eKtab
EN ع
فلسفة العقل - التكامل العلمي والميتافيزيقي
اقرأ عينة مجانية

فلسفة العقل - التكامل العلمي والميتافيزيقي

بقلم د. صلاح فليفل الجابري

صفحة 1
مقدمة

حاولنا في هذا الكتاب تقديم فهم لطبيعة انبثاق المشكلة في بعديها التاريخي والعلمي أولاً، وإيضاح الحل العلمي المقدم والمستند إلى المعطيات العلمية، وفحص ما إذا كان يشكل في حقيقته إجابة حاسمة عن طبيعة العملية العقلية المنتجة للفكر، وما إذا كان يقدم تصوراً واقعياً عن طبيعة الإنسان، وأوضحنا أن الحل الذي يؤمن بأن الإنسان لديه عقل جوهري يعلو على الطبيعة ويتفاعل معها في الوقت نفسه، لا يستند إلى التأمل العقلي فحسب، وإنما يستند، كالحل المادي، إلى معطيات علوم مختلفة، وإذا كنا لا ندعي إثبات تفوق أحد الافتراضين على أحدهما، فإننا نرى أنهما متكاملان وليس بمتناقضين بالضرورة. وهذه هي دلالة دعم المعطيات العلمية لكلا الحلين من زوايا مختلفة.

ثانياً: إن اقتراباً من الحل العلمي شهدته الفلسفة الإسلامية المتأخرة، على يد صدر الدين الشيرازي، في نظرية «الحركة الجوهرية»، وهذه النظرية قدمت تصوراً عن وجود النفس وكيفية تطورها انسجم مع معطيات العلم الحديث، حيث تصور الشيرازي بأن النفس مادية الحدوث، أي أنها في بداية وجودها في الجسم، تتخذ خصائص المادة، ولكنها تتطور عبر حركة جوهرية تنقلها نوعياً من التصاقها بخصائص المادة في مرحلة الطفولة إلى تجردها واتصافها بالخصائص العقلية والروحية المفارقة للمادة، وهو بذلك فتح باب فهم العلاقة المترابطة والتفاعلية بين البعدين المادي والروحي أو الدماغي والعقلي، وأن أحدهما يساهم في تطور الآخر، كما أثبتت بحوث عالم الأعصاب المشهور جون أكلس. وهذه النظرية تفسر لنا شدة ترابط العملية العقلية بالعمليات الدماغية، التي قد توهم باْن العقل منبثق نوعياً عن الدماغ، كما تفسر التفاوت بالقدرة العقلية بين الحيوانات ذات الجهاز العصبي البسيط والكائنات ذات الدماغ الأكثر تعقيداً، ذلك أن التفاعل متبادل والتطور متبادل أيضاً، إذن، نحن نتوافر على فهم دقيق لطبيعة الإنسان لا يحصره في بعده المادي ولا في بعده الروحي فقط، وإنما يجعل شخصية الإنسان الفكرية والروحية حاصل حركة جوهرية للمادة، أي هناك حركة للمادة صانعة للجواهر وليس للأعراض فحسب.

يعتقد العلماء أنه من الممكن تحديد مفهوم العقل لدى الإنسان البدائي، عن طريق معرفة عقائد البدائيين المعاصرين، مثل، سكان استراليا الأصليين، والهنود الأمازونيين، وقبائل الأسكيمو(وهم أناس معاصرون ولكن حياتهم ذات طراز بدائي منشأً وسلوكاً)، إذ يؤمن هؤلاء بأرواح البشر والحيوانات، وأن هذه الأرواح تسكن الأجسام في الحياة وتغادرها نحو اللاجسمية بعد الموت(1).

والحقيقة أن هذا الاعتقاد ليس مقصوراً على هؤلاء الأقوام والقبائل، بل يشاركهم في هذا الاعتقاد معظم سكان الكرة الأرضية منذ العصور الغابرة وحتى عصرنا الراهن، إذ رسّخت جميع الأديان هذا الاعتقاد وبنت عليه أسسها، وأن الرجوع إلى موقف الإنسان البدائي لا يتعدى أحد الهدفين الآتيين:

الهدف الأول من هذا التأصيل هو إثبات الجذور الإنسانية الأولى لهذا الاعتقاد الذي رافق البشرية منذ نشوئها وحتى العصر الراهن، مما يدفعنا إلى القول بأنه اعتقاد فطري يعبّر عن جوهر الإنسانية.

والهدف الثاني هو أن يرام من ذلك التأصيل إثبات فرضية كون هذا الاعتقاد يعبّر عن طفولة الإنسانية وبدائية عقليتها، وبالتالي فهو يعبّر عن مرحلة القصور الذهني وخرافية الفكر ما قبل العلمي.

ونحن نعمل بالمقصد الأول لأسباب عديدة، أهمها: أن هذا الاعتقاد ما زال قائماً، ولم يستطع العلم أن يشكل بديلاً معقولاً عنه، ولم يختف عند أكثر المجتمعات تقدماً من الناحية العلمية. فضلاً عن أن النظريات المادية بشأنه لم تكن حاسمة، أو على الأقل، لم تكن متفوقة على النظريات الثنائية. أخيراً أقول: إن المسألة مازالت جدلية ولم تبلغ مرحلة الحسم (العلمي والفلسفي على حد سواء)، بدليل أنها لا تزال محل نقاشات علمية وفلسفية في عصر التقانة والمعلوماتية.

فقد كشفت الدراسات التاريخية لحضارة بلاد ما بين النهرين (العراق القديم) وجود دلائل على الاعتقاد بالحياة بعد الموت. إذ توجد (في مقبرة أور الملكية جثث عائلة وحاشية الملك وأتباع الملك مع حليّهم وتجهيزاتهم الكاملة)(2)، بل أن النظام الإبستمولوجي لتلك الحضارة (السومرية والبابلية والآشورية) مشبع بمضامين غيبية تؤطرها آليات العرافة والسحر والتنجيم، على الرغم من عدم غياب الملاحظة والاستقراء البسيطين، اللذين ارتبطا، في أكثر الأحيان، بالحسابات الفلكية والأغراض العملية اليومية في الزراعة ومقومات الحياة الأخرى. وبالرغم من ذلك فإن الإطار العام بقي غيبياً كما نستطيع أن نحدده في « الألواح البابلية»(3).

ذلك ما نجده أيضاً في الحضارة الفرعونية (مصر القديمة)، حيث شغلت عقيدة الحياة بعد الموت حيزاً كبيراً من ذهنية إنسان هذه الحضارة. وعلى الرغم من التقدم العلمي في مجالات العلوم الهندسية والرياضية والطبيعية(4)، إلا أن البعد الغيبي والإطار الديني كان المعلم البارز الذي أطّر هذه الحضارة ومنحها مضمونها الروحي العميق.

في حين جاءت النظريات المادية الواحدية (النفسية - جسمية) متأخرة جداً. إذ طُرحت بداياتها من لدن الفلاسفة والعلماء اليونانيين، مثل ديموقريطس (470-361ق.م)، وتبعه بعد حين كل من (Epicurs)أبيقور (341-270ق.م)، والطبيب أبقراط (Hypocrites). إذ تبنّى هؤلاء وجهة النظر المادية عن العالم التي تستبعد الأرواح اللاجسمية.

وقد تهاوت هذه النزعة المادية تحت تأثير أفلاطون وأتباعه باستثناء لوقريطس (Lucretius)، كما أن التقليد الأبقراطي أُدخلت عليه تعديلات من لدن جالن (Galen) وتلامذته وتم تجريده من أسسه الفلسفية(5).

يعد أفلاطون الخصم المؤثر والبارز للأحادية (النفس - جسمية)، وللمادية القديمة، بصورة عامة، ومن ضمنها وجهة النظر الذرية عن العالم. إذ كانت فلسفته أول نظام فلسفي أصيل، قائم على الثنائية (النفس - جسمية). ففي محاورتي قراطيلوس (Cruatylus)، وفيدون (Phaedo)، يجعل أفلاطون معلمه سقراط يعيد الكشف عن الاعتقاد الأورفي بأن الإنسان متكون من نفس وجسد، وأن النفس ذات طبيعة لامادية وأزلية، والنفس تحيي الجسد وهي أسمى منه، كما أنها تنفصل عنه بالموت. ويمكن للنفس أن تعرف الحقائق المطلقة، وتتمتع بالجمال المطلق، بعد انفصالها عن الجسد بالموت(6).

