صفحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم
بين يدي الحكم
الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله، ورضي الله عن صحابته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فحكم ابن عطاء الله السكندري يكسوها جلال من نوع خاص، أصله قلب عرف الله ذا الجلال، فصدرت عنه إشارات على طريق معرفة الحق الأعظم في الوجود، من أرقى ما صدر عمن سوى الانبياء، تحس جلالها بلا تكلف، حيث: (كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز)، وكسوة قلب ابن عطاء كسوة عارف بالله قل نظيره، -ببركة العلم بكتاب الله ونور القرآن، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم-، فبرزت منه بإذن الله حكم على طريق معرفة الله، أصولها جميعاً من الكتاب والسنة، كتب الله لها القبول في قلوب العارفين، و(من أُذِن له في التعبير: فُهِمَت في مسامع الخلق عبارته، وجُليت إليهم إشارته)، وذلك من فضل الله عليه وإذنه له، إذ إن أمثال هذه الحقائق تخرج ناقصة إن لم يكن القلب مأذوناً له إظهارها، و(ربما برزت الحقائق مكسوفة الأنوار، إذا لم يؤذن لك فيها بالإظهار) (1).
ويكسو قلوبَ العارفين الورعُ والحياءُ وهم يتحدثون بإخلاص عن الله، وهم يعلمون أن: (لا ينبغي للسالك أن يعبر عن وارداته، فإن ذلك يُقِلُّ عملها في قلبه، ويمنعه وجود الصدق مع ربه)، وإن هذه الحقائق الكبرى قد يلتبس فيها التعبير بحسب مقام قلب الناطق بها إذ: (ربما عبر عن المقام من استشرف عليه، وربما عبر عنه من وصل إليه، وذلك ملتبس؛ إلا على صاحب بصيرة)، وليس مَن استشرف المقام كمن وصله، وكلٌّ يعبر بحسب ما صار إليه نوره فـ(تسبق أنوار الحكماء أقوالهم، فحيث صار التنوير: وصل التعبير)، وابن عطاء من أرباب التمكين، وعارف من المحققين، أفاض الله على قلبه عبارات لهداية المريدين، من أَجَلِّ عبارات العارفين الذين: (عباراتهم إما لفيضان وجد، أو لقصد هداية مريد، فالأول: حال السالكين، والثاني: حال أرباب المكنة والمحققين).
إن هذه العبارات زاد للقلوب عجيب بعد كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، لن تنال منها إلا ما أنت باسط إليه قلبك لتأخذه، إذ: (العبارات قوت لعائلة المستمعين، وليس لك إلا ما أنت له آكل)، وهو علم نافع يزيل كثيراً من الران عن القلب، وعلامته أنه مما ينشرح له الصدر ويخشع معه القلب، لأن: (العلم النافع: هو الذي ينبسط في الصدر شعاعه، وينكشف به عن القلب قناعه) وصاحبته خشية الله، فـ(خير العلم ما كانت الخشية معه)، وإنك إن تلقيت مثل هذا العلم بغير نية خشية الله صار حجة عليك، لأن (العلم إن قارنته الخشية: فلك، وإلا: فعليك)، فالحذر الحذر ممن يأخذه ليرائي به الخلق أو ليترف به العقل، فإن الله فاضحه، فـ(ما استُودِع في غيب السرائر: ظهر في شهادة الظواهر)، فابسط قلبك للأخذ من هذه الأنوار بقدر ما تستطيع، ولا تتكلف ما لا تفهمه، ولا تدَّعِ ما ليس لك، فالأمر بينك وحدك وبين الله الذي تسلك بك هذه العبارات إليه، ومنه وحده سبحانه الهدى.
بين يدي الحكم
الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله، ورضي الله عن صحابته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فحكم ابن عطاء الله السكندري يكسوها جلال من نوع خاص، أصله قلب عرف الله ذا الجلال، فصدرت عنه إشارات على طريق معرفة الحق الأعظم في الوجود، من أرقى ما صدر عمن سوى الانبياء، تحس جلالها بلا تكلف، حيث: (كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز)، وكسوة قلب ابن عطاء كسوة عارف بالله قل نظيره، -ببركة العلم بكتاب الله ونور القرآن، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم-، فبرزت منه بإذن الله حكم على طريق معرفة الله، أصولها جميعاً من الكتاب والسنة، كتب الله لها القبول في قلوب العارفين، و(من أُذِن له في التعبير: فُهِمَت في مسامع الخلق عبارته، وجُليت إليهم إشارته)، وذلك من فضل الله عليه وإذنه له، إذ إن أمثال هذه الحقائق تخرج ناقصة إن لم يكن القلب مأذوناً له إظهارها، و(ربما برزت الحقائق مكسوفة الأنوار، إذا لم يؤذن لك فيها بالإظهار) (1).
ويكسو قلوبَ العارفين الورعُ والحياءُ وهم يتحدثون بإخلاص عن الله، وهم يعلمون أن: (لا ينبغي للسالك أن يعبر عن وارداته، فإن ذلك يُقِلُّ عملها في قلبه، ويمنعه وجود الصدق مع ربه)، وإن هذه الحقائق الكبرى قد يلتبس فيها التعبير بحسب مقام قلب الناطق بها إذ: (ربما عبر عن المقام من استشرف عليه، وربما عبر عنه من وصل إليه، وذلك ملتبس؛ إلا على صاحب بصيرة)، وليس مَن استشرف المقام كمن وصله، وكلٌّ يعبر بحسب ما صار إليه نوره فـ(تسبق أنوار الحكماء أقوالهم، فحيث صار التنوير: وصل التعبير)، وابن عطاء من أرباب التمكين، وعارف من المحققين، أفاض الله على قلبه عبارات لهداية المريدين، من أَجَلِّ عبارات العارفين الذين: (عباراتهم إما لفيضان وجد، أو لقصد هداية مريد، فالأول: حال السالكين، والثاني: حال أرباب المكنة والمحققين).
إن هذه العبارات زاد للقلوب عجيب بعد كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، لن تنال منها إلا ما أنت باسط إليه قلبك لتأخذه، إذ: (العبارات قوت لعائلة المستمعين، وليس لك إلا ما أنت له آكل)، وهو علم نافع يزيل كثيراً من الران عن القلب، وعلامته أنه مما ينشرح له الصدر ويخشع معه القلب، لأن: (العلم النافع: هو الذي ينبسط في الصدر شعاعه، وينكشف به عن القلب قناعه) وصاحبته خشية الله، فـ(خير العلم ما كانت الخشية معه)، وإنك إن تلقيت مثل هذا العلم بغير نية خشية الله صار حجة عليك، لأن (العلم إن قارنته الخشية: فلك، وإلا: فعليك)، فالحذر الحذر ممن يأخذه ليرائي به الخلق أو ليترف به العقل، فإن الله فاضحه، فـ(ما استُودِع في غيب السرائر: ظهر في شهادة الظواهر)، فابسط قلبك للأخذ من هذه الأنوار بقدر ما تستطيع، ولا تتكلف ما لا تفهمه، ولا تدَّعِ ما ليس لك، فالأمر بينك وحدك وبين الله الذي تسلك بك هذه العبارات إليه، ومنه وحده سبحانه الهدى.
صفحة 2
تعريف بمنهج الكتاب
(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) (البقرة: 269)
ينتظم هذا الكتاب الحكم العطائية مجموعة في سلك واحد، لتنير طريق الهجرة إلى الله، وليس لمصنفه وفق ما سوف تراه هنا سوى ربطها ببعضها، ووضعها في سياق يجعلها جملة واحدة، تم بذل الوسع كي لا يدخل فيها ما ليس منها، وإنما استعين بنور كتاب الله العظيم لمعرفة صفاء منبعها، وبشروح بعض من أحبها من العارفين لحسن فهمها (2) ، ثم لصياغة جمل تهيئ النفس لتلقي معانيها، وقد اختصرت إلى أقصى حد، كي لا تضيع معالم روح الحكم.
وقد تم وضع نصوص الحكم حيثما وردت في المتن بين قوسين، وألحق بالكتاب جدول يجمع الحكم حسب تسلسل ورودها في مصادرها، ويقابله رقم الصفحة التي وردت فيها الحكمة ضمن سياقها في موضوعات هذا الكتاب الذي يتألف من مقدمات عامة ست، وأبواب ثلاثة، تنتظم الحكم في فصولها، وتتدرج بك في فقه طريق هجرتك إلى الله:
المقدمات: وهي معالم عامة، تسلك بك الحكم فيها مسلك التعريف بما يلي:
المقدمة الاولى: من أنا؟ (النفس).
المقدمة الثانية: أين أنا؟ (الدنيا).
المقدمة الثالثة: أين هو؟ (الله قريب مجيب).
المقدمة الرابعة: ماذا أفعل؟ (روح الأعمال).
المقدمة الخامسة: ماذا يفعل (هو) بي؟ (القدر).
المقدمة السادسة: أين يجب أن أكون؟، وهو الفقه الأعظم ضرورة للعبد: (فقه المقام).
وبعد المقدمات، تأتي أبواب الكتاب الثلاثة في فقه الهجرة إلى الله:
الباب الاول: الهجرة: تعريفها ومقاماتها الأولى (3) :
الخلوة والفكرة- الفقر- التوبة والاستغفار- الذكر- الصبر والشكر- الرضا بالله
الباب الثاني: الأنوار والواردات:
وهي إشارات حق في طريق الهجرة، تثبت المهاجر وتطمئنه، وفي هذا القسم تعرف ما هي الواردات؟، ومتى ترد؟، ولماذا ترد؟، وما هي علامة أهلها؟، وما هو قدرها؟، والنور الاعظم!.
الباب الثالث: الله!
وهو القسم الأخير، حيث مقصد الهجرة، وحيث فقه معنى: الحجاب- الوصول- الشهود.
ثم يختم الكتاب بخاتمة في بيان حال السالكين بين السائر والواصل.
وقد ألحق بالكتاب ملحقان:
الملحق الاول: (من هو الله)، ويتضمن قسماً في التعريف باسم (الله)، مما اختصرناه من كتاب ابن عطاء الله (القصد المجرد في معرفة الاسم المفرد)، ويتلوه قسم ثانٍ (من نور الكتاب: في وصف (الله) في أعظم آية في القرآن)، ويتضمن تفسيراً للآية التي يذكر فيها (الكرسي)، وعرضاً لمنهج كتاب الله في وصف الله في هذه الآية.
الملحق الثاني: ويتضمن تعريفاً موجزاً بصاحب الحكم، وسرداً للحكم مرقمة مثلما وردت في مصادرها، مع بيان موضع ورود كل منها في هذا الكتاب.
ومما ينبغي أن يُعلم أن هذا الكتاب ليس (قوتاً) لقلب لم يبسط بصيرته ليأخذ منه، وليس هو زاداً لمن لا يعرف قدر نفسه، كما أنه ليس كتاباً في فقه العبادات، ولا يمثل منهجاً تفصيلياً في مراتب السلوك، ولا قاموساً في بيان مصطلح القوم، ولا هو كتاب (أذكار) يحدد لك عمل اليوم والليلة، فلهذه العلوم مظانها، ولكنه فريد من نوعه في إشاراته لدقائق مسائل فقه الهجرة إلى الله، ومعرفة النفوس، ومعرفة معالم الطريق، مما يعرف قدره أهل القدر، ويكفيك النظر إلى قسمه الثاني: (الأنوار والواردات) أو إلى فصل (الحجاب) في قسمه الثالث، لتشهد أن مافيه من ألوان العلم لا نظير له فيما عرفت (4).
فيامن إليه نهاجر، نسألك نحن قاريء هذه الكلمات وكاتبها، بحبنا لعبدك الذي كتب هذه الحكم قبلنا، أن: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة: 127).
(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) (البقرة: 269)
ينتظم هذا الكتاب الحكم العطائية مجموعة في سلك واحد، لتنير طريق الهجرة إلى الله، وليس لمصنفه وفق ما سوف تراه هنا سوى ربطها ببعضها، ووضعها في سياق يجعلها جملة واحدة، تم بذل الوسع كي لا يدخل فيها ما ليس منها، وإنما استعين بنور كتاب الله العظيم لمعرفة صفاء منبعها، وبشروح بعض من أحبها من العارفين لحسن فهمها (2) ، ثم لصياغة جمل تهيئ النفس لتلقي معانيها، وقد اختصرت إلى أقصى حد، كي لا تضيع معالم روح الحكم.
