المقدمة
ولد أبو نصر محمد بن محمد الفارابي، في مدينة فاراب، وتجمع المصادر، على أن الفارابي، حين قدم إلى العراق كان عمره، قد تجاوز الثلاثين عاماً من حياته. إذا كانت المصادر تجمع أن الفارابي قد توفي في دمشق عام 339هـ وأنه عمر 80 عاماً، فهذا يعني أن تاريخ ولادته هو 260 هجرية.
لاشك أن بغداد، حين قصدها الفارابي، كانت عاصمة الثقافة العربية – الإسلامية وحاضرة الدولة العباسية. أن الهجرة إلى بغداد، من الإقاليم الإسلامية، سواء أكان ذلك من الشرق أم من الغرب، معروفة، كون الطلبة العرب والمسلمين، يتجهون إلى بغداد للدراسة وأرتشاف العلم.
أن هذا الشيء معروف في مختلف صنوف المعرفة. أن المجال هذا لا يتسع لذكر العلماء والأطباء والأدباء، الذين قصدوا بغداد من أجل الدراسة في مدارسها، ونبغوا في الفلسفة والنحو والطب والتاريخ ورواية الأخبار.
المهم أن بغداد كانت مركزاً حضارياً عربياً كبيراً، في مختلف صنوف المعرفة. لقد انتقل إلى بغداد علماء اللغة، الذين ورثوا دراسة اللغة والأدب، في مدرستي الكوفة والبصرة الشهيرتين. حلقات التصوف موجودة ومدارس الفقه مزدهرة. أما الفلسفة فانها بدأت تتحرر من مدارس علم الكلام وتزدهر في بغداد، في كتابات الكندي وابي بكر الرازي وغيرهما من علماء العقيدة والاطباء الذين مالوا الى التفلسف.
لابد ان الفارابي قد وجد في نفسه نجابة وذكاء وتطلعاً إلى ارتشاف المعرفة. لهذه الأسباب، فأنه قصد بغداد من أجل دراسة الحكمة في مدارسها وحلقاتها، التي كانت تنشط في كل مكان.
أن ما يذهل المتتبع لدراسة حياة الفارابي، أن أبا نصر حين استقر في بغداد، لم يكتف بدراسة فرع واحد من فروع المعرفة، أذ حاول أن يحيط بكل صنوف الحكمة، شأنه شأن أي شخص عالي الهمة، يسعى أن يكون فيلسوفاً متكامل الكيان.
يبدو – كما تذكر المصادر - أن الفارابي حين وصل إلى بغداد لم يعرف اللغة العربية، وحتى إذا كان يلم بمبادئ اللغة، فأنه لم يكن متمكناً من اللغة العربية. أن أسلوبه الكتابي، يشير بوضوح، إلى أنه تعلم اللغة العربية، وهو في زمن متقدم من عمره. أن أسلوب الفارابي غير مشرق في الكتابة، كما هو الحال في أسلوب الفيلسوف أبي بكر الرازي، أو أسلوب اخوان الصفاء، أو أسلوب الغزالي.
ليس من السهل أن نحكم على الفارابي، أنه يجهل اللغة العربية تمام الجهل، أبو نصر نشأ وترعرع في بلد إسلامي، ولابد من أنه درس مبادئ اللغة العربية في فاراب، ثم اشتاقت نفسه لزيادة الإطلاع والتطلع على اغتراف العلم من بغداد عاصمة الحضارة وقتذاك.
تشير المصادر، إلى أن الفارابي درس النحو والبلاغة في حلقة السراج اللغوي التي كان يعقدها في بغداد، لتدريس فنون اللغة والنحو والبلاغة، أن هذا يعني أن الفارابي لم يبدأ من الصفر، بل أنه أتقن اللغة على يد عالم نحوي كبير في بغداد هو السراج.
الفارابي – إلى جانب دراسته للنحو وتعمقه في النحو – درس الطب والموسيقى وعلم الفلك والرياضيات، هذا إلى جانب الفلسفة والمنطق الذي تعلمهما على أيدي أشهر مدرسين للفلسفة، هما يوحنا بن حيلان وأبو بشر متى بن يونس.
اشتهر الفارابي، في النصف الأول من القرن الرابع الهجري، مترجماً وشارحاً ومؤلفاً، حتى أنه عدّ مؤسس الفلسفة الإسلامية، أنه قدم كثيراً من مؤلفات افلاطون وأرسطو، بطريقة شارح متمكن للفلسفة اليونانية، كما أنه ألف أكثر كتبه في بغداد.
أنه فضلاً عن ذلك، صار معلماً للفلسفة، كأي فيلسوف موسوعي، مطلع على شؤون الفلسفة، تاريخاً وجوهراً. أنه استطاع أن يكوّن مدرسة، امتد أثرها إلى نهاية القرن الرابع الهجري، عرفت بمدرسة بغداد الفلسفية. أنهم تلاميذ الفارابي، الذين يعدّون – في كتاباتهم من صغار الفارابيين.
لعل أشهر تلاميذ الفارابي، هو يحيى بن عدي التكريتي، الفيلسوف المشهور، الذي رأس مناطقة بغداد بعد الفارابي، وأن من طلبة تلك المدرسة المشهورين أبو سليمان المنطقي وأبن زرعة وابن الخمار ومسكويه وأبو حيان التوحيدي وأبو يوسف العامري.
في أواخر حياته، وبالتحديد فأنه في سنة 330 هجرية غادر بغداد إلى حلب. الفارابي طوال حياته بقي مخلصاً لدراسة الفلسفة وتدريسها، قانعاً بحياة بسيطة زاهدة، حتى أنه قيل، حين قضى سنواته الأخيرة في حلب، كان يعيش من أجرة حراسته لبستان، انقطع فيه، من أجل الدراسة والتأمل والتأليف.
المهم أن الفارابي قد اشتهر كفيلسوف كبير، وذاع خبره، فاستدعاه سيف الدولة الحمداني، ويقال أنه خصص له راتباً، اكتفى الفارابي بأخذ ما يقيم أوده، وقيل أنه اكتفى بأخذ أربعة دراهم فقط، ويقال أنه كان يحيا من أجر حراسته البستان، الذي اتخذه مكاناً للقراءة والتأمل، سافر إلى مصر سنة 338، ثم عاد إلى دمشق فتوفي فيها سنة 339هـ.
نبغ الفارابي، بسبب كونه عاش، في فترة ازدهار الحضارة العربية الاسلامية، في القرنين الثالث والرابع للهجرة. المد الحضاري هذا، الذي عاشه الفارابي كان نتيجة لبناء حضاري، ترجع جذوره إلى الأدب والشعر والحكمة قبل الإسلام، ثم ما جاء به الإسلام من تنزيل القرآن الكريم، وما جرت عليه من شروح. الأحاديث النبوية وفقه الفقهاء، إضافة إلى المدارس الكلامية، التي ابتدأت بدراسة القرآن والحديث، ثم كان المعتزلة والأشاعرة.
لعل أول من تفلسف عند العرب، هو الكندي الذي تطور فكره من علم الكلام إلى الفلسفة. يمكننا أن نعد الكندي أول فيلسوف، كان بالإمكان عده مؤسس الفلسفة الإسلامية، لو وصلت إلينا كتبه كاملة. الترجمة كان لها أثر كبير في نمو وازدهار الفلسفة، ولاسيما تلك الكتب الفلسفية، التي ترجمت من اليونانية.