وليس بخاف على أحد تأثر هذه النظرية بالعقائد الشرقية، ولاسيما القائلة بتناسخ الأرواح، مثل، الديانة الهندية القديمة(7). والتي تحررت من إطارها التناسخي في العقائد الدينية السماوية اللاحقة.
صفحة 2
واعتقد أرسطو، تلميذ أفلاطون، بأن النفس هي صورة الكائن الحي، وأنه لا يمكن، فصل الصورة عن المادة (الهيولى) من الناحية العملية، وإن أمكن ذلك من الناحية النظرية (العقلية)(8). وقد فهم بعض الماديين عدم الانفصال هذا بأنه إشارة إلى وحدة النفس والجسم.

وعندما جاء الإسلام بنزول القرآن الكريم تبلورت فلسفة عملية ترتكز على جملة مسلمات عقائدية، من بينها، الإيمان بالمعاد الذي يستند بدوره إلى الاعتقاد بلامادية النفس واستقلالها عن البدن. وإن اتصال النفس بالجسم اتصال زمني، حيث تغادره بعد الموت إلى عالم الخلد، حيث الحساب أو المحاكمة، وهذه هي النقطة الجوهرية المؤثرة في مسيرة الحياة الإنسانية وتوجيهها.

إلا أن الموقف الفلسفي تبلور على يد أكبر فلاسفة الإسلام وهو ابن سينا. أحد أهم الأدلة التي قدمها ابن سينا على وجود النفس، واستقلالها عن الجسم، هو ما أسماه بدليل الإنسان المعلق في الفضاء(9). إذ افترض فيلسوفنا بتجربة خيالية (مستحيلة عملياً)، أنه إذا تصورنا إنساناً خلق دفعة واحدة في فراغ ليس فيه شيء يلامس جسده، أو أعضاءه الحسية، فإننا يمكن أن نتصور أنه قادر على إدراك ذاته، على الرغم من أنه لم يدرك جسده (أو يحس به) بعد. وهذا لا يريد به ابن سينا وجود النفس وحسب، بل وأنها مستقلة عن الجسم. ويتضمن دليل ابن سينا هذا الانتقال من المعنى التصوري إلى التحقق الوجودي. ويبدو أنه أراد أن يقول: إن الاستبطان يصلح دليلاً كافياً على إثبات ذواتنا مستقلة عن أجسامنا. ونحن نرى في ذلك مفارقة كبيرة وواضحة، فإن عمليات الاستبطان ليست مستقلة عن الجسم، ولذلك فهي وإن كانت وعياً بالذات، لكنها ليست دليلاً على استقلال الذات عن الجسم، أو أن طبيعتيهما مختلفتان جوهرياً.

وجاء الاعتراض الحديث على المادية، والتأسيس للثنائية في الفكر الأوروبي الحديث، من الفيلسوف الفرنسي ديكارت، الذي طرح النظرية الثنائية التفاعلية، وأقر الانفصال (وجودياً) بين النفس والجسم. كما أقر أن الحركات التي تحصل في الدماغ تنتج أفكاراً فيما يسميه العقل غير الممتد، الذي ظن أنه يعمل عن طريق الغدة الصنوبرية، بوصفها نقطة اتصال بين العقل والدماغ(10).

أسس ديكـارت الفصـل الوجـودي (الفعلـي) عـلى الفصـل الإبستمولوجي، إذ يرى أنه إذا أمكننا أن نفكر بالنفس، بشكل واضح وتام، من دون أن نفترض الجسم مسبقاً، وإذا كنا قادرين على أن نتصور الجسم شيئاً متميزاً عن النفس، فإن ذلك يثبت لنا بأن لدينا شيئين متميزين، أو جوهرين أحدهما مستقل عن الآخر تماماً(11).

لكن يجب التنويه بأن ديكارت يثبت وجود النفس من خلال فعل من أفعالها، كما يصرح بذلك الكوجيتو «أنا أفكر إذن أنا موجود»، وواضح من هذه العبارة أنه يثبت الوجود للأنا من خلال فعل التفكير، وهذا ما رفضته الفلسفة السينوية، كما في دليل الإنسان المعلق في الفضاء المذكور سابقاً.

ومهما يكن الأمر فإن تأسيس الفصل الوجودي على الفصل الإبستمولوجي ليس له ما يبرره فلسفياً، فالانتقال من التصور إلى الوجود لم ينبن على نسبة بينهما وهذا ما جعل ديكارت يهرع إلى فكرة خارجة عن الموضوع لتسويغ هذا الانتقال، وهي فكرة اللامتناهي أو الله، بوصفها فكرة واضحة بذاتها، يقول: «… فإننا بمجرد معرفتنا وجود الله، نستطيع القول بأن أي شيء يمكننا إدراكه متمايزاً عن الشيء الآخر قد خلق متمايزاً عنه، بوساطة الله، ولما كانت لدينا فكرة واضحة ومتمايزة عن النفس بوصفها شيئاً منفصلاً عن الجسم، فإننا نستطيع القول في هذه الحالة بأن النفس منفصلة بالفعل، لأن الله قد أراد جعلها منفصلة»(12).

لكن ديكارت أفاد البحث العلمي في نظرته إلى الجسم باعتباره مجرد آلة، وظن أن الشعور والإدراك آليان أيضاً، على الرغم من أنه لا يعتقد بآلية الوعي. وقد أثر هذا الاعتقاد في أبحاث البيولوجيا وعلم النفس، إذ سمح للعلمـاء أن يستقصوا تكـوين البشر، مندفعين بتأثير الاعتقاد الديكارتي بآليـة الجسم، وأنـه ليس مقـدساً، ولذلـك يمكن تشريحه ودراسته كأي نظام فيزيائي آخـر(13). وهكذا كـان تـأثير ديكارت كبيراً في الفلاسفة والعلمـاء، وأصبحت التفـاعلية الديكـارتية شائعـة بين الفلاسفـة والعلمـاء، مـاديين ومثـاليين.

وعلى الرغم من قبول الثنائية الديكارتية، فقد اعترض عليها العديد من المفكرين، في مقدمتهم هوبز (1679) الذي اعتبر الفكر حركة أو انفعالاً لجزيئات الدماغ. ونقدها سبينوزا (1677) وصرح بأن الفكر والمادة جانبان لشيء واحد، وأنكر التفاعل بينهما(14). معتقداً بوجود موازاة لا التقاء بينهما، فكل حدث عقلي يوازيه حدث فيزيائي، ولكل حدث فيزيائي حدث عقلي موازٍ، من غير أن تقوم بينهما علاقة سببية. فهما وجهان لحقيقة واحدة، أو خاصيتان إلهيتان، ولذلك لا علاقة سببية بينهما(15).

وعلى الرغم من أن جون لوك (1690) ليس مادياً، إلا أنه صرح بأن الله يستطيع - إذا شاء - أن يهب المادة خاصية التفكير. ورفض ديفيد هيوم (1739) الثنائية الديكارتية، وسخر من فكرة النفس السرمدية. وأقوى الاعتراضات جاء من هوبز، ومن الكيميائي واللاهوتي براسيتلي (1777).

كان أغلب علماء النفس وفسيولوجيا الأعصاب، والفلاسفة المعاصرين، أمثال بنكتون، وفرويد، وبوبر، قد درسوا هذه المشكلة، لكنهم اعتبروها غير قابلة للحل. وبعضهم اعتبرها مشكلة زائفة مثل بتنام (1690 ـ Putnam )، وساد هذا الرأي مواقف المادية الفسيولوجية العصبية(16).

كتب عالم النفس بولاينتي (1956) مقالة مؤثرة أنقذ فيها الأحادية (النفسعصبية) من النسيان الأكاديمي، إذْ أكد أن الوعي مجرد حالة دماغية. ومن جملة الفلاسفة الذين تحمسوا لهذه الفكرة هربرت فايغل (1958)، وجاك سمارت (1959)، وديفيد آرمسترونغ (1968). إذ دافع هؤلاء عن نظرية الهوية أو التماثل أو التطابق بين الحالات العقلية والحالات الدماغية، التي كانت في ذلك الوقت مجرد فرضية منظمة(17).

وعلى كل حال، فإن دعاة نظرية الهوية مختلفون فيما بينهم. فبينما كان سمارت، وآرمسترونغ، وأتباعهما ماديين ضليعين أو طبيعيين، كان فايغل يبدو متأرجحاً بين الهوية الدقيقة والأحادية الطبيعية (هذه الأخيرة أشار إليها أستاذه موريس شليك مؤسس دائرة ڤيينا تحت اسم الدلالة الثنائية (Double designation). ويذكر فايغل أن المسألة لا تكمن في اختلاف كمية المفاهيم الموجودة في علم النفس عن مقدار المفاهيم الموجودة في الفسيولوجيا العصبية، فإن مفاهيم الحقلين تمتلك الإشارات أو الدلالات نفسها. وإن التفكير النقدي بالمعاني والمصطلحات الفيزيائية والعقلية يمكن، بل يجب أن يحل مشكلة العقل - الجسم(18).

