eKtab
EN ع
فك شفرة الكون
اقرأ عينة مجانية

فك شفرة الكون

بقلم تشارلز سايف

صفحة 1
مُقدِّمة المترجم

يتشكلّ وعيُنا الإنساني كتراكُم لتطوّر التفاعل بين الإمكانات الموروثة في دماغنا البشري وبين بيئتها الاجتماعية، ويتجلّى هذا الوعي عبر وسيط يتمثّل في اللّغة. فبدون اللّغة ما كان لنا مراكمة هذا الوعي الذي بدأ بالسحر ولم ينته بأعقد النظريات العلمية مرورًا بالفلسفة والدين. كيف بدأ الكون والحياة وكيف سينتهيان؟ يبقى هذا السؤال المركّب مطروحًا حتّى اللحظة التي سينتهي فيها وجودنا كمخلوقات واعية على هذا الكوكب المنزوي في مجرّة ضمن ملايين المجرّات في هذه الأكوان اللامتناهية. ويبقى العلم، وحده، هو المسبار الموضوعي للإجابة عن هذا السؤال خلال رحلتنا لتفسير الظواهر الطبيعية، من انشطار الذرّة حتّى انقسام الخلية وتشكّل الكائنات الحيّة. لقد زعم الإنسان ـ دون سائر الكائنات الحية ومنذ فجر وعيه ـ أنّ هناك علاقة سببية بين وجوده وبين نشأة الكون. وتمثّل هذا الزعم في العديد من الروايات الأسطورية التي تبلورت في فلسفات وديانات أخذت على عاتقها الإجابة عن هذا السؤال الخاصّ بمعنى وجودنا وبالحياة وما بعدها.

كان أول خدش علمي لنرجسيّة وعينا البشري عند اكتشاف كوبرنيكوس لدوران الأرض حول الشمس بدلًا من الرؤى الميتافيزيقية التي وضعت الكوكب الأزرق في مركز عناية الإله القدير، كما كان جرح نرجسيّتنا الحقيقي بعد طرح شارلز داروين لتصوّره العلمي عن أصل الأنواع الذي خلص فيه إلى انحدارنا من القردة العليا عبر سلسلة طويلة من التطوّر المتعرّج ممّا هدّد الأساطير القديمة وسبّب إرباكًا، وما زال، في بعض الأوساط الدينية، وجاء سيجموند فرويد ليُطيح بآخر مزاعمنا النرجسية عن الرُّقي والتحضُّر والتمايز عن سائر المملكة الحيوانية بعد اكتشافه للّاوعي وإثباته للعب الغريزة دورًا أساسيًّا في سلوكنا وإن كان قد أَولى اهتمامًا مبالغًا للغريزة الجنسية. لقد تعدّدت محاولات البشر لتقديم رؤية وتفسير لوجودهم، وكان للأسطورة نصيب الأسد في تلك المحاولات، حيث كانت أدوات ووسائل العقل البشري لا تزال قاصرة على التأمُّل والتخيّل والتوهّم، ومع تطوّر الوعي البشري لعب العلم دورًا حاسمًا في هذه المحاولات، بعد أن حقّق عدّة قفزات متسارعة كمتوالية هندسية، حتّى إنّ الفلسفات والديانات التي ناقضت العلم ظاهريًّا لم تستطع إلا أن ترضخ أمام حقائقه الدامغة، كما اضطرّت إلى توفيق أوضاعاها وتأويل مقولاتها المقدّسة وإعادة تفسيرها لكي تتماشى مع كلمة العلم.

وعبر تاريخٍ يمتدّ لآلاف من السنين راكمت البشرية معرفتها العلمية على ضوء جدل الفكرة والتجربة، حيث لم يُغنِ التفكير والتأمّل والاستدلال والاستنتاج والقياس والاستنباط والابتكار عن ضرورة التجربة وقابليتها للتكرار، وهذا هو الحدّ الفاصل بين الأسطورة وبين العلم في أرقى نظريّاته وأعقدها. فالتجربة، أو القابلية للتجريب، هي المعيار المميّز للأفكار العلمية. ولا يمكننا الحديث عن جدّية الفكرة العلمية دون إخضاعها للتجريب العملي أو اختبار صحّتها مع قوانين العلم. وقد أدرك الإنسان حقيقة أنّ العلم هو الوسيلة الفعّالة للتغلّب على العقبات التي تجابه وجودنا ذاته، من مقاومة الأمراض إلى تلبية احتياجاتنا بالإضافة إلى الكوارث الطبيعية وبعض المخاطر التي قد تهدّد حياتنا على الكوكب. لقد ساعدنا العلم على الغوص في أعماق المحيطات دون أن يكون لنا خياشيم وعلى الطيران فوق السحاب دون أن نمتلك أجنحة، كما قادنا إلى التوغُّل داخل عالم الخلية الدقيق وإلى التحليق في أركان الفضاء الفسيح، وقد تحقّق ذلك من خلال العقل الإنساني المشحوذ بالمعارف العلمية المتراكمة.

يقدّم هذا الكتاب رؤية بانورامية شاملة لسعي الإنسان الحثيث إلى تفسير الظواهر الطبيعة التي يقابلها والتغلُّب على الصعوبات التي يواجهها. فليس هناك متعة أكثر من حلّ ألغاز الكون، كيف بدأ وكيف تشكلّ؟ ولماذا سارت الأمور وتسير على هذا النحو؟ وما القوانين التي تتحكّم في حركة أجزائه؟ وما المصير الذي ينتظره؟ وهل توجد أكوان أخرى غير هذا الكون الذي نعيش فيه؟ ما طبيعة الحياة؟ وهل لها غاية؟ وهل هناك حيوات أخرى؟ وكيف يمكننا كبشرٍ تفسير ما لا يُفسّر، حيث تتحطّم أدواتنا المعرفية من المعادلات الرياضية إلى القوانين الفيزيائية حتّى المبادئ والأسس التي يقوم عليها العلم نفسه، كما يحدث في الثقوب السوداء أو في اللّحظة التي سبقت الانفجار العظيم. قد ينكص الوعي البشري إلى مرحلة التخيّل والتصوّر والتوهّم، وهي المرحلة التي تخضع للشروط الذاتية بأكثر من خضوعها لموضوعية وعينا المشترك، وقد تستردّ الأسطورة أنفاسها بعد لهاثها الطويل أمام ضربات العلم التي توالت على مرّ آلاف السنين، لكن يبقى العلم وسيظلّ نبراسًا لوعينا الإنساني باتجاه معرفة بشرية ترتقي بنا وتلبي طموحاتنا في حياةٍ تليق بمعجزة وجودنا كمخلوقات حيّة ـ حتّى الآن ـ بمقدورها إعادة صياغة العالم الذي تعيش فيه.

في هذا الكتاب «فكّ شفرة الكون» يحاول المؤلّف الإجابة عن هذه الاسئلة اعتمادًا على أحدث نظريات المعرفة الإنسانية المتمثّلة في «نظرية المعلومات» وهي النظرية المعنيّة بتقديم تفسير بشري لمظاهر هذا الكون المرئي وظواهره كافّة بل وللأكوان غير المرئية. حيث يرى المؤلِّف أنّ المعلومات تقدِّم تفسيرًا لوجود الكون، كما أنّها الأساس لنشوء الحياة على كوكب الأرض ولا يستبعد بالتالي وجود حيوات أخرى في أركان هذ الكون الشاسع، ويقدّم تفسيرًا معقّدًا لتكاثر الكائنات الحية كسبب لإعادة إنتاج هذه المعلومات لنفسها، وتفسيرات أكثر تعقيدًا لمعنى الوجود.
صفحة 2
ووفقًا لما يراه المؤلّف فإنّ مجمل حضارتنا الإنسانية في سبيلها إلى الاختفاء والزوال حسب ما تطرحه آخر نظريات العلم المعقّدة، كما بشّرت بذلك الأديان والفلسفات القديمة التي ادّعت فناء البَشر في العالم المادي المُعاش. ولكنّ الفرق يكمُن في أنّ العلم عندما يطرح هذه المقوله فإنه يطرحها بلا وعظ وإرشاد، بل يطرحها كحقيقة مجرّدة من أيّ وازع أو نوازع سوى البنية الداخلية التي تحملها المعادلات والقوانين العلمية الخالية من علاقات سببية بين وجودنا وغاية هذا الوجود وبين إدراكنا لهذا الوجود. ومن ثَم يبقى التساؤل عن معنى وجودنا وغايته، سؤالًا بلا معنى بل امتدادًا لنرجسيّتنا التي تدفعنا لمقاومة الاعتراف بحقيقة أنّنا نعيش على كوكب منزوٍ في ركنٍ تافهٍ من هذا الكون الفسيح، بما يفوق التفسيرات التي تقدّمها الفلسفات والأديان القديمة حول سبب وجودنا وغايته. قد لا يزيد وعينا بالكون عن وعي نملة بالتنوّع الهائل الموجود على كوكب الأرض، وبالقوانين التي تتحكّم في حركة بحاره ومحيطاته وصحاريه وجباله وملايين الكائنات الحيّة التي تعيش عليه، وقد يكون وعينا قاصرًا قصور النملة عن فَهم قوانين ميكانيكا الكمّ أو إدراك تجارب ارتياد الفضاء أو تفسير نشوء الكون والمجرّات والكواكب والنجوم بل ووجود الأكون المتوازية.