وهكذا ينتهي الفكر الإنساني، شرقيه، وأعني به ما ترجم من الحكمة الهندية والحكمة الفارسية، وغربية ما ترجم من اليونانية، حين سادت الفلسفة العربية – الإسلامية، وازدهرت في بغداد، مشعل النور، التي أنارت حضارتها دروب الجهل في أوربا. وهكذا استطيع أن أعد االفارابي هو مؤسس الفلسفة العربية – الإسلامية، لما قدم من فكر فلسفي أصيل، في شتى صنوف المعرفة، من فلسفة ومنطق وعلم وموسيقى، أما كتبه في الاجتماع والسياسة، فمشهورة، وقد أثرت في فلاسفة المغرب، الذين أثروا بدورهم في أوربا. أنه المعلم الثاني، وقد اشتهر كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة) حتى أنه عرف بصاحب المدينة الفاضلة.
لاشك أن فكر الفارابي مزيج من الدراسات القرآنية وما تبعها من مدارس فقهية وكلامية، ومن تأثره بالفلسفة اليونانية، ولاسيما فلسفتي افلاطون وارسطو. الفارابي درس الفلسفة اليونانية وتأثر بها، غير أنه وقف موقف الدارس الناقد المتفحص، الذي يقبل شيئاً ويرفض شيئاً آخر.
لاضير في ذلك، إذا ما علمنا أن الحضارة الإنسانية واحدة، والحضارات المحلية، كالأنهار تأخذ بمقدار وتعطي بمقدار. إذا كان لكل حضارة محلية طابعها الخاص، فأن الحضارة الإنسانية، هي البحر المحيط، الذي يشترك فيه الإنسان، في كل مكان وزمان.
لاشك أن الفارابي منطقي كبير ورياضي ممتاز أنه لو لم يكن رياضياً كبيراً، لما استطاع كتابة كتابه الشهير (الموسيقى الكبير)، أما المنطق فأنه كان استاذ فلاسفة بغداد، حتى أن تلاميذه قد اشتهروا باسم مناطقة بغداد من بعده، مثل يحيى بن عدي التكريتي وأبو سليمان المنطقي وابن زرعة وابن الخمار وغيرهم.
ربما كان الفارابي قد درس الطب، لكنه لم يحترف الطب. المهم القول، أن الفيلسوف ينبغي أن يدرس الطب وباقي العلوم، إضافة إلى دراسة اللغة والأدب. بعض الفلاسفة مارسوا الطب عملياً إلى جانب الفلسفة مثل أبو بكر الرازي.
المهم في القول، أن المسلمين لم يكتفوا بالدراسة النظرية، بل كان لهم دور كبير في العلم العملي. أن منهجهم التجريبي معروف، بل هم الذين أسسوا الإتجاه التجريبي، وأخبارهم مشهورة في تشريح الجسم الإنساني، وقياس الأرض وصنع العدسات.
أن المنهج العلمي التجريبي، كان له أثره الواضح في الحضارة الأوربية، حين وصلت النظريات العربية مكتوبة، عن طرق كثيرة مثل الأندلس التي كان يدرس الأوربيون في مدارسها العربية، كما أن صقلية كانت واسطة نقل إلى روما. الحروب الصليبية واتصال الأوربيين بالشرق العربي مباشرة، نقل إليهم كثيراً من النظريات العلمية.
لعل أهم الكتب العلمية العربية، التي أرخت لعلوم الفلاسفة العرب وذكرت كتبهم بالتفصيل هي كتاب الفهرست لأبن النديم، وطبقات الأطباء لأبن أبي أصيبعة، وكتاب أخبار الحكماء للقفطي، وكتاب الحكماء لأبن جلجل، وكتاب طبقات الأمم لصاعد الأندلسي، هذا إلى جانب كتب الفلاسفة العلماء أنفسهم مثل: الرازي والفارابي وأبن سينا، والتي كانت تدرس كتب الطب منها، وإلى عهد قريب، في الجامعات الأوربية.
ولد الفارابي في فاراب، وهذا ما يتفق عليه أغلب مؤرخي الفلسفة، أما أبن النديم والبيهقي، فأطلقا على المدينة أسم فاراب. مع ذلك، فأن ابن النديم ذكر أن فاراب تقع في خراسان، والبيهقي قال أنها في تركستان.
المهم في الأمر، أن أبا نصر قد ولد في منطقة تقع ضمن الدولة العربية الإسلامية، الني عاصمتها بغداد. الآن نلاحظ أن عدة دول تحتفل بذكراه. روسيا السوفيتية، كانت تحتفل بذكرى الفارابي، لأنه ولد في كازاخستان. إيران تحتفل به، لأن منطقة خراسان تقع ضمن حدود إيران. تركيا تختفي به لأنها تظن أن عروقه تركية. سوريا تحتفل ايضاً، لأنه عاش ردحاً من حياته في حلب. كل هذه الاحتفالات علامات ثقافية صحية لا بأس بها، لكن العاصمة المهمة في حياة الفارابي، التي من حقها أن تحتفل بذكراه كل عام، هي بغداد عاصمة الخلافة، التي كان لها الأثر الأكبر في ثقافته وإرساء استاذيته في الفلسفة.
تذكر أكثر المصادر أن الفارابي حين وصل إلى بغداد، قد تجاوز الثلاثين من سني عمره. الشيء المؤسف، أن تاريخ حياة الفارابي قبل مجيئه إلى بغداد، شبه مجهول لكثير من الدارسين. لم يشر إلى ذلك مؤرخو حياته، ولا ذكر دارسو فلسفته تاريخ حياته الأولى، ولاسيما في طفولته وشبابه.
المعروف عن الفارابي أنه كان يجيد أكثر من لغة، من اللغات الحضارية المعروفة، التي يمكنه بها أن يطلع على مصادر الثقافة، ولاسيما كتب الفلسفة. من تلك اللغات التي كان يجيدها – إلى جانب اللغة العربية – اللغات الفارسية والتركية والآرامية والسريانية واليونانية. أن تعلمه لهذه اللغات، وربما هناك لغات محلية قد أتقنها، تدل على أنه قد ساح في كثير من البلدان في شبابه. أن سن الشباب يساعد على السفر وتحمل مشاق الرحلات، كما أن سن الشباب يساعد على تعلم اللغات بيسر وسهولة.
مهما يكن، فأن تلك الفترة الأولى من حياته ما تزال مجهولة أمام الدارس. السبب – كما يخيّل إلي- أنه لم يكن مشهوراً في شبابه، كما أنه لم يؤرخ حياته بنفسه، كي يطلع الآخرون على سيرته. كذلك فأنه إذا تنقل في المدن العربية والإسلامية. فأنها كلها كانت تقع ضمن دولة الخلافة العربية الإسلامية.
لم تخبرنا كتب تاريخ الفلسفة، أن الفارابي سافر إلى اليونان – مثلاً – للإطلاع على الفلسفة اليونانية في مهادها أو أنه قصد الهند للاطلاع على حكمتها. أنه ربما تجول دارساً في مدن عربية وإسلامية، كأي طالب علم في شبابه، وهذا شيء معروف، لا يجلب انتباه أحد، ولا حدث غريب كي يلفت أنظار المؤرخين.
