صفحة 1
تقديم
فقه الإصلاح والتغيير السياسي أطروحة دكتوراة للدكتور أديب فايز الضمور، جاءت في وقتها وزمنها، من أجل الإسهام في التأصيل الفقهي لجهود الإصلاح والتغيير السياسي في العصر الحاضر، الذي شهد غياباً أو تغييباً مقصوداً لوجود النموذج الإسلامي في الحكم وإدارة الأوضاع بشمول على مستوى الوطن العربي والإسلامي عموماً، بحيث ظهرت مشاريع أنظمة الحكم القائمة، المستوردة من فلسفات خارجية، تعمّدت إقصاء الفقه الإسلامي عن الممارسة الميدانية في قمّة السلطة والتشريع.
العالم العربي والإسلامي يشهد اليوم نقطة تحول تاريخية مهمّة، سوف تكون بداية لمرحلة جديدة كلياً، على مستوى الحكم والسلطة وفلسفة إدارة الدولة، فهناك أمل جماهيري فسيح، وأشواق عميقة لدى شعوب الأمّة العربية والإسلامية بأن تستعيد الشعوب سيادتها وسلطتها وحقها في اختيار حكوماتها، وحقها في المراقبة والمحاسبة بطريقة فاعلة وناضجة وشاملة وكاملة، والتخلص من الأنظمة الفردية الديكتاتورية المتسلطة، التي مكثت في السلطة تحكم بالحديد والنّار لمدة تزيد على نصف قرن من الزمان، بعد جهاد طويل ومضني ضد الاستعمار الغربي الظالم.
اليوم يعود العالم العربي والإسلامي لهويته، وعقيدته، وحضارته وثقافته، من أجل صياغة تجربة عصرية مميزة، تجمع بين الأصالة والمعاصرة، تكون أرضية صالحة لإيجاد نمط جديد من الدولة الحديثة التي تستمد السلطة من الشعب، وتصوغ رؤيتها للحكم من خلال تراثها الغني والاستفادة من التجربة البشرية المعاصرة الممتدة على ساحة الكرة الأرضية.
نحن نود من أبناء الأمّة العربية والإسلامية، خاصة أولئك المتخصصين في الفقه الإسلامي، أن ينخرطوا في البحث العلمي المنتج القادر على صياغة وجه المرحلة القادمة ونسج صورتها العملية الواقعية النموذجية التي تقوم على أركان الحرية والعدالة وتحرر الإرادة الشعبية والمشاركة الجماهيرية في السلطة والحكم، على نحوٍ حديث متطور يوفر للأمّة الرخاء والأمن والاستقرار والتقدم والتحضر، ضمن إطار قيمي رفيع المستوى مستمد من الوحي والعقل والتجربة على نحوٍ موضوعيّ علميّ فريد.
أرجو أن يكون هذا الكتاب، إحدى التجارب الناجحة في تناول عملية الإصلاح بأصول فقهية علمية صحيحة، تسهم في إرساء منهجية علمية كفؤة قادرة على معالجة الأوضاع القائمة بطريقة علمية، تستند إلى الأدلّة القوية المقنعة، القادرة على استلهام التجربة السابقة في إطار نهضوي حداثي متطور.
لقد أخذ مركز الأمّة للدراسات والأبحاث على عاتقه تشجيع الباحثين والدارسين على خوض غمار تطوير الواقع الموجود من خلال الدراسات العلمية والموضوعية الخاضعة للتقويم والمنهجية العلمية الصارمة، من أجل التوصل إلى ايجاد حالة علمية ناهضة تستند للبحث العلمي الرصين، تسهم في رفع شأن الأمّة العربية والإسلامية على صعيد البحث العلمي التطبيقي الذي يؤدي إلى تطوير النماذج القائمة من خلال التزاوج بين العلم والعمل.
والله نسأل أن يجعل عملنا كلّه خالصاً لوجهه الكريم، وأن يشكّل إسهاماً علمياً في رفد المشروع الحضاري النهضوي العربي الإسلامي الأصيل القادر على إعادة بناء الأمة وفقاً لأعلى مقاييس التحضر العالمي.
د. رحيّل غرايبة
مدير مركز الأمة للدراسات والأبحاث
صفحة 2
المقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، .