يستند المؤلّف في تفسيره لكلّ هذه الظواهر على المعلومات، باعتبارها تجريد العقل البشري للظواهر الطبيعية، ويرى إمكانية إرجاع كلّ شيء واختزاله إلى مجرّد معلومات معتمدًا في ذلك على التطوّر المهول الذي حقّقته علوم الكمبيوتر وتطبيقات ميكانيكا الكمّ. حيث يمكن اختزال كلّ الأحداث اليوميّة والكونيّة إلى مجرّد دفقات معلوماتية يمكن قياسها وحساب قيمتها ومقدارها. وتأتي مصطلحات مثل «الانتروبيا» و«التشبيك الكمِّي» و«تطابق التراكب» و«الثقُوب السوداء» لتزيد من غموض محاولات تفسير الكون. وهنا يحدث تماسّ مدهش بين ما ادّعته الفلسلفات والأديان القديمة وبين العلم فيما يمكن أن نسمِّيه «ميتافيزيقا العلم». حيث لا يمنع العلم وجود عوالم أخرى موازية تشبه تمامًا وتوازي عالمنا المُعاش كما لايمنع إمكانية تجميع المعلومات التي فُقدت بالتحلّل ومن ثَم إعادة إنتاجها. ويطرح العلم رؤية جديدة لمفهوم الخلود حيث يمكن خلق أو إظهار شيء من العدم ثم اختفاؤه، ومع أنّ الكتاب يسعى للتأكيد على تماسُك النظريّات العلمية، إلا أنّه في المقابل يطرح تصوّرًا يتجاوز أيّ مطلق بما في ذلك سرعة الضوء وقانون حفظ الطاقة وبقائها.

تقف المجتمعات البشرية الآن عند مفرق طُرقٍ: العلم أو الأسطورة، وبعد أن تسيّدت الأسطورة وعيَنا لآلاف السنين وتحوّلت من وسيلة لتفسير العالم إلى السيطرة عليه، جاء العلم ليقدِّم لنا رؤية أكثر إنسانية، عبر تقديمه لحلول ملموسة للمعضِلات التي تواجهنا وتلبية الاحتياجات التي نطلبها، إذ يتجلّى العلم في كلّ مظاهر حياتنا التكنولوجية، ويمكننا اعتبار العلم اليوم «سفينة نوح» التي ستنقذنا من الغرق في بؤس هذا العالم عبر خلاصنا من روح الجهل والتخلّف التي لن يعصمنا منها إخلاص النوايا وطيب المقاصد، ويمكننا بالعلم، وحده، أن نحطّ لأول مرّة على شاطئ إنسانيتنا بلا كُرهٍ أو أنانية أو ضغينة، وعلى ضوء العلم يمكننا تهذيب الأخلاق ووضع سُلّمٍ جديد للقيم التي سترشدنا إلى آدميتنا بعد اغترابنا طويلًا في الخرافة والأساطير.

لقد أتاحت لي ظروف العمل بمدينة سواكن بشرق السودان فرصةً لإنجاز هذه الترجمة، وقد شرعت في ترجمة هذا الكتاب، على أمل استكمال جهود روّادٍ عظام وضعوا نصب أعينهم الارتقاء بشعوب هذه الأمّة التي لامست حدود المجد عندما ترجمت العلوم وانفتحت على فلسلفات العالم، وهي الجهود التي مالبثت أن تعثّرت كما تعثّرت الجهود الرامية إلى خلق المجتمع الحديث، لأسباب ليس هنا مجال الاستفاضة في دوافعها. ولا يجانبنى الصوابُ إذا زعمت أن الكلام الدائر الآن عن مشاريع للنهضة هنا وهناك، لا يعدو كونه لغوًا فارغًا من أي مضمونٍ عملي إذا لم يتم اعتماد التفكير العلمي باعتباره المصدر الأساسي لحلّ مشاكلّ التنمية التي تتوق إليها شعوبنا. وبدون الارتقاء بمستوى التعليم ودعم البحث العلمي وإعادة الاعتبار للتفكير العلمي ورعاية مشروع قومي للترجمة يستهدف الوصول إلى طلاب المدارس والجامعات، فلن يكون هناك أمل في استقلال إرادة أوطاننا ولا تحقيق أهداف الانتفاضات الشعبية التي طالبت بالحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.

وأتمنّى أن يكون هذا الكتاب بداية لسلسلة من الترجمات العلمية التي تُعنى باطّلاع القارئ العربي على آخر منجزات العلوم التطبيقية كالفيزياء والكيمياء وعلوم الكون والحياة. على أمل المساهمة في إشعال مصباح داخل هذا النفق المظلم الذي ما زلنا نتخبّط فيه منذ قرون وقرون.

أيمن أحمد عيّاد

نوفمبر 2012
صفحة 3
مقدّمة المؤلّف

«كلّ شيءٍ مصنوع من مادّة خام خفية واحدة»

ـ رالف والدو إمرسون

الحضارة فانية، قد لا يكون هذا أول ما تودّ قراءته عندما تلتقط كتابًا ما، لكنّها الحقيقة. فالإنسانية ـ ومجمل الحياة في الكون ـ في طريقها للفناء. لن يجدي ساعتها مستوى التطوّر الذي بلغته حضارتنا، أو تطويرنا لتكنولوجيا قد تمكننا من التنقّل بين النجوم، أو بلوغ متوسط أعمارنا الستمئة عام، وأمامنا فقط وقت محدود قبل إبادة آخر مخلوق في هذا الكون المرئي؛ لأنّ قوانين المعلومات تقرّر مصيرنا تمامًا، كما تقرّر مصير الكون نفسه بالضبط.

تستدعي كلمة «المعلومات» إلى الذهن صورة أجهزة الكمبيوتر والأقراص الصّلبة والإنترنت فائق السرعة، وعلى أيّ حال فظهور أجهزة الكمبيوتر وازدياد شعبيتها صار يُعرف الآن بثورة المعلومات، إذ يعدّ علم الكمبيوتر أحد التجليّات البسيطة جدًّا للفكرة الشائعة والمعروفة بنظرية المعلومات information theory. وبينما تحدّد تلك النظرية في الواقع الكيفية التي تعمل بها أجهزة الكمبيوتر فإنها تقوم بما هو أكثر من ذلك بكثير، فهي تحكم سلوك الأجسام على عدّة مستويات مختلفة، وتخبرنا بطريقة تفاعل الذرات مع بعضها البعض وبكيفية ابتلاع الثقوب السوداء black holes للنجوم، كما تصف قوانينها طريقة فناء الكون وتلقي بالضوء على طريقة بنائه. وحتّى لو لم يوجد شيء كالكمبيوتر، فإنّ نظرية المعلومات ستبقى كأعظم ثالث ثورة في فيزياء القرن العشرين.

تعتبر قوانين الديناميكا الحرارية thermodynamics ـ القوانين التي تحكم حركة الذرات في جزء من المادّة ـ قبل كلّ شيء، قوانين عن المعلومات. ونظرية النسبية theory of relativity التي تصف طريقة تصرّف الأجسام عند السرعات القصوى تحت تأثير الجاذبية القوي، هي في الحقيقة نظرية للمعلومات. كذلك، فإنّ نظرية الكمّ quantum theory التي تحكم مجال الأجسام متناهية الصغر لا تعدو كونها نظريةً للمعلومات. إنّ مفهوم المعلومات ـ الأوسع من مجرد محتويات القرص الصلب ـ يجمع بطريقة لا تصدّق كلّ هذه النظريّات معًا في فكرة قوية واحدة.

تكتسب «نظرية المعلومات» قوتها من أنّ المعلومات مادّية، وليست مجرد مفهوم تجريديّ، ولا مجرّد حقائق أو أرقام أو تواريخ أو أسماء، إنّها الخاصّية الصلبة للمادّة والطاقة والتي يمكن قياسها وتقدير كمّيتها. إنّها كلّ بتة bit حقيقية مثل وزن قطعة رَصاص أو مقدار الطاقة المختزَن في رأسٍ نووي. وكما في الطاقة والمادّة، تتحكّم عدّة قوانين فيزيائية في المعلومات وتحدّد الطريقة التي تتصرّف بها ـ كطريقة تناولها ونقلها ومضاعفتها ومحوها أو تدميرها. وكلّ شيء في الكون يجب أن يكون خاضعًا لقوانين المعلومات؛ لأنّ كلّ شيء في الكون يتشكل بالمعلومات التي يحتويها.