ذلك يعني أن المشكلة، في نظر هؤلاء، لغوية وليست موضوعية. وهو أمر لا يقره منطق المشكلة ذاتها. فعلم النفس وعلم الأعصاب لا يشيران إلى الموضوعات نفسها، لأن علم الأعصاب أو الفسيولوجيا العصبية محددة بالجهاز العصبي، في حين يعنى علـم النفس بمجمـل الحياة النفسية للأحيـاء. وأن المشكـلات الكبيرة، مثل مشكلـة العقـل- الدمـاغ، لا يمكـن حلهـا عن طـريق التحليـل السيمانطيقي (Semantic nalysis)، وإنمـا عـن طـريق بنـاء أنظمـة استنتاجيـة (نظريات)(19).

ويتمثل الحل المادي لمشكلة العقل - الدماغ (أو الجسم) بعدة وجهات نظر (أو نزعات) منها:
صفحة 3
1. المادية الحذفية (Eliminative materialism)، وهي تستبعد مفاهيم العقل والوعي من البحث العلمي، ويمثلها واطسون، وسكنز، ورورتي، وكواين(20).

2. المادية الردّية (Reductive materialism)، وهي تعزو العمليات العقلية إلى العمليات الفيزيائية المعقدة للدماغ. وتشمل الردية كلاً من الرد الانطولوجي، والرد الإبستمولوجي، أي، تحويل علم النفس إلى فرع من فروع الفيزياء(21).

3. المادية الانبثاقية (Emergentist materialism)، التي تذهب إلى أن العقل هو مجموع الوظائف المنبثقة عن الدماغ. وتنطلق هذه النظرية من مبدأ انبثاق الحياة من مستوى متطور للمادة. وبظهور الجهاز العصبي المعقد انبثق الوعي نتيجة لانبثاق نوع جديد من الاستجابة، وهو يعتمد على الجهاز العصبي في استمرار وجوده(22).

4. نظرية الظاهرة الثانوية (أو المصاحبة) (Epiphenomenalism)، التي ترى أن العمليات العقلية مجرد نتائج ثانوية للعمليات الفيزيائية، وأن الأفكار والمشاعر ناتجة عن تغيرات ذرية في الدماغ، أو عمليات فيزيائية أخرى، وليس لها أي فعالية سببية(23).

ومع كل ذلك بقيت النظرية الثنائية، في القرن العشرين، حية في أطروحات العديد من الفلاسفة والعلماء. كانت بحوث هنري برغسون، عن مشكلة العلاقة بين العقل والدماغ، تجريبية صرفة. وقد أجراها في (المعهد السيكولوجي العام بباريس) وفي (الكوليج دي فرانس) وفي (جمعية البحث الروحي) بلندن. يذهب برغسون إلى أن ارتباط العقل بالدماغ لا يعني أنه نتاج للدماغ أو مكافئ له. « ...إن التجربة المحضة الأولية... تكشف لنا عن التبعية المتبادلة بين المادي والمعنوي وعن ضرورة افتراض مادة دماغية للحالة النفسية، ولا تكشف لنا عن شيء أكثر من ذلك، فإذا كان حد من الحدود متضامناً مع حد آخر فإنه لا يترتب على ذلك أن هناك تعادلاً بين الحدين، وإذا كان لولب ما ضرورياً لآلة تسير عندما نترك اللولب فيها وتتوقف عندمـا نخرجـه فليس لأحد أن يقول: إن اللولب معـادل للآلـة»(24).

الآراء التاريخية السابقة، سواء ذات الاتجاه المادي المحض أو الثنائي الروحي، بُنيت على رؤية انفصالية للوعي والعالم تهدف الدراسة الحالية إلى تجاوزها وتأسيس رؤية جديدة «لاـ انفصالية» استناداً إلى التطورات المعاصرة للمعرفة العلمية التي تتجاوز الرؤى الكلاسيكية إلى حد كبير.

عملت مركزية الرؤية الثنائية لعلاقة الوعي بالعالم، التي يفرضها الحس المشترك، على فصل العالم إلى أجزاء مستقلة لا يرتبط بعضها ببعض، وانتهت إلى رؤية فلسفية آلية استبعدت الإنسان من الإسهام الجوهري في عمل الطبيعة، فآلت بدورها، إلى فلسفة تؤسس موت الإنسان. ويظهر أن هذه الرؤية مغرقة في التبسيط والتسطيح، وأفضت بساطتها إلى حذف المعقد والغامض، وبذلك ألغت مستويات عميقة للواقع بحاجة إلى استكشاف وفهم.

التحولات الجذرية في الفهم العلمي، منذ بدايات القرن العشرين وحتى يومنا هذا، كشفت عن خطأ تلك الرؤية. وانحازت النظرية العلمية نحو المعقد والغامض بشكل كبير، ليس سعياً وراء الغموض، وإنما محاولة استكشاف ذلك الغامض والمعقد وفهمه كما هو، فإذا كان قدرنا أن يكون العالم الذي نعيشه معقداً في فهمه ومغزاه أكثر مما تأمل البداهة العامة، فإن العلم ليس عليه إلا أن يقر بالواقع الموضوعي من دون مساس بجوهره أو تحريف له. ولقد بات من المعروف لعلم اليوم أن الواقع في أساسه معقد، وسيظل هذا التعقيد جزءاً من النظرية العلمية التي تتعامل معه.

لكن الحقيقة أن هذا التعقيد يمكن فهمه، بل يخف كثيراً، إذا غيرنا من زاوية نظرنا إلى الواقع أو إذا غيرنا توجهنا الذهني. فنحن اعتدنا النظر إلى كل شيء وفقاً لفهمنا المؤسس على منطق البداهة العامة الذي صاغته ظواهر الحياة اليومية البسيطة، وطالما بقينا مقيدين بهذه النظرة الساذجة فإن المستويات الدقيقة للواقع تزداد تعقيداً وتكون عصية على الفهم. من المظاهر البارزة لتلك السذاجة هي الرؤية الثنائية التي تحدد علاقاتنا بالأشياء بطريقة انفصالية تتجسد في صورة وعي مستقل عن العالم، وعالم مستقل عن الوعي. بتعبير آخر، عالم يشتغل من دون حاجة إلى حضور الوعي، ووعي محبوس في قشرة مغلقة هي الجسد، زادتها الرؤية العلمية الآلية والفلسفة الديكارتية انغلاقاً وعزلة.

لكننا إذا عكسنا العملية وكشفنا عن حضور متميز للوعي في العالم، ونظرنا إلى الكون من رؤية لاانفصالية فيما يتعلق بالوعي والعالم، لاانفصالية أي شيء عن أي شيء آخر، تتضح لنا صورة الواقع من دون تعقيد كبير، أو على الأقل تكون قابلة للفهم مع شيء من الغموض ربما هو صفة جوهرية للواقع.

توحُّد الوعي والعالم ليس مسألة افتراضية، بل أنها حقيقة واقعية تماماً، أكثر واقعية من الرؤية الثنائية القديمة، لأنها قادرة ليس على تفسير المعطيات الجديدة للعلم، وإنما قادرة على الفهم الشامل للكون منذ بداياته الأولى «الانفجار الكبير» والتنبؤ بمساره المستقبلي عن طريق معرفة وحداته الأولية التي انطلق منهـا في بداية ذلك الانفجـار.

العالم بحاجة إلى الوعي دوماً، لأنه بحاجة إلى أن يكون ذا معنى، ولا ينبثق المعنى إلا من خلال ارتباط حقيقي للوعي بالعالم، ليس ارتباطاً بين شيئين أحدهما غريب عن الآخر أو متناقضين، وإنما ارتباط لا ينفصم، توحُّد ولا انفصال. المساحة التي يعمل فيها الوعي هي العالم، والمعنى الذي يوجد فيه العالم وينظم ذاته هو الوعي. فالفيزياء والسيكولوجيا مجالان تكامليان، ومن تكاملهما يتشكل العالم. لكننا لا نقصد بالفيزياء النظرية الآلية الكلاسيكية، ولا السيكولوجيا السلوكية، إنما نقصد فيزياء الكوانتم وسيكولوجيا ساي (Psi)(25) - (مجال ساي) الذي يتخلل مطلق المكان، وعي منتشر وفاعل في المكان الفيزيائي، وعي يروْحِن المكان فيجعل من الصعب على أدوات القياس تحديده بدقة. الوعي هو الوحيد القادر على اختزال متجهة أي نظام كوانتي، معلوماتي أو فيزيائي، واختيار القيمة الاحتمالية الملائمة، ولذلك فبه يتعيَّن العالم وبه يكتسب المعنى أيضاً. من هنا، من قلب الواقع، من المجال الكوانتي، ومن قلب الوعي من مجال ساي، نكتشف هذا التوحُّد، هذا المعنى والقصدية في الكون.