أما بعد
يقول ابن القيم: «ينبغي للمفتي الموفق إذا نزلت به المسألة أن ينبعث من قلبه الافتقار الحقيقي الحالي لا العلمي المجرد إلى ملهم الصواب ومعلم الخير وهادي القلوب، أن يلهمه الصواب ويفتح له طريق السداد، ويدله على حكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة،... فان ظفر بذلك أخبر به، وإن اشتبه عليه بادر إلى التوبة والاستغفار والإكثار من ذكر الله، فإن العلم نور الله يقذفه في قلب عبده، والهوى والمعصية رياح عاصفة تطفئ ذلك النور أو تكاد»( ).
تعرض في مقدمة هذه الدراسة الموسومة بفقه الإصلاح والتغيير السياسي مشكلة الدراسة، وأهدافها ومبرراتها، وبعضا من الدراسات السابقة، ومنهجية البحث في هذه الدراسة وأهميتها، وتتناول أيضا خطة البحث.
- مشكلة الدراسة:
تحاول هذه الدراسة الإجابة عن مجموعة من الأسئلة تتلخص فيما يأتي:
- هل يوجد في الفقه الإسلامي فقه يتعلق بالإصلاح والتغيير السياسي؟
- هل هناك قواعد وضوابط في الفقه الإسلامي تضبط عميلة الإصلاح والتغيير؟
- ما حكم بعض الوسائل المعاصرة المستخدمة في عملية الإصلاح والتغيير السياسي؟
صفحة 3
أهداف الدراسة ومبرراتها:
تهدف هذه الدراسة إلى بيان موقف الفقه الإسلامي من مجموعة قضايا مهمة منها:
- التأصيل الفقهي لمفهوم ووسائل الإصلاح والتغيير السياسي.
- تأصيل حركة وعملية الإصلاح والتغيير السياسي.
- تضييق دائرة الخلاف بين العاملين للإسلام في مجال الإصلاح والتغيير السياسي، وذلك من خلال الاتفاق على قواعد ومرجعيات في فقه وفهم الإصلاح والتغيير السياسي، مع تفهم الاختلاف في الفهم والاستنباط وتوجيه الاستدلال.
الدراسات السابقة:
بعد الاستقراء والمتابعة للدراسات السابقة لم أعثر على دراسة علمية تناولت الموضوع واستوعبته كدراسة موضوعية علمية، وقد اتجهت الدراسات السابقة في تناول مفردات الموضوع اتجاهات مختلفة على النحو التالي:
- أبو فارس، محمد عبد القادر، المشاركة في الوزارة في الأنظمة الجاهلية، 1991م.
- الأشقر، عمر سليمان، حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية، دار النفائس عمان، ط1، 1412هـ1992م.
- أبو بصير، عبد المنعم مصطفى حليمة، حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية، المركز الدولي للدراسات الإسلامية لندن، ط2،1420هـ - 2000 م.
- أحمد، معاوية، فقه التدرُّج في التشريع الإسلامي فهماً وتطبيقاً، مجلة جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية، السودان، العدد التاسع، 2004م.
- الألباني، محمد ناصر الدين، فقه الواقع.
- بوعود، أحمد، فقه الواقع أصول وضوابط، كتاب الأمة، وزارة الأوقاف قطر، ط1، 2000م .
صفحة 4
- البيانوني، محمد أبو الفتح، القواعد الشرعية ودورها في ترشيد العمل الإسلامي، كتاب الأمة الثاني والثمانون، مركز البحوث والدراسات في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر.
- الزحيلي، محمد مصطفى، التدرج في التطبيق والتشريع في الشريعة الإسلامية، الطبعة الأولى،1420هـ – 2000م، طبعة خاصة باللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، الكويت.
- الصاوي، صلاح، الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي المعاصر، المنتدى الإسلامي، الرياض.
- القرضاوي، يوسف، أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة، مكتبة وهبة القاهرة، ط4، 1992م.
وهذه الدراسات تناولت مسائل جزئية استقلت ببحثها، ولم تبحث فقه الإصلاح والتغيير السياسي كموضوع متكامل، فتناولت هذه الدراسة الموضوع تعريفا وتأصيلا، ثم ذكرت قواعده ووسائله.
أهمية الدراسة:
الإصلاح والتغيير وظيفة من وظائف الأنبياء العظيمة، وحاجة بشرية لتطورها ورقيها وخاصة في بعدها السياسي، وقد سلك في بحثها بعض المسلمين مسالك عدة، فالبعض توسط كما هو شأن هذا الدين، وآخر أفرط وغالى فسفك الدماء المحرمة واستباح البلاد والعباد... وآخر قد فرط وقصر فاعتزل وترك واجبا شرعيا، من هنا تأتي أهمية هذه الدراسة، ويمكن إجمال أهمية هذه الدراسة في أنها:
أولا: تناولت مسألة عامة يراد بيان موقف الشرع منها، فهي من الدين لأنها من التكاليف.