لقد ولدت فكرة المعلومات من الفنّ القديم لإنتاج الشفرات وتفكيكها. لقد كانت هذه الشفرات تخفي أسرار الدولة في الواقع، كطريقة لحجب المعلومات أثناء نقلها من مكان لآخر. وعندما أصبح فنّ تفكيك الشفرات مرتبطًا بعلم الديناميكا الحرارية ـ وهو فرع من الفيزياء يصف سلوك المحرّكات وتبادل الحرارة وإنتاج الشغل ـ نتج عن ذلك نظرية المعلومات. فكانت هذه النظرية الجديدة للمعلومات بمثابة فكرة ثورية بالقدر نفسه الذي كانت عليه نظريتَا «النسبية» و«الكمّ»، حيث إنها قد غيّرت للأبد مجال الاتصالات كما قامت بتعبيد الطريق أمام عصر الكمبيوتر، ولم يكن هذا سوى البداية. فخلال عقد من الزمان بدأ علماء الفيزياء وعلماء البيولوجيا في إدراك أن أفكار نظرية المعلومات مهيمنة أكثر بكثير من كونها مجرد بتات bits وبيتات bytes الكمبيوتر والشفرات والاتصالات: فراحوا يصفون العالم ما تحت الذري وأشكال الحياة على الأرض كافّة بل والكون بكامله.

كلّ كائن على الأرض مخلوق من المعلومات، فالمعلومات تقبع في مراكز خلايانا، وتتحرّك بسرعة في ثنايا أدمغتنا. لكنّ الكائنات الحيّة ليست هي فقط التي تتعامل مع المعلومات وتقوم بمعالجتها، فكلّ جسيم في الكون كلّ إلكترون وكلّ ذرّة وكلّ ما لم يتم اكتشافه بعد معبّأ بالمعلومات ـ معلومات لا يمكننا الوصول إليها غالبًا، لكنّها المعلومات التي يمكن نقلها ومعالجتها وتبديدها أيضًا. وكلّ نجم في الكون وكلّ مجرّة من تلك المجرّات التي لا يمكن حصرها في السماء معبّأ تمامًا بالمعلومات، المعلومات التي يمكنها الإفلات والارتحال بعيدًا. تلك المعلومات التي تتدفّق دائمًا وتنتقل من مكان إلى مكان منتشرة في أرجاء الكون.

لقد اتضح أن المعلومات تشكّل كوننا بالمعنى الحرفي للكلمة، وربّما تحدّد حركة المعلومات التركيب المادّي للكون إلى حدّ بعيد. ويبدو أنّ هذه المعلومات تقع في قلب أعمق تناقضات العلم الظاهرية ـ كأُحجية النسبية وميكانيكا الكمّ ـ مثل نشوء ومصير الحياة في الكون، أو طبيعة القوّة التدميرية الهائلة للثقوب السوداء أو الترتيب الخفي لما يبدو أنه كونٌ عشوائي.

لقد بدأت قوانين المعلومات في إماطة اللثام عن إجابات لأكثر أسئلة العلم عمقًا، لكنّ هذه الإجابات بدت بطريقة ما أكثر غرابة وإرباكًا من تلك التناقضات الظاهرية التي سعت إلى حلّها. فالمعلومات تقودنا لتكوين صورة عن كون يسرع خطاه باتجاه هلاك مخلوقاته الحيّة كما لو كانت عالة متطفّلة عليه، وتؤدّي بنا إلى تصوّر لا يمكن تصديقه عن كون بيزنطي يتألّف من تجمّع هائل من الأكوان المتوازية.

إنّ قوانين المعلومات تمنح علماء الفيزياء طريقًا لفهم الألغاز الأكثر إبهامًا والتي لم تخطر على بال بَشر من قبل، إلا أنّها ترسم لنا صورة أكثر تجهّمًا كما لو كانت لوحة سريالية.
صفحة 4
الفصل الأول

الإسهاب

«أيّها السادة لاتقرأوا البريد الإليكتروني الخاصّ بالسادة الآخرين»

ـ هنري ل. ستيمسون

«ايه اف بها نقص مياه» تلك هي الكلمات الخمسة التي أغرقت الأسطول الياباني. ففي ربيع عام 1942 حيث كانت القوّات المسلّحة الأمريكية تترنّح بتأثير سلسلة متتالية من الهزائم، كانت البحرية اليابانية ذات الذراع الطولى في المحيط الهادي تندفع بقوّة تجاه الأراضي الأمريكية. ومع أنّ الوضع كان رهيبًا إلا أنّ خسارة الحرب لم تحدث، فقد كان مفكّكو الشفرة الأمريكان على وشك استخدام سلاح لايقلّ أهميّة عن القنابل والمدافع: إنّه سلاح المعلومات.

لقد قاموا بتفكيك الشفرة JN-25، وهي الشفرة التي كانت تستخدمها البحرية اليابانية، وكانت عصيّةً على الحلّ. لكن بحلول شهر مايو من عام 1942 نجح مفكّكو الشفرة بشقّ الأنفس في الولوج إلى الدهليز الرياضي لتلك الشفرة وكشفوا عن المعلومات المخبّأة بداخلها.

وطبقًا للرسائل التي تمّ اعتراضها وتفكيك شفرتها، فإن قاعدة أمريكية اسمها الرمزي ايه اف AF كانت على وشك التعرّض لهجوم بحري كبير. وقد عرف مفكّكو الشفرة الأمريكان أن ايه اف عبارة عن جزيرة في المحيط الهادي (أغلب الظنّ في القطاع الأوسط) لكنّهم لم يعرفوا على وجه الدقّة أيّ جزيرة بالضبط. فإذا قاموا بتخمين خاطئ، فسوف تدافع البحرية الأمريكية عن جزيرة أخرى غير تلك المقصودة، وسيكون بمقدور العدوّ اجتياح هدفه الحقيقي بلا مقاومة، لكن إذا استطاع مفكّكو الشفرة تحديد الجزيرة التي تعنيها كلمة ايه اف وتوقّعوا هدف الأرمادا اليابانية، فسيتمكّن الأمريكان من تركيز أسطولهم لضرب القوّة الغازية. كان كلّ شيء ـ الحرب في المحيط الهادي ـ معلّقًا على هذا الجزء المفقود من المعلومة: أين تقع ايه اف؟

وضع القائد جوزيف روشفورت Joseph Rochefort، رئيس مركز تفكيك الشفرات بالبحرية الأمريكية في بيرل هاربور، مخطّطًا للحصول على هذا الجزء المفقود من المعلومة، فأصدر أمرًا لقاعدة موجودة في القطاع الأوسط لكي تقوم بطلب المساعدة عن طريق الهاتف، بحيث تنصّ المحادثة على أن محطّة تحلية المياه في «جزيرة القطاع الأوسط» قد أصيبت وأنّ القاعدة بدون مياه نقيّة تقريبًا. وقد استمع اليابانيّون الذين كانوا يتنصّتون على مراسلات القطاع الأوسط لهذا الإرسال أيضًا، وهو ما كان روشفورت ينتظره بالضبط. ولم يمضِ وقت طويل على إرسال تلك الرسالة الهاتفية، حتّى التقطت مخابرات البحرية الأمريكة رسالة خافتة لليابانيّين على الموجات الهوائية: «ايه اف بها نقص مياه». وهكذا حصل روشفورت على الجزء المتبقّي من المعلومة. ايه اف تقع في القطاع الأوسط.

وقد تجمّع الأسطول الأمريكي للدفاع عن الجزيرة. وفي 4 يونيو 1942، وقَعت القوّات الغازية بقيادة الأدميرال ايسوروكو ياماموتو Isoroku Yamamoto مباشرة في قبضة القوّات البحرية المتأهّبة بقيادة الأدميرال شيستر نيميتز Chester Nimitz. وأثناء تلك المعركة هوت إلى القاع، أربع حاملات طائرات يابانية ـ هيريو Hiryu، سوريو Soryu، أكاجي Akagi، كاجا Kaga ـ في مقابل فقدان حاملة طائرات أمريكية واحدة. وعاد الأسطول الياباني الكسيح إلى دياره وهو يجرّ أذيال الخيبة. لقد خسرت اليابان المعركة، وبالتالى خسرت الحرب في المحيط الهادي، ولم تعد البحرية اليابانية تشكّل خطورة على الأراضي الأمريكية مرّة أخرى، وبعدها بدأت الولايات المتحدة أطول هجوم عسكري وأصعبه على الأراضي اليابانية. فقد تسرّب جزءٌ ثمينٌ من المعلومات، عن هدف غزو ياماموتو، خلال عملية حماية الرموز والشفرات وهو ما منح أمريكا نصرها الحاسم(*).

كانت الحرب العالمية الثانية أول حرب للمعلومات، وكما استخلص مفكّكو الشفرة الأمريكان المعلومات من الشفرة JN-25 ومن شفرات الإمبراطورية اليابانية، قامت صفوة من مفكّكي الشفرة الإنجليز والبولنديين بتفكيك شفرة إنيجما Enigma الألمانية التي كان يُفترض أنّها عصيّة على التفكيك. وكما سمحت المعلومات للولايات المتحدة بهزيمة اليابان، فإنّ معلومات الانيجما قد مكّنت الحلفاء من هزيمة اليوبوتات U-boats النازية التي كانت تضيّق الخناق على بريطانيا العظمي.

وكما أنّ الصراع على المعلومات قد ترك بصماته على وجه الحرب، تركت الحرب بصماتها على وجه المعلومات. فخلال الحرب العالمية الثانية، بدأ تحوّل عملية التشفير من مجرّد كونها فنًّا لتصبح علمًا. وكان مفكّكو الشفرات داخل غرف التشفير الحارة بهاواي أو في المباني العتيقة بإنجلترا روّادًا للثورة التي باتت تُعرف بنظرية المعلومات.