يولد الوعي في العالم كما ولد العالم في الوعي (الوعي الإلهي)، ولذلك هو جزء جوهري من واقع هذا العالم - بذلك المعنى الذي نستبعد فيه الحديث عن المادي واللامادي بوصفه من مخلفات العلم القديم وثنائيته الانطولوجية - يساهم في تنظيمه وتشكله، ولولا ذلك الإسهام المتبادل لا يمكن أن نتصور وجود هذا الانسجام بين وعينا الذاتي والعالم الذي نصفه بـ «الخارجي» جزافاً.
صفحة 4
العالم من دون الوعي عماء وفوضى، وينبثق النظام حين توحُّد الوعي والعالم، وهذا التوحد ليس له نقطة بداية في الزمن، لأن شكل العالم من دون الوعي هو لا عالم، فوضى (انتروبيا). إن عملية إعادة الفوضى والتبدُّد إلى نظام مرة أخرى، فيما يسمى بـ «عكوسية» الزمن، نشاط يفرضه الوعي. وعندما كانت الفيزياء الكلاسيكية تفترض الثنائية وانعزال العالم عن الوعي، آمنت باللاعكوسية، بل بدت الأحداث لاعكوسية، والتبدد حقيقة فيزيائية لا يمكن عكسها إلى نظام.

تجلت وحدة الوعي والعالم في مظهر آخر سيكولوجي، نقل السيكولوجيا الكلاسيكية نقلة نوعية مشابهة كثيراً للنقلة النوعية التي حدثت للفيزياء من النظرية الآلية إلى الكوانتم. أقول نقل السيكولوجيا نقلة لم تستوعبها أفهام العلماء حتى الآن. فقد بدا أن أثر الوعي في العالم على المستوى الدقيق ما هو إلا مظهر مكبَّر لذلك التأثير والتحكم الذي يمارسه الوعي في علاقته بالدماغ أو الجسم الذي يحمله. وبدا أنه ليس لا انفصاليّاً في علاقته بالجسد فحسب، وإنما هو لا انفصالي في علاقته بالعالم أيضاً. وكما هو واضح فإن لغتنا مازالت متأثرة بالرؤية الثنائية، فتتحدث عن الوعي والعالم وعن ارتباطهما بلغة انفصالية، على الرغم من أنهما في حقيقتهما لا هوية لأحدهما مستقلة عن هذا الارتباط والتوحُّد. فمازالت لغتنا قاصرة في التعبير عن تلك الحقيقة، ولم نكتشف بعد اللغة المناسبة لذلك. وقد تبقى الرياضيات الفيزيائية المستخدمة في نظرية الكوانتم الوسيلة الوحيدة المعبرة عن ذلك التوحُّد ولو بدرجة دنيا.

إذن، المظاهر النفسية والبارانفسية تعبيرات متنوعة عن ذلك التوحد بين الوعي والعالم، سواء كان هذا العالم شيئاً غير عاقل أو كياناً عاقلاً. ومن الناحية المبدئية فإن الوعي يتخلل المكان (كل شيء) سواء كان عاقلاً أو غير عاقل. وستتضح هذه النقطة جيداً في الفصل الرابع من هذه الدراسة الخاص بالتزامن ومظاهره الطبيعية والنفسية، والذي سنناقش في الجزء الأخير منه سبب امتثال الأحداث الطبيعية لحساب الاحتمال، وفي الفصل السادس الخاص بالجوانب الفلسفية لظواهر ساي.

ويُفهَم الوعي بوصفه متوحِّداً مع الطاقة والمادة، وإن دراسة تفاعل الوعي مع الطاقة والمادة يقدم فهماً جديداً للقابليات الطاقوية في الكائن البشري ولعمليات الحياة والمادة بشكل عام. والمهمة الرئيسة للساي هي الفهم الإنساني الواسع والمتقدم لقوانين الطبيعة الحية وغير الحية، وبأنواع جديدة من المعرفة مشتقّة من دراسة ظهور العمليات الطاقوية داخل النفس الإنسانية. إن الخاصية الأساسية للظواهر في حقل ساي هي التفاعلات العميقة والدقيقة التي تحدث بين الكائنات العضوية الحية مع بعضها (سواء كانت حيوانية أو بشرية) وبين المادة الحية والمادة غير الحية، وبين المادة والمجال المعلوماتي للبيئة، عبر رؤية لا انفصالية للعالم، لا انفصالية أي شيء عن أي شيء آخر.

لتوحد الوعي والعالم صور متنوعة تجلت بصورة متفاوتة في فصول هذا الكتاب، في المستوى الكوانتي الدقيق، والمستوى السيكولوجي والباراسيكولوجي، والمستوى الفلسفي أيضاً. فقد ناقشنا العديد من المشكلات الفلسفية التي تثيرها مظاهر التوحد والتي تبدو مناقضة لبداهات العقل. وقد شددنا على أن هذا الخرق للبداهة هو ليس خرقاً للعقل بشكل مطلق، وإنما هو خرق لنظرة معينة للعقل بنيت على أساس بداهة الحس العام، وهو أمر تجاوزته الرؤية العلمية منذ زمن طويل.

إذن، ترى الدراسة الحالية إلى أن كلاً من ظواهر ساي الفيزيائية «الكوانتية»، وظواهر ساي الباراسيكولوجية، وظواهر التزامن النفسي- فيزيائي، هي مظاهر لـ «لا انفصالية» الوعي والعالم. ولا يمكن ردّ هذه الظواهر بعضها إلى البعض الآخر. لأن القول بإرجاعها جميعاً إلى أصل واحد مسألة مختلفة عن ردّ بعضها إلى بعضها الآخر، كردّ ظواهر ساي الباراسيكولوجية إلى الظواهر التزامنية كما فعل كارل يونغ، أو ردّها إلى الفيزيائية الكوانتية، الأمر الذي ترفضه هذه الدراسة؛ لأن هذا الردّ ينطوي على رؤية اختزالية لمستويات الواقع إلى مستوى مركزي واحد. ونرى إلى أن جميع الصعوبات الفكرية المنبثقة عن ظواهر ساي الباراسيكولوجية والفيزيائية والتزامن تختفي في ضوء هذا التصور الوحدوي للعالم والوعي.

لكن لماذا يحتل الخلود فصلاً مستقلاً في هذه الدراسة؟ والحقيقة أنّ هذا يستند، عندنا، إلى القضية الاستنتاجية الآتية: إذا كان الوعي ليس محبوساً في صندوق الجسد، وأنه يمارس تأثيراً فعالاً في العالم الخارجي، على الرغم من عوائق الجسد، وأنّ هويته لا تتحدّد من خلال الجسد فحسب، وإنما من خلال العالم ككل، فالذي يستتبع ذلك أنّه من الممكن تصور احتفاظ الوعي بهويته مع العالم على الرغم من انفصاله عن جسده الخاص، وأن ظواهر الإدراك فوق الحسي هي مظاهر لإمكانية احتفاظ الوعي بقدرته على الإدراك من دون حاجة إلى الجسد. ففي مستويات أخرى من الواقع تنتفي الحاجة إلى الحواس. هذا التصور غير تقليدي، وغير مستنبط من رؤية دينية، على الرغم من أنه قد يخفف من هموم الإنسان بالخلود الجسدي عن طريق برمجة الجينات، ولا يستدعي معالجة اضمحلال الخلايا الحية بطريقة معاكسة لسير الطبيعة، وربما يحتاج إلى تحسين العلاقة بالبيئة باعتبار الوعي يشكل مع البيئة الخارجية منظومة تكاملية.
صفحة 5
الفصل الأول

لاانفصالية الوعي والعالم

تمهيد

إن تأمل الحلول ووجهات النظر المقدمة حول هذه المشكلة يبعث فينا شعورين: الأول، إن الهدف من كل ذلك الجهد العلمي هو فهم طبيعة الإنسان، والثاني، هو الشعور بأن السؤال الفلسفي حول طبيعة الإنسان هو سؤال متواتر عبر العصور، وفي كل عصر تصطبغ الإجابة عليه بمؤثرات ذلك العصر من علم وثقافة وأسس تربوية واجتماعية معينة، ولذلك فهو لايزال سؤالاً حياً إلى جانب الأسئلة الفلسفية الكبرى حول الكون والخلق، وهذا هو سر ديمومة الحياة الفكرية للعقل البشري. والسؤال عن طبيعة الإنسان يُطرح بأشكال مختلفة منها: هل الإنسان هو هذا الكيان المادي والجهاز العصبي والمخ أم أن هناك شيئاً آخر يُعَدُّ المقوّم الأساسي والماهية الثابتة وراء التحولات والانحلالات الشكلية التي يتعرض لها في الحياة؟.