ثانيا: تناولت قضية معاصرة، كان لابد من تناولها بالبحث والدراسة.
ثالثا: القضية على درجة من الخطورة استهلكت الكثير من الجهود والأوقات والأموال بل وحتى الأنفس على مدار تاريخ المسلمين .
رابعا: ترشيد عمل الدعاة والمصلحين في حركتهم من أجل الإصلاح والتغيير السياسي.
خامسا: هذه الدراسة جاءت تعزيزا للوسطية والاعتدال وترشيدا للصحوة والعمل من أجل الإسلام.
صفحة 5
منهجية البحث:
- المنهج النصي: حيث اعتمد نص القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة وأبين وجه الدلالة من النص.
- منهج الاستقراء والبحث: حيث قمت باستقراء وبحث المسائل المتعلقة بفقه الإصلاح والتغيير السياسي المختلفة، ثم الرجوع إلى المصادر وتوثيق الآراء والأقوال.
- المنهج التحليلي: تحليل النصوص والمفاهيم والأدلة، ومناقشتها، وفق أسس مناهج البحث العلمي الموضوعي.
- الاستنباط والترجيح: استنباط الرأي الراجح في المسائل الخلافية.
ـ خطّة البحث:
وقد جاءت هذه الدراسة في ثلاثة فصول وخاتمة على النحو الآتي:
الفصل الأول: وعنونت له بـ (تعريف فقه الإصلاح والتغيير السياسي ومشروعيته) وتناولت في المطلب الأول منه تعريف فقه الإصلاح والتغيير السياسي، لغة واصطلاحا باعتباره مركباً إضافياً، فعرفت الفقه ثم الإصلاح ثم التغيير ثم السياسة، ومن ثم خلصت لتعريف فقه الإصلاح والتغيير السياسي باعتباره علماً، ثم بينت العلاقة بين مصطلحي الفقه والتغيير. وفي المطلب الثاني ذكرت الألفاظ ذات الصلة بالإصلاح والتغيير، ثم تناولت المبحث الثاني فقسمته لمطلبين الأول تناولت فيه مشروعية هذا الفقه من خلال دلالات استخدام مصطلحاته في الكتاب والسنة، ثم تناولت موقف الفقه من العمل بالسياسة.
أما الفصل الثاني: فافتتحته بالحديث عن الحاجة لفقه الإصلاح والتغيير السياسي، ثم تناولت قواعد فقه الإصلاح والتغيير كفقه المقاصد وفقه الأولويات والموازنات وفقه الواقع مع ذكر الأمثلة التطبيقية التي بنى العلماء اجتهاداتهم فيها على هذه القواعد، فعرفت كل واحد لغة واصطلاحا، ثم ذكرت الأدلة على حجيتها، ثم ذكرت في المطلب الثاني لكل واحدة منها الأمثلة التطبيقية التي ذكرها العلماء قاصدا من هذه الأمثلة استظهار اعتبار العلماء لهذه القواعد في اجتهاداتهم.
صفحة 6
أما الفصل الثالث: فقد تناول وسيلتين من وسائل الإصلاح والتغيير السياسي المعاصرة، وسيلة البرلمانات، ووسيلة الوزارات المعاصرة، مبينا سبب اختيار هاتين الوسيلتين، ثم بحث المسألتين من خلال تعريفهما لغة واصطلاحا، ثم ذكر أقوال وأدلة العلماء والباحثين فيهما ومناقشتها، ثم ترجيح القول الذي ظهر للباحث قوة دليله واستدلاله.
ثم ختمت الدراسة بأهم النتائج والتوصيات التي خلصت إليها.
نسأل الله تعالى أن يلهمنا الصواب ويفتح علينا طريق السداد، ويدلنا على حكمه الذي شرعه لعباده، ونرجو أن تلبي هذه الدراسة الموسومة بفقه الإصلاح والتغيير السياسي حاجة طلاب العلم في الفقه والفكر والدعوة والجهاد، مستفيدا بمن سبق علما وعملا، أو خبرة وتجربة، مستعينا بالله راجيا الأجر من الكريم، آملا التوفيق والسداد.