يذهب البعض في الرأي، إلى أن الفارابي، قد تعلم اللغة االعربية في بغداد، وأنه كان يجهل اللغة العربية قبل وصوله إلى بغداد. أن هذا يعني أن الفارابي دخل بغداد أعجمي اللسان. هذا الرأي غير منطقي ولا يقبل التصديق، لعدة أسباب. ولعل أهم سبب هو أنه من غير المعقول، أن يتعلم إنسان لغة جديدة وهو في العقد الرابع من عمره، وينبغ فيها فيلسوفاً وكاتباً في أدق وأعقد شؤون المنطق والفلسفة، السبب الثاني، أن اللغة العربية هي لغة الثقافة في الأمصار. أن كثيراً من الفلاسفة نبغوا في الفلسفة والطب، وقرأوا وكتبوا في اللغة العربية مؤلفاتهم الخالدة، وهم في بلاد الأعاجم، كأبن سينا مثلاً. السبب الثالث، أنه أتفق مع بعض نحاة بغداد المشهورين مثل أبن السراج أو أبو سعيد السيرافي، أن يعلم النحوي أصول الفلسفة والمنطق، والنحوي يعلمه أصول النحو، أن هذا الرأي لأخير، يبرهن على أن الفارابي كان يجيد اللغة العربية، وإلا كيف كان يعلم الفلسفة لأساتذة النحو. أما دراسته على يد النحويين، فهذا يدل على أنه يعرف اللغة، ولكنه أراد أن يتقن قواعد النحو اتقاناً كاملاً، كي يتمكن من الكتابة. السبب الرابع، أن من المعروف، أن الفارابي يتقن عدة لغات. هل من المعقول أنه تعلم عدة لغات ثانوية، دون أن يدرس اللغة العربية، وهي اللغة الأم، لغة الحضارة العربية الإسلامية، في رقعة الدولة الممتدة من الأندلس إلى الصين.
أما دراسته للفلسفة، فقد كانت على مرحلتين المرحلة الأولى في حران، على يد يوحنا بن حيلان (ت 318 هـ) المعروف أن حران، التي تقع في شمال العراق، كانت مركز الصابئة، وكانت مشهورة بدراسة الفلسفة، وترجمة الفلسفة اليونانية، إلى اللغة السريانية، أو اللغة العربية مباشرة، المرحلة الثانية من حياته التعليمية كانت في بغداد، حين درس الفلسفة والمنطق على استاذين كبيرين، هما يوحنا بن حيلان نفسه بعد انتفاله إلى بغداد، وعلى متي ابن يونس (ت 328هـ) المشهور بتدريس الفلسفة المنطق، والمترجم للفلسفة من اللغة اليونانية واللغة السريانية.
إذا كان الفارابي قد وصل إلى بغداد في بدايات القرن الرابع الهجري، فهذا يعني أنه وجد بغداد في عز رقيها الحضاري، إذا ما علمنا أن القرن الرابع الهجري قد سجل المد الحضاري الحقيقي، للحضارة العربية الإسلامية، في الفلسفة والنثر والشعر، والتأليف في مختلف صنوف المعرفة، علم وطب وفلك وهندسة. هذا إضافة إلى أن بغداد قد ترجمت في بيت الحكمة كثيراً من كتب الفلسفة اليونانية، منذ أواخر القرن الثاني الهجري، وعلى امتداد القرن الثالث الهجري، قام بالترجمة، مترجمون أفذاذ، من أمثال ابن ماسويه وحنين بن اسحق، وابنه اسحق بن حنين، ويحيى بن عدي التكريتي وغيرهم.
حين مكث الفارابي في بغداد ما يزيد على عشرين عاماً، التي كانت أخصب سني حياته على الإطلاق، أنه إضافة إلى أستاذيه اللذين علماه المنطق والفلسفة، يوحنا بن حيلان ومتي بن يونس، وفضلاً عن قراءته الشخصية في متون الكتب، فأن بغداد كانت تزخر بالعلماء من كل صنوف المعرفة. كانت هناك المدارس الفقهية، وكانت المدارس الكلامية، والحوار مازال قائماً بين أرباب العقل وأرباب النقل، هذا إلى جانب المدارس الصوفية، حين كانت بغداد تزخر بكثير من أقطاب التصوف، على المستويين العمليين والعلميين.
لاشك أن الفارابي قد اغترف من معارف كل فئة من هذه الفئات، وهذا ما ظهر لاحقاً، في سلوكه الزاهد في الحياة، والذي هو أقرب إلى حياة المتصوف. أما كتاباته، فكانت عبارة عن دوائر معارف، اتسعت لكل صنوف المعرفة، من فلسفة ومنطق وفن واجتماع ونفس وتصنيف العلوم.
اتجه بعد ذلك إلى بلاد الشام، كما أنه قد زار القاهرة. ذهب في أول الأمر إلى حلب، وعاش في كنف أميرها سيف الدولة الحمداني، ثم سافر بعد ذلك إلى مدينة دمشق وأقام فيها حتى وفاته فيها عام 339هـ لاشك أنه عاش في دمشق حياة نسك وزهد في بستان، كما يقال، يخلو للتأمل والتأليف، بعيداً عن الزحام والضوضاء.
لا جدال في أن الفارابي هو مؤسس الفلسفة الإسلامية، أنه إضافة إلى كتاباته الكثيرة في صنوف المعرفة، فهو قد فسر الفلسفة اليونانية، وقربها للأذهان، ولاسيما كتاباته المقارنة بين فلسفتي أفلاطون وأرسطو.
حين غادر بغداد إلى حلب ودمشق، خلف وراءه مجموعة من مناطقة بغداد، رأسهم بعده يحيى بن عدي التكريتي. اشتهرت هذه المدرسة في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، وكان لها أثرها الواضح على الثقافة العربية. عرفت هذه المدرسة باسم مدرسة بغداد الفلسفية، أو مدرسة أبو سليمان المنطقي السجستاني، لأن الأعضاء كانوا يجتمعون في بيته.
عرف فلاسفة بغداد هؤلاء، الذين اشتهروا في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، أنهم فارابيون صغار. السبب في وصفهم فارابيين، لأنهم كانوا تلاميده ومتأثرين بمنطقه، أما أنهم صغار، لأن لا أحد منهم وصل إلى مرتبة عالية في الفلسفة. من هؤلاء يحيى بن عدي التكريتي وأبو سليمان المنطقي، وابن الخمار وابن زرعة وغيرهم كثيرون.
الأديب العربي الكبير أبو حيان التوحيدي منهم، لأنه فضلاً عن كونه كاتباً كان يتفلسف بسبب اتصاله بهم واجتماعه معهم وتتلمذه عليهم، ولهذا عرف أنه ((أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء)) لقد ارخ ابو حيان التوحيدي اجتماعاتهم وكتب عن اخبارهم في كتابيه الشهيرين (المقابسات) و( الامتاع والمؤانسة). ولعل أعضاء هذه المدرسة لهم الفضل الكبير على أحد تلاميذهم الذي اشتهر باسم ابن مسكويه.