في الحقيقة إنّ القول بإيجاب أحد طرفي السؤال يترتب عليه نتائج عديدة من الناحيتين العلمية والأخلاقية، فالقول بالطرف الأول من السؤال يفرض منهجية سلوكية ظاهرية تعتمد على الأثر ورد الفعل أو الاستجابة، وبالتالي تصبح شخصية الإنسان مجرد نتيجة بلورها هذا التفاعل والاستجابة لمؤثرات المحيط الثقافية والتربوية والفيزيقية بشكل آلي، أو هي مجرد آلة تعمل طالما كانت قادرة على العمل وسوف تتوقف عند الموت الذي يشبه العطل الآلي والذي يتحلل فيه هذا الجهاز المادي إلى عناصره ولا تخرج منه إلا طاقته الفيزيائية. وعكس ذلك القول بالطرف الثاني من السؤال، إذ يفترض منهجية مختلفة ومعايير أخلاقية اكثر اختلافاً. فيصبح المقوّم الأساسي للشخصية الإنسانية ليس أمراً مادياً وإنما مقوم عقلي يمتلك خصائص مخالفة تماماً لخصائص المادة، ولذلك فإن تشبيهه بالآلة ليس سليماً من الناحيتين العلمية والفلسفية؛ لأن نشاطه العملي لا يخضع للتناقص بتقدم الزمن وزيادة استهلاك المادة ونقص طاقتها، بل على العكس من ذلك فإن فعاليته تزداد طردياً بتقدم الزمن، وأنّ استهلاك المادة وشيخوختها لا يؤثر طردياً في الوعي. لكن هذه الرؤية الثنائية أُسيء استخدامها فأدت إلى فصل كامل بين النفس والعالم، مما أعاق تطور الرؤية العلمية للكون كما سوف نرى بعد قليل. ولذلك فإن المنهج المفترض يجب أن يكون مرناً للتعامل مع هذه الثنائية:

الإنسان بوصفه نتيجة استجابات متكررة لمؤثرات بيئية متنوعة من جهة، وبوصفه القابل لهذه المؤثرات، والحامل لمغزى التفاعل من جهة أخرى، فهو ليس جهازاً عصبياً أو دماغاً فقط، وإنما هو إضافة إلى ذلك عقل أو وعي يرتبط بالجسد وبالعالم في وحدة عضوية. ولذلك فإن استجابة الإنسان لمؤثر بيئي، والتأثير المقابل للإنسان في البيئة (وهو رد الفعل العكسي) يجب أن يفهم على أساس تكاملي (وحدوي) للجانبين العقلي والمادي. وهذا المستوى من التفاعل العقلي يعكس مستوى متطوراً جداً للحياة.

سوف نتدرج في فهم طبيعة العلاقة بين النفس والعالم ومدى إسهام البناء النفسي في البناء المادي للعالم من الرؤية المبسطة للعلم إلى أعمق المستويات العلمية محاولين بناء رؤية علمية عن طريق مناقشة التراكم المعرفي الذي قدمه العلم الحديث. ونحاول أن لا نتناول المسائل وكأنها منعزل بعضها عن بعضها الآخر، بل نتناولها كنسيج متصل، وليس هذا في المجال النفسي وحده، وإنما نحاول ربط متغيرات البناء النفسي بالبناء الفيزيائي الخارجي بتنوعه، آملين الكشف عن صورة كونية واقعية نستطيع من خلالها أن نفسر المظاهر النفسية المتقدمة في مجال ساي. ولا يحدث ذلك إلا إذا نظرنا إلى مجال ساي بوصفه جزءاً من المجال الكوني، وتبلوراً لتفاعل دقيق بين البناء النفسي والبناء الفيزيائي؛ بتعبير آخر، إنه وسط بين النفس والعالم المادي يمتلك خصائص من كليهما. والصورة النهائية للعالم هي صورة مترابطة على مستوى دقيق جداً، وقد تسهم علوم مختلفة في إيضاح هذه الصورة وفي مقدمة هذه العلوم علم الساي النفسي، والساي الفيزيائي (الفيزياء الكمية).

الهدف الرئيس لدراستنا هو الكشف عن طبيعة الصورة الكونية التي يمكن أن يرسمها الفهم العلمي ومدى إسهام البعد النفسي للإنسان فيها؛ بتعبير آخر، إن النفس يمكن أن توجِّه البحث العلمي نحو رسم صورة للكون منسجمة مع قابلياتها وتفاعلاتها مع العالم. ومن الطبيعي أنّ النفس الإنسانية لا يمكن فهمها بمعزل عن ترابطها الوشيج مع العالم. ومن هنا فإنّ قابلياتهـا وتفاعلاتها تفصح لا عـن طبيعتها فحسب، بـل عن طبيعة العالم أيضاً. إذن، مـا هي هـذه الصورة التي يمكـن رسمها انطلاقاً من إسهـام النفس الإنسانيـة في تشكيل تلـك الصورة؟.

اعتادت البحوث العلمية والفلسفية التقليدية أن تتناول النفس إما بشكل مستقل عن العالم، أو بارتباطها بجسدها الخاص فقط. وهذه المنهجية في الحقيقية لا تعطينا صورة شاملة عن العلاقة الجوهرية بين النفس والعالم والتي لا يمكن إحداث أي انفصام فيها من دون أن يؤدي ذلك إلى انفصام عرى الحقيقة ذاتها. وقد ساهمت الأبعاد الجديدة المكتشفة على المستوى الفيزيائي والنفسي في طرح رؤية جديدة يمكن أن نجمع أجزاءها في وحدة عضوية تمثل الصورة الأكثر انسجاماً مع واقع يظهر للعقل الإنساني بشكل متدرج، وكلما زاد ظهوراً كلما اندفع العقل إلى إضافة لبنة جديدة إلى بنائه، وربما دعا ذلك إلى إعادة ترتيب وحدات البناء من جديد واستبدال بعض أجزائه. وأعتقد أن الصورة الجديدة للواقع الفيزيائي والنفسي تستدعي التجديد وإعادة البناء معاً. إذن، لا يمكن وضع تصور للعالم يغفل الدور الفعال الذي يلعبه التكوين النفسي في علاقته بالعالم الخارجي.
صفحة 6
قصور الرؤية الانفصالية في العلم

إن صورة العالم التي يُحيَّد فيها الملاحظ، بله الجانب النفسي، هي صورة غير متكاملة، ولا تنسجم إلا مع المظهر السطحي والأولي للعالم. ذلك المظهر البسيط الذي ينسجم مع ملاحظات الإنسان البسيط. إنها صورة غير متكاملة، لكنها واقعية؛ لأنها جزء من الواقع وليست كل الواقع، وإذا أريد تعميمها حينئذ فقط تكون خاطئة وغير واقعية. تتعامل هذه الصورة المبسطة مع الواقع من خلال نظام النقص والتعويض. ويتخذ التعويض هنا شكله الكيميائي فقط.

ومعنى ذلك إن الخلل الحاصل في أي نظام فيزيائي أو كيميائي يعالج بأسلوب التعويض الذي يعيد التوازن إلى النظام. فسواء كان هذا النظام هو الجسم البشري أو البيئة الخارجية التي هو جزء منها فإن الأسلوب العلاجي والمنظور العلمي ينبثقان من أساس واحد هو تحييد أثر البعد النفسي في ذلك الخلل. وقد ساعدت بعض الفلسفات الغربية المستمدة من الأفلاطونية على تعزيز هذه الرؤية، ولاسيما الثنائية الديكارتية، فالنفس وفقاً لها من طبيعة وجودية مختلفة تماماً عن الطبيعة الوجودية للجسم، ولذلك فمهما كانت طبيعة التفاعل الذي يتصوره الديكارتيون، فهو لا يبلغ الدرجة التي ينظر فيها إلى النفس بوصفها عاملاً جوهرياً في بناء العالم المادي، وإن هذا الأخير موضوع جوهري تتجسد من خلاله النفس الإنسانية.

