قالت فيه الشاعرة وخصائص شعرها الفنية.
 
القسم الثاني: وقد خصصت هذا الباب للنصوص الشعرية، في دواوينها والتي تمثل الأغراض الشعرية التي تلائم مراحل حياة الشاعرة، وخصائصها الفنية مرتبة حسب تواريخ صدور دواوينها الشعرية الثمانية.
 
رحم الله شاعرتنا، فقد ناضلت وكافحت وتمردت، من أجل تحقيق ذاتها، واستعادة حريتها وطالبت بحرية وطنها، فكانت مرآة لغيرها، حتى بعد أن توارت وهي تهمس:
 
كفاني أظل بحضنها
 
وتحت ثراها أذوب وأفنى
 
وأبعث عشباً على أرضها
 
وأبعث زهرة
 
كفاني أظل بحضن بلادي
 
ترابا
 
وعشباً
 
وزهرة.
صفحة 9
حياة الشاعرة
 
• ظروف ولادتها.
 
• طفولتها.
 
• حكاية وردة الفل.
 
• شخصيتها.
 
• وفاتها.
 
• قالوا عن فدوى طوقان.
 
* * *
 
شاءت الأقدار أن يتزامن مخاض ولادة السيدة فوزية عسقلاني، وسط محاض الحرب العالمية (1914-1918)، لتضع مولودتها الجديدة (فدوى)، والتي تحمل الرقم السابع بين ولاداتها العشر، وتمخضت هذه الحرب عن انهيار الإمبراطورية العثمانية وزحف جيوش الحلفاء على المنطقة العربية وتسقط مدينة القدس بيد الاحتلال الجديد، ويُفرض الانتداب البريطاني على فلسطين والأردن. ويعلن آرثر جيمس بلفور وزير خارجية بريطانيا عن وعده المشئوم، والذي عُرف في التاريخ بـ «وعد بلفور» لإقامة «وطن قومي» لليهود على أرض فلسطين، ثم تتابعت الأحداث والمعاناة وما زالت لتروي لنا (فدوى طوقان) حكايتها مع الحياة من خلال سيرتها الذاتية، وتحكي لنا حكايات شعبها وكفاحه من أجل نيل الحرية والاستقلال وطرد الغاصب عن أرضهم عن أرض فلسطين.
صفحة 10
1- ظروف ولادتها :
 
وُلدت الشاعرة والأديبة فدوى عبدالفتاح داود آغا طوقان بحي القصبة في البلدة القديمة بنابلس عام 1917، بين جدران البيت الكبير القديم الذي عمّره جد آل طوقان إبراهيم آغا الذي انبثقت عنه أسرة عبدالفتاح طوقان، وكان ترتيبها السابعة بين إخوتها العشرة، حيث أنجبت والدتها (فوزية عسقلان) قبلها: أحمد، إبراهيم، بندر، فتايا، يوسف، رحمي، ثم كان الرقم سبعة (فدوى) وكان بعدها: أديبة، نمر، وحنان، وهكذا اكتمل عقد أبناء عبدالفتاح طوقان بعشرة أبناء(1).
 
وُلدت فدوى وسط أحداث الحرب العالمية، التي انتهت بسقوط الإمبراطورية العثمانية وانتصار الحلفاء في الحرب وسيطرة بريطانيا وحلفائها على المنطقة، ولما اطمأنت بريطانيا على وضعها في المنطقة، أشاحت القناع عن سياستها في المنطقة، وأخلفت بوعدها للشريف الحسين بن علي بإقامة الدولة العربية الموحدة، وأعلنت عن وعدها المشئوم الذي أُطلق عليه «وعد بلفور»(2)، وذلك بتاريخ 2 نوفمبر 1917، لإقامة «وطن قومي لليهود» على أرض فلسطين، فاشتعلت المنطقة العربية، وكانت فلسطين قلب الحدث الذي ما زال حتى يومنا.
 
وسط هذه الأحداث الجسيمة فتحت فدوى طوقان عينيها على الدنيا، وكانت صرختها الأولى، وقد ضاع تاريخ ميلادها في ضباب السنين بعد أن ضاع من ذاكرة أمها، التي حاولت التخلص من جنينها في الشهور الأولى من الحمل، وتشير فدوى طوقان في سيرتها الذاتية «خرجت من ظلمات المجهول إلى عالم غير مستعد لتقبّلي، أمي حاولت التخلص مني في الشهور الأولى من حملها بي، حاولت وكررت المحاولة، لكنها فشلت»(3). وكأن الجنين ظل يحمل في سر تكوينه روح الإصرار والتحدي، متشبثاً برحم الأم تشبث الشجرة بالأرض.