أما تلميذه غير الزمني، الفيلسوف الكبير والطبيب المشهور ابن سينا (ت 428هـ) فأنه يقر بفضل الفارابي على الرغم من أنهما لم يلتقيا. ابن سينا يعترف بفضل الفارابي الفلسفي عليه من ناحيتين الناحية الاولى أن فلسفة الفارابي اغنت عقله، إضافة إلى أن كتب الفارابي – كما يعترف ابن سينا قربت إليه الفلسفة اليونانية وأوضحتها له، وجعلته يدخل بسهولة إلى مغاليق الفلسفة اليونانية.
نلاحظ ان ابن سينا يعترف صراحة بتأثير الفارابي عليه، حين يقول:
((أما أبو نصر الفارابي، فيجب أن يعظم فيه الاعتقاد، ولا يجري مع القوم في ميدان، فيكاد يكون أفضل من سلف من السلف)). أما فلاسفة المغرب في الأندلس، فأن أثر الفارابي فيهم واضح، وأنهم يكبرون فلسفته وآراءه ويقدرون ما قدم للفلسفة من تأليف وشروح. لعل أهم الذين أثر فيهم من فلاسفة المغرب، ويعترفون بفضله، ابن رشد (ت595هـ) وابن سبعين (ت601هـ) وابن طفيل (ت581هـ) وابن باجة (ت 533هـ).
أن فلاسفة المغرب هؤلاء، قد تأثروا بشكل واضح بفلسفة الفارابي. وأنهم يعترفون بذلك. يمكننا أن نقدر مدى أهمية تأثير فلسفة الفارابي في فلاسفة الأندلس، إذا ما عرفنا فلسفات وآثار هؤلاء قد أثرت تأثيراً كبيراً في نهضة أوربا الثقافية. أن الدراسات عن فلسفة ابن رشد والرشدية، أشهر من أن تذكر، في المحافل والجامعات الأوربية، ولاسيما في التيار الفلسفي الأرسطي في فلاسفة أوربا في القرون الوسطى. تصوف ابن سبعين واضح، في كثير من الفلاسفة والكتاب الأخلاقيين في أوربا. أما ابن طفيل، فأن قصته حي بن يقظان قد أثرت تأثيراً مباشراً في الرواية الأوربية، بل أنها هي التي وجهت أدباء أوربا نحو كتابة الرواية ورسم خططها، حين اقتفوا أثرها في كتابة رواياتهم، اعتباراً من الكاتب الإنجليزي دانيال ديفو الذي كتب روايته الشهيرة روبنسون كروسو، التي كان لها أثر كبير في الرواية الأوربية ورسم درب كتابة الرواية عند كثير من الروائيين، مع أن أثر قصة حي بن يقظان واضح جداً في رواية روبنسون كروسو.
أن من حق الفلاسفة العرب، الإعتراف بفضل الفارابي عليهم والإشادة بفضله، إذا ما عرفنا، أن فلسفة الفارابي تميزت بالموسوعية، لأنه كتب في كل صنوف المعرفة، إلى جانب دراسته لفلسفتي أفلاطون وأرسطو دراسة معمقة وتوضيحها وإلقاء الضوء على الغامض من مصطلحاتها.
لقد اشتهر كتاب (الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطوطاليس) بأن الفارابي فيلسوف تأملي تأويلي، يحاول التوفيق والتنسيق، بطريقة عقلية منطقية. وعلى الرغم من البعض أنتقد الفارابي، لأنه يدرك أن كتاب الربوبية (أثولوجيا) هو لأرسطو ولكن مع ذلك، فإذا كان الفارابي أدرك الهدف من المقاربة بين فلسفتي أفلاطون وأرسطو، فأننا نعرف جيداً، أن أرسطو تلميذ أفلاطون المباشر، وأن فلسفة أرسطو ما هي إلا صدى وشروح لفلسفة أستاذه أفلاطون.
ترك الفارابي كتابات فلسفية ضخمة، شملت مختلف فروع المعرفة. وكما ذكرت أعلاه، فقد كتب الفارابي، في المنطق والطبيعيات والرياضيات وما بعد الطبيعة والفلك والموسيقى والطب والشعر والخطابة والسياسة والاجتماع، هذا إضافة إلى كتبه التي خصصها لشرح الفلسفة اليونانية، ولاسيما فلسفتي أفلاطون وأرسطو.
مهما يكن، فأن الفارابي قد خلف أكثر من مائة كتاب ورسالة، ضاع قسم منها – كما هو شأن كثير من تراثنا الأدبي والفلسفي، بسبب ما أصاب بغداد من فيضانات ومن غزوات الأجانب، مثل االمغول الذين أحرقوا كثيراً من الكتب أو أغرقوها في نهر دجلة، أو الأتراك الذين نقلوا كثيراً من كتب بغداد إلى استنبول وأودعوها في الدهاليز والكهوف المرطبة المظلمة – وقسم من كتب الفارابي قد طبعت ونشرت، بعضها طبعات محققة تحقيقاً علمياً، وبعضها نشر فحسب. أما القسم الثالث فما تزال مخطوطة ترقد على رفوف المكتبات.
أن غزارة مؤلفات الفارابي، جعلت بعض كتبه متداخلة، وبخاصة كتبه المنطقية والسياسية السبب يعود إلى كثرة الشروح، وربما السبب يرجع إلى النساخ أيضاً. كتبه في السياسة والاجتماع، أشبه بشروح وتعليقات على ما جاء من آراء فلسفية في كتابه الشهير (آراء أهل المدينة الفاضلة).
الغريب في الأمر، أن مؤرخي الفلسفة، لم يذكروا عدد كتبه كاملة، كما انهم يختلفون في ذكرها، ولم يتفقوا على ذكر عدد مؤلفاته، كما هو شأنها. أو ربما أن السبب يعود لعدم إطلاع أولئك المؤرخين على فهرس الكتب كاملة، وربما أن السبب لأنهم عاشوا في عصور متباعدة ابن النديم – في كتاب (الفهرست). يذكر للفارابي سبعة كتب فقط. صاعد الأندلس في كتاب (طبقات الأمم) يدرج فقط أربعة كتب لا اكثر. جمال الدين القفطي في كتابه ( تاريخ الحكماء) يذكر أربعة وسبعين كتاباً من مؤلفات الفارابي، أما أبن أصيبعة في كتابه (طبقات الأطباء) فيسمي مائة وثلاثة عشر كتاباً من كتب الفارابي.
لاشك أن الفارابي بدأ التأليف بالكتب المنطقية، سواء أكانت تلك الكتب التي ألفها من وضعه، أو تلك التي وضع عليها شروحه المطولة وتفسيراته المبسطة، أما االكتب السياسية والاجتماعية فقد جاء تأليفها متأخراً وربما هو قد كتبها خلال إقامته في دمشق، في سنواته الأخيرة.