وأرجو أن يكون هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، وأن يُرزق بالقبول عند الله تعالى، ثم عند الناس، وأن ينتفع به المسلمون، معتذرا عما فيه من قصور أوتقصير، شاكرا لكل ملاحظة خالصة، والله ولي التوفيق.
وصل اللهم وسلم على إمام المرسلين وآله وصحبه الطيبين الطاهرين
صفحة 7
الفصل الأول
الإصلاح والتغيير السياسي ومشروعيتة
وفيه مبحثا
الأول: تعريف فقه الإصلاح والتغيير السياسي والألفاظ ذات الصلة.
الثاني: مشروعية فقه الإصلاح والتغيير السياسي .
المبحث الأول
تعريف فقه الإصلاح والتغيير السياسي
والألفاظ ذات الصلة
وفيه مطلبان
المطلب الأول: تعريف فقه الإصلاح والتغيير السياسي.
المطلب الثاني: الألفاظ ذات الصلة.
المطلب الأول
تعريف فقه الإصلاح والتغيير السياسي
صفحة 8
سأتناول في هذا المطلب تعريف فقه الإصلاح والتغيير السياسي في اللغة والإصطلاح كالآتي:
أ- الفقه لغة واصطلاحا:
الفقه في اللغة:
يقول ابن منظور في تعريفه للفقه بأنه: «العلم بالشيء والفهمُ له... وقد جَعَله العُرْفُ خاصّاً بعلم الشريعة شَرَّفَها الله تعالى وتَخْصيصاً بعلم الفروع منها... قال الله عز وجل: (ﯴ ﯵ ﯶ) أَي ليَكونوا عُلَماء به»( ) .
ويقول السبكي: «في معنى الفقه بحسب اللغة ثلاثة أقوال:
أحدها مطلق الفهم، والثاني فهم الأشياء الدقيقة، والثالث فهم غرض المتكلم من كلامه»( ).
الفقه في الاصطلاح:
عرف العلماء الفقه بأنه: «العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية»( ).
ب- الإصلاح لغة واصطلاحا:
الإصلاح في اللغة:
قال ابن فارس: «الصاد واللام والحاء أصلٌ واحدٌ يدلُّ على خِلاف الفَساد»( ). ويقول ابن منظور: «والإِصلاح نقيض الإِفساد...والاسْتِصْلاح نقيض الإستفساد، وأَصْلَح الشيءَ بعد فساده أَقامه، وأَصْلَحَ الدابة أَحسن إِليها فَصَلَحَتْ... وصَلاحٌ من أَسماء مكة شرفها الله تعالى»( ).
لقد عرف ابن منظور الإصلاح من وجهين الأول عرفه بنقيضه، والثاني عرفه بذاته لذا كان لابد أن نقف على هذين الوجهين كالآتي:
أولا: تعريف الإصلاح بنقيضه وكما قيل «وبضدها تتميز الأشياء».
يقول ابن منظور: الفسادُ نقيض الصلاح( ). ونجده هنا يعرف الشيء بنقيضه أيضا، وعرفته الموسوعة الفقهية بأنه: خُرُوجُ الشَّيْءِ عَنْ الاِعْتِدَال، قَلِيلاً كَانَ الْخُرُوجُ أَوْ كَثِيرًا، يُقَال: فَسَدَ اللَّحْمُ: أَنْتَنَ، وَفَسَدَتِ الأُْمُورُ: اضْطَرَبَتْ، وَفَسَدَ الْعَقْدُ: بَطَل( ).
صفحة 9
أما الإفساد فيقول ابن عاشور هو: فعل ما به الفساد، والهمزة فيه للجَعْل أي جعل الأشياء فاسدة في الأرض... وكذلك يقال أفسد إذا عمَد إلى شيء صالح فأزالَ صلاحه( ).
إذن الإفساد نقيض الإصلاح، والهمزة فيه للجعل، وهو إخراج الشيء عن الاعتدال بإزالة صلاحه.
الثاني: تعريفه بذاته قال ابن منظور: «وأَصْلَح الشيءَ بعد فساده أَقامه، وأَصْلَحَ الدابة أَحسن إِليها فَصَلَحَتْ»( ). فهو يعرف الإصلاح بالإقامة ولكي نخرج بتعريف غني لابد من أن نستثمر أكبر قدر ممكن من المعاني وعليه لابد أن نقف على معنى الإقامة، يقول ابن منظور الآتي:
«وقامَ الشيءُ واسْتقامَ اعْتدَل واستوى... أَقمْتُ الشيء وقَوَّمْته فَقامَ بمعنى اسْتقام قال والاسْتِقامة اعتدال الشيء واسْتِواؤه... وقَوّمَََ دَرْأَه أَزال عِوَجَه... وكذلك أَقامَه... تَسْويةُ الصفّ من إقامة الصلاة أي من تمامها وكمالها» ( ).