وقد تم وضع نصوص الحكم حيثما وردت في المتن بين قوسين، وألحق بالكتاب جدول يجمع الحكم حسب تسلسل ورودها في مصادرها، ويقابله رقم الصفحة التي وردت فيها الحكمة ضمن سياقها في موضوعات هذا الكتاب الذي يتألف من مقدمات عامة ست، وأبواب ثلاثة، تنتظم الحكم في فصولها، وتتدرج بك في فقه طريق هجرتك إلى الله:
المقدمات: وهي معالم عامة، تسلك بك الحكم فيها مسلك التعريف بما يلي:
المقدمة الاولى: من أنا؟ (النفس).
المقدمة الثانية: أين أنا؟ (الدنيا).
المقدمة الثالثة: أين هو؟ (الله قريب مجيب).
المقدمة الرابعة: ماذا أفعل؟ (روح الأعمال).
المقدمة الخامسة: ماذا يفعل (هو) بي؟ (القدر).
المقدمة السادسة: أين يجب أن أكون؟، وهو الفقه الأعظم ضرورة للعبد: (فقه المقام).
وبعد المقدمات، تأتي أبواب الكتاب الثلاثة في فقه الهجرة إلى الله:
الباب الاول: الهجرة: تعريفها ومقاماتها الأولى (3) :
الخلوة والفكرة- الفقر- التوبة والاستغفار- الذكر- الصبر والشكر- الرضا بالله
الباب الثاني: الأنوار والواردات:
وهي إشارات حق في طريق الهجرة، تثبت المهاجر وتطمئنه، وفي هذا القسم تعرف ما هي الواردات؟، ومتى ترد؟، ولماذا ترد؟، وما هي علامة أهلها؟، وما هو قدرها؟، والنور الاعظم!.
الباب الثالث: الله!
وهو القسم الأخير، حيث مقصد الهجرة، وحيث فقه معنى: الحجاب- الوصول- الشهود.
ثم يختم الكتاب بخاتمة في بيان حال السالكين بين السائر والواصل.
وقد ألحق بالكتاب ملحقان:
الملحق الاول: (من هو الله)، ويتضمن قسماً في التعريف باسم (الله)، مما اختصرناه من كتاب ابن عطاء الله (القصد المجرد في معرفة الاسم المفرد)، ويتلوه قسم ثانٍ (من نور الكتاب: في وصف (الله) في أعظم آية في القرآن)، ويتضمن تفسيراً للآية التي يذكر فيها (الكرسي)، وعرضاً لمنهج كتاب الله في وصف الله في هذه الآية.
الملحق الثاني: ويتضمن تعريفاً موجزاً بصاحب الحكم، وسرداً للحكم مرقمة مثلما وردت في مصادرها، مع بيان موضع ورود كل منها في هذا الكتاب.
ومما ينبغي أن يُعلم أن هذا الكتاب ليس (قوتاً) لقلب لم يبسط بصيرته ليأخذ منه، وليس هو زاداً لمن لا يعرف قدر نفسه، كما أنه ليس كتاباً في فقه العبادات، ولا يمثل منهجاً تفصيلياً في مراتب السلوك، ولا قاموساً في بيان مصطلح القوم، ولا هو كتاب (أذكار) يحدد لك عمل اليوم والليلة، فلهذه العلوم مظانها، ولكنه فريد من نوعه في إشاراته لدقائق مسائل فقه الهجرة إلى الله، ومعرفة النفوس، ومعرفة معالم الطريق، مما يعرف قدره أهل القدر، ويكفيك النظر إلى قسمه الثاني: (الأنوار والواردات) أو إلى فصل (الحجاب) في قسمه الثالث، لتشهد أن مافيه من ألوان العلم لا نظير له فيما عرفت (4).
فيامن إليه نهاجر، نسألك نحن قاريء هذه الكلمات وكاتبها، بحبنا لعبدك الذي كتب هذه الحكم قبلنا، أن: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة: 127).
صفحة 3
المقدمات
أولاً: من أنا؟: (أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً) (مريم: 67)أول الطريق لمعرفة الله: معرفة نفسك، وهي أول مهمة لنا في فرصة العمر، أن نعرف: (من نحن؟)، فاعلم أنك قد خلقت خلقة عجباً، بروح أصلها من عالم الغيب والملكوت، وجسم كائن في الكون من عالم الملك والشهود، و(جعلك في العالم المتوسط بين ملكه وملكوته: ليعلمك جلالة قدرك بين مخلوقاته، وأنك جوهرة، تنطوي عليك أصداف مُكَوَّناته)، ولذلك فـ(إنما وسعك الكون من حيث جسمانيتك، ولم يسعك من حيث ثبوت روحانيتك)، فروحك تنتمي إلى ذلك الملكوت لا إلى هذا الجسد وهذا الكون، و(الكائن في الكون، ولم تفتح له ميادين الغيوب: مسجون بمحيطاته، ومحصور في هيكل ذاته)، والحرمان كل الحرمان أن تحرم عيان أصلك، وإن (ما تجده القلوب من الهموم والأحزان: فلأجل مامنعته من وجود العيان)، و(العارف لا يزول إضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره)، فيبدأ بالهجرة إلى ربه، بدلا من الدوران في فلك عادات كل يوم، حين يرحل من هم إلى هم، ويعود غداً إلى المكان الذي كان فيه أمس، فـ(لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى: يسير والمكان الذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه، ولكن ارحل من الأكوان إلى المكوِّن: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى) (النجم: 42)، وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: ((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله: فهجرته إلى الله ورسوله،ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها: فهجرته إلى ما هاجر إليه))، فافهم قوله عليه الصلاة والسلام، وتأمل هذا الأمر، إن كنت ذا فهم، والسلام)، واعتبر بنعمة أن الله قد سخر لك ما في السماوات وما في الأرض جميعاً: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) (الجاثية: 13)، فكن متبوعاً بها لا تابعاً لها، وإنما (أنت مع الأكوان مالم تشهد المُكَوِّن، فإذا شهدته: كانت الأكوان معك).
• موطن الضعف:
وإنما تحجبك عن الهجرة إلى الله وشهود ملكوته: عيوب النفس، وإن أول طريق هذه الهجرة الشوق إلى معرفة هذه العيوب الباطنة (5) ، فـ(تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب؛ خير من تشوفك إلى ما حجب عنك من الغيوب)، ويحجبك عن هذه المعرفة رضاك عن نفسك، و(أصل كل معصية وغفلة وشهوة: الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة: عدم الرضا منك عنها، ولئن تصحب جاهلاً لا يرضى عن نفسه، خير لك من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه، فأي علم لعالم يرضى عن نفسه؟، وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه؟)، فـ(من رأيته مجيباً عن كل ما سُئل، ومعبراً عن كل ما شهد، وذاكراً كل ما علم: فاستدل بذلك على وجود جهله)، لوجود حجابه بالرضا عن نفسه، وهو أصل كل معاصيه.
ومع هذا الحجاب تسترخص النفس بذل العمر فيما ظهر لها من اللذات، إذ إن (حظ النفس في المعصية: ظاهر جلي، وحظها في الطاعة: باطن خفي، ومداواة ما يخفى صعب علاجه)، حتى يدمن القلب حلاوتها الظاهرة، وإن (تَمكُّن حلاوة الهوى من القلب هو الداء العضال) فـ(لا يُخاف عليك أن تلتبس الطرق عليك، وإنما يُخاف عليك من غلبة الهوى عليك)، و(من علامات اتباع الهوى: المسارعة إلى نوافل الخيرات، والتكاسل عن القيام بالواجبات)، فحاسب نفسك بما تراه منها من مسارعة في محاب الله، فما تقرب عبد إلى الله بشيء أحب إليه من أداء ما افترضه عليه (6) ، و(إذا التبس عليك أمران: فانظر أثقلهما على النفس، فإنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقاً)، واعلم أن الشيطان لك عدو فاتخذه عدواً: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً) (فاطر: 6)، و(إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك: فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده)، وإنما خلقه ربك من أجلك، ولتفر منه إلى الله، و(جعله لك عدواً: ليحوشك به إليه، وحرك عليك النفس: ليدوم إقبالك عليه).
• سبيل القوة:
وهذا الهوى لا يخلي القلب منه إلا أدب مع الحق وأدب مع الخلق، فأما الأدب مع الحق فسبيله خشية الله، وحبه وحده والشوق لحبه، فـ(لا يخرج الشهوة من القلب إلا خوف مزعج، أو شوق مقلق)، إذ طالما كان هناك حب لسواه فلا إمكان لإقبال القلب عليه: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ) (البقرة: 165)، فهو (كما لايحب العمل المشترك، كذلك لايحب القلب المشترك، العمل المشترك: لا يَقبَلُه، والقلب المشترك: لا يُقبِل عليه)، وإنك (ما أحببت شيئاً إلا كنت له عبداً، وهو لا يحب أن تكون لغيره عبداً)، وهو حب أعلى من كل غرض، يستحق منك أن تبذل فيه خير ما فيك، فـ(ليس المحب الذي يرجو من محبوبه عوضاً، أويطلب منه غرضاً، فإن المحب من يبذل لك، ليس المحب من تبذل له)، وتأمل حب الله لك فيما وهبك من كل شيء دونما حاجة إليك في شيء، وتعلم كيف تحب!، فإنك (متى كنت إذا أُعطيت بسطك العطاء، وإذا مُنعت قبضك المنع، فاستدل بذلك على ثبوت طفوليتك، وعدم صدقك في عبوديتك).
وأما الأدب مع الخلق -مما يخلي القلب من الهوى-، فأوله أن (لا تصحب من لا يُنهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله)، إذ (ربما كنت مسيئاً، فأراك الاحسان منك صحبتك من هو أسوأ حالاً منك)، ثم النظر بصدق إلى ما تعرفه من حقيقة نقصك، والتخلي عن الرياء وحب الثناء من الخلق بما ليس فيك، لأن (الناس يمدحونك؛ لما يظنونه فيك، فكن أنت ذاماً لنفسك، لما تعلمه منها) (7) ، فإن (أجهل الناس من ترك يقين ما عنده، لظن ما عند الناس)، وأنت تعلم حق العلم من نفسك القصور عن ما يصفون، كما (ربما دخل الرياء عليك من حيث لا ينظر الخلق إليك)، إذ إن مجرد (استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك: دليل على عدم صدقك في عبوديتك) ، و(المؤمن إذا مُدح استحيا من الله أن يثنى عليه بوصف لا يشهده من نفسه)، فـ(إذا أُطلق الثناء عليك -ولست بأهل-: فأثن عليه بما هو أهله)، وارجع الأمر لمن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور: (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ* وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) (الشعراء: 219)، لا نحصي ثناءاً عليه، هو كما أثنى على نفسه، ويكفيك نظره إليك وشهوده ما يكون منك، فـ(غَيِّب نظر الخلق إليك بنظر الله إليك، وغب عن إقبالهم عليك بشهود إقباله عليك).
صفحة 4
• إعرف قدرك!