أما في المنطق، فمن كتبه (الأوسط الكبير) ويشمل المدخل على (ايساغوجي) و(المقولات) و(كتاب العبارة) و(التحليلات الأولى) وهي القياس و(التحليلات الثانية) وهي البرهان و(كتاب الجدل) و(كتاب السفسطة) الحكمة المموهة و(كتاب الخطابة) و(المختصر الصغير) في المنطق على طريقة المتكلمين و(فصول) يشتمل على ما يضطر إلى معرفته من أراد الشروح في صناعة المنطق و(كتاب الألفاظ المستنبطة في المنطق) و(رسالة في قوانين صناعة الشعراء).
أما كتبه في العلوم الطبيعية، وتجمع الطبيعة والنفس معاً، فأهمها ( شروح لكتاب الطبيعة لأرسططاليس) و(كتاب في أصول علم الطبيعة) و( رسالة في احكام النجوم) و(رسالة في وجوب صناعة الكيمياء) و(رسالة في علم المزاج) و(رسالة في معاني العقل) و(رسالة في ماهية النفس).
أما في الرياضيات، فمنها (شرح للمقالة الأولى والخامسة من كتاب أقليدس) و(رسالة في دقائق الأشكال الهندسية) و(كتاب المنتخب من المدخل في علم الحساب).
في حقول المعرفة العامة له (كتاب إحصاء العلوم)، الذي يعد أول موسوعة لتحديد العلوم ومصادرها والتعريف بها و(كتاب الجمع بين الحكيمين أفلاطون وأرسططاليس).
أما في الاجتماع والسياسة والأخلاق فله (كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة) وهو من أهم كتبه في هذا الشأن، وقد اشتهر الفارابي كصاحب المدينة الفاضلة و(تحصيل السعادة) و(التنبيه على سبيل السعادة) و(السياسة المدنية) و(الفصول المدنية) و(كتاب تلخيص نواميس أفلاطون) و(كتاب الحكمة) وله شرح على كتاب (الأخلاق) لأرسطوطاليس.
وفي ما بعد الطبيعة، فمن أهم كتبه (كتاب الحروف) و(كتاب التعليقات) و(فصوص الحكم) و(فلسفة ارسطوطاليس) و(عيون المسائل) و(أغراض ما بعد الطبيعة) و( الواحد والوحدة) و(رسالة في العلم الإلهي).
في الموسيقى له كثير من الرسال والكتب، أهمها (الموسيقى الكبير)، الذي يعد أدق ما دون من هذا العلم، في العصور القديمة والحديثة. في كتابه هذا، يذكر الفارابي ما أضافه من جديد في الموسيقى، من الناحية العملية.
أصل الدولة والمجتمع
ينظر الفارابي إلى طبيعة الإنسان، من خلال ممارسة الفرد في المجتمع.
أن الإنسان يمكن أن يكون فاضلا أو شريراً من خلال الممارسة التي يباشرها مع الآخرين ويعتادها فيصبح له طبعاً أو أشبه بالطبع. الفارابي إذن يرى أنه لا يمكن أن يفطر الإنسان من أول أمره بالطبع ذا فضيلة ولا ذا رذيلة، كمايمكن أن يكون الإنسان بالطبع معداً نحو أفعال الكتابة أو صناعة أخرى، بأن تكون أفعالها أسهل عليه من أفعال غيرها، فيتحرك من أول أمره إلى فعل ما هو بالطبع، لأنه أسهل عليه مالم يحفزه من خارج إلى ضده حافز.
الاستعداد الطبيعي إذن برأي الفارابي لا يقال له فضيلة، ولكن يقال فضيلة متى استعمل الاستعداد الطبيعي وكرر واصبح الفعل متمكنا من صاحبه بالعادة والممارسة، عند ذاك يحمد الإنسان على اتيانه أعمال الفضيلة، كما أنه يذم إذا ما صدرت عنه اعمال تؤدي إلى الرذيلة.
أنه عسير أن يوجد من هو معد بالطبع نحو الفضائل كلها، الخلقية والعقلية، كذلك لا يمكــن أن يوجد شخص معد لكل الصنائع ايضاً. وفي الوقت نفسه لا يمكن أن يوجد من هو معد بالطبع للشرور كلها. ومع هذا نجد أن الفارابي كفيلسوف كبير لا ينسى أن يشير إلى أن الأمرين جميعاً غير ممتنعين.
أن الأغلب في هذه الحياة أن يكون الإنسان معداً نحو فضيلة واحدة أو عدة فضائل محدودة، كما هو معد نحو صناعة واحدة أو عدة صنائع محدودة، فكل واحد في المجتمع معد نحو فضيلة أو صناعة معينة. وهكذا يحدث التكامل والتعاون والانسجام في المجتمع.
مهما كانت الاستعدادات الفطرية نحو الفضيلة أو الرذيلة عند الإنسان، فأن العادة هي التي تمكن الفضيلة أو الرذيلة. وإذا ما تأصلت العادة يتم تكوين الإنسان خلقياً، وأن زوال الهيأة الخلقية صعب، سواء كانت خيراً أو شراً. إذا مارس الفضيلة وتمكنت فيه العادة، يكون مثل هذا الإنسان قد ارتقى إلى أرفع منزلة، حتى يكاد يسمى بالإنسان الإلهي أو ما نطلق عليه باللغة المعاصرة بالإنسان الكامل. أن مثل هذا الإنسان يرفع إلى أعلى مرتبة ويصلح ان يدبر المدن ويرأسها، ويسميه الفارابي: الملك في الحقيقة.
أما المضاد فهــو الذي تتمكن منه الشرور بالعادة، حتى يكون أشبه بالسباع لإفراطه في الشر، وأنه قد تجاوز الإنسانية المتعارف عليها في المجتمع.
ويحبذ الفارابي أن يخرج أمثال هذا من المدن. أن مثل هذا الشرير عكس الإنسان الفاضل. ولكن مع هذا فالفار ابي يعتبرهما طرفين بالنسبة لمجموع السكان، ويقول أن وجودهما في الناس قليل. المهم أن الفضائل والرذائل الخلقية عند الفارابي تحصل وتتمكن في النفس بتكرير الأفعال والعادة لها، حتى تصبح فضائل الخبرة والأفعال الردئية رذائل.
نلاحظ أنه يعطي أهمية كبيرة للمارسة والاخلاق في تغيير طبيعة الإنسان، إذ عنده أن الإستعداد الطبيعي نحو فضيلة أو رذيلة يمكن أن يزال أو يغير بالعادة زوالا تاماً، ويطبع في النفس هيئات مضادة ومنها ما يكسر ويضعف وتنقص قوته من غير أن يزول زوالاً تاماً، ومن الطبائع مالا يمكن أن تزال أو تغير، ولكن مع هذا فالفارابي ينصح إزاءها بالصبر وضبط النفس والمحاولة بفعل أصدادها. ومع هذا يفرق الفارابي بين الرجل الفاضل وبين الضابط لنفسه. أن الرجل الفاضل يعمل الخيرات وهو يهواها ويشتاقها ويستلذها لأنه يتبع بفعله هذا ما ينصحه إليه هيأته وشهوته. اما الضابط لنفسه فأنه يفعل الافعال الفاضلة وهو يهوى الشر ويتشوقه، فهو إذن يخالف بفعله ما تنهضه إليه هيأته وشهوته.