كان مصمّمو ومفكّكو الشفرات على صلة وثيقة دومًا بما سيصبح نظرية للمعلومات. إلا أنّه، ولآلاف السنين، لم يكن لديهم أيّ فكرة عن كونهم يقومون بغزوات تجريبية في أحد مجالات العلم الجديدة كلّيًا. وعلى العموم يعدّ التشفير أقدم من العلم، حيث قام الملوك والقادة العسكريّون مرارًا وتكرارًا في العصور القديمة ـ معتمدين على الرسائل المخبّأة والمعلومات المستترة خلف الرسائل المشفّرة والمؤمّنة تأمينًا بسيطًا ـ بمحاولات تطلّبت منهم المراوغة والتعامل بحذرٍ للتغلّب على مخاطر نقل المعلومات.

يرجع تصميم الشفرات إلى فجر الحضارة الغربية، ففي عام 480 ق. م. كاد الإغريق أن يخضعوا للغزو على يد الإمبراطورية الفارسية التي كانت أعظم قوّة، إلا أنّ رسالة سرّية مخفيّة بالشمع على أحد أقراص الكتابة قد حذّرت من هذا الغزو المرتقب. وبدأ الإغريق بعد أن تمّ تحذيرهم عن طريق هذه الرسالة بالاستعداد للحرب فورًا، فقاموا بمهاجمة قوّات البحرية الفارسية بضراوة في معركة سلاميس Salamis واضعين بذلك نهاية للتهديد الفارسي ومبشّرين بالعصر الذهبي للإغريق. ولولا هذه الرسالة المخبّأة، لم يكن بمقدور تجمّع ولايات المدينة الإغريقية الهشّ مقاومة قوّة الأسطول الفارسي الفائقة، ولكانت البلاد الإغريقية قد أُخضعت للفتح الفارسي، ليكون مآل الحضارة الغربية مغايرًا بشكلٍ كامل.

وقد غيّر الفشل في محاولة نقل المعلومة أحيانًا من مسار التاريخ. فكم من رؤوس قد تدحرجت بسبب اكتشاف رسالة سرّية أو نتيجة لشفرة تم تفكيكها. ففي العام 1587، اقتيدت ماري Mary ملكة أسكتلندا إلى ساحة الإعدام بسبب شفرة رديئة. حيث إنّها قامت أثناء وجودها في السجن، بالتخطيط لمؤامرةٍ لقتل الملكة إليزابيث Elizabeth والاستيلاء على العرش الإنجليزي. ولأنه كان يجرى تفتيش كلّ ما كان يدخل أو يخرج من السجن، فقد لجأت ماري إلى التشفير لكي تتواصل مع أنصارها. فقامت مع شركائها في المؤامرة بابتكار شفرة لهم، وتداولوا عددًا من هذه الرسائل المشفّرة التي كان يجرى تخبِئَتها في سدادات براميل البيرة. ولسوء حظّ ماري فإن السير فرنسيس ولسينجهام Sir Francis Walsingham رئيس المراقبين الإنجليز، قد اكتشف هذه الرسائل وقام بحلّ شفرتها. حتّى إنه قام بزرع رسالة زائفة باعتبارها من ماري وموجّهة للمتآمرين تحثّهم فيها على الكشف عن أسماء كلّ الرجال في جمعيّتهم السرّية. وعندما مثلت الملكة ماري أمام المحكمة بتهمة الخيانة كانت هذه الرسائل هي المستند الرئيسي، فكان مصيرُها شفرةً مفكّكة وضربتَي فأسٍ على الرأس.
صفحة 5
تتّخذ الرموز والشفرات أشكالًا عديدة مختلفة، لكنّها جميعًا لها هدف واحد، وهو نقل المعلومات من شخص إلى آخر. في الوقت نفسه ينبغي أن تكون عملية النقل تلك آمنة بحيث تمنع المتنصّتين من الحصول على هذه المعلومات إذا ما تمّ اعتراضها. ولم تكن الشفرات آمنة بشكل جيّد خلال معظم فترات التاريخ، فبقليل من التركيز كان بمقدور أيّ من مفكّكي الشفرة الأذكياء حلّ أعقد الرموز المشفّرة. ومع ذلك، فقد اعتمد الملوك والقادة العسكريين على تلك الطريقة العقيمة للترميز، حيث كان اعتراض الرسائل وتفكيك شفرتها يعني غالبًا الموت أو الهزيمة، وكان إرسال الرسائل الحسّاسة مخاطرة دائمة، لكنّها كانت مخاطرة ضرورية وجزءًا أساسيًّا من شؤون الدبلوماسية والحرب.

ليس مهمًّا الطريقة التي يستخدمها مصمّمو الشفرات في التلاعب بالكلمات والرموز والأرقام وكتب التشفير، وليس مهمًّا كيف كانوا يُخفون الرسائل ببراعة في ثقوب البراميل أو داخل ثمار القرع العسلي أو حتّى ضمن قصيدة شعر. إذ كانت هناك دومًا مخاطرة لا يمكن تجنّبها، كأن تكتشف تلك الرسائل ذات الأهمية القصوى أثناء نقلها من مكان إلى مكان. وكما كان الجنرالات يقومون بنقل القوات والجيوش والإمدادات من الوطن إلى الجبهة والعودة مرّة أخرى، فقد كان عليهم أيضًا نقل المعلومات. كانت هذه المعلومات وهي في طريقها، تشمل أي بتة ملموسة مثل «وزن طلقة الرصاص» أو «ثقل غلاف المدفع» أو وجود «شاحنة معبّأة بالذخائر».

وتعتبر الخاصية الجوهرية للمعلومات بكونها حقيقية وملموسة مثل الكتلة والطاقة والحرارة من أصعب الأشياء التي يمكن قبولها، إذ لا يمكنك رؤية أيٍّ من هذه الخصائص مباشرة لكنّك تتقبّلها كحقيقة. فالمعلومات حقيقية تمامًا، ويمكن قياسها والتعامل معها كوزن التفاحة الذي يمكن تقديره بالميزان أو تقسيمه باستخدام سكين. ولهذا السبب كان القادة والجنرالات والدبلوماسيّون يتحمّلون المخاطرة دومًا باستخدام الرسائل ضعيفة التشفير. فالمعلومات يجب نقلها من المرسل إلى المستقبل كما تنقل سبيكة الذهب من فورت نوكس Fort Knox إلى مينت Mint، ولا توجد طريقة سحرية لنقل المعلومات بشكل ثابت ومستقرّ، كما لا يمكن نقل سبيكة الذهب في الهواء مباشرة من سرداب إلى سرداب. فحتّى أكثر الكمبيوترات تقدُّمًا لا بدّ أن يكون لديها وسيلة لنقل المعلومات من مكان إلى مكان، سواء عن طريق خطّ التليفون أو الكابل المحوري أو حتّى عبر الهواء بالاتصال اللاسلكي. فإذا أردت نقل معلومة من كمبيوتر إلى كمبيوتر آخر، فلا بدّ من أن يكون هذا الانتقال مادّيًا بطريقة ما.

ولأنّ للمعلومات وجودًا ملموسًا وقابلية للقياس ككتلة المادّة، فإنّ هذا يعني إمكانية فقدها أو سرقتها كما يتمّ سرقة مادّة ما بالضبط. وكما يجب على الشخص الذي يقوم بنقل كمّية من الذهب من مكان إلى آخر أن يتحمّل بشجاعة مواجهة مخاطر قطّاع الطرق أو اللصوص، فإنّ القائد الذي يرغب في تبادل المعلومات عليه أن يتحمّل بشجاعة مواجهة خطر اعتراضها وتفكيك شفرتها. فالمعلومات مثل الذهب لا بدّ من نقلها وتحريكها من مكان لآخر حتّى يكون لها قيمة بالنسبة للبشر.

فوراء غموض عالم التجسّس الخفِي، على مصمّمي الشفرة ومفكّكيها البارعين أن يكونوا خبراء في التعامل مع المعلومات، وعند تصميمهم للرسالة المشفّرة عليهم العمل للتأكُّد من أنّ المعلومات سوف تصل من المرسل إلى المستقبل دون أن يكون بمقدور أي شخص آخر الوصول إليها. فلا يجوز أن تتسرّب المعلومات من الرسالة المشفّرة. وبالمقابل، فإنّ مفكّكي الشفرة الذين يعترضون رسائل العدوّ سيحاولون استخلاص المعلومات من خليط الحروف والرموز الذي يجري استقباله والذي يبدو بلا معنى، وهو ما يحدث في حالة الشفرة غير المتقنة، فتتسرّب المعلومات بالرغم من قيام مصمّمي الشفرة بأقصى جهودهم. حتّى إنّ أكثر مصمّمي الشفرة مهارةً لا يمكنه تحقيق المعجزة وضمان تشفير الرسالة وتوصيلها بأمان للمكان المطلوب، هنالك دومًا مخاطرة لاكتشافها.