هذه الفلسفات هي التي قادت علماء الغرب إلى وضع آلية علاجية تعويضية للجسم تتجاهل بعده النفسي. وعلينا أن لا ننسى أنّ فلسفة الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا - وهي جزء من الديكارتية - ذهبت إلى إنكار أي تفاعل بين الفكر والمادة، والعقل والجسم، وأنّ الظواهر النفسية يجب تفسيرها بأسباب نفسية فقط، كما أنّ الظواهر الجسدية يجب تفسيرها بأسباب جسدية فقط، ولا يمكن تفسير أحد الجانبين بالآخر، استناداً إلى ما يعرف بنظرية التوازي.

وانطلاقاً من ذلك نظر العلماء إلى الجسم البشري بوصفه بنية منعزلة عن كيانه النفسي، وإلى العالم العضوي عموماً بوصفه مستقلاً عن أية أبعاد نفسية أو طاقوية خارجية، وإن ذلك العالم الحي كما هو ممثل في فروع الطب والبيولوجيا وعلم النبات يعمل من خلال نظام تعويضي تتفاعل فيه أطراف مادية فقط كما هي ممثلة في المعادلة الآتية:


استنادا إلى هذه المعادلة، فإن المتغيرات الكامنة وراء أي اضطراب وظيفي هي متغيرات كيميائية دوماً. وتجري عملية إصلاح هذه الخلل عن طريق تعديل الخلل الكيميائي بتركيبات كيميائية متطورة أكثر فأكثر، تستخدم لإطلاق القوة الدفاعية للجسم وتجدد آلياته. لكن هذا العلاج يصطدم بعقبات معقدة أهمها: إن كلاً من الجسم والأجسام الغريبة المهددة لكيانه (الجراثيم مثلاً) تتهيأ لتركيب كيميائي جديد، وقد تتكيف مع المضاد الحيوي الجديد، وهكذا تبقى ساحة الصراع مفتوحة بين الغزاة المهددين وبين التعويض الكيميائي من خلال الجسم والضحية في النهاية هو الجسم. إذن، للعلاج الكيميائي أضرار جانبية في كثير من الأحيان، قد تؤدي إلى إحداث خلل في التوازن الكيميائي في مناطق أخرى من الجسم. ولا يمكن تلافي التأثير السلبي للتركيب الكيميائي التعويضي، لأن المحتوى الكيميائي غير الطبيعي للكائن العضوي يتزايد ويبدأ بالتأثير في مستويات أخرى من وظيفة الكائن العضوي مقارنة بالجانب المصحَّح.

وهذا التأثير السلبي يكون أكثر خطورة في الميدان الزراعي الذي يكون أسلوب استخدام الكيماويات فيه عن طريق التربة من أجل تطوير التوازن الكيمياوي بين النباتات والتربة، عن طريق إدخال الماء من خلال نظام رش الكيماويات فوق مساحة واسعة، والنظام السابق كله يعاني من تلوث كيميائي. ومن الواضح أن على النوع البشري أن يجد طريقة أفضل للفهم والتعامل مع عيوب الوظيفة في الكائنات العضوية؛ لأن التعويض الكيميائي له أضرار كبيرة على المدى المنظور. وطالما أن الإنسان مستمر في النظر إلى الكائنات العضوية من خلال المعادلة (1) فهو يبقى مخدوعاً بأساليبه الحالية.(26)

ويدخل ضمن ذلك استخدام العقاقير الكيميائية لعلاج الأمراض النفسية، فهي تعيد التوازن النفسي أو الشعوري الذي يحدث بسبب الحالة النفسية. إن مفهوم الحالة الشاذة يرتبط بالسلوك من جهة النتيجة وبالحالة النفسية ذاتها من جهة السبب. فالحالة الشاذة هي حالة سلوكية مرئية ولذلك يمكن قياسها وتقويمها، في حين أنّ الحالة النفسية في ذاتها أمر عصي على الملاحظة ولذلك يصعب قياسها وتقويمها. ولما كان للحالة النفسية تأثير مباشر على الإفرازات الهرمونية المختلفة للجسم الأمر الذي قد يسبب اختلالها في حالات نفسية غير طبيعية، لذلك يمكن إعادة التوازن المفقود عن طريق التعويض الكيميائي الذي يثير حالة عصبية ونفسية مريحة لكنها مؤقتة. لكن هذا العلاج موجه للأعراض وليس للأسباب الحقيقية، وهو في جانب منه مضر بالصحة العامة وقد يسبب مضاعفات خطيرة في جوانب أخرى من الجسم.

في بحث الإجراءات البديلة للتأثير في الكائنات العضوية الحية على المرء أن يتساءل عن مشروعية وتكامل المعادلة (1). هل هناك تقنيات فيزيائية فعّالة متميزة عن التقنيات الكيمياوية لتعديل الوظيفة العضوية؟ وهل هناك تقنيات كامنة للعمل بطريقة مشابهة في الحقل الذي يدعى الطاقات اللافيزيائية (nonphysical energies)؟ دعنا ننظر إلى عدد الملاحظات التي توحي بعدم الملائمة كلياً للمعادلة(1).
صفحة 7
معادلة رباعية الأطراف

إنّ الخطأ في المعادلة (1) يكمن في إغفالها تأثيرات المجالات الكهرومغناطيسية المنتشرة حول العضلات والأعضاء في الجسم البشري. فكل شخص مستعد لاستخدام أشعة اكس لعلاج الورم، واستخدام الإنفاذ الحراري (الاستحرار) (diathermy) لاسترخاء العضلات. ويذكر العلماء بأن تقنيات المعالجة اليدوية الطبيعية لتقويم العضلات قد حصلت على نجاح كبير في تحسين الوظيفة البشرية منذ المائة سنة الماضية. إضافة إلى ذلك، ومن مجال طب الأعصاب، وجد العلماء بأنّ تيارات كهربائية صغيرة بين نقاط دقيقة معينة في الدماغ تسبب التغيرات السلوكية ذاتها الملحوظة في دماغ معيّن تحفّزه امتصاصات كيميائية. وفي زمن أكثر حداثة أوضح بيكر (Becker) بأن تيارات كهربائية صغيرة من



تـؤدي إلى تجديـد الخلية (التجـدد الخلـوي cell regeneration) وإلـى إصـلاح النسيـج (tissue repair) وإبـراء الكسـور، بينمـا تسبب تيارات كهـربائيـة (DC) أكبر من


الفساد الخلوي (cell degeneration).(27)

أضف إلى ذلك حقيقة تأثّر الإنسان والكائنات الحية الأخرى بتقلبات واضطرابات المغناطيسية الأرضية، فظهور البقع الشمسية تتبعه اضطرابات في المغناطيسية الأرضية فتنتج منها نسبة عالية من الأمراض الانفعالية والعصبية والحوادث المرورية والانتحار والسكتات القلبية. والعلماء في الاتحاد السوفياتي (سابقاً) يولون أهمية كبيرة لتأثير البيئة الكهرومغناطيسية في الصحة، ففضلاً عن تأثيرها في الدماغ تؤثر أيضاً في كريات الدم البيضاء والكبد والكليتين وأجزاء أخرى من الجسم. ويرى بعض العلماء أن جهاز المناعة في الجسم الذي يساعد في مقاومة الأمراض حساس جداً للحقول المغناطيسية وقد يتعطل عندما تكون هذه الحقول قوية جداً. وقد وجد العلماء في الاتحاد السوفياتي (سابقاً) بأن الموجات الدقيقة قد تؤدي إلى الصرع (EPILEPSY) في الحيوانات، ولذلك يتوقى أولئك العلماء ليس فقط من الطاقة السالبة للأشعة السينية والإشعاعات النووية، بل من الأشعة الكهرومغناطيسية أيضاً.(28) ولذلك فإن الخطوة الأولى في تعديل المعادلة (1) هي:


مجالات الطاقة الكهرومغناطيسية …(2)
صفحة 8
العلم وإعادة حضور الوعي

فيالمستوى الفيزيائي الدقيق

اعتاد فلاسفة العلم الاستشهاد بمثال الساعة في وصف الرؤية الآلية للعالم. إن الإنسان الذي يؤمن بالنظرية الآلية المبسَّطة يعتقد بأن العالم مصنوع على شاكلة الساعة القديمة السابقة على ساعات الكوارتز الحديثة. عندما نفتح هذه الساعة القديمة نلاحظ وجود أشياء في غاية التعقيد: ثمة نوابض وعجلات مسنّنة يتعشَّق بعضها ببعض بصورة معقدة. وعلى الرغم من أن الإنسان يجد صعوبة بالغة في فهم كيفية عمل هذه الساعة، إلا أن المفاهيم التي نرتكز عليها في النهاية لشرح عمل الساعة هي مفاهيم في منتهى البساطة: إنها مفاهيم النوابض والعجلات المسنّنة. وهذه العجلات والنوابض جامدة ولذلك تحتاج إلى قوة خارجية دافعة تجعل بعض العجلات المسننة تحرك عجلات أخرى. ولكن هذا المفهوم «القوة» هو مفهوم في منتهى البساطة أيضاً. فكل إنسان شاهد شخصاً يدفع شيئاً من الأشياء وعلى هذا المثال يفهم القوة الدافعة للعجلات. إذن، لا توجد هناك سوى مفاهيم مبسَّطة(29).