إن من شهد عظمة الله استصغر إلى جانبه كل ما سواه، وعرف أن قدر نفسه أهون من أن يقيم لها وزناً أمام تجلي صفات الله في كل حركة في الوجود، فتواضع ليبدأ الطريق، فـ(التواضع الحقيقي: هو ما كان ناشئاً عن شهود عظمته، وتجلي صفته)، وهو تواضع أصله الوعي بأنك مجرد مخلوق لم تكن قبل حين من الدهر شيئاً مذكوراً، فلا يكون لك أن تقدر لنفسك رفعة –ابتداءاً- لتثبت بعدها لها تواضعاً!-، و(من أثبت لنفسه تواضعاً: فهو المتكبر حقاً، إذ ليس التواضع إلا عن رفعة، فمتى أثبت لنفسك تواضعاً: فأنت المتكبر حقاً)، و(ليس المتواضع: الذي إذا تواضع رأى أنه فوق ما صنع، ولكن المتواضع: الذي إذا تواضع رأى أنه دون ما صنع)، فالصانع والمصنوع من خلق الله: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات: 96)، والأمر كله من الله، وإن (خير أوقاتك: وقت تشهد فيه وجود فاقتك، وتَرِدُ فيه إلى وجود ذلتك)، وكيف لا تشهد فقرك إلى الله، وهو ربك (الحي) الذي أوجدك، (القيوم) الذي بمدده تبقى في الوجود، فهو قد (أنعم عليك أولاً بالإيجاد، وثانياً بتوالي الإمداد)، والأصل فيك ضعفك: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً) (النساء: 28)، وكل نعمة حادثة يسببها لك، هي تذكير بما يخفى ويُنسى من سابق حاجتك وفقرك قبلها، لأن (فاقتك لك ذاتية، وورود الأسباب مذكرات لك بما خفي عليك منها، والفاقة الذاتية لا ترفعها العوارض)، ففقرك أصيل وضعفك شديد، وربك وحده الغني الحميد: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر: 15).
ثانياً: الدنيا (أين أنا؟): (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (الحديد: 20)
• صفة الدنيا:
منذ عرفنا أنفسنا ونحن هنا، في هذه الدنيا، وفي هذا الطبق من أطباق وجودنا، وهو طبق ابتلاء مؤقت، ظاهره جميل غر، وباطنه عبر، جعله الله (مزيناً) ليكون الابتلاء فيه ممكناً: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (الكهف: 7)، وإنما يفقه القلب الحي ما فيها من عبرة، فـ(الأكوان ظاهرها غرة وباطنها عبرة ، فالنفس تنظر إلى ظاهر غرتها، والقلب ينظر إلى باطن عبرتها) ، وحال من كان فيها قبلك يحكي أنها ليست بدار مقام، ولن يدوم مكوثك فيها، ولذلك فإنك (إن أردت ألا تُعزل: فلا تتول ولاية لا تدوم لك).
ولكي تبصر ما فيها من عبر، جعلها الله محلاً لوقوع الكدر: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) (البلد: 4)، فـ(لا تستغرب وقوع الأكدار ما دمت في هذه الدار، فإنها ما أبرزت إلا ما هو مُستَحَقُّ وصفها، وواجب نعتها)، وقد جعل فيها من المنغصات وأنواع البلاء ما يسهل عليك معرفة قدرها، إذ (علم أنك لاتقبل النصح المجرد، فذوقك من ذواقها ما سهل عليك وجود فراقها)، و(إنما جعلها محلاً للأغيار، ومعدناً للأكدار: تزهيداً لك فيها)، فمهما تزينت لك ظواهرها حتى ترغب فيها، فإنها تبطن في نهايتها موتاً قادماً كفيلاً بأن يزهدك بكل زينتها مهما أغفلتك عنه تلك الزينة، فأنت (إن رغبت البدايات: زهدتك النهايات، إن دعاك إليها ظاهر: نهاك عنها باطن)، فلا تستكثرن منها لأنك مفارقها ومفارق كل ما فيها ومن فيها، و(ليقل ما تفرح به: يقل ما تحزن عليه) (8) ، وإنما يسوقك للطمع بما فيها: وهم دوامها، وتلهيك زينتها عن حقيقتها فـ(ما قادك شيء مثل الوهم)، فتحرر من عبودية الطمع المذل فيها إذ (ما بسقت أغصان ذُلّ: إلا على بذر طمع)، وكن سيداً حراً بالقناعة بما رضيه لك ربك منها، فـ(أنت حر مما أنت عنه آيس، وعبد لما أنت له طامع)(9) .
إن من شهد عظمة الله استصغر إلى جانبه كل ما سواه، وعرف أن قدر نفسه أهون من أن يقيم لها وزناً أمام تجلي صفات الله في كل حركة في الوجود، فتواضع ليبدأ الطريق، فـ(التواضع الحقيقي: هو ما كان ناشئاً عن شهود عظمته، وتجلي صفته)، وهو تواضع أصله الوعي بأنك مجرد مخلوق لم تكن قبل حين من الدهر شيئاً مذكوراً، فلا يكون لك أن تقدر لنفسك رفعة –ابتداءاً- لتثبت بعدها لها تواضعاً!-، و(من أثبت لنفسه تواضعاً: فهو المتكبر حقاً، إذ ليس التواضع إلا عن رفعة، فمتى أثبت لنفسك تواضعاً: فأنت المتكبر حقاً)، و(ليس المتواضع: الذي إذا تواضع رأى أنه فوق ما صنع، ولكن المتواضع: الذي إذا تواضع رأى أنه دون ما صنع)، فالصانع والمصنوع من خلق الله: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات: 96)، والأمر كله من الله، وإن (خير أوقاتك: وقت تشهد فيه وجود فاقتك، وتَرِدُ فيه إلى وجود ذلتك)، وكيف لا تشهد فقرك إلى الله، وهو ربك (الحي) الذي أوجدك، (القيوم) الذي بمدده تبقى في الوجود، فهو قد (أنعم عليك أولاً بالإيجاد، وثانياً بتوالي الإمداد)، والأصل فيك ضعفك: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً) (النساء: 28)، وكل نعمة حادثة يسببها لك، هي تذكير بما يخفى ويُنسى من سابق حاجتك وفقرك قبلها، لأن (فاقتك لك ذاتية، وورود الأسباب مذكرات لك بما خفي عليك منها، والفاقة الذاتية لا ترفعها العوارض)، ففقرك أصيل وضعفك شديد، وربك وحده الغني الحميد: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر: 15).
ثانياً: الدنيا (أين أنا؟): (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (الحديد: 20)
• صفة الدنيا:
منذ عرفنا أنفسنا ونحن هنا، في هذه الدنيا، وفي هذا الطبق من أطباق وجودنا، وهو طبق ابتلاء مؤقت، ظاهره جميل غر، وباطنه عبر، جعله الله (مزيناً) ليكون الابتلاء فيه ممكناً: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (الكهف: 7)، وإنما يفقه القلب الحي ما فيها من عبرة، فـ(الأكوان ظاهرها غرة وباطنها عبرة ، فالنفس تنظر إلى ظاهر غرتها، والقلب ينظر إلى باطن عبرتها) ، وحال من كان فيها قبلك يحكي أنها ليست بدار مقام، ولن يدوم مكوثك فيها، ولذلك فإنك (إن أردت ألا تُعزل: فلا تتول ولاية لا تدوم لك).
ولكي تبصر ما فيها من عبر، جعلها الله محلاً لوقوع الكدر: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) (البلد: 4)، فـ(لا تستغرب وقوع الأكدار ما دمت في هذه الدار، فإنها ما أبرزت إلا ما هو مُستَحَقُّ وصفها، وواجب نعتها)، وقد جعل فيها من المنغصات وأنواع البلاء ما يسهل عليك معرفة قدرها، إذ (علم أنك لاتقبل النصح المجرد، فذوقك من ذواقها ما سهل عليك وجود فراقها)، و(إنما جعلها محلاً للأغيار، ومعدناً للأكدار: تزهيداً لك فيها)، فمهما تزينت لك ظواهرها حتى ترغب فيها، فإنها تبطن في نهايتها موتاً قادماً كفيلاً بأن يزهدك بكل زينتها مهما أغفلتك عنه تلك الزينة، فأنت (إن رغبت البدايات: زهدتك النهايات، إن دعاك إليها ظاهر: نهاك عنها باطن)، فلا تستكثرن منها لأنك مفارقها ومفارق كل ما فيها ومن فيها، و(ليقل ما تفرح به: يقل ما تحزن عليه) (8) ، وإنما يسوقك للطمع بما فيها: وهم دوامها، وتلهيك زينتها عن حقيقتها فـ(ما قادك شيء مثل الوهم)، فتحرر من عبودية الطمع المذل فيها إذ (ما بسقت أغصان ذُلّ: إلا على بذر طمع)، وكن سيداً حراً بالقناعة بما رضيه لك ربك منها، فـ(أنت حر مما أنت عنه آيس، وعبد لما أنت له طامع)(9) .
صفحة 5
• قدر الدنيا:
إن الدنيا ليست محلاً للبقاء، وقدرك عند من سخر لك الأرض والسماء أكبر من أن يجعل فيها لك الجزاء، و(إنما جعل الدار الآخرة محلاً لجزاء عباده المؤمنين: لأن هذه الدار لا تسع ما يريد أن يعطيهم، ولأنه أَجَلَّ أقدارهم عن أن يجازيهم في دار لا بقاء لها) ، وإنما وطنك دار غير هذه الدار، و(لو أشرق لك نور اليقين: لرأيت الآخرة أقرب إليك من أن ترحل إليها، ولرأيت محاسن الدنيا قد ظهرت كسفة الفناء عليها)(10)، وإنما (الطي الحقيقي: أن تطوي مسافة الدنيا عنك، حتى ترى الآخرة أقرب إليك منك).
وإنما جعل الله ما في الدنيا دليلاً لك على صفات خالقه وطريقاً إلى معرفته، و(أمرك في هذه الدار بالنظر في مُكوَّناته، وسيكشف لك في تلك الدار عن كمال ذاته)، وإنما هو عمى البصيرة إذ تطلب ما تعلم فناءه وتعمى عن شهود الدائم بقاؤه (11)، و(العجب كل العجب ممن يهرب ممن لا انفكاك له عنه، ويطلب ما لا بقاء معه، (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: 46)) ، وإنما عزك بمعرفة العزيز الذي في الدنيا أعزك، وفي الآخرة سيعزك، فـ(إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى: فلا تستعزن بعز يفنى).
ثالثاً: أين هو؟: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (البقرة: 186)
• إسأل الله عن الله ليجيبك!:
وإذ قد تعرفت على خاصية نفسك، وصفة الدنيا التي أنت فيها، فاعلم أن كليكما من آثار فعل الله في الوجود ودليل على طريق معرفته سبحانه:
(تـأمل سطور الكائـنات فإنـها من الملك الأعلى إليـك رسائل
وقد خُطَّ فيها -لو تأملت خطها-: ألا كل شيء ما خلا الله باطل )(12)
ولكن وأنت تدرج في مراتب تعرُّفِك على الله من آثاره فصفاته وما سواها من المراتب، إعلم أنه ليس كالدعاء صلة تخترق الحجب وتصل المسافات، وتعرف بها أين الله منك، وتستيقن من أنه هو ربك الذي تدعوه فيسمعك، ولتعلم إن كان (هو) قريباً فتناجيه أم بعيداً فتناديه، وتؤسس لمخ عبوديتك وأصل علاقتك بربك بالدعاء -على طريق معرفته-، فتسأله (عنه) ليجيبك: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (البقرة: 186)، وعندها ستعرف أنه هناك!، وأنه الحي، وأنه قريب (13)، وأنه هاديك إليه حين تطلب منه أن يهديك، وهي خطوتك الأولى نحو عطائه الأعظم، وعلامته أنه (متى أطلق لسانك بالطلب: فاعلم أنه يريد أن يعطيك)، وهو عطاء مضمون، آتٍ بتحقق علامته من إطلاق لسانك بالدعاء، فـ(لا يكن تأخر أمد العطاء -مع الإلحاح في الدعاء- موجباً ليأسك، فهو ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك، لا فيما تختار لنفسك، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد)، واطمئن أن الله مجيبك بخير ما يصلح لك، خاصة وان قصة ما مضى من عمرك تشهد على حسن عنايته بك، فحَسِّن ظنك به لأجل ما عرفته منه، فما رزق العبد خيراً من حسن ظنه برب صفته أنه الوهَّاب الكريم، و(إن لم تحسن ظنك به لأجل حسن وصفه، فحسن ظنك به لأجل معاملته معك، فهل عوَّدك إلا حسناً؟، وهل أسدى إليك إلا منناً؟)، واعلم أن فضله سابق، قبل أي عمل كان أو يكون منك، وأن (عنايته فيك لا لشيء منك، وأين كنت حين واجهتك عنايته وقابلتك رعايته؟، إذ لم يكن في أزله إخلاص أعمال ولا وجود أحوال، بل لم يكن هناك إلا محض الإفضال، وعظيم النوال).