وتعدّ الفكرة بأن ما يبدو تجريديًّا كالمعلومات يصبح شيئًا ملموسًا ويمكن قياسه فعليًّا، أحد المعتقدات المركزية في نظرية المعلومات. فقد ولدت هذه النظرية في الأعوام التي تلت الحرب العالمية الثانية مباشرة، حيث وضع علماء الرياضيات مجموعة من القواعد لتعريف المعلومات ووصف الطريقة التي تتصرّف بها. ولهذه النظرية يقين رياضيّ يندر وجوده في دنيا العلم التجريبي الفضفاضة، بحيث لا يمكن انتهاك قواعد تلك النظرية مثلما لا يمكن انتهاك قوانين الديناميكا الحرارية التي تمنع المخترعين من إنتاج آلة الحركة الأبدية. ومع أنّ المعلومات موجودة حولنا منذ قرون، إلا أن مصممي الشفرات قد بدأوا فقط خلال الحرب العالمية الثانية في تلمّس حدود هذه النظرية.

يتضمّن علم التشفير أول مفاتيح حلّ لغز طبيعة المعلومات. إنّه لا يقدّم لنا القصة كاملة، لكنّه سيعطينا فكرة عن كيفية أنّ المعلومات حقيقية وملموسة ويمكن قياسها ويجب حملها من مكان إلى آخر كسبيكة الذهب. ويعتبر الإسهاب redundancy أحد المحظورات على مصمّمي الشفرات، فهو يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم المعلومات، ويمكن أن يساعدنا فهم الإسهاب في تفسير لماذا تكون المعلومات ملموسة مثل الذرّة في جزء من المادّة.

فعندما تستقبل رسالة ما حتّى لو كانت شيئًا بسيطًا مثل «السماء زرقاء»، سيتوجّب عليك أخذ تتابع الكلمات ومعالجتها لفهم معنى هذه الرسالة. فأنت تستقبل تتابعًا من علامات على الورق (أو صوت في الهواء) وتستخلص المعنى من تلك العلامات. ويقوم الدماغ بأخذ مجموعة مجرّدة من الخطوط والمنحنيات التي تعني أن «السماء زرقاء» ثم يتعامل مع هذه الرموز لفهم الرسالة على أنّها جملة عن لون السماء في الخارج. هذه العملية، استخلاص المعنى من مجموعة رموز، هي عملية لا واعية. إنّها شيء يتدرّب عليه الدماغ البشري منذ اللحظة التي يناغي فيها الأبوان طفلهما في مهده، وفيما بعد تصبح عملية استخلاص المعنى من الرموز عملية انسيابية، وهكذا تكون سلاسة اللّغة. مع ذلك، فهذه العملية اللاواعية ـ استخلاص المعنى من الرموز المتتابعة ـ تعدّ أمرًا حاسمًا في قدرتنا على استخدام اللغة. وهذا هو مفهوم الإسهاب، لأن الإسهاب هو ما يجعل الرسالة سهلة الفهم.
صفحة 6
والإسهاب في جملة أو رسالة ما، هو المفاتيح الإضافية التي تسمح للمعنى بأن يكون مفهومًا حتّى لو كانت الرسالة مشوّشة بدرجة ما. وفي النهاية فان كلّ جملة في أيّ لغة من اللّغات تكون مليئة بالإسهاب. فالجملة في اللغة الإنجليزية ـ أو أيّ لغة أخرى ـ تحتوى دائمًا على معلومات أكثر ممّا هو مطلوب لفهم ما تتضمّنه هذه الجملة، ومن السهل رؤية هذا الإسهاب. J-st tr- t- r--d th-s s-nt-nc-، تبدو الجملة السابقة مشوّشة بشكل كبير، فقد أُزيلت كلّ الحروف المتحرّكة من الرسالة(**). ومع ذلك، يبقى من السهل تفكيك هذا التشوّش واستخلاص معناه، فمعنى الرسالة يمكن أن يبقى بدون تغيير على الرغم من حذف بعض الأجزاء منها. وهذا هو جوهر الإسهاب.

بالنسبة للبشر فان الإسهاب يعدّ شيئًا جيّدًا، فهو يجعل فهم الرسالة أسهل، حتّى لو كانت مشوّهة جزئيًّا بفعل البيئة. وبفضله سيكون بإمكانك فهم صديق عندما يتكلّم معك في مطعم مزدحم أو يتحدّث إليك من هاتف خلوي مشوّش. فالإسهاب آلية آمنة تضمن وصول المعلومات حتّى لو أصابها عطب بسيط أثناء عملية نقلها. وكلّ اللغات لديها هذا البناء الداخلي من شبكات الأمان المكوّنة من الأساليب والتراكيب ومجموعة القواعد التي تجعلها مسهبة. أنت لا تدرك تلك القواعد في العادة، لكن عقلك يستخدمها بشكل لا واعي حين تقرأ أو تتكلّم أو تستمع أو تكتب ـ وفي كلّ مرّة تستقبل فيها رسالة لغوية من شخص ما. حتّى لو لم تكن تلك القواعد واضحة، فهي موجودة مع ذلك، ويمكنك أن تشعر بانسيابها إذا تلاعبت قليلًا باللغة.

خذ على سبيل المثال كلمة ليس لها معنى مثل fingry. لهذه الكلمة وقْع يوحي بأنها كلمة إنجليزية. في الحقيقة فإن منطوق الكلمة يوحي بأنها صفة «جي، إن رئيسك يبدو وكأنه fingry اليوم». لكن ماذا لو اختلقت كلمة أخرى بلا معنى: trzeci. بخلاف كلمة fingry فإن كلمة trzeci لا تبدو منطوقًا صحيحًا لكلمة إنجليزية إطلاقًا(***)، وهذا بسبب تلك القواعد المفهومة ضمنيًّا ـ وهي في هذه الحالة قواعد اللغة الإنجليزية. فحرف الـ z يندر استخدامه إلى حدٍّ ما في اللّغة الإنجليزية ولا يأتي إطلاقًا بعد الحرفين tr. والأكثر من ذلك، فإنه ليس من الشائع تقريبًا إنهاء الكلمة في اللغة الإنجليزية بالحرف i، لذا فإن كلمة trzeci لا تعطي الإحساس بأنّها كلمة إنجليزية. إنها تكسر القواعد غير المكتوبة عن خصائص الكلمات الإنجليزية السليمة. من جهة أخرى فإن fingry لها الشكل الصحيح من الحروف (والمنطوق) الذي يجعلها تبدو وكانها كلمة إنجليزية حقيقية، والنهاية –gry تعطى إشارة على أنّ الكلمة تعبر عن صفة.

يتعلّم العقل البشري هذه القواعد بشكل آلي ويستخدمها ليقوم باختبار صلاحية كلّ الرسائل التي يستقبلها. وبهذه الطريقة نفرّق بين الرسالة التي لها معنى وبين سلسلة الرموز والمقاطع اللفظية التي بلا معنى.

كلّ اللّغات لديها قواعد ضمن قواعد ضمن قواعد. فقواعد كلمة trzeci في مقابل كلمة fingry تعمل على مستوى الحروف والأصوات، إنها تحدد أي حروف أو أصوات تتبع الأخرى. لكن الكثير من القواعد الأخرى تعمل على مستويات مختلفة كذلك. ومع أنها تعمل بشكل لاواعي، فإنك لن تشعر بها إلا إذا كان هناك خطأ ما في الرسالة، لأنها تنطلق كتنبيه آلي. على سبيل المثال، هناك قواعد تحدّد أية كلمة ستأتي بعد الكلمات والعبارات الأخرى على الأرجح، ويراقب دماغك تلك القواعد اللغوية باستمرار، ممّا يجعلك تعرف لو أن ترتيب الكلمات قد استخدم بشكل خاطئ. وهناك أيضًا قواعد لفحص معنى الرسالة أثناء معالجتك لها. فحتّى أكثر الجمل صوابًا وإتقانا يمكن أن يبدو منطوقها غريبًا إذا لم تكن ممّا يتوقّعه دماغك بالضبط، وعندما يحدث ذلك ستصطك الكلمة الخاطئة فورًا بأذنك(****).

هذه القواعد موجودة في كلّ مكان. إنّها تخبرك بالفرق بين صوت الخنزير الذي بلا معنى وبين الأصوات المتناغمة ذات المعنى، بين الكلمات التي لا معنى لها وبين الكلمات الحقيقية، أو بين الجمل السخيفة وتلك المفعمة بالمعنى. بعض هذه القواعد يصلح عبر العديد من اللّغات الإنسانية، فهناك حفنة بسيطة فقط من الأصوات التي تحمل في ذاتها معنى في الكلام الإنساني. وهناك بعض القواعد الأكثر تخصصًّا في لغات معينة، فالكلمات البولندية تظهر وتنطق بشكل يختلف كلّيًا عن الكلمات الإنجليزية لأن القواعد المتناظرة في اللغتين والتي تحدّد «سلامة الكلمات» مختلفة جدًّا. ولدى جميع اللّغات مجموعة هائلة من هذه القواعد التي تمنح اللّغة تركيبها وإسهابها.