يعرف أبو نصر الفضائل بأنها هيئات نفسانية وملكات متوسطة بين هيئتين، كلتاهما رذيلتان، احداهما أزيد و الأخرى أنقص، فأن الأفعال المعتدلة هي التي تكون خيرات، ويعطي أبو نصر عدة أمثلة من الفضائل الخلقية كالعفة التي تتوسط بين الشره والجمود، والسخاء الذي هو وسط بين التقتير والتبذير، والشجاعة التي هي وسط بين التهور والجبن.
ويضرب الفارابي ضربة عبقرية عندما يعطي للبيئة في تكوين طبيعة الإنسان، وما لها من أثر كبير في ذلك. أنه يرى أن المساكن قد تولد في أهلها أخلاقــاً مختلفة، فالذي يسكــن مساكن الشعــر والجلود في الصحاري تتولــد عنده ملكــات التيقظ والحزم، وربما يزداد الامر فيه حتى يولد الشجاعة والإقدام. والمساكن المنيعة الحصينة تولد في أهلها ملكات الجبن والأمان.
النفــس
يعطي الفارابي أهمية النفس، ويعدها السبب الحقيقي للتوازن والاعتدال ونيل السعادة. أنه من دون شك ثنائي النظرة للإنسان. الإنسان عنده نفس وجسم، وكل واحد منهما له ملذات ومؤذيات. الملذات لكل واحد منهما، هي الأشياء الموافقة الملائمة والمؤذيات هي الأشياء المخالفة المنافرة.
النفس يقسمها أيضاً إلى عدة أجزاء أو عدة قوى. القوة التي يبدأ بها، هي القوة الغاذية، لأن اول ما يحدث في الإنسان هي القوة التي يتغذى بها. بعد ذلك، يأتي دور القوة الحساسة، التي يحس بها الملموس، مثل الحرارة واليرودة وسائرها، التي بها يحس الطعوم والروائح والأصوات والألوان والمبصرات مثل الإشعاعات. تحدث بعد ذلك قوة، يحفظ بها ما ارتسم في نفسه من المحسوسات بعد غيبتها عن مشاهدة الحواس لها، وهذه هي القوة المتخيلة. القوة المتخيلة هذه، تركب المحسوسات بعضها إلى بعض، وتفصل بعضها عن بعض، تركيبات وتفصيلات مختلفة، بعضها كاذبة وبعضها صادقة، ويقترن بها نزوع نحو ما يتخيله. تحدث بعد ذلك القوة الناطقة، التي بها يعقل الإنسان المعقولات، وبها يميز بين الجميل والقبيح، وبها يحوز الصناعات والعلوم.
يطنب الفارابي في وظائف القوة الغاذية، فيقول أن منها قوة واحدة رئيسة، هي من سائر أعضاء البدن في الفم، ومنها قوى رواضع لها وخدم، متفرقة في سائر الأعضاء، وكل قوة من هذه، فهي عضو ما من سائر اعضاء البدن، ورئيسها كلها هو القلب. المعدة والكبد والطحال هي خادمة، والتي تخدم هذه، هي خادمة ايضاً. الكبد مثلاً مرؤوس ويرأس. الكبد يرأس بالقلب، وهو يرؤس المرارة والكلية وأشباههما من الأعضاء. المثانة تخدم الكلية، والكلية تخدم الكبد، والكبد يخدم القلب، وعلى هذا توجد سائر الأعضاء.
أما القوة الحاسة، ففيها رئيس ورواضع ايضاً. الرئيس هنا هو القلب ايضاً، الذي هو كالملك الذي تجتمع عنده أخبار نواحي مملكته من أصحاب أخباره. أما الرواضع فهي الحواس الخمس المشهورة، المتفرقة في العينين والأذنين وفي سائرها. كل واحد من هذه الحواس الخمس، يدرك الحس الذي يخصه الرئيس ما اجتمع فيه جميع ما تدركه الحواس الخمس بأسرها. أن كل حاسة موكلة بجنس معين من الحس، تجتمع في النهاية عند الرئيس (القلب).
القوة المتخيلة، ليس لها رواضع، بل هي واحدة وهي (القلب). لاشك أن الفارابي يقصد (بالقلب) العقل، لأن العقل هو مصدر كل خيال. يضيف أبو نصر، أن هذه القوة حاكمة على المحسوسات ومتحكمة عليها، وذلك أنها تفرد بعضها عن بعض، وتركب بعضها إلى بعض، تركيبات مختلفة، يتفق في بعضها أن تكون موافقة للمحسوس وفي بعضها تكون مخالفة لها.
أما القوة الناطقة، فهي رئيسة كافة القوى. أن رئاستها تسيطر عل كافة القوى: الغاذية والحاسة والمتخيلة.
أما القوة النزوعية، فهي تشتاق إلى الشيء وتكرهه. أن هذه القوة هي التي تكون لها الإرادة، وذلك لأن الإرادة هي نزوع إلى ما أدرك، أما بالحس وأما بالتخيل وأما بالقوة الناطقة. النزوع قد يكون إلى عمل شيء ما، أما بالبدن بأسره، وأما بعضو واحد منه.
أن الأعمال بالبدن تكون بقوى تخدم القوة النزوعية، وتلك القوى متفرقة في الأعضاء، وتكون بها الأفعال لنزوع الحيوان والإنسان إليها. أما الأعضاء، فهي مثل اليدين والرجلين وسائر الأعضاء، التي يمكن أن تتحرك بالإرادة.
أن علم الشيء يكون بالقوة الناطقة، وقد يكون بالمتخيلة، وقد يكون بالإحساس. النزوع إلى العلم يدرك بالقوة الناطقة، أما الرؤية والتأمل والاستنباط، فيدرك بالقوة الفكرية. أما الشيء الذي نتشوق إلى رؤيته وما أشبه من الأمور، فأننا ندركها بالإحساس.
على الرغم من أن الفارابي يفصّل القول في قوىالنفس، غير أنه بالحقيقة يؤمن بالنفس الواحدة، وأن هذه القوى والأجزاء، تعمل في تكامل تام. أكثر من هذا، فأن أبا نصر حين يتحدث عن النفس أو عن قواها واجزائها، فهو يربطها ربطاً محكماً بأعضاء البدن وفعالياته.
يعد الفارابي، أن القوة الغاذية الرئيسة شبه المادة للقوة الحاسة الرئيسة، والحاسة في الغاذية. ثم أن الحاسة الرئيسة شبه مادة للمتخيلة، والمتخيلة صورة في الحاسة الرئيسة. المتخيلة مادة للناطقة الرئيسة، والناطقة صورة في المتخيلة. أما القوة النزوعية، فأنها تابعة للحاسة الرئيسة والمتخيلة والناطقة، على جهة ماتوجد الحرارة في النارتابعة لما تتجوهر به النار.
يرى الفارابي أن (القلب) هو العضو الرئيس الذي لا يرأسه من البدن عضو آخر. الدماغ عند الفارابي عضو رئيس ايضاً، ولكن رئاسته رئاسة ليست رئاسة أولية، بل رئاسة ثانية، وذلك لآنه مرؤوس بالقلب. الدماغ يرأس سائر الأعضاء، لكنه يخدم القلب في نفسه، وتخدمه سائر الأعضاء.