تلك الرؤية المبسَّطة قد يتم التسامح معها على مستوى الكون الماكروي (المرئي)، لكن الخطأ يحصل عندما يقوم الإنسان بتعميم هذا النموذج الآلي على المستويات الأخرى للواقع (مستويات العالم الميكروي)، مثل مكونات الجزيء أي الذرات أو مكونات الذرة، أي الإلكترونات والكواركات (quarks)،… الخ.

من المهم الإلحاح على أن هذا التعميم خاطئ مهما بدا طبيعياً. هذا ما فعله إيليا بريغوجين وسفن أورتولي. إن العلم بمعناه الصحيح يناقض ذلك. والعلوم المؤهلة لأن تحدثنا بصورة مجدية عن ميادين الذرات والجسيمات دون الذرية.... الخ، لم تعد ترتكز على هذه المفاهيم الآلية، بل هي على العكس من ذلك تناقضها.

تتأسس الفيزياء الكلاسيكية على فكرة الاتصالية بالتوافق مع البداهة التي تقدمها أعضاء الحواس: لا يمكن العبور من نقطة إلى أخرى في الزمان والمكان بدون المرور بكل النقاط المتوسطة بينهما. وفضلاً عن ذلك، كان في حوزة الفيزيائيين سلفاً، جهاز رياضي يتأسس على الاتصالية: حساب التفاضل لـ لايبنتز ونيوتن.

فكرة الاتصالية وثيقة الصلة بفكرة السببية الموضعية. ووفقاً لهذا التصور السببي تفهم كل ظاهرة بتسلسل متصل من الأسباب والنتائج: فالأحداث تشكل سلسلة متصلة من الأسباب والنتائج تترتب على شكل أزواج سابق ولاحق. كل سبب في نقطة مكانية تقابله نتيجة مجاورة له مكانياً، وكل نتيجة في نقطة مكانية يجاورها سبب في نقطة مجاورة سابقة. هناك إذن، اتصال مستمر وليس هناك حاجة إلى فرض تأثير عن بعد. إذن، اختزل العلم الحديث الكلاسيكي السببية إلى سببية موضعية فقط ولم يعد للسببية الصورية والغائية من مكان في الفيزياء الكلاسيكية. وأصبح مفهوم السببية الموضعية بوصفه مكافئاً للسبب مفهوماً بدهياً بالنسبة للكثير من الناس الذين لا تتوافر لديهم معرفة دقيقة بالفلسفة(30).

من التصور الآلي انبثقت الحتمية بوصفها تعبيراً عن علاقة صارمة بين الظواهر والقوانين: إذا عرفت مواقع الأجسام الفيزيائية وسرعاتها في لحظة معطاة، أمكن التنبؤ بمواقعها وسرعاتها في أية لحظة أخرى من الزمن. بتعبير آخر، إذا تعينت الشروط الابتدائية (الحالة الفيزيائية في لحظة زمنية معطاة) أمكن التنبؤ تنبؤاً تاماً بالحالة الفيزيائية في لحظة زمنية معطاة أخرى أيَّاً كانت، ففي ظروف معلومة في نقطة ما من الكرة الأرضية على مستوى سطح البحر إذا وضعت الماء على النار يمكنك التنبؤ بأنه سوف يغلي.

الخطوة التالية كانت ذات طبيعة فلسفية وأيديولوجية، وهي ظهور نظرية الاختزال أو الرد (reductive)، اختزال كل شيء إلى قوانين الفيزياء، بحيث يبدو البيولوجي والنفسي مجرد مراحل تطورية للأساس الفيزيائي للعالم، وبذلك يمكن لكل شيء أن يؤدي إلى قوانين فيزيائية حتمية بما فيها البعد النفسي، فاستبعدت مفاهيم الوعي والنفس والمشاعر والعواطف بوصفها مفاهيم غير قابلة للقياس ولذلك فهي ليست علمية. وهكذا ولدت الأيديولوجيا العلموية التي ظهرت كأيديولوجية طليعية وعرفت انطلاقة خارقة في القرن التاسع عشر.

وقد أدت النظرية الآلية في الفكر الغربي إلى فكرة الاستغناء عن الله في العالم والحياة، وتأسست على ذلك أيديولوجيا علموية تؤله العلم وترد كل نشاط بشري إلى تلك النظرية الآلية التي تحولت إلى عقيدة فلسفية ودين طبيعي يرى أن الله مجرد فرضية غير لازمة لتفسير عمل الكون. وبهذه الطريقة انتزع كل ما هو مقدس من الكون وتجلت الطبيعة كهدف أسمى يسعى الإنسان بكل طاقاته للفوز بها وتحقيق جنته عليها، واستبعدت القيم الأخلاقية بوصفها قيوداً تقف بوجه تحقيق مصالح الإنسان ومنافعه غير المحدودة.

وقد تأسست كل الأفكار الماركسية على التصورات الناتجة من الفيزياء الكلاسيكية مثل الاتصالية، والسببية الموضعية، والحتمية، والموضوعية. فقد بنى ماركس وإنجلز أفكارهما على التشاكل بين القوانين الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية وبين القوانين الطبيعية.

الاستبعاد الآخر كان البعد الروحي، فالواقع الوحيد الجدير باسم العلمي، هو الواقع المادي الذي تحكمه قوانين مادية. وكل معرفة غير علمية بهذا المعنى تعتبر (تتهم) بالذاتية، وتقبل، في أحسن الأحوال، بوصفها زينة، أو تنبذ باحتقار بوصفها، استيهاماً، ووهماً، ونكوصاً، ونتاجاً للمخيلة. حتى إن كلمة «روحانية» نفسها تصير مشبوهة ويعزف عن استعمالها عملياً.

لكن العاقبة الأشد التي اصطدمت بها النزعة العلمية هي شيئية الإنسان، أو ما يعرف بموت «الإنسان». لقد اختصرت الآلية الإنسان إلى كتلة مادية تشكل جزءاً من الطبيعة القابلة للاستثمار (الاستغلال)، بل قل الاستعمار. هكذا صار الكائن البشري موضع استغلال الإنسان للإنسان، موضع تجارب أيديولوجيات تنتحل صفة العلم، موضع دراسات علمية حتى يشرّح ويشكلن ويتلاعب به. في إطار الآلية لا مخرج للإنسان إلا في تدمير ذاته.

ما أورثته العلموية لنا هو فكرة وجود مستوى واحد من مستويات الواقع، حيث الشاقولية القابلة للتصور هي شاقولية الوضع القائم على أرض ينتظمها قانون الجاذبية الشاملة(31).

لقد تحولت النظرية الآلية في الفيزياء إلى عقيدة فلسفية، شكلت عائقاً إبستمولوجياً أمام تطور العلم. فعلى أساسها وجد العديد من العلماء صعوبة بالغة في قبول النتائج الثورية للنظرية الكوانتية في الفيزياء. فضلاً عن ذلك، بدا من المتعذر طرح فهم علمي معقول لمفاهيم مثل الوعي أو النفس، فضلاً عن الظواهر المسماة باراسيكولوجية (ظواهر ساي) في سياق تلك الرؤية. والسبب، كما ذكرنا سابقاً، هو أنّ تلك الظواهر والموضوعات لا تخضع لشروط القياس التي فرضتها الفيزياء الكلاسيكية. كما أن ظواهر ساي لا تخضع لقوانين نيوتن ولا لقوانين الثرموديناميك، ولا لشروط الزمان والمكان ونقل الطاقة ولا للسببية الموضعية، إذ تقتضي السببية الموضعية أنّ كل حدث هو نتيجة متصلة لسبب أو لسلسلة سببية تشغل المسافة الفاصلة بين الحدث وبين سببه.