عندما يطلق عقلك تنبيهًا عن كسر إحدى هذه القواعد، كأن يكون منطوق الكلمة ليس إنجليزيًّا أو كأن تحتوي الجملة على كلمة خاطئة، فإنه يخبرك أنّ تيار الحروف (أو الأصوات) الذي تتلقّاه لا يتوافق مع ما تتوقّعه منه كرسالة سليمة، كأن شيئًا ما ليس في مكانه، شيئًا ما مشوّه. وسيقوم عقلك باستخدام تلك القواعد والعمل بأثر رجعي، لتصحيح تلك المشكلة غالبًا. تمامًا مثلما يحدث في حالة وجود خطأ في تهجئة كلمة ما. فسيعمل عقلك بلا كللٍ على تطبيق القواعد المضبوطة للتهجئة حتّى يتمّ تصحيح تيار الرموز المشوّة، وستتمكن عندئذٍ من استخلاص معنى الجملة بالرغم من وجود هذا الخطأ، وليس هذا سوى أنّ الإسهاب يقوم بدوره.

هذه القواعد هي التي تسمح لك أيضًا بقراءة جملة حذفت منها الحروف المتحرّكة. فالقواعد الضمنية للّغة الإنجليزية تخبرك دومًا بان «th-s» هي على الأرجح this أكثر من كونها thms أو حتّى thes. فشكرًا للقواعد، لأنك ما زلتَ قادرًا على استخلاص معنى الرسالة حتّى لو قمتُ بكشط بعض جملها... طالما لم يتم إزالة الكثير جدًّا منها. لكن هناك نقطة لن يكون ممكنًا بعدها القيام بمزيد من التشويش أو ضغط الجملة دون أن تفقد معقوليّتها. قم مثلًا بكشط بعض الحروف أكثر من اللازم وستبدأ بفقد المعنى المتضمّن في الرسالة. وعندما تتخلّص من كلّ الإسهاب في سلسلة الحروف فإن ما سيتبقى، هو النواة الصُّلبة غير القابلة للانضغاط والتي يمكن قياسها. هذه هي المعلومات: إنّها الشيء المركزي الذي يقبع في قلب كلّ جملة وغير القابل للاختزال.

هذا تعريف تقريبي، فهو ليس كاملًا بقدر ما هو صحيح. فالمعلومات والإسهاب متكاملان، وعندما تزيل الإسهاب من سلسلة حروف أو رموز لهذا الغرض، فإن ما يتبقّى هو المعلومات. ويدرك علماء الكمبيوتر جيّدًا ذلك الجوهر الذي يتعذّر اختزاله في كلّ رسالة. وهو أمر هامّ عند تصميم، فلنقل، برنامج لضغط ملفات الكمبيوتر. فبرامج الضغط تسحق الملفّات ـ مثل التي تحتوي نَصّ هذا الكتاب ـ ولهذا فهي تشغل حيّزًا أقلّ على القرص الصُّلب أو أيّ وسيلة تخزين مشابهة. هذه البرامج جيّدة جدًّا، لكن هناك بعض الغموض الذي يلفّ طريقة عملها: فهي تعمل (غالبًا) على حذف كلّ الإسهاب من الملفّ، تاركة وراءها جوهر الملفّ فقط. ويصبح برنامج الضغط هذا مثاليًّا وذا قيمة تجارية إذا كان بإمكانه ضغط الملفّ بنسبة 60%، وما يتبقّى بعد ذلك لا يمكن ضغطه. فإذا قمت بتشغيل برنامج الضغط مرّة أخرى، فلن يمكن ضغط الملفّ أكثر من ذلك (جرّب ذلك بنفسك)، لا يمكن أن يكون أصغر من ذلك إلا إذا أردت أن تفقد بعض المعنى من الرسالة أو بعض المعلومات من الملفّ النصّي. فإذا حاول شخص أن يبيع لك برنامجًا يمكنه ضغط هذا الجوهر غير القابل للانضغاط ليكون حجمه أصغر، فعليك الاتصال بمكتب المباحث الفيدرالية FBI للإبلاغ عن قضية احتيال.
صفحة 7
ليس علماء الكمبيوتر فقط المعنيّين بالإسهاب. فمفتاح التحدِّي الرئيس لعملية التشفير هو إزالة أو إخفاء هذا الإسهاب من الرسالة مع الإبقاء على المعلومات الأساسية في قلبها. لا يهم كيف يحاول مصمّمو الشفرة أو علماء الكمبيوتر إخفاء أو تقليص الرسالة، ليتبقّى الجزء الذي لايمكن ضغطه والذي يتوجّب نقله من المرسل إلى المستقبل، سواء أرسلت تلك الرسالة بموجات الراديو أو في أقراص الشمع أو باستعمال الأضواء من برج كنيسة Old North Church. إن هذا الإدراك قد يؤدّي إلى تثوير مجال الفيزياء، فالإسهاب والمعلومات قد عملا في البداية على تثوير مجال التشفير كما غيّرا مسار تاريخ العالم.

يفكّر مصمّمو الشفرة في مهنتهم وفقًا لمصطلحَي المعلومات والإسهاب. فهدف مصمّم الشفرة، قبل كلّ شيء، هو إنتاج تيار من الرموز يكون له معنى لدى المستقبل المقصود. بمعنى ما، فإنّ مصمّم الشفرة يقوم بابتكار لغة صناعية. وعلى عكس اللغات الإنسانية المعتادة والمقصود منها تبادل المعلومات بحرّية، فإنّ الرسائل التي يصمّمها مصمّمو الشفرة يكون مقصودًا منها أن تبدو بلا معنى بالنسبة للمتنصّتين. المعلومات الموجودة في الرسالة الأصلية تظلّ موجودة في النسخة المشفّرة، إلا أنّها تكون مخفية عن الذين لا يعرفون فكّ شفرة الرسالة. فالشفرة الجيّدة تحجب المعلومات عن هؤلاء غير المخوّل لهم معرفتها، والشفرة الرديئة تسمح بتسرّب المعلومات منها. وعندما تفشل الشفرة، يكون هذا غالبًا بسبب عدم البراعة في الإسهاب.

ستعرف ذلك بالفعل إذا كنت من هواة حلّ الألغاز. ففي الصفحات الفكاهية للعديد من الجرائد، ستجد ألغازًا صغيرة تسمّى الكريبتوجرام cryptogram. وهو عبارة عن اقتباس أو قول مشهور يجرى تشفيره بطريقة بسيطة: بحيث يتمّ إحلال كلّ حرف بحرف آخر من حروف الأبجدية، لينتج تسلسلًا بلا معنى. قد ترى على سبيل المثال شيئًا مثل FUDK DK V NTPVFDOTPM KDIAPT GSHDJX KGUTIT DF KUSYPH JSF FVWT IYGU FDIT FS ZNTVW DF، وبقليل من الممارسة، ستتمكّن من حلّ شفرة هذا اللغز بسرعة لاستخلاص المعلومات التي يتضمّنها.

هناك عدّة طرق لفكّ شفرة الكريبتوجرام، وكلّها تستغل القواعد غير المكتوبة للغة الإنجليزية، فحتّى لو كانت المعلومات مشوّهة، ستسمح لك هذه القواعد باكتشاف ماهية الرسالة. وأحد تلك القواعد أنّه إذا كان لديك حرف مفرد في الجملة، فإنه إمّا أن يكون A أو I، فلا يوجد حرف مفرد في الإنجليزية يمكنه تكوين كلمة صحيحة. لذا ففي الكريبتوجرام السابق، فان الرمز V قد يمثل الحرف A أو I. هناك قاعدة أخرى وهي أن الحرف E يعد من أكثر الحروف تكرارًا في اللغة الإنجليزية، لذا ففي الجملة السابقة فان الرمز الأكثر تكرارًا T من المحتمل أن يمثل الحرف E. بعض الحروف الأخرى مثل S وتراكيب الحروف مثل TH، تعتبر شائعة نسبيًّا لذا فمن شبه المؤكّد ظهورها في رسالة ما، أمّا الحروف الأخرى مثل X أو KL فهي نادرة وقد لا تكون موجودة في الكريبتوجرام النموذجي. فإذا تمعّنت قليلًا في الكريبتوجرام السابق، فسيكون بإمكانك فكّ شفرة رسالته. حيث إن قواعد اللغة الإنجليزية تسمح باستنباط المعلومات من الرسالة حتّى بالرغم من كونها مخفية. وبكلمات أخرى، فإن تلك القواعد تعطي الإسهاب للرسالة كما تتيح لك تفكيك الشفرة(*****).

يعتبر الإسهاب ـ تراكم القواعد والأساليب اللغوية ـ بمثابة العدوّ للشفرة الآمنة، فهو يساعد على تسريب المعلومات منها، ولهذا يبذل مصمّمو الشفرة قصارى جهدهم لإخفاء الإسهاب في الرسالة. وتلك هي الطريقة الوحيدة التي تجعل مصمّمي الشفرة يأملون في ان الشفرة الجديدة ربّما تكون آمنة. إن حجر الزاوية لعلم التشفير هو فهم العلاقة بين الإسهاب والمعلومات والأمان، لكن قبل ولادة نظرية المعلومات، لم يكن لدى أحد في الحقيقة هذا الفهم العميق لما وراء تلك العلاقة، ولم يكن مفهومًا طبيعة المعلومات أو الإسهاب. ولم تكن هناك طريقة منهجية لتعريفهما أو قياسهما والتعامل معهما. وكنتيجة لذلك كانت أكثر التراكيب الشفرية تعقيدًا في بدايات القرن العشرين يغلب عليها عدم الأمان حتّى تلك التي كان يُعتقد أنّها عصيّة على التفكيك.