• من أدعو؟:
ما من واهب مثل ربك الكريم، فوحِّد قلبك وعلق أملك به وحده دون خلقه، و(لا تتعد نية همتك إلى غيره، فالكريم لا تتخطاه الآمال) (14) ، فاسأله أن لا يكلك إلى نفسك طرفة عين فـ(ما توقف مطلب أنت طالبه بربك، ولا تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك)، وأين أنت من قدرته وحكمته؟، كما لا تُعلِّق أملك بمن دونه من خلقه و(لا ترفعنَّ إلى غيره حاجة هو موردها عليك، فكيف يرفع غيره ما كان هو له واضعاً!؟، ومن لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه؛ فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعاً!؟) (15)، وإنما عطاء الخلق إليك إن حصل فهو مجرد أمر ظاهر، باطنه أن المعطي لك فيهم هو الله وحده، فـ(لا تمدن يدك إلى الأخذ من الخلائق، إلا أن ترى أن المعطي فيهم مولاك، فإذا كنت كذلك: فخذ ما وافقك العلم)، واستحي أن تطلب منهم وربك فوقهم، و(ربما استحيا العارف أن يرفع حاجته إلى مولاه لاكتفائه بمشيئته، فكيف لا يستحيي أن يرفعها إلى خليقته؟!)، ذلك أن (الذي يوجب لك رفع الهمة عما سوى الله: علمك بأنه لم يخرجك إلى مملكته إلا وقد كفاك ومنحك وأعطاك، ولم يبق لك حاجة عند غيره )(16)، فيكتفي العارف في بعض أحواله بسؤال ربه بلسان الحال بدلاً من لسان المقال، بما فهمه عن علم ربه به، (وإذا كان قد اقتضى لهم الفهم عن الله أن يكتفوا بعلمه عن مسألته، فكيف لا يوجب لهم الفهم عن الله الاكتفاء بعلمه عن سؤال خلقه؟)(17) .
إن الدنيا ليست محلاً للبقاء، وقدرك عند من سخر لك الأرض والسماء أكبر من أن يجعل فيها لك الجزاء، و(إنما جعل الدار الآخرة محلاً لجزاء عباده المؤمنين: لأن هذه الدار لا تسع ما يريد أن يعطيهم، ولأنه أَجَلَّ أقدارهم عن أن يجازيهم في دار لا بقاء لها) ، وإنما وطنك دار غير هذه الدار، و(لو أشرق لك نور اليقين: لرأيت الآخرة أقرب إليك من أن ترحل إليها، ولرأيت محاسن الدنيا قد ظهرت كسفة الفناء عليها)(10)، وإنما (الطي الحقيقي: أن تطوي مسافة الدنيا عنك، حتى ترى الآخرة أقرب إليك منك).
وإنما جعل الله ما في الدنيا دليلاً لك على صفات خالقه وطريقاً إلى معرفته، و(أمرك في هذه الدار بالنظر في مُكوَّناته، وسيكشف لك في تلك الدار عن كمال ذاته)، وإنما هو عمى البصيرة إذ تطلب ما تعلم فناءه وتعمى عن شهود الدائم بقاؤه (11)، و(العجب كل العجب ممن يهرب ممن لا انفكاك له عنه، ويطلب ما لا بقاء معه، (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: 46)) ، وإنما عزك بمعرفة العزيز الذي في الدنيا أعزك، وفي الآخرة سيعزك، فـ(إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى: فلا تستعزن بعز يفنى).
ثالثاً: أين هو؟: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (البقرة: 186)
• إسأل الله عن الله ليجيبك!:
وإذ قد تعرفت على خاصية نفسك، وصفة الدنيا التي أنت فيها، فاعلم أن كليكما من آثار فعل الله في الوجود ودليل على طريق معرفته سبحانه:
(تـأمل سطور الكائـنات فإنـها من الملك الأعلى إليـك رسائل
وقد خُطَّ فيها -لو تأملت خطها-: ألا كل شيء ما خلا الله باطل )(12)
ولكن وأنت تدرج في مراتب تعرُّفِك على الله من آثاره فصفاته وما سواها من المراتب، إعلم أنه ليس كالدعاء صلة تخترق الحجب وتصل المسافات، وتعرف بها أين الله منك، وتستيقن من أنه هو ربك الذي تدعوه فيسمعك، ولتعلم إن كان (هو) قريباً فتناجيه أم بعيداً فتناديه، وتؤسس لمخ عبوديتك وأصل علاقتك بربك بالدعاء -على طريق معرفته-، فتسأله (عنه) ليجيبك: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (البقرة: 186)، وعندها ستعرف أنه هناك!، وأنه الحي، وأنه قريب (13)، وأنه هاديك إليه حين تطلب منه أن يهديك، وهي خطوتك الأولى نحو عطائه الأعظم، وعلامته أنه (متى أطلق لسانك بالطلب: فاعلم أنه يريد أن يعطيك)، وهو عطاء مضمون، آتٍ بتحقق علامته من إطلاق لسانك بالدعاء، فـ(لا يكن تأخر أمد العطاء -مع الإلحاح في الدعاء- موجباً ليأسك، فهو ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك، لا فيما تختار لنفسك، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد)، واطمئن أن الله مجيبك بخير ما يصلح لك، خاصة وان قصة ما مضى من عمرك تشهد على حسن عنايته بك، فحَسِّن ظنك به لأجل ما عرفته منه، فما رزق العبد خيراً من حسن ظنه برب صفته أنه الوهَّاب الكريم، و(إن لم تحسن ظنك به لأجل حسن وصفه، فحسن ظنك به لأجل معاملته معك، فهل عوَّدك إلا حسناً؟، وهل أسدى إليك إلا منناً؟)، واعلم أن فضله سابق، قبل أي عمل كان أو يكون منك، وأن (عنايته فيك لا لشيء منك، وأين كنت حين واجهتك عنايته وقابلتك رعايته؟، إذ لم يكن في أزله إخلاص أعمال ولا وجود أحوال، بل لم يكن هناك إلا محض الإفضال، وعظيم النوال).
• من أدعو؟:
ما من واهب مثل ربك الكريم، فوحِّد قلبك وعلق أملك به وحده دون خلقه، و(لا تتعد نية همتك إلى غيره، فالكريم لا تتخطاه الآمال) (14) ، فاسأله أن لا يكلك إلى نفسك طرفة عين فـ(ما توقف مطلب أنت طالبه بربك، ولا تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك)، وأين أنت من قدرته وحكمته؟، كما لا تُعلِّق أملك بمن دونه من خلقه و(لا ترفعنَّ إلى غيره حاجة هو موردها عليك، فكيف يرفع غيره ما كان هو له واضعاً!؟، ومن لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه؛ فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعاً!؟) (15)، وإنما عطاء الخلق إليك إن حصل فهو مجرد أمر ظاهر، باطنه أن المعطي لك فيهم هو الله وحده، فـ(لا تمدن يدك إلى الأخذ من الخلائق، إلا أن ترى أن المعطي فيهم مولاك، فإذا كنت كذلك: فخذ ما وافقك العلم)، واستحي أن تطلب منهم وربك فوقهم، و(ربما استحيا العارف أن يرفع حاجته إلى مولاه لاكتفائه بمشيئته، فكيف لا يستحيي أن يرفعها إلى خليقته؟!)، ذلك أن (الذي يوجب لك رفع الهمة عما سوى الله: علمك بأنه لم يخرجك إلى مملكته إلا وقد كفاك ومنحك وأعطاك، ولم يبق لك حاجة عند غيره )(16)، فيكتفي العارف في بعض أحواله بسؤال ربه بلسان الحال بدلاً من لسان المقال، بما فهمه عن علم ربه به، (وإذا كان قد اقتضى لهم الفهم عن الله أن يكتفوا بعلمه عن مسألته، فكيف لا يوجب لهم الفهم عن الله الاكتفاء بعلمه عن سؤال خلقه؟)(17) .
صفحة 6
• كيف أدعو؟:
إن من الأدب مع خالقك أن تعلم أن دعاءك من مظاهر عبوديتك وقيامك بحق ربوبيته: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر: 60)، فالدعاء مخ العبادة، وليس مجرد طلب للعطاء، فـ(لا يكن طلبك تسبباً إلى العطاء منه، فيقل فهمك عنه، وليكن طلبك لإظهار العبودية وقياماً بحق الربوبية)، ليجيبك ويهديك إليه، ويفتح لك وجهة للتعرف عليه، بابها معرفة قدرك ومدى فقرك إليه، لأن لهذا الدعاء أدباً خاصاً، في المعاملة بين عبد صغير وبين الملك الحق، أصله فقرك إلى الله، و(ما طلب لك شيء مثل الاضطرار، ولا أسرع بالمواهب إليك مثل الذل والافتقار)، و(ما الشأن وجود الطلب، إنما الشأن أن ترزق حسن الأدب)، ومتى رزقت أدب الذل إلى ربك العظيم فأبشر بعاجل حصول الطلب، فـ(لا تطالب ربك بتأخر مطلبك، ولكن طالب نفسك بتأخر أدبك).
• ماذا أطلب؟:
إعلم أن خير ما تطلبه من ربك: الهداية إليه، ليعرفك بنفسه، ولتكون له عبداً، فإن (خير ماتطلبه منه: ما هو طالبه منك)(18) ، وأما ما قسمه لك من معيشة في الحياة الدنيا فهو أمر مفروغ منه منذ الأزل، و(جل حكم الأزل أن ينضاف إلى العلل)، و(كيف يكون طلبك اللاحق سبباً في عطائه السابق!؟)، ولمعرفتهم ذلك من ربهم، قد ينشغل العارفون بذكره عن مسألته، ويدعونه بلسان الحال بدل لسان المقال: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) (البقرة: 144)، إذ (ربما دلهم الأدب على ترك الطلب؛ إعتماداً على قسمته؛ واشتغالاً بذكره عن مسألته)، ورضواناً بما قسم لهم وبعلمه فيهم وبما يصلحهم ويصلح لهم، وهو الحي القائم على كل نفس بما كسبت، و(إنما يُذَكَّر من يجوز عليه الإغفال، وإنما ينبه من يمكن منه الإهمال)، وربك القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، فلا تظنه ينساك، بل ظن بنفسك بعدك عنه، حين لا تستحيي أن تكون أكبر همتك لتحصيل من سواه، أو يقصر نظرك إلى أن تطلب ممن سواه ما لا يملكه إلا الله، والحق أن (طلبك منه: اتهام له، وطلبك له: غَيبة منك عنه، وطلبك لغيره: لقلة حيائك منه، وطلبك من غيره: لوجود بعدك عنه)، فاستيقظ من غفلتك وغيبتك عنه، واستحي من بُعدِك وقلة حيائك منه، وعود قلبك الرضا بما قضاه، وهو طريقك للرضا به دون سواه، واسأله -بعبوديتك له-، أن يجعلك -بربوبيته لك- كما يحب: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: 5) ، وليكن خير دعائك: (إهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة: 6).(19)
رابعاً: ماذا أفعل؟ (روح الأعمال): (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة: 105)
• الإخلاص: روح العمل
وإنما الصراط المستقيم: تحقيق (الاخلاص لله) في نفسك: (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) (الزمر: 3)، وأنت معظم مقيم لشعائر الله وشرائعه؛ وعامل لتحقيق (العدل) وهو أدبك مع الخلق: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) (النحل: 90)؛ وعامل لتحقيق (الاصلاح) في الأرض وهو أدبك مع الجمادات: (هُوَ أَنْشَأَكُمْمِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (هود:61)، ومهما أقمت العدل وأردت الإصلاح في عملك فإن (الأعمال: صورقائمة، وأرواحها: وجود سر الاخلاص فيها) (20)، وهو إخلاص تشهد فيه خلق الله لعملك وأنه ليس لك من الأمر شئ حتى وأنت تطيع، مثلما أنك تستصغر أي عمل منك بجانب عظمة من أخلصت له، فـ(لا عمل أرجى للقلوب من عمل يغيب عنك شهودُه، ويُحتقر عندك وجودُه)، وبهذا الزهد بما قدمت يُبارَك لك في قبوله، و(ما قل عمل برز من قلب زاهد، ولا كثر عمل برز من قلب راغب)، وإنما (المؤمن يشغله الثناء على الله، عن أن يكون لنفسه شاكراً، وتشغله حقوق الله، عن أن يكون لحظوظه ذاكراً)، وأعظم النعمة أن ترزق الطاعة وتشهد أنها (به) كانت، ويجتمع القلب منك ليكون كله (له) وحده، و(متى رزقك الطاعة، والغنى به عنها، فاعلم: أنه قد أسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة)، واعلم أنه (لولا جميل ستره لم يكن عمل أهلاً للقبول)، ومن ذا الذي يخلص قلبه من العجب والرياء إن نسب (لنفسه) طاعة رب الأرض والسماء، فـ(أنت إلى حلمه إذا أطعته، أحوج منك إلى حلمه إذا عصيته)، فلا تشغل نفسك بذكر حظك من عملك، إذ (متى طلبت عوضاً على عمل: طولبت بوجود الصدق فيه، ويكفي المريد وجدان السلامة).