السبب في ذلك، لأن القلب ينبوع الحرارة الغريزية. من القلب تنبث الحرارة في سائر الأعضاء ومنه تسترفد، وذلك بما ينبث فيها عنه من الروح الحيواني الغريزي في العروق. القلب يرفدها بالحرارة التي تبقى الحرارة الغريزية محفوظة على الأعضاء. أما الدماغ فهو يعدل الحرارة، التي شأنها أن تنفذ إليه من القلب حتى يكون ما يصل إلى كل عضو من الحرارة معتدلاً ملائماً له.
الدماغ يخدم القلب ايضاً، بأن يجعل حرارته على الاعتدال الذي يجود به تخيله، وعلى الاعتدال الذي يجود به فكره ورؤيته، وعلى الاعتدال الذي يجود به حفظه وتذكره. أن الدماغ بجزء منه يعدل الحرارة بما يصلح به التخيل، وبجزء آخر منه يعدل ما يصلح به الفكر، وبجزء ثالث يعدل به ما يصلح الحفظ والذكر. السبب في ذلك ، لأن القلب ينبوع الحرارة الغريزية، وأن الحرارة التي فيه قوة مفرطة، يفيض بها على سائر أعضاء الجسم. هنا يأتي دور الدماغ، الذي هو بالطبع بارد رطب، فتصير به حرارة القلب معتدلة التحصيل.
يعالج الفارابي بعد ذلك، الفرق بين القوة الذكرية والقوة الأنثوية في الإنسان، فيقول أن هاتين القوتين متميزتان في شخصيتين، ولكل واحد منهما أعضاء تخصه (وهي الأعضاء التناسلية) أما سائر الأعضاء فيهما فهي مشتركة، كما أنهما يشتركان في قوى النفس، فهما لا يختلفان في القوة الحارة وفي المتخيلة وفي الناطقة.
وهناك فروق بين الذكر والأنثى يذكرها الفارابي، فيقول أن أعضاء الذكر أسخن وأكثر ميلاً للقوة، مثل الغضب والقسوة، فأنها في الأنثى أضعف وفي الذكر أقوى. أما بعض العوارض مثل الرأفة والرحمة، فأنها في الأنثى أقوى.. مع ذلك، فأن الفارابي يضيف قائلاً: أنه لا يمتنع أن يكون في ذكورة الإنسان من توجد العوارض فيه شبيهة بما في الإناث، وفي الإناث من توجد فيه هذه شبيهة بما في الذكور.
يعطي الفارابي أهمية مميزة للقوة الناطقة وأن الرسوم أصناف المعقولات، ينبغي أن ترتسم في القوة الناطقة. أن المعقولات التي من شأنها أن ترتسم في القوة الناطقة، منها المعقولات التي هي في جواهرها عقول بالفعل ومعقولات بالفعل: وهي الأشياء البريئة من المادة ومنها المعقولات التي ليست بجواهرها معقولة بالفعل، مثل الحجارة والنبات وبالجملة كل ما هو جسم أو في جسم ذي مادة.
أما العقل الإنساني، الذي يحصل له بالطبع في أول أمره، فأنه هيئة ما في مادة معدة لأن تقبل رسوم المعقولات: فهي بالقوة عقل وعقل هيولاني، وهي ايضاً بالقوة معقولة. وسائر الأشياء التي في المادة، أو هي مادة أو ذوات مادة، فليست هي عقولاً، لا بالفعل ولا بالقوة، ولكنها معقولات بالقوة، ويمكن أن تصير معقولات بالفعل، وليس في جواهرها كفاية في ان تصير من تلقاء نفسها معقولات بالفعل. القوة الناطقة ايضاً، لا يمكن أن تصير من تلقاء نفسها عقلاً بالفعل، بل تحتاج أن تصير عقلاً بالفعل إلى شيء آخر، ينقلها من القوة إلى الفعل، وهي تصير عقلاً بالفعل، إذا حصلت فيها المعقولات.
أن الفاعل الذي ينقلها من القوة إلى الفعل هو ذات ما جوهره بالفعل ومفارق للمادة. أن ذلك العقل يعطي العقل الهيولاني، الذي هو بالقوة عقل، يعطي شيئاً ما بمنزلة الضوء الذي تعطيه الشمس للبصر، لأن منزلته من العقل الهيولاني منزلة الشمس من البصر. ان البصر نهو قوة وهيئة ما في مادة، وهو قبل أن يبصر فيه أبصر بالقوة، فأن الشمس تعطي البصر ضوء يضاء به.
العقل ايضاً، الذي هو بالفعل يفيد العقل الهيولاني شيئاً ما يرسمه فيه، فأن منزلة ذلك الشيء من العقل الهيولاني، كمنزلة الضوء من البصر. كما أن البصر بالضوء نفسه يبصر االضوء، الذي هو سبب ابصاره، ويبصر الشمس التي هي سبب الضوء به بعينه، ويبصر الأشياء التي هي بالقوة مبصرة، فتصير مبصرة بالفعل كذلك العقل الهيولاني، فأنه بذلك الشيء الذي منزلته منه منزلة الضوء من البصر، يعقل ذلك الشيء نفسه، وبه يعقل العقل الهيولاني.
أن العقل المفارق في العقل الهيولاني، سبيه فعل الشمس في البصر، لذلك سمي العقل الفعال. إذا حصل في القوة الناطقة عن العقل الفعال، ذلك الشيء الذي منزلته منها منزلة الضوء من البصر، حصلت المحسوسات حينئذ عن التي هي محفوظة في القوة المتخيلة معقولات في القوة الناطقة، وتلك هي المعقولات الأولى التي هي مشتركة لجميع الناس، مثل ان الكل أعظم من الجزء، وأن المقادير المتساوية للشيء الواحد متساوية.
المهم أن العقل بحسب رأي الفارابي، هو استعداد في الجسم (المخ) لتقبل صور المعقولات. أما العقل الفعال فهو مفارق للإنسان، هو في فلك القمر، وهذا العقل الفعال هو الذي يضيء عقل الإنسان، ويجعله يدرك المعقولات، وهو ضرب من الأشراق.
أن الفارابي يميز بين ثلاث طبقات من النفوس. النفوس التي لم تدرك المعقولات، مصيرها الهلاك والفناء. النفوس التي تدرك المعقولات ولكنها لا تحيا حياة فاضلة، تكتسب الخلود ولكنها تشعر بالألم والعذاب. النفوس التي أدركت المعقولات وعملت الفضيلة، فأنها تحظى بالخلود.
الفضيـلة والرذيلـة
يرجع الفارابي، الفضيلة والرذيلة، إلى صحة ومرض النفس. أنه يقول، كما أن للبدن صحة ومرضاً، فأن للنفس هي الأخرى صحة ومرضاً, أن صحة النفس في أن تكون هيئاتها وهيئات أجزائها، هيئات تفعل بها الخيرات والحسنات والأفعال الجميلة. أما مرضها في أن تكون هيئاتها وأجزاؤها تفعل بها الشرور والسيئات والأفعال القبيحة.
يعرج أبو نصر – بعد هذا- فيقول أن الهيئات النفسية التي بها يفعل الإنسان الخيرات والأفعال الجميلة هي الفضائل، أما التي بها يفعل الشرور والأفعال القبيحة، فهي الرذائل والنقائض والخسائس.