في فبراير من عام 1918 تقدّم المخترع الألماني أرثر شيربيوس Arthur Scherbius لنيل براءة اختراع ماكينة شفرة لا يمكن حلّ شفرتها، والتي سرعان ما جابت سمعتها السيّئة العالم باسم: انيجما Enigma. لقد كانت انيجما طريقة عبقرية لتشفير الرسائل. فكانت على درجة عالية من التعقيد بحيث اعتقد معظم مصمّمو الشفرات وعلماء الرياضيات في ذلك الوقت أنّه لا أمل حتّى في محاولة كسر شفرتها.
صفحة 8
ظهرت آلة شيربيوس بشكل ما وكأنها آلة كاتبة لها ستّة صفوف من المفاتيح، لكنّ النقر على أحد هذه المفاتيح لا يترك أي أثر على الورق بل يومض مصباحًا في الماكينة. فإذا نقرت مفتاح الحرف A مثلًا ربّما يومض الضوء الذي يشير للحرف F، فالمفتاح A مشفّر على أنه الحرف F. لكنّ إذا نقرت المفتاح A مرّة ثانية ربّما يومض المصباح الذي يشير للحرف S أو O أو P، ففي كلّ مرّة تنقر فيها المفتاح A ستكون النتيجة مختلفة. وهذا لأن آلة شيربيوس كانت مصمّمة من الداخل بحيث يكون هناك عدد من الأقراص الميكانيكية الدوّارة. وفي كلّ مرة تنقر فيها مفتاحًا، سيتحتّم دروان تلك الأقراص وانتقالها خطوة للأمام، وعندما تغيّر تلك الأقراص من وضعها ستتغيّر عملية التشفير أيضًا. لأنه في كلّ مرة تنقر فيها مفتاحًا سيصبح هذا المفتاح مشفّرًا بطريقة مختلفة، وبدا الأمر كأن آلة إنيجما تغير شفرتها مع كلّ نقرة مفتاح.

كانت معظم نماذج انيجما تستخدم ثلاثة أقراص دوّارة ـ بعض النماذج بها أربعة ـ وكلّ قرص يجب أن ينتقل إلى الأمام ستًّا وعشرين مرّة قبل أن يعود إلى نقطة ضبطه الأولية. كان يمكن توصيل هذه الأقراص بالأسلاك بعدّة طرق، كما كان يمكن وضع أيّ منها في أي من الثلاثة (أو الأربعة) أماكن المخصّصة لدروانها. كانت هناك أيضًا أسلاكٌ ومقابس يمكن تغيير أماكن تثبيتها كما كان يمكن أيضًا تعديل بعض المواصفات الأخرى. لقد أدرك الجميع، أنّ آلة انيجما القياسية ذات الثلاثة أقراص دوّارة باستطاعتها أن تعطي ترتيبات للحروف بأكثر من 300 مليون مليار جووجول googol احتمال. فإذا كان عليك حلّ شفرة رسالة انيجما، فسيكون عليك أن تستنبط أيّ وضع من الأوضاع الـ 3×10 114 التي كانت عليه آلة التشفير عندما بدأت في كتابة رسالتها المشفّرة.

وتعدّ هذه الإمكانية المهولة خارج أيّ نقاش، فما من طريقة تستطيع بها أن تجرب يدوّيًا كلّ احتمال من تلك الاحتمالات الـ 3×10 114. فإذا كانت كلّ ذرة في الكون عبارة عن آلة انيجما، وقامت كلّ ذرة من تلك الذرات بإجراء مليون مليار احتمال من هذه الاحتمالات في كلّ ثانية منذ نشأة الكون حتّى الآن، فلن يتجاوز ما تم إنجازه حاليًا سوى 1% من كلّ هذه الاحتمالات الممكنة. وهكذا فلا عجب من أن تحظى انيجما بسمعة أن شفرتها عصيّة على التفكيك. لكن من حسن حظّ الحضارة الغربية أن هذا لم يحدث.

كان أحد أسرار الحرب المحفوظة بشكل جيّد، عبارة عن إطار يضمّ صورة لمجموعة من مفكّكي الشفرة في أحد المباني على الطراز الفيكتوري: بمنطقة بليتشلي بارك في بوكينج هامشاير Bletchley Park in Buckinghamshire في إنجلترا. وهم من سيسمّيهم ونستون تشرشل Winston Churchill لاحقًا «بالأوزات التي تضع بيضًا من الذهب لكنّها لا تقوقئ أبدًا». وكان ألان تيورنج Alan Turing أشهر تلك الأوزات.

ولد تيورنج في عام 1912 بلندن، وكاد أن يصبح أحد مؤسّسي علم الكمبيوتر ـ وهو المجال الذي يتعامل بالتجريد مع الأشياء التي تعالج المعلومات. وبالنسبة لعلماء الرياضيات وعلماء الكمبيوتر، كان أكثر الإسهامات التي قام بها تيورنج أهمية، هو تصميمه لكمبيوتر أوّليّ عُرف فيما بعد باسم آلة تيورنج. وهو عبارة عن آلة ذاتية الحركة تستطيع قراءة التعليمات الموجّهة لها على شريط ورقي. كان هذا الشريط مقسّمًا إلى مربّعات إمّا فارغة أو بها علامات مكتوبة. لقد كانت آلة تيورنج بسيطة للغاية، فهي تستطيع أن تؤدِّي عددًا محدودًا فقط من العمليات الأولية. كقراءة ماهو مكتوب على جزء معيّن من الشريط، أو تقديم هذا الشريط وإرجاعه، أو الكتابة ومحو العلامات من عليه.
صفحة 9
وفي ثلاثينيات القرن العشرين، برهن تيورنج وزملاؤه في جامعة برينستون بكنيسة ألونزو Princeton University, Alonzo Church، أن هذا الروبوت robot البسيط ماهو إلا كمبيوتر شامل، فهو يستطيع إجراء أيّ عملية حسابية يتخيّل أن يقوم بها الكمبيوتر، بما في ذلك أحدث الكمبيوترات الفائقة supercomputers. ممّا يعني أنّك تستطيع نظريًّا إجراء أكثر العمليات الحسابية أو المهام الحاسوبية تعقيدًا لو كان بمقدورك لفّ الشريط وقراءة وكتابة أو مسح العلامات من عليه. كانت فكرة الكمبيوتر الشامل حاسمة في تطوّر علم الكمبيوتر ونظرية المعرفة.

لم يحظَ تيورنج بشهرته الكبيرة لهذا فقط، فقد جاءت شهرته من قدرته على تفكيك شفرة انيجما. حيث قام مع زملائه في بليتشلي بارك، باستكمال جهود علماء الرياضيات البولنديين، فقاموا باستخلاص المعلومات التي كانت تخفيها رسائل انيجما المشفّرة عن طريق استغلال الإسهاب الموجود فيها. فقد تسبب عددٌ من عيوب شفرة انيجما بوجود إسهاب في تلك الرسائل ممّا ساعد على إضعاف شفرتها. كان أحد تلك العيوب بسبب التصميم (فمثلًا، آلة انيجما لا يمكنها ترك الحرف الواحد دون تغيير: فالحرف المشفّر E قد يكون أي حرف من حروف الأبجدية إلا الحرف E نفسه، وهذه المعلومة البسيطة قد تساعد في معرفة ما كانت عليه الرسالة). كما كان أحد هذه العيوب بسبب طريقة الألمان في الاتصال (فقد كان بمقدور مفكّكي الشفرة في بليتشلي بارك استغلال ما تتنبّأ به تقارير الطقس المشفّرة التي كان يرسلها الجيش الألماني، لتفكيك الشفرة التي تخفي تلك التقارير، ومثل تنبؤ اللغة كان هذا شكلًا من الإسهاب). لقد سمحت هذه العيوب مع بعضها لتيورنج وزملائه بأن يفكّكوا رسائل انيجما المشفّرة، بواسطة سلسلة بدائية من الالآت الحاسبة التي صمّمت خصّيصًا لهذا الغرض وعرفت باسم «قنابل الحلوى» (******) bombes. وقد استطاع تيورنج ومساعدوه في بليتشلي بارك أن يفكّكوا شفرة رسائل انيجما فعليًّا وفي غضون ساعات، بفرق شاسع عن مليارات مليارات السنين التي يتطلّبها التحليل العقلي البسيط للوصول إلى حلّ طريقة تأمين شفرات انيجما. لقد تسرّبت المعلومات من الرسائل المشفّرة وكان بمقدور مفكّكي الشفرة في بليتشلي بارك أن يقرأوها حتّى لو كانت مخفيّة بآلة انيجما.