إن من الأدب مع خالقك أن تعلم أن دعاءك من مظاهر عبوديتك وقيامك بحق ربوبيته: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر: 60)، فالدعاء مخ العبادة، وليس مجرد طلب للعطاء، فـ(لا يكن طلبك تسبباً إلى العطاء منه، فيقل فهمك عنه، وليكن طلبك لإظهار العبودية وقياماً بحق الربوبية)، ليجيبك ويهديك إليه، ويفتح لك وجهة للتعرف عليه، بابها معرفة قدرك ومدى فقرك إليه، لأن لهذا الدعاء أدباً خاصاً، في المعاملة بين عبد صغير وبين الملك الحق، أصله فقرك إلى الله، و(ما طلب لك شيء مثل الاضطرار، ولا أسرع بالمواهب إليك مثل الذل والافتقار)، و(ما الشأن وجود الطلب، إنما الشأن أن ترزق حسن الأدب)، ومتى رزقت أدب الذل إلى ربك العظيم فأبشر بعاجل حصول الطلب، فـ(لا تطالب ربك بتأخر مطلبك، ولكن طالب نفسك بتأخر أدبك).
• ماذا أطلب؟:
إعلم أن خير ما تطلبه من ربك: الهداية إليه، ليعرفك بنفسه، ولتكون له عبداً، فإن (خير ماتطلبه منه: ما هو طالبه منك)(18) ، وأما ما قسمه لك من معيشة في الحياة الدنيا فهو أمر مفروغ منه منذ الأزل، و(جل حكم الأزل أن ينضاف إلى العلل)، و(كيف يكون طلبك اللاحق سبباً في عطائه السابق!؟)، ولمعرفتهم ذلك من ربهم، قد ينشغل العارفون بذكره عن مسألته، ويدعونه بلسان الحال بدل لسان المقال: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) (البقرة: 144)، إذ (ربما دلهم الأدب على ترك الطلب؛ إعتماداً على قسمته؛ واشتغالاً بذكره عن مسألته)، ورضواناً بما قسم لهم وبعلمه فيهم وبما يصلحهم ويصلح لهم، وهو الحي القائم على كل نفس بما كسبت، و(إنما يُذَكَّر من يجوز عليه الإغفال، وإنما ينبه من يمكن منه الإهمال)، وربك القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، فلا تظنه ينساك، بل ظن بنفسك بعدك عنه، حين لا تستحيي أن تكون أكبر همتك لتحصيل من سواه، أو يقصر نظرك إلى أن تطلب ممن سواه ما لا يملكه إلا الله، والحق أن (طلبك منه: اتهام له، وطلبك له: غَيبة منك عنه، وطلبك لغيره: لقلة حيائك منه، وطلبك من غيره: لوجود بعدك عنه)، فاستيقظ من غفلتك وغيبتك عنه، واستحي من بُعدِك وقلة حيائك منه، وعود قلبك الرضا بما قضاه، وهو طريقك للرضا به دون سواه، واسأله -بعبوديتك له-، أن يجعلك -بربوبيته لك- كما يحب: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: 5) ، وليكن خير دعائك: (إهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة: 6).(19)
رابعاً: ماذا أفعل؟ (روح الأعمال): (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة: 105)
• الإخلاص: روح العمل
وإنما الصراط المستقيم: تحقيق (الاخلاص لله) في نفسك: (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) (الزمر: 3)، وأنت معظم مقيم لشعائر الله وشرائعه؛ وعامل لتحقيق (العدل) وهو أدبك مع الخلق: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) (النحل: 90)؛ وعامل لتحقيق (الاصلاح) في الأرض وهو أدبك مع الجمادات: (هُوَ أَنْشَأَكُمْمِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (هود:61)، ومهما أقمت العدل وأردت الإصلاح في عملك فإن (الأعمال: صورقائمة، وأرواحها: وجود سر الاخلاص فيها) (20)، وهو إخلاص تشهد فيه خلق الله لعملك وأنه ليس لك من الأمر شئ حتى وأنت تطيع، مثلما أنك تستصغر أي عمل منك بجانب عظمة من أخلصت له، فـ(لا عمل أرجى للقلوب من عمل يغيب عنك شهودُه، ويُحتقر عندك وجودُه)، وبهذا الزهد بما قدمت يُبارَك لك في قبوله، و(ما قل عمل برز من قلب زاهد، ولا كثر عمل برز من قلب راغب)، وإنما (المؤمن يشغله الثناء على الله، عن أن يكون لنفسه شاكراً، وتشغله حقوق الله، عن أن يكون لحظوظه ذاكراً)، وأعظم النعمة أن ترزق الطاعة وتشهد أنها (به) كانت، ويجتمع القلب منك ليكون كله (له) وحده، و(متى رزقك الطاعة، والغنى به عنها، فاعلم: أنه قد أسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة)، واعلم أنه (لولا جميل ستره لم يكن عمل أهلاً للقبول)، ومن ذا الذي يخلص قلبه من العجب والرياء إن نسب (لنفسه) طاعة رب الأرض والسماء، فـ(أنت إلى حلمه إذا أطعته، أحوج منك إلى حلمه إذا عصيته)، فلا تشغل نفسك بذكر حظك من عملك، إذ (متى طلبت عوضاً على عمل: طولبت بوجود الصدق فيه، ويكفي المريد وجدان السلامة).
صفحة 7
• الطاعة كلها خير
إن للعمل الصالح حلاوة في القلب، وزيادة في القرب، فإن وجدتهما فاعلم أن (وجدان ثمرات الطاعات عاجلاً: بشائر العاملين بوجود الجزاء عليها آجلاً)، والطاعة كرامة حال حصولها، لأن (الكرامة هي الاستقامة) على مراد الله، وهو فضل يؤتيه الله من يشاء ويمنعه عمن يشاء: (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) (الحج: 18)، فأنت حين تكون في حال ذكر لربك فهو قد (أكرمك بكرامات ثلاث: جعلك ذاكراً له، ولولا فضله لم تكن أهلاً لجريان ذكره عليك، وجعلك مذكوراً به؛ إذ حقق نسبته لديك، وجعلك مذكوراً عنده، فتمم نعمته عليك): (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) (البقرة: 152)، كما تعقب العمل الصالح المتَقَبَّل بركات في الدنيا، وهدايات إلى ما يشاء ربك من الخير، فـ(من وجد ثمرة عمله عاجلاً: فهو دليل على وجود القبول آجلاً)، ومهما كان عملك قليلاً فلا تيأسن من عطاء الرب الكريم، الذي يفتح لمن يشاء باب القرب، ويختص به من يشاء، فـ(إذا فتح لك وجهة من التعرف: فلا تبال معها إن قل عملك، فإنه مافتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك، ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك، والأعمال أنت مهديها إليه، وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك؟)، وأنظر فيما مضى من عمرك وما كان من عطائه وتأمل كرمه، وأنظر ما كان منك من عمل واخش تقصيرك، فـ(إذا أردت أن يفتح لك باب الرجاء: فاشهد ما منه إليك، وإذا أردت أن يفتح لك باب الخوف: فاشهد مامنك إليه)، ولا تشك في رحمة الله إن كنت قد استغرقتك الغفلة، فإن (من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يخرجه من وجود غفلته: فقد استعجز القدرة الإلهية: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً) (الكهف: 45))، ولا تقنط من كرم ربك وأنت تشهد قصور خشوعك، فـ(لا تيأس من قبول عمل لم تجد فيه وجود الحضور، فربما قبل من العمل ما لم تدرك ثمرته عاجلاً)، وحتى إن غاب قلبك، فـ(لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، لأن غفلتك عن وجود ذكره: أشد من غفلتك في وجود ذكره، فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة؛ إلى ذكر مع وجود يقظة، ومن ذكر مع وجود يقظة؛ إلى ذكر مع وجود حضور، ومن ذكر مع وجود حضور؛ إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور، (وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) (إبراهيم: 20)).
• الطاعة الوان!
سواء ذكرت ربك في نفسك، أم عدلت مع خلقه، أم أصلحت ما خلقه لك، فأنت في طاعة (21) ، ما دمت مقيماً لذكره -استجابة لمأمور أو اجتناباً لمحضور-، إذ (لما علم الحق منك وجود ملل: لون لك الطاعات، وعلم ما فيك من وجود الشره: فحجرها عليك في بعض الأوقات؛ ليكون همك إقامة الصلاة، لا وجود الصلاة، فما كل مصل مقيم)، وقد جعل الله قرة عين حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم في الصلاة، ذلك أن (الصلاة طهرة للقلوب من أدناس الذنوب، واستفتاح لباب الغيوب)، و(الصلاة محل المناجاة، ومعدن المصافاة: تتسع فيها ميادين الأسرار وتشرق فيها شوارق الأنوار)، يضاعف فيها العطاء والمدد من لدن ربك الكريم مع قلة عددها وهوان همتك فيها، إذ (علم وجود الضعف منك: فقلل أعدادها، وعلم احتياجك إلى فضله: فكثر أمدادها)، ومن رحمته بك أن قيدها بأوقات وجعل في الوقت سعة، فـ(قيد الطاعات بأعيان الأوقات: كي لا يمنعك عنها وجود التسوف، ووسع عليك الوقت: كي تبقى لك حصة الاختيار)، وكل هذا من تمام علمه بحالك وفضله عليك، فلا تضيعن بقلة خشوعك محل مناجاتك ونبع أمدادك من ربك الودود.
• وماذا إن حصل الذنب؟
(إذا وقع منك ذنب فلا يكن سبباً ليأسك من حصول الاستقامة مع ربك؛ فقد يكون ذلك آخر ذنب قُدِّر عليك)، فهو (ربما فتح لك باب الطاعة، وما فتح لك باب القبول، وربما قضى عليك بالذنب: فكان سبباً في الوصول)، وإن ذنباً تبكي بعده ليلاً نادماً ذليلاً لربك، خير لك من أن تكون من الذين (يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا) (آل عمران: 188)، وإن (معصية أورثت ذلاً وافتقاراً، خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً)، فلا تجعل المعصية تخرسك عن التوجه إليه، وأعلم أن إحسان الله إليك لا توقفه إساءتك ما دام ظنك بربك كمال الاحسان، فـ(من عبر من بساط إحسانه: أصمتته الإساءة، ومن عبر من بساط إحسان الله إليه: لم يصمت إذا أساء)، فـ(لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدك عن حسن الظن بالله تعالى؛ فإن من عرف ربه: استصغر في جنب كرمه ذنبه)، فـ(لا صغيرة إذا قابلك عدله، ولا كبيرة إذا واجهك فضله)، و(ربما رزق الكرامة من لم تكمل له الاستقامة)، فلا تعتمد على ما قدمت، فإنه لن يدخل أحد الجنة بمحض عمله، إلا أن تسعه رحمة ربه، وإن (من علامة الاعتماد على العمل: نقصان الرجاء عند وجود الزلل)، فاجعل حسن ظنك بالله وثقتك بعظيم رحمته خير عملك، مهما كانت زلتك.