إذن فمن معاني الإصلاح الايجابية: إقامة الشيء حتى يكون معتدلا ومستويا، والسلبية بدفع العوج أو الفساد إن كان متوقعا، أو إزالته إن كان واقعا، وغايته تحصيل تمام الشيء وكماله، وعليه يمكن القول بأن الإصلاح لغة هو:
إقامة الشيء باعتداله واستوائه أو دفع الفساد وإزالته عنه لتحصيل كماله.
الإصلاح اصطلاحا:
لقد عرف الإصلاح بعدة تعريفات ومنها:
- قال الإمام الطبري: «الإصلاحَ هو ما ينبغي فِعله مما فعلهُ منفعةٌ»( ). وهذا التعريف عام غير جامع إذ إن إزالة و دفع الفساد من الإصلاح إلا إذا اعتبرنا ذلك من عموم المنفعة، ولكن لم يشر لهذا المعنى هنا. وأشار بالمنفعة وهي قد تكون مادية أو معنوية وهذا معنى مطلوب.
صفحة 10
- وقال السرخسي في المبسوط: «والإصلاح يكون بعد تمكن»( ). وهذا ليس تعريفا للإصلاح بقدر ما هو شرط إيجاد الإصلاح واقعا .
- وقال صاحب التبيان في تفسير غريب القرآن: «الإصلاح: التغيير إلى استقامة الحال»( ). وهذا من أقرب التعريفات لمعنى الإصلاح مع أن التغيير قد يكون إلى ما هو خير فهو مطلوب، وقد يكون ممنوعا بالتحول عن الطاعة إلى المعصية، لذا قيده باستقامة الحال حتى يكون في دائرة المطلوب، ولكن لا أريد أن أعرف الإصلاح بالتغيير لأنني سأتناول في تعريف فقه الإصلاح والتغيير السياسي مسألة الفرق بين مفهوم الإصلاح ومفهوم التغيير، وأيضا موضوعنا فقه الإصلاح والتغيير، ولا نريد أن نعرف أحدهما بالآخر. بالإضافة إلى أن التغيير يختلف من وجه آخر، لأن التغيير فيه معنى استبدال الذات أي تغييرها، وليس الإصلاح كذلك لأن الإصلاح تبقى الذات وتتغير الأحوال أو الصفات.
- وقال المناوي في فيض القدير: (وصلح) بفتح اللام وتضم (عليه أمر الدنيا والآخرة) أي استقام وانتظم والصلاح ضد الفساد وأصلح أتى بالصلاح وهو الخير والصواب»( ). وهذا التعريف غير جامع لأنه ذكر الصورة الإيجابية للإصلاح، ولم يذكر الصورة السلبية بإزالة الفساد إن كان واقعا، ودفعه إن كان متوقعا وهو من الإصلاح.
- وقال السعدي: «والإصلاح هو أن تسعى في إصلاح عقائد الناس وأخلاقهم. وجميع أحوالهم، بحيث تكون على غاية ما يمكن من الصلاح، وأيضا يشمل إصلاح الأمور الدينية، والأمور الدنيوية، وإصلاح الأفراد والجماعات، وضد هذا الفساد»( ). وهذا تعريف للإصلاح بالإصلاح أو بغايته ونتيجته أو بالنقيض وهو الفساد، وهذا تعريف قاصر في بيان المقصود من الإصلاح وإن كان فيه ذكر مجالاته وصوره ونقيضه.
- وفي القاموس الفقهي: «أصلح في عمله، أو أمره: أتى بما هو صالح نافع»( ).... وهذا التعريف غير جامع، لأنه ذكر الوجه الإيجابي للإصلاح ولم يذكر الوجه السلبي بإزالة الفساد ودفعه وهو من الإصلاح .
من المعاني التي خرجنا بها:
- أصلح فعل متعد غير لازم.
- عرف الإصلاح بنقيضه وهو الإفساد، وهذا فرض علينا التعرف على هذا النقيض.
- يطلق الإصلاح على ما هو مادّيٌّ، وعلى ما هو معنويٌّ.