وكما أن كسر الشفرة JN-25 قد غيّر من مسار الحرب في المحيط الهادى، فان كسر شفرة انيجما قد غيّر مجريات الحرب في المحيط الأطلنطي. ففي المراحل المبكّرة من الحرب العالمية الثانية، كاد أسطول اليوبوتات الألمانية أن يخنق جزيرة بريطانيا العظمي الحصينة. وفيما بعد، كتب رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل «في الحقيقة، فإن الشيء الوحيد الذي أرعبني بصورة مطلقة أثناء الحرب كان تهديد اليوبوتات». ويعد النصف الثاني من عام 1940 أسعد أيام البحرية النازية، حيث كانت اليوبوتات ترسل شهريًّا حوالي نصف مليون طن من حمولات سفن الشحن الإنجليزية إلى قاع المحيط الأطلنطي، ممّا جعل بريطانيا العظمي تجثو على ركبتيها تقريبًا، لكن مفكّكي شفرة انيجما قد غيّروا هذا المسار، فمن اللحظة التي تمّ فيها تفكيك شفرة اتصال اليوبوتات عن طريق نسخة انيجما التي كانت لدى البحرية البريطانية، قام مفكّكو الشفرة في بليتشلي بارك بمساعدة القوّات البريطانية المضادّة للغوّاصات باصطياد وإغراق تلك اليوبوتات التي تسبّبت بضرر بالغ لأمّتهم كما أسهموا في الفوز بالحرب(*******).

كان تفكيك شفرة انيجما آخر جهد عظيم مبذول لتفكيك الشفرات، قبل أن يتعلّم العلماء تحديد المعلومات ومعالجتها وتحليلها. فقد كان مفكّكو الشفرة في بليتشلي بارك ودون أن يدروا، يستغلّون طبيعة المعلومات الملموسة التي يتعذّر اختزالها. فكانوا يستخدمون الإسهاب وعمليات الحوسبة والمعالجة الحسابية لكشف غموض الشفرات واستخلاص المعلومات التي تكمن وراءها. بمعنى ما، كان مفكّكو شفرة انيجما النجم الساطع الذي بشّر بميلاد كلٍّ من علم الكمبيوتر ونظرية المعلومات – وقد شكّلت أفكار تيورنج جزءًا هامًّا فيهما.

ومن المحزن أنّ تيورنج نفسه لم يلعب دورًا مهمًّا في ميلاد نظرية المعلومات. ففي عام 1952 تمّت محاكمة تيورنج «مثلي الجنسية» بتهمة ارتكاب «بذاءة فاضحة» لعبثه مع ولد يبلغ من العمر تسعة عشر عامًا. ولكي يتجنّب السجن، قام بالتوقيع بالموافقه على الخضوع للعلاج باستخدام الحقن الهرمونية التي كان من المفترض أن تقضي على ميوله الجنسية تلك. لكنّها لم تفعل، ولم يُشفَ من وصمة «فساد أخلاقه» وبعد سنتين انتحر تيورنج المعذّب عقب تناوله للسيانيد على ما يبدو.

لقد جاء ذكر مأساة تيورنج في كلّ مرّة عندما كان على علماء الفيزياء وعلماء الكمبيوتر أن يتعلّموا طريقة التعامل مع جوهر المعلومات، في الوقت الذي كان يرى فيه العلماء صعوبة في تحديد مفهوم للمعلومات يحمل مفتاحًا لفهم طبيعة العالم المادّي. ولم يكن هذا الانتحار هو الوحيد الذي ألقى بظلاله على علم المعلومات، فقد كانت المأساة في الحقيقة موجودة عند جذور نظرية المعلومات، حول الجهود الفيزيائية المبكّرة التي مهّدت الأرض لمجيء هذه الثورة.
صفحة 10
الفصل الثانى

العفاريت

ها أنت عفريت مُعادٍ، هذا ما أدركه جيِّدًا، والخوف من أعمالك يحوّل الخير دائمًا إلى شر.

ـ فاوست، جون وولفجانج فون جوته

بعد ظهيرة الخامس من سبتمبر عام 1905، قام لودفيج بولتزمان Ludwig Boltzmann بلفّ طرف حبل صغير حول إطار النافذة وعمل أنشوطة متدلية من الطرف الآخر، وبينما كانت زوجته وابنته يجدفان بسعادة في خليج منتجع قرية ديونو Duino فيما كان يُعرف أيامها بالنّمسا ـ المجر Austria-Hungary، شنق بولتزمان نفسه، لتجد ابنته الجثّة بعد ذلك.

وقد نحتت على قبر بولتزمان تلك العبارة بالغة البساطة: S = K log W. وهي العبارة التي ستقوم بتثوير مجالين فيزيائيّين كان يُعتقد بعدم وجود علاقة بينهما. كان الأول، الديناميكا الحرارية، التي تتعامل مع القوانين التي تحكم الحرارة والطاقة والشغل ـ وهو مصدر أقوى قانون في الفيزياء. كان الثاني، نظرية المعلومات، ولم يتسنَّ لبولتزمان العيش حتّى يراها تبعث إلى الحياة.

للوهلة الأولى، لا يبدو أن هناك شيئًا مشتركًا بين الديناميكا الحرارية ونظرية المعلومات، فالأولى تتعامل مع أكثر الأفكار الملموسة التي كان يقدرها مهندسو القرن التاسع عشر، الحرارة والطاقة والشغل. وهي الأشياء التي جعلت المصانع تدور والآلات البخارية تزمجر ومسابك المعادن تتوهّج. من الناحية الأخرى، بدا أنّ المعلومات تجريدية وسريعة التلاشي، فلا يمكننا إضافة المعلومات إلى المسبك لصهر الحديد، كما لا يمكننا تزويد النول بها لغزل الصوف. ومع ذلك فإن نظرية المعلومات تنبثق من الديناميكا الحرارية. وكلاهما من فروع المعرفة الحافلة بالعفاريت.

في أواخر القرن الثامن عشر كانت أوربا قارة مليئة بالعفاريت، ولم تكن فرنسا استثناء. فقد قامت الثورة الفرنسية بعزل الملك لويس السادس عشر Louis XVI في عام 1789 وقطعت رأسه في النهاية، وفي فوران استبداد السنوات التي تلت ذلك، أرسل عددٌ كبيرٌ من الناس إلى القبر مع ملكهم، منهم العالم الفرنسي العظيم أنطوان لورانت لافوازييه Antoine Luarent Lavoisier. كان لافوازييه مسئولًا بشكل جزئي عن ولادة أحد فروع العلم، والمعروف حاليًا بالكيمياء. فقد أظهرت تجاربه أنّ التفاعلات الكيميائية لا تفني المادّة ولا تستحدثها ـ فعندما تحرق شيئًا على سبيل المثال، فإن كتلة الموادّ الناتجة تساوى دائمًا كتلة الموادّ المتفاعلة ـ وهو المبدأ المعروف حاليًا بمبدأ بقاء المادّة. وقد أثبت بالبرهان أن عملية الاحتراق كانت تتم بسبب وجود مادّة في الهواء هي الأكسجين. وفي كتابه «بحث أولي في الكيمياء» الذي نشر في سنة اندلاع الثورة الفرنسية قام بوضع أسس الكيمياء، هذا المجال العلمي الجديد، وفي جزء منه قام بوضع قائمة بالعناصر والموادّ الأساسية التي لا يمكن تقسيمها. كان الأكسجين ضمن هذه العناصر بالإضافة إلى الهيدروجين والنيتروجين والزئبق وعدد من العناصر الأخرى التي اتخذ وجودها طبيعة ثانية بالنسبة لعلماء الكيمياء. ولا وجود حاليًا لدى العلماء الحاليّين لأحد «عناصر» لافوازييه الذي كان شائعًا في أيامه: السُعر الحراري.

كان لافوزييه ومعظم علماء عصره مقتنعون بأن السُعر الحراري، عبارة عن سائل غير مرئي ينساب من جسم إلى آخر، وهو مسئول عن درجة سخونة الأشياء وبرودتها. وقد افترض لافوزييه أن «قطرات السُعر الحراري» تتدفّق من قضيب الحديد الساخن، بينما لا تحتوي قطعة الرخام إلا قليلًا منها، فإذا وضعت الحديد على الرخام، فإن السائل «السُعر الحراري»، سينساب نظريًّا من الحديد إلى الرخام، لكي يبرد الأول ويسخن الثاني.

كانت هذه الفكرة خاطئة، مع أنّ لافوازييه لم يعش شخصيًّا ليرى سقوط نظرية «السُعر الحراري». وقد كان أرستقراطيًّا، لذا فقد نظر إليه حكام عصر الإرهاب بريبة، وبحثوا عن طريقة للتخلّص منه. فتم توقيفه في عام 1794، وإدانته بتهمة الغش، لقيامه بتخفيف التبغ للجمهور. وفي 8 مايو قطعت رقبته على المقصلة وانقطع مسار حياته الواعدة.

تزوّجت ماري آن أرملة لافوازييه الجميلة مرّة أخرى ـ وسيبرهن الزوج الجديد في النهاية أن سُعر لافوازييه الحراري كان محض خيال. ولد بنجامين طومسون Benjamin Thompson في ماساتشوستس Massachusetts عام 1753، لكنّه فرّ من البلاد، بعد أن عمل جاسوسًا لحساب البريطانيين، فكان يكتب التقارير عن أحوال الثوريين من سكّان المستعمرات، وراح طومسون يجوب أنحاء أوربّا، وتزوّج ماري آن لافوزييه ثم طلّقها بعد ذلك، وانتهى به المطاف للعمل كمهندس حربي في بافاريا Bavaria.