إن للعمل الصالح حلاوة في القلب، وزيادة في القرب، فإن وجدتهما فاعلم أن (وجدان ثمرات الطاعات عاجلاً: بشائر العاملين بوجود الجزاء عليها آجلاً)، والطاعة كرامة حال حصولها، لأن (الكرامة هي الاستقامة) على مراد الله، وهو فضل يؤتيه الله من يشاء ويمنعه عمن يشاء: (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) (الحج: 18)، فأنت حين تكون في حال ذكر لربك فهو قد (أكرمك بكرامات ثلاث: جعلك ذاكراً له، ولولا فضله لم تكن أهلاً لجريان ذكره عليك، وجعلك مذكوراً به؛ إذ حقق نسبته لديك، وجعلك مذكوراً عنده، فتمم نعمته عليك): (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) (البقرة: 152)، كما تعقب العمل الصالح المتَقَبَّل بركات في الدنيا، وهدايات إلى ما يشاء ربك من الخير، فـ(من وجد ثمرة عمله عاجلاً: فهو دليل على وجود القبول آجلاً)، ومهما كان عملك قليلاً فلا تيأسن من عطاء الرب الكريم، الذي يفتح لمن يشاء باب القرب، ويختص به من يشاء، فـ(إذا فتح لك وجهة من التعرف: فلا تبال معها إن قل عملك، فإنه مافتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك، ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك، والأعمال أنت مهديها إليه، وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك؟)، وأنظر فيما مضى من عمرك وما كان من عطائه وتأمل كرمه، وأنظر ما كان منك من عمل واخش تقصيرك، فـ(إذا أردت أن يفتح لك باب الرجاء: فاشهد ما منه إليك، وإذا أردت أن يفتح لك باب الخوف: فاشهد مامنك إليه)، ولا تشك في رحمة الله إن كنت قد استغرقتك الغفلة، فإن (من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يخرجه من وجود غفلته: فقد استعجز القدرة الإلهية: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً) (الكهف: 45))، ولا تقنط من كرم ربك وأنت تشهد قصور خشوعك، فـ(لا تيأس من قبول عمل لم تجد فيه وجود الحضور، فربما قبل من العمل ما لم تدرك ثمرته عاجلاً)، وحتى إن غاب قلبك، فـ(لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، لأن غفلتك عن وجود ذكره: أشد من غفلتك في وجود ذكره، فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة؛ إلى ذكر مع وجود يقظة، ومن ذكر مع وجود يقظة؛ إلى ذكر مع وجود حضور، ومن ذكر مع وجود حضور؛ إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور، (وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) (إبراهيم: 20)).
• الطاعة الوان!
سواء ذكرت ربك في نفسك، أم عدلت مع خلقه، أم أصلحت ما خلقه لك، فأنت في طاعة (21) ، ما دمت مقيماً لذكره -استجابة لمأمور أو اجتناباً لمحضور-، إذ (لما علم الحق منك وجود ملل: لون لك الطاعات، وعلم ما فيك من وجود الشره: فحجرها عليك في بعض الأوقات؛ ليكون همك إقامة الصلاة، لا وجود الصلاة، فما كل مصل مقيم)، وقد جعل الله قرة عين حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم في الصلاة، ذلك أن (الصلاة طهرة للقلوب من أدناس الذنوب، واستفتاح لباب الغيوب)، و(الصلاة محل المناجاة، ومعدن المصافاة: تتسع فيها ميادين الأسرار وتشرق فيها شوارق الأنوار)، يضاعف فيها العطاء والمدد من لدن ربك الكريم مع قلة عددها وهوان همتك فيها، إذ (علم وجود الضعف منك: فقلل أعدادها، وعلم احتياجك إلى فضله: فكثر أمدادها)، ومن رحمته بك أن قيدها بأوقات وجعل في الوقت سعة، فـ(قيد الطاعات بأعيان الأوقات: كي لا يمنعك عنها وجود التسوف، ووسع عليك الوقت: كي تبقى لك حصة الاختيار)، وكل هذا من تمام علمه بحالك وفضله عليك، فلا تضيعن بقلة خشوعك محل مناجاتك ونبع أمدادك من ربك الودود.
• وماذا إن حصل الذنب؟
(إذا وقع منك ذنب فلا يكن سبباً ليأسك من حصول الاستقامة مع ربك؛ فقد يكون ذلك آخر ذنب قُدِّر عليك)، فهو (ربما فتح لك باب الطاعة، وما فتح لك باب القبول، وربما قضى عليك بالذنب: فكان سبباً في الوصول)، وإن ذنباً تبكي بعده ليلاً نادماً ذليلاً لربك، خير لك من أن تكون من الذين (يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا) (آل عمران: 188)، وإن (معصية أورثت ذلاً وافتقاراً، خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً)، فلا تجعل المعصية تخرسك عن التوجه إليه، وأعلم أن إحسان الله إليك لا توقفه إساءتك ما دام ظنك بربك كمال الاحسان، فـ(من عبر من بساط إحسانه: أصمتته الإساءة، ومن عبر من بساط إحسان الله إليه: لم يصمت إذا أساء)، فـ(لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدك عن حسن الظن بالله تعالى؛ فإن من عرف ربه: استصغر في جنب كرمه ذنبه)، فـ(لا صغيرة إذا قابلك عدله، ولا كبيرة إذا واجهك فضله)، و(ربما رزق الكرامة من لم تكمل له الاستقامة)، فلا تعتمد على ما قدمت، فإنه لن يدخل أحد الجنة بمحض عمله، إلا أن تسعه رحمة ربه، وإن (من علامة الاعتماد على العمل: نقصان الرجاء عند وجود الزلل)، فاجعل حسن ظنك بالله وثقتك بعظيم رحمته خير عملك، مهما كانت زلتك.
صفحة 8
• لا تؤجل هجرتك!
لا تؤجل هجرتك إلى ربك، فإن (الخذلان كل الخذلان أن تتفرغ من الشواغل ثم لا تتوجه إليه، وتقل عوائقك ثم لا ترحل إليه)، وإن (إحالتك الاعمال على وجود الفراغ: من رعونات النفس)، فإنك إن كنت راجياً رحمته فـ(الرجاء ما قارنه عمل، وإلا فهو أمنية) (22)، وإن (من علامات موت القلب: عدم الحزن على مافاتك من الموافقات (23) ، وترك الندم على مافعلته من وجود الزلات) ، كما أن تضعضع العزم عن فعل الطاعة لا ينفع معه الندم، لأن (الحزن على فقدان الطاعة -مع عدم النهوض إليها- من علامات الاغترار)، فهلا تنظر بعين الاعتبار؟، و(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) (الحديد: 16)؟
خامساً: القدر: (ماذا يفعل (هو) بي؟): (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر: 49)
• القدر: (نظام العلاقة بالله)
مثلما أنه قد خلقك من قبل ولم تك شيئاً، فإن الله صانعك على عينه مدة عمرك، وجاعلك له كما يحب: متى فعلت ما يحب!، وإنما (يربيك) ربك بقدره، فـ(ما من نَفَسٍ تبديه: إلا وله فيك قدر يمضيه)(24)، وإنما يقدر ويخلق بعظمته وحده: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر: 49)، وهو يتدرج بك ليوصلك إلى كمالك الممكن بتدبيره وقضائه، فيربو ويزيد قربك كلما بذلت وسعك و(جاهدت) لتسجد ولتقترب: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) (العلق: 19)، فيكون القدر الذي يقدره لك: تدبير خالقك الخاص بك، وهو نظام محكم للتربية الإلهية لك، أعلى من قدرتك ولا تغيره مجرد همَّتِك، لأنه موجود قبلك بتقديره وحكمته، وإن (سوابق الهمم: لا تخرق أسوار الأقدار)، و(إلى المشيئة يستند كل شيء، ولاتستند هي إلى شيء)، لأن ربك أعلم بك منك، وهو (اللطيف) الذي يتوصل إلى مراده فيك بما خفي من الأسباب، و(من ظن انفكاك لطفه عن قدره: فذلك لقصور نظره)، وهو به قد كفاك هَمَّ تدبير شأنك وأنت في طريقك للهجرة إليه فـ(أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك؛ لا تقم به لنفسك)، و(لا تتكلف ما كُفيت، ولا تضيع ما استُكفيت)(25) ، فهو قد كفاك شأنك كله بحسن تدبيره ولطف تقديره، فلا تضيع ما يحبه منك وأمرك به، وإن (اجتهادك فيما ضُمن لك، وتقصيرك فيما طُلب منك: دليل على انطماس البصيرة منك)، وإنما مراد الله منك تحقيق عبوديتك والرضا بمقامك، ومكابدة أقداره بكدحك، بما آتاك هو من مقادير، تبتغي بذلك وجهه، مثلما يعلمك شيخ العارفين عبد القادر الكيلاني قدس سره: (نازعت أقدار الحق، بالحق، للحق) (26).
• ربك يربيك بقدره: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) (طه: 39)
يقدر الله عليك مدة العمر الخير والشر، واللذة والألم، ليربيك: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) (الأنبياء: 35))(27) ، وقصة عمرك السابق تحكي حسن تدبيره واختياره لك، فحين يبتليك بالشر (وليخفف ألم البلاء عنك: علمك بأنه -سبحانه- هو المبلي لك، فالذي واجهتك منه الأقدار: هو الذي عودك حسن الاختيار)، وحين يبتليك بالخير، فإن الشكر طريقك لقربه عند ورود النعم، و(من لم يشكر النعم: فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها: فقد قيدها بعقالها)، وإنما يكون البلاء والامتحان من ربك رحمة حين تغفل عنه وهو قد غمرك قبل بلطفه وإحسانه، فـ(من لم يُقبِل على الله بملاطفات الاحسان: قِيدَ إليه بسلاسل الامتحان)، وفي كل تدبيره لك: سعي بك إليه، فهو (متى أعطاك: أشهدك بره، ومتى منعك: أشهدك قهره، فهو في كل ذلك متعرف إليك ومقبل بوجود لطفه عليك)، وهو الأعلم بما يصلحك وما يصلح لك من العطاء، فـ(ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك)، وإنه (من تمام النعمة عليك: أن يعطيك ما يكفيك، ويمنعك ما يطغيك)، و(إنما يؤلمك المنع؛ لعدم فهمك عن الله فيه)، ولو عرفت ربك اللطيف لفهمت جمال معنى تعرفه عليك بتدبيره، فـ(العطاء من الخلق حرمان، والمنع من الله إحسان)، لأن العطاء من الخلق فتنة، واللجوء إلى ربك عند المنع رحمة ونعمة، وربما يأتيك وقت تعلم فيه أن ربك -إذ منعك- قد صرف عنك بلطفه ما لم تكن تعلمه، و(متى فتح باب الفهم في المنع؛ عاد المنع عين العطاء) (28)، إذ تشهد تربية ربك لك في كل نفس تبديه، وإنما (الغافل إذا أصبح ينظر: ماذا يفعل؟، والعاقل ينظر: ماذا يفعل الله به؟).