لكن على الرغم من ذلك فهناك العديد من العلماء لم يقبلوا النتيجة الفلسفية للنظرية الآلية، وبقوا ملتزمين بالنهج التجريبي العلمي دون التسليم بالنتائج الفلسفية للآلية التي قضت بأن العالم مكتمل آلياً، وليس بحاجة إلى تدخل العقل في بنائه، وما العقل إلا نتاج ثانوي للعمليات العصبية التي هي جزء من العالم المادي - الميكانيكي، ولا يوجد في الرؤية العلمية للعالم مكان للإرادة الحرة، بل تسيطر الحتمية الصارمة، ولهذا السبب تضاءل الإيمان بالقضايا الميتافيزيقية.
صفحة 9
انقلاب الصورة الكلاسيكية للعلم

لكن هذه الرؤية انقلبت رأساً على عقب، وقلبت معها كل نتائجها الفلسفية. إذ كشفت الفيزياء النقاب عن مستوى للواقع لا يخضع لشروط البداهة العامة السائدة في العلم الكلاسيكي، واقع يخضع بدلاً من ذلك للاحتمال واللاتحديد، واللاانفصالية، وهي إجراءات فرضتها قوانين أينشتين وبلانك وبور وهايزنبرغ. وقد دخل الوعي عنصراً جوهرياً في العملية الفيزيائية، ووجدت ظواهر ساي مشروعيتها في ضوء المفاهيم الجديدة.

ويقدم برنار دسبانيا مثالين يخرقان تقييدات الفيزياء الكلاسيكية: الأول، مستمد من النظرية النسبية لـ أينشتين (1905) وهو متصل الزمان - مكان، وهو مفهوم مخالف لمفهوم المكان ذي الأبعاد الثلاثة. والمتصل هو شيء يمزج بين الزمان والمكان، لكن عندما تتغير المنظومة المرجعية فإن الزمان يتحول جزئياً إلى مكان، وبالعكس. والحال فإن هذا الشيء يتجاوز بالكلية كل أفكارنا المألوفة(32).

عملت النظرية النسبية على توحيد الكيانات التي تبدو متعارضة ومنفصلة وذلك عندما اكتشفت متصل الزمان - مكان أو العالم رباعي الأبعاد. وهذا العالم هو الذي تتوحد فيه المادة والطاقة، وتظهر فيه المادة على شكل جسيمات غير ثابتة أو حقل مستمر. وفي هذه الحالة لا نستطيع أن نرى الوحدة جيداً بالتصور الاعتيادي. ويستطيع الفيزيائيون أن يتعاملوا مع عالم الزمان - مكان رباعي الأبعاد عن طريق الرمزية الرياضية المجردة لنظرياتهم. ولكن تصورهم المرئي مثل تصور أي شخص آخر مقيد بعالم الحواس ثلاثي الأبعاد. فلغتنا وأنماط تفكيرنا محددة بهذا العالم ثلاثي الأبعاد، ولذلك من الصعوبة علينا التعامل مع الواقع الرباعي الأبعاد للنظرية النسبية.

المثال الثاني، استمده من فيزياء الجسيمات الأولية، وهو يتعلق بالتكافؤ الشهير بين المادة والطاقة. إذا اصطدم بروتونان أحدهما بالآخر يسيران بسرعة كبيرة تتناسب مع طاقتمها الكبيرة، فإنهما ينفصلان ويبقيان محافظين على هويتيهما كبروتونين، ولكن من الطاقة المفقودة بسبب الاصطدام ستظهر جسيمات لم تكن موجودة من قبل. وفي مفاهيمنا الشائعة فإن هذه الطاقة هي الحركة والجسيمات هي أشياء. إذن لدينا حركة تحولت إلى شيء. وهذا ما يتجاوز كل مفاهيمنا المألوفة، لأنه استناداً إلى هذه المفاهيم لدينا من جهة فكرة الشيء، ومن جهة أخرى فكرة خاصية هذا الشيء. فهل يمكن أن نتخيل أنّه عند اصطدام سيارتي تاكسي أن تبقى السيارتان وتظهر سيارة ثالثة على حساب الطاقة المبذولة من كل منهما!؟. فهذا يتجاوز بالكلية مفاهيمنا الشائعة. ومع ذلك فإن هذه التجارب مع البروتونات هي تجارب قد أجريت باستمرار في مختبرات مختصة تشتغل على طاقة عليا، وأدت إلى النتائج التي أشرت إليها(33).
صفحة 10
اللااتصالية

استنادا إلى ماكس بلانك فإن للمادة بنيان خفي، غير متصل. ومن الصعوبة لنا أن نتخيل هذه اللا اتصالية الحقيقية، أي، أن بين نقطتين لا يوجد شيء، لا أجسام، ولا ذرات، ولا جزيئات، ولا قسيمات، لا شيء وحسب. لكن هذه الصعوبة لا تعاني منها الرياضيات لأنها تتأسس على نمط آخر من الخيال.

حاولت صورية الميكانيكا الكوانتية وصورية الفيزياء الكوانتية أن تحافظ على السببية الموضعية السائدة على مستوى الماكروفيزياء لكن نمطاً جديداً من السببية بدأ يظهر على السلّم الكوانتي. إن للكمية الفيزيائية بحسب الميكانيكا الكوانتية، عدة قيم ممكنة، تتأثر باحتمالات معّينة تماماً. لكن عند إجراء قياس اختباري يتم الحصول، بالطبع، على نتيجة واحدة من أجل الكمية الفيزيائية المعينة. لقد كان هذا الإلغاء المفاجئ لتعددية القيم الممكنة لـ «مرصودة» فيزيائية، بفعل الرصد نفسه، مبهم الطبيعة لكنه يشير إشارة واضحة إلى وجود نمط جديد من السببية(34).

بعد ولادة الميكانيكا الكوانتية بسبعة عقود، تم توضيح طبيعة هذا النمط الجديد من السببية بفضل نظرية جون بِلْ. اقترح بِلْ مجموعة من البراهين الرياضية، اشتهرت باسم تفاوتات بِلْ، توضح أن جسيمين كانا مرّة في حالة توحد يحتفظان بارتباط فيما بينهما على الرغم من اختلاف موقعيهما لاحقاً. تدل تفاوتات بِلْ على مكنون كلي يطلق عليه اسم اللاموضعية، ومفاده أن لا حاجة للجسيمين لأن يشتركا في الموضع نفسه من المكان لكي يكونا مرتبطين فيما بينهما ارتباطاً صحيحاً(35). وهذا في الوقت نفسه إيذان بدخول تصور جديد في الفيزياء أسمه اللاانفصالية وهو مكافئ للاموضعية. ففي عالمنا المعتاد، الماكروفيزيائي، إذا تفاعل جسمان في لحظة معطاة ثم تباعدا، فإنهما يقل تفاعلهما، بالطبع، أقل فأقل، كلما ازداد تباعدهما. أما في العالم الكوانتي فتحدث الأشياء على غير ذلك، إذ تواصل الكيانات الكوانتية تفاعلها مهما كان مقدار تباعدها. ويبدو هذا مناقضاً لقوانيننا الماكروفيزيائية، إذ إن التفاعل يفترض دائماً وجود صلة، علاقة، ولهذه العلاقة، بحسب نظرية النسبية لـ أينشتين، سرعة حدّية، هي سرعة الضوء. فإذا أصررنا على أن نفهم الأحداث وفقاً للسببية الموضعية، فستبدو التفاعلات الكوانتية تخرق سرعة الضوء وتطيح بالنظرية النسبية. لكننا إذا وسعنا الفهم وقبلنا بوجود نمط جديد من السببية هو السببية الشاملة تخص منظومة كل الكيانات الفيزيائية في جملتها فإن تلك التفاعلات الكوانتية لا تخرق السرعة الحدية التي فرضتها النظرية النسبية. وحينئذ نقبل بوجود مستوى آخر للواقع لا تعمل فيه السببية الموضعية. السببية الشاملة هي مفهوم بنيوي، والبنية شيء أكثر من مجموع أجزائه ويعمل هذا المبدأ حتى على صعيد الحياة اليومية، فإن الجماعة - (أسرة، شركة، أمة) - هي دوماً أكثر من مجرد مجموع أجزائها، إذ إن عامل تفاعل خفيّ، غير قابل للاختزال إلى خصائص مختلف الأفراد، حاضر دوماً في الجماعات البشرية لكننا نلقي به دوماً في جحيم الذاتوية. فلا بد من الاعتراف بأننا بعيدون، وبعيدون جداً عن اللا انفصالية البشرية على أرضنا الصغيرة(36).

إذن، اللا انفصالية لا تلغي أو تشكك في السببية كمبدأ بل تشكك في عملية اختزالها إلى مجرد سببية موضعية فقط. ولا تشكك في الموضوعية العلمية، وإنما بالموضوعية التي تتأسس على الاعتقاد بغياب كل ارتباط غير موضعي. إن وجود ترابطات غير موضعية يوسع حقل الواقع. إن اللا انفصالية الكوانتية تقول لنا: إن في هذا العالم، على سلّم معين على الأقل، اتساقاً، ووحدة، وقوانين تكفل تطور جملة المنظومات الطبيعية.