لا تؤجل هجرتك إلى ربك، فإن (الخذلان كل الخذلان أن تتفرغ من الشواغل ثم لا تتوجه إليه، وتقل عوائقك ثم لا ترحل إليه)، وإن (إحالتك الاعمال على وجود الفراغ: من رعونات النفس)، فإنك إن كنت راجياً رحمته فـ(الرجاء ما قارنه عمل، وإلا فهو أمنية) (22)، وإن (من علامات موت القلب: عدم الحزن على مافاتك من الموافقات (23) ، وترك الندم على مافعلته من وجود الزلات) ، كما أن تضعضع العزم عن فعل الطاعة لا ينفع معه الندم، لأن (الحزن على فقدان الطاعة -مع عدم النهوض إليها- من علامات الاغترار)، فهلا تنظر بعين الاعتبار؟، و(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) (الحديد: 16)؟
خامساً: القدر: (ماذا يفعل (هو) بي؟): (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر: 49)
• القدر: (نظام العلاقة بالله)
مثلما أنه قد خلقك من قبل ولم تك شيئاً، فإن الله صانعك على عينه مدة عمرك، وجاعلك له كما يحب: متى فعلت ما يحب!، وإنما (يربيك) ربك بقدره، فـ(ما من نَفَسٍ تبديه: إلا وله فيك قدر يمضيه)(24)، وإنما يقدر ويخلق بعظمته وحده: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر: 49)، وهو يتدرج بك ليوصلك إلى كمالك الممكن بتدبيره وقضائه، فيربو ويزيد قربك كلما بذلت وسعك و(جاهدت) لتسجد ولتقترب: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) (العلق: 19)، فيكون القدر الذي يقدره لك: تدبير خالقك الخاص بك، وهو نظام محكم للتربية الإلهية لك، أعلى من قدرتك ولا تغيره مجرد همَّتِك، لأنه موجود قبلك بتقديره وحكمته، وإن (سوابق الهمم: لا تخرق أسوار الأقدار)، و(إلى المشيئة يستند كل شيء، ولاتستند هي إلى شيء)، لأن ربك أعلم بك منك، وهو (اللطيف) الذي يتوصل إلى مراده فيك بما خفي من الأسباب، و(من ظن انفكاك لطفه عن قدره: فذلك لقصور نظره)، وهو به قد كفاك هَمَّ تدبير شأنك وأنت في طريقك للهجرة إليه فـ(أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك؛ لا تقم به لنفسك)، و(لا تتكلف ما كُفيت، ولا تضيع ما استُكفيت)(25) ، فهو قد كفاك شأنك كله بحسن تدبيره ولطف تقديره، فلا تضيع ما يحبه منك وأمرك به، وإن (اجتهادك فيما ضُمن لك، وتقصيرك فيما طُلب منك: دليل على انطماس البصيرة منك)، وإنما مراد الله منك تحقيق عبوديتك والرضا بمقامك، ومكابدة أقداره بكدحك، بما آتاك هو من مقادير، تبتغي بذلك وجهه، مثلما يعلمك شيخ العارفين عبد القادر الكيلاني قدس سره: (نازعت أقدار الحق، بالحق، للحق) (26).
• ربك يربيك بقدره: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) (طه: 39)
يقدر الله عليك مدة العمر الخير والشر، واللذة والألم، ليربيك: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) (الأنبياء: 35))(27) ، وقصة عمرك السابق تحكي حسن تدبيره واختياره لك، فحين يبتليك بالشر (وليخفف ألم البلاء عنك: علمك بأنه -سبحانه- هو المبلي لك، فالذي واجهتك منه الأقدار: هو الذي عودك حسن الاختيار)، وحين يبتليك بالخير، فإن الشكر طريقك لقربه عند ورود النعم، و(من لم يشكر النعم: فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها: فقد قيدها بعقالها)، وإنما يكون البلاء والامتحان من ربك رحمة حين تغفل عنه وهو قد غمرك قبل بلطفه وإحسانه، فـ(من لم يُقبِل على الله بملاطفات الاحسان: قِيدَ إليه بسلاسل الامتحان)، وفي كل تدبيره لك: سعي بك إليه، فهو (متى أعطاك: أشهدك بره، ومتى منعك: أشهدك قهره، فهو في كل ذلك متعرف إليك ومقبل بوجود لطفه عليك)، وهو الأعلم بما يصلحك وما يصلح لك من العطاء، فـ(ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك)، وإنه (من تمام النعمة عليك: أن يعطيك ما يكفيك، ويمنعك ما يطغيك)، و(إنما يؤلمك المنع؛ لعدم فهمك عن الله فيه)، ولو عرفت ربك اللطيف لفهمت جمال معنى تعرفه عليك بتدبيره، فـ(العطاء من الخلق حرمان، والمنع من الله إحسان)، لأن العطاء من الخلق فتنة، واللجوء إلى ربك عند المنع رحمة ونعمة، وربما يأتيك وقت تعلم فيه أن ربك -إذ منعك- قد صرف عنك بلطفه ما لم تكن تعلمه، و(متى فتح باب الفهم في المنع؛ عاد المنع عين العطاء) (28)، إذ تشهد تربية ربك لك في كل نفس تبديه، وإنما (الغافل إذا أصبح ينظر: ماذا يفعل؟، والعاقل ينظر: ماذا يفعل الله به؟).
صفحة 9
• علامات على طريق فهم الاقدار:
عرفت أن ربك يربيك بقضائه وقدره، وأن ثمرات الصلاح والفساد في الأعمال كائنة في تشكيل قدرك القادم في الدنيا مثلما في الآخرة خيراً أو شراً، و(جل ربنا أن يعامله العبد نقدا، فيجازيه نسيئة)، فقدرك يتشَكَّل بك ويُشكِّلُك، وإن لله سنناً لا تتخلف ولا تحابي في معاملته لك، يتقرر بها مصيرك، بل ومصير الأمم من بني آدم، وهي فاعلة حتماً ووعودها قادمة حقاً، فـ(لا يُشَكّكَنّك في الوعد عدم وقوع الموعود -وإن تعين زمنه- لئلا يكون ذلك قدحاً في بصيرتك، وإخماداً لنور سريرتك)، وإن لحصول آثارها سمات يعرفها المتوسمون: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) (الحِجْر: 75)، فيعرفون الناس بعلامات يشهدونها فيهم، ويفهمون من أقدار الله ما يفتح الله به عليهم، ومن هذه العلامات مايكون بينك وبين ربك، ومنها ما يكون بينك وبين خلقه، ومنها مايكون بينك وبين نفسك:
فمما تراه مما يكون بينك وبين ربك من علامات أنه: (متى أطلق لسانك بالطلب: فاعلم أنه يريد أن يعطيك) ما تريد، كما يريد، فهو قد (ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك لا فيما تختار لنفسك، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد)، وذلك من كمال إحسانه إليك ولطفه بك، وأنه لا يرد دعوة داعٍ ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم، وكذلك فاحذر أن تكون جاهلا بقدر ربك وتتمادى في غفلتك مع وجود إحسانه عليك، فإن (من جهل المريد: أن يسىء الأدب؛ فتؤخر العقوبة عنه، فيقول: لو كان هذا سوء أدب لقُطع الامدادُ وأوجب الابعادَ، فقد يقطع المدد عنه من حيث لايشعر، ولو لم يكن إلا منع المزيد، وقد يقام مقام البُعد وهو لا يدري، ولو لم يكن إلا أن يخليك وما تريد)، فـ(خف من وجود إحسانه إليك، ودوام إساءتك معه: أن يكون ذلك استدراجاً لك: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) (الأعراف: 182)) (29) .
ومما يكون بينك وبين الخلق أنه: (متى أوحشك من خلقه فاعلم: أنه يريد أن يفتح لك باب الأنس به) (30) ، فمهما صار لك من الأذى من أحب الخلق إليك، فهو علامة لك على فتح باب الأنس بمن هو الأولى بالحب، وأعلم أنه (إنما أجرى الأذى على أيديهم: كي لا تكون ساكناً إليهم، أراد أن يزعجك عن كل شيء: حتى لا يشغلك عنه شيء)، وهو الأعلم بك، فـ(متى آلمك عدم إقبال الناس عليك، أو توجههم بالذم إليك: فارجع إلى علم الله فيك، فإن كان لا يقنعك علمه؛ فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه، أشد من مصيبتك بوجود الأذى منهم)، وهل من أنس أعظم من تعاملك مع من يعلم السر وأخفى؟، وقد صنعك على عينه، وجاء بك إليه على قدر منه وتدبير؟
ومما يكون بينك وبين نفسك، فاعلم أنه (متى جعلك في الظاهر ممتثلاً لأمره، ورزقك في الباطن الاستسلام لقهره: فقد أعظم المنة عليك)، حين تحقق عبوديتك وتجتهد لتكون كما يحب في كل ما يحب، وتشهد الفضل في ذلك كله: له وحده، وأنك: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) (آل عمران: 128)، وهي كمال منزلة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: 5).
سادساً: (أين يجب أن أكون؟): (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ) (الصافات: 164):
• فقه المقام:
إعلم أنك قد خلقت لأمر معلوم، خصك به ربك دون الخلق، ومثلما أن السماء تـئط من ثقل جنود ربك من الملائكة الساجدين الذين لا يعلمهم إلا هو، وأن كلاً منهم يعرف مقامه، فإن لك في الكون مقاماً خاصاً بحسب حالك: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) (البقرة: 148)، ولكل مخلوق مقام عند ربه وعمل وحال: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) (الإسراء: 84)، ولكلٍّ مقام يوم لقاء الله: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) (الأنعام: 132)، وقد (تنوعت أجناس الأعمال، لتنوع واردات الأحوال)، ولاختلاف حالك عمن سواك، فإن تحقيق عبوديتك ولتكون عند مراد ربك، يحتم عليك فقهاً دقيقاً (للمقام) وللموضع الذي خلقت له وخلق لك في الوجود، وفقه جنس ما يوافق جبلتك من عمل، وهو متعلق بظاهر ما أودعه ربك فيك وباطنه، و(كل ميسر لما خلق له)، و(كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) (النور: 41)، فاجتهد لأن تكون حيث أقامك مولاك، و(ما ترك من الجهل شيئاً من أراد أن يحدث في الوقت غير ما أظهره الله فيه)، وإن ساعة في العمر تكون فيها وفق مراد ربك في الوقت تختصر عمرك كله، مثلما كانت لعبد صالح قبلك: (وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ) (يوسف: 23)، ولأخيه من بعده: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ* قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) (الشعراء: 62)، فاحرص على فقه مقامك وتحصيل ساعة موافقة مراد ربك، لعلها تكون لك خير ما قدمت في كل العمر، ولتكون معيار جزائك على كل ما كان منك من عمل في العمر: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل: 97).
عرفت أن ربك يربيك بقضائه وقدره، وأن ثمرات الصلاح والفساد في الأعمال كائنة في تشكيل قدرك القادم في الدنيا مثلما في الآخرة خيراً أو شراً، و(جل ربنا أن يعامله العبد نقدا، فيجازيه نسيئة)، فقدرك يتشَكَّل بك ويُشكِّلُك، وإن لله سنناً لا تتخلف ولا تحابي في معاملته لك، يتقرر بها مصيرك، بل ومصير الأمم من بني آدم، وهي فاعلة حتماً ووعودها قادمة حقاً، فـ(لا يُشَكّكَنّك في الوعد عدم وقوع الموعود -وإن تعين زمنه- لئلا يكون ذلك قدحاً في بصيرتك، وإخماداً لنور سريرتك)، وإن لحصول آثارها سمات يعرفها المتوسمون: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) (الحِجْر: 75)، فيعرفون الناس بعلامات يشهدونها فيهم، ويفهمون من أقدار الله ما يفتح الله به عليهم، ومن هذه العلامات مايكون بينك وبين ربك، ومنها ما يكون بينك وبين خلقه، ومنها مايكون بينك وبين نفسك:
فمما تراه مما يكون بينك وبين ربك من علامات أنه: (متى أطلق لسانك بالطلب: فاعلم أنه يريد أن يعطيك) ما تريد، كما يريد، فهو قد (ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك لا فيما تختار لنفسك، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد)، وذلك من كمال إحسانه إليك ولطفه بك، وأنه لا يرد دعوة داعٍ ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم، وكذلك فاحذر أن تكون جاهلا بقدر ربك وتتمادى في غفلتك مع وجود إحسانه عليك، فإن (من جهل المريد: أن يسىء الأدب؛ فتؤخر العقوبة عنه، فيقول: لو كان هذا سوء أدب لقُطع الامدادُ وأوجب الابعادَ، فقد يقطع المدد عنه من حيث لايشعر، ولو لم يكن إلا منع المزيد، وقد يقام مقام البُعد وهو لا يدري، ولو لم يكن إلا أن يخليك وما تريد)، فـ(خف من وجود إحسانه إليك، ودوام إساءتك معه: أن يكون ذلك استدراجاً لك: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) (الأعراف: 182)) (29) .
ومما يكون بينك وبين الخلق أنه: (متى أوحشك من خلقه فاعلم: أنه يريد أن يفتح لك باب الأنس به) (30) ، فمهما صار لك من الأذى من أحب الخلق إليك، فهو علامة لك على فتح باب الأنس بمن هو الأولى بالحب، وأعلم أنه (إنما أجرى الأذى على أيديهم: كي لا تكون ساكناً إليهم، أراد أن يزعجك عن كل شيء: حتى لا يشغلك عنه شيء)، وهو الأعلم بك، فـ(متى آلمك عدم إقبال الناس عليك، أو توجههم بالذم إليك: فارجع إلى علم الله فيك، فإن كان لا يقنعك علمه؛ فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه، أشد من مصيبتك بوجود الأذى منهم)، وهل من أنس أعظم من تعاملك مع من يعلم السر وأخفى؟، وقد صنعك على عينه، وجاء بك إليه على قدر منه وتدبير؟
ومما يكون بينك وبين نفسك، فاعلم أنه (متى جعلك في الظاهر ممتثلاً لأمره، ورزقك في الباطن الاستسلام لقهره: فقد أعظم المنة عليك)، حين تحقق عبوديتك وتجتهد لتكون كما يحب في كل ما يحب، وتشهد الفضل في ذلك كله: له وحده، وأنك: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) (آل عمران: 128)، وهي كمال منزلة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: 5).
سادساً: (أين يجب أن أكون؟): (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ) (الصافات: 164):
• فقه المقام:
إعلم أنك قد خلقت لأمر معلوم، خصك به ربك دون الخلق، ومثلما أن السماء تـئط من ثقل جنود ربك من الملائكة الساجدين الذين لا يعلمهم إلا هو، وأن كلاً منهم يعرف مقامه، فإن لك في الكون مقاماً خاصاً بحسب حالك: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) (البقرة: 148)، ولكل مخلوق مقام عند ربه وعمل وحال: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) (الإسراء: 84)، ولكلٍّ مقام يوم لقاء الله: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) (الأنعام: 132)، وقد (تنوعت أجناس الأعمال، لتنوع واردات الأحوال)، ولاختلاف حالك عمن سواك، فإن تحقيق عبوديتك ولتكون عند مراد ربك، يحتم عليك فقهاً دقيقاً (للمقام) وللموضع الذي خلقت له وخلق لك في الوجود، وفقه جنس ما يوافق جبلتك من عمل، وهو متعلق بظاهر ما أودعه ربك فيك وباطنه، و(كل ميسر لما خلق له)، و(كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) (النور: 41)، فاجتهد لأن تكون حيث أقامك مولاك، و(ما ترك من الجهل شيئاً من أراد أن يحدث في الوقت غير ما أظهره الله فيه)، وإن ساعة في العمر تكون فيها وفق مراد ربك في الوقت تختصر عمرك كله، مثلما كانت لعبد صالح قبلك: (وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ) (يوسف: 23)، ولأخيه من بعده: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ* قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) (الشعراء: 62)، فاحرص على فقه مقامك وتحصيل ساعة موافقة مراد ربك، لعلها تكون لك خير ما قدمت في كل العمر، ولتكون معيار جزائك على كل ما كان منك من عمل في العمر: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل: 97).
صفحة 10
• مقامك: قَدْرُك!
اجتهد لأن تعرف أين مقامك وما هو (حالك)، وذلك يكون بحسب ما تعرفه عن ما أودعه فيك فيما مضى من عمرك من (الاستعداد) وهو يربيك، ثم في مقامك الآن، بين ما خلقه لك وما خُلِقت لأجله، و(من علامات إقامة الحق لك في الشيء: إقامته إياك فيه مع حصول النتائج)، فاعتبر حالك، واجتهد لملء مقامك حيث أقامك بأكمل الإتقان، أباً أو ابناً، معلماً أو متعلماً، مريضاً أو طبيباً، و(إذا أردت أن تعرف قدرك عنده: فانظر فيم يقيمك)، وكيف عملك لملء مقامك، و(لا تطلب منه أن يخرجك من حال؛ ليستعملك فيما سواها، فلو أرادك: لاستعملك من غير إخراج) (31)، فمقامك حيث أقامك، كائناً حيث أرادك مولاك، مشتغلاً بتحصيل مراده وتحقيق عبوديتك، بما كلفك من مكابدة لأقداره بكل ما ييسره لك من أسباب، مستيقناً أن قدرة ربك مطلقة عن كل سبب، وأن الذي خلق النار محرقةً جعلها برداً وسلاماً على خليله إبراهيم، فإذا أقامك في حال أشهدك فيه إطلاق قدرته وتجردها عن الأسباب فقم فيه بعالي همتك لشهودها، وإن أقامك حيث يجب عليك الأخذ بكل الأسباب فلا تستنكف بذل أقصى جهدك لتحصيلها، فإن (إرادتك التجريد -مع إقامة الله إياك في الأسباب- من الشهوة الخفية، وإرادتك الأسباب -مع إقامة الله إيّاك في التجريد- انحطاط عن الهمة العلية)، فليس الأمر مجرد خرق لبعض السنن لعبد من العباد، وإنما الأصل التحقق في مقام العبودية بكل فقرها وذلتها، والرضا بشهود آثار الربوبية بكل ظواهرها.
• لكل وقت من العمر حق ثابت لله ومقام واجب على العبد:
إن من فقه المقام تذكر أن أنفاسك في الدنيا معدودة، وأن الواجبات تتعدد بتعدد الأنفاس، فاحرص على أن تكون في كل نفس تبديه عند المقام الذي يحبه منك، لأن اللحظة التي تمضي ولا تكون فيها وفق مراد ربك في مقامك لن تعود أبداً، ولعلك تقضي صلاة فائتة أو صيام يوم أفطرته بعذر، ولكنك لن تقضي حق ربك الذي ترشحك له صلاتك: في تغيير الدنيا في غير أوقات الصلاة -وهي بقية عمرك-، وهو حق أن وهبك ربك وقت عمرك، فـ(حقوق في الأوقات يمكن قضاؤها، وحقوق الأوقات لا يمكن قضاؤها: إذ ما من وقت يرد إلا ولله عليك فيه حق جديد وأمر أكيد، فكيف تقضى فيه حق غيره وأنت لم تقض حق الله فيه؟!)، واعلم أن (ما فات من عمرك: لا عوض له، وما حصل لك منه: لا قيمة له)، لأن الباقي من ما مضى من عمرك هو عملك فحسب، وهو لا يقدر بقدر، فلا تضيع ساعة في غير الكون على مراد ربك في الوقت، عدلاً بين الخلق أو إصلاحاً للحياة.
ويمكن لهذا النَفَس أو لهذه اللحظة أن تكون بداية مشرقة جديدة ترشحك لنهاية مشرقة، فإن (من أشرقت بداياته: أشرقت نهاياته)، وإن (من علامات النُّجح في النهايات: الرجوع إلى الله في البدايات)، فلتكن بدايتك الآن، وبادر للكون في المقام الذي يريده لك ربك ليشرق على قلبك نور الحق، فإن (الأغيار) من شواغل الدنيا التي تصرفك عن مراقبة حالك ومقامك مع ربك لا تنتهي، فـ(لا تترقب فراغ الأغيار، فإن ذلك يقطعك عن وجود المراقبة له، فيما هو مقيمك فيه)، وإن حسن فقهك لمقامك وكونك حيث يريد ربك وحين يريد: طريق للبركة في عمرك، و(من بورك له في عمره: أدرك في يسير من الزمن -من منن الله تعالى- ما لا يدخل تحت دوائر العبارة، ولا تلحقه الإشارة)، فيفتح لك بكرمه من مدد قربه ما يشاء في أمد قصير، و(رب عمر اتسعت آماده وقلت أمداده، ورب عمر قليلة آماده كثيرة أمداده)، فلُمَّ شمل نفسك وشُدّ عزمَك (32)، وابدأ لكي تكون كما يريد حيث يريد، وارتق مدارج سلوك طريق هجرتك إليه.
اجتهد لأن تعرف أين مقامك وما هو (حالك)، وذلك يكون بحسب ما تعرفه عن ما أودعه فيك فيما مضى من عمرك من (الاستعداد) وهو يربيك، ثم في مقامك الآن، بين ما خلقه لك وما خُلِقت لأجله، و(من علامات إقامة الحق لك في الشيء: إقامته إياك فيه مع حصول النتائج)، فاعتبر حالك، واجتهد لملء مقامك حيث أقامك بأكمل الإتقان، أباً أو ابناً، معلماً أو متعلماً، مريضاً أو طبيباً، و(إذا أردت أن تعرف قدرك عنده: فانظر فيم يقيمك)، وكيف عملك لملء مقامك، و(لا تطلب منه أن يخرجك من حال؛ ليستعملك فيما سواها، فلو أرادك: لاستعملك من غير إخراج) (31)، فمقامك حيث أقامك، كائناً حيث أرادك مولاك، مشتغلاً بتحصيل مراده وتحقيق عبوديتك، بما كلفك من مكابدة لأقداره بكل ما ييسره لك من أسباب، مستيقناً أن قدرة ربك مطلقة عن كل سبب، وأن الذي خلق النار محرقةً جعلها برداً وسلاماً على خليله إبراهيم، فإذا أقامك في حال أشهدك فيه إطلاق قدرته وتجردها عن الأسباب فقم فيه بعالي همتك لشهودها، وإن أقامك حيث يجب عليك الأخذ بكل الأسباب فلا تستنكف بذل أقصى جهدك لتحصيلها، فإن (إرادتك التجريد -مع إقامة الله إياك في الأسباب- من الشهوة الخفية، وإرادتك الأسباب -مع إقامة الله إيّاك في التجريد- انحطاط عن الهمة العلية)، فليس الأمر مجرد خرق لبعض السنن لعبد من العباد، وإنما الأصل التحقق في مقام العبودية بكل فقرها وذلتها، والرضا بشهود آثار الربوبية بكل ظواهرها.
• لكل وقت من العمر حق ثابت لله ومقام واجب على العبد:
إن من فقه المقام تذكر أن أنفاسك في الدنيا معدودة، وأن الواجبات تتعدد بتعدد الأنفاس، فاحرص على أن تكون في كل نفس تبديه عند المقام الذي يحبه منك، لأن اللحظة التي تمضي ولا تكون فيها وفق مراد ربك في مقامك لن تعود أبداً، ولعلك تقضي صلاة فائتة أو صيام يوم أفطرته بعذر، ولكنك لن تقضي حق ربك الذي ترشحك له صلاتك: في تغيير الدنيا في غير أوقات الصلاة -وهي بقية عمرك-، وهو حق أن وهبك ربك وقت عمرك، فـ(حقوق في الأوقات يمكن قضاؤها، وحقوق الأوقات لا يمكن قضاؤها: إذ ما من وقت يرد إلا ولله عليك فيه حق جديد وأمر أكيد، فكيف تقضى فيه حق غيره وأنت لم تقض حق الله فيه؟!)، واعلم أن (ما فات من عمرك: لا عوض له، وما حصل لك منه: لا قيمة له)، لأن الباقي من ما مضى من عمرك هو عملك فحسب، وهو لا يقدر بقدر، فلا تضيع ساعة في غير الكون على مراد ربك في الوقت، عدلاً بين الخلق أو إصلاحاً للحياة.
ويمكن لهذا النَفَس أو لهذه اللحظة أن تكون بداية مشرقة جديدة ترشحك لنهاية مشرقة، فإن (من أشرقت بداياته: أشرقت نهاياته)، وإن (من علامات النُّجح في النهايات: الرجوع إلى الله في البدايات)، فلتكن بدايتك الآن، وبادر للكون في المقام الذي يريده لك ربك ليشرق على قلبك نور الحق، فإن (الأغيار) من شواغل الدنيا التي تصرفك عن مراقبة حالك ومقامك مع ربك لا تنتهي، فـ(لا تترقب فراغ الأغيار، فإن ذلك يقطعك عن وجود المراقبة له، فيما هو مقيمك فيه)، وإن حسن فقهك لمقامك وكونك حيث يريد ربك وحين يريد: طريق للبركة في عمرك، و(من بورك له في عمره: أدرك في يسير من الزمن -من منن الله تعالى- ما لا يدخل تحت دوائر العبارة، ولا تلحقه الإشارة)، فيفتح لك بكرمه من مدد قربه ما يشاء في أمد قصير، و(رب عمر اتسعت آماده وقلت أمداده، ورب عمر قليلة آماده كثيرة أمداده)، فلُمَّ شمل نفسك وشُدّ عزمَك (32)، وابدأ لكي تكون كما يريد حيث يريد، وارتق مدارج سلوك طريق هجرتك إليه.