أن الذي يعالج الأنفس – برأي الفارابي – هو الإنسان المدني ويسمى أيضا الملك. الفارابي يعني به رئيس المدينة. أن المدني أو الملك يعالج الأنفس، فهو يحتاج إلى أن يعرف النفس بأسرها وأجزائها، وما يعرض لكل واحد من أجزائها من النقائص والرذائل، وما هي الهيئات النفسانية التي يفعل بها الإنسان الخيرات، وكم هي، وكيف الوجه في إزالة الرذائل من أهل المدن.
الفضائل صنفان: خلقية ونطقية. النطقية هي فضائل الجزء الناطق، مثل الحكمة والعقل والكياسة والذكاء وجودة الفهم. أما الخلقية فهي فضائل الجزء النزوعي، مثل العفة والشجاعة والسخاء والعدالة. الرذائل تنقسم أيضا هذه القسمة، وفي حيّز كل قسم منها أضداد هذه التي عدت وأغراضها.
الفارابي يؤمن بالممارسة، فيما يخص الفضائل والرذائل الخلقية. أن الفضائل والرذائل الخلقية، تحصل وتتمكن في النفس بتكرير الأفعال مراراً. إذا كانت تلك الأفعال خيرات، كان الذي يحصل هو الفضيلة وأن كانت شروراً، كان الذي يحصل لنا هو الرذيلة. يعطي الفارابي مثلاً على الصناعات مثل الكتابة، فهو يقول أن تكرير الكتابة، تحصل لنا صناعة الكتابة وتتمكن فينا. فإذا كان ما نكرره من أفعال الكتابة رديئاً، تمكنت فينا كتابة رديئة وأن كانت أفعالاً جيدة، تمكنت فينا كتابة جيدة.
يذهب الفارابي بعد هذا، إلى أن الإنسان لا يفطر بالطبع ذا فضيلة ولا رذيلة، كما لا يمكن أن يفطر الإنسان بالطبع حائكاً ولا كاتباً. أن الإنسان يفطر وله استعداد على أفعال أسهل عليه من غيرها. الاستعداد الطبيعي لا يقال له فضيلة ولا رذيلة، ولكن الأفعال إذا تكررت وتمكنت وصارت عادة، يمكن أن يقال عنها أنها فضيلة أو رذيلة، بحسب الفعل الذي يمدح عليه الإنسان أو يذم.
أنه من الصعوبة جداً، أن يوجد إنسان معد بالطبع نحو الفضائل كلها، الخلقية والنطقية، كما أنه من العسير أن يوجد إنسان معد بالطبع للصناعات كلها. في الغالب يكون إنسان معد نحو فضيلة ما أو عدة فضائل محدودة، كما أنه من الممكن أن يكون إنسان معد لصناعة ما أو عدة صنائع محدودة.
أن الإنسان الذي له استعداد نحو الفضيلة، وانضاف إليها الأخلاق المشاكلة لها وتمكنت بالعادة، كان ذلك الإنسان على أتم ما يكون. أما الإنسان الذي له استعداد نحو الرذيلة، وأنضافت إليها الأخلاق السلبية المشاكلة لها وتمكنت في العادة، صار ذلك الإنسان على أردأ ما يكون في ذلك الشيء. أن الإنسان الذي يتفوق بالفضيلة، على ما هو موجود من فضائل الناس يرتفع إلى درجة يسمى بالإنسان الإلهي. أن هذا يكون أولى بأن يدبر المدن وهو الملك على الحقيقة، أما الذي تتمكن منه الشرور، فأنه ربما سموه السبعي. أن مثل هذا لا يصلح لرئاسة المدن، بل الأولى أن يخرج من المدن كلها. يستدرك الفارابي، ليقول أن مثل هذين وجودهما قليل في الناس.
مع ذلك، فأن الاستعدادات الطبيعية، نحو فضيلة أو رذيلة، منها ما يمكن أن يغير بالعادة أو يزال زوالاً تاماً، يستطيع الإنسان أن يزيل عادة مضرة نحو عادة حسنة، وذلك بضبط النفس المجادلة والمدافعة. العكس يحدث ايضا بالممارسة والمزاولة.
هناك فرق ايضاً بين الرجل الضابط نفسه وبين الفاضل أن الضابط نفسه، يفعل الأفعال الفاضلة وهو يهوى الشر ويتشوقه، ولكنه يتجنبه ويخالف هواه. أما الفاضل، فهو يفعل الأفعال الحسنة ويعمل الخيرات، وهو يهواها ويشتاقها ولايتأذى بها بل يستلذها.
أن من الطبيعي، أن الضابط نفسه يختلف في استحقاق الفضل ، عن الرجل الفاضل، صاحب الخلق المحمود، لا تميل نفسه إلى شيء من الرذائل. أن مدبر المدن، من الملوك والرؤساء، إذا كان ذا أخلاق محمودة، وصارت المحامد في نفسه ملكات، فهو أفضل من الرجل الذي يكون ضابطاً نفسه. أن صلاح الرئيس عام لأهل مملكته، ولذا يجب أن تكون الفضائل فيه طباعاً وملكات، لأنه إذا هفا هفوة تعدى فساده إلى كثير غيره، ويكفيه ثواب ما يثبت فيمن يقومّهم.
يرى الفارابي أن الشرور تزال عن المدن أما بالفضائل التي تمكّن في نفوس الناس، وأما أن يصيروا ضابطين لأنفسهم. أن أي إنسان لم يمكن أن يزال الشر الكائن فيه، لا بفضيلة تمكن في نفسه ولا يضبط نفسه، يخرج عن المدن.
لا بأس ان أتوقف عند رأي الفارابي السلبي، الذي لا يقبله عقل ولا يتصوره إنسان ولا يؤيده عليه قانون. يرتأي الفارابي أن الرئيس الشرير ينبغي أن يخرج من المدن كلها. يكرر القول هنا، أن الرجل (المواطن) الذي لا يستطيع أن يضبط نفسه، يخرج عن المدن.
الحقيقة أن الفارابي فيلسوف كبير. أنه فيلسوف سياسي واجتماعي من طراز خاص، له نظريات أصلية ونظرات ثاقبة، تجعل الآخرين يعجبون به ويقتدون بآرائه. أنه بحكمه على الرؤساء أو الأفراد العاديين، الذين يتأصل فيهم الشر أن يخرجوا من المدن كلها. السؤال الذي يطرح نفسه. أين يذهب هؤلاء ومن يتقبلهم؟ هل يهيمون في الصحراء؟
أليس الأولى بالفارابي إذن، أن ينظر إلى هذا النفر من الناس نظرة عطف وإشفاق، ويوليهم شيئاً من اهتمامه. أنه يعرف جيداً، أن الإنسان قابل للتعلم، أليس الأولى إذن إصلاح هؤلاء، بوضعهم في اصلاحيات أو معاهد تربوية خاصة، لإرشادهم والحد من شرورهم، أليس أقسى ما يمكن أن نوقعه بهم هو أن ينالوا العقاب بقدر ما اقترفوا من شرور بدلاً من الحكم عليهم – جزافاً – بإخراجهم من المدن وطرحهم خارج الأسوار؟
الفارابي نفسه يعترف، بأنه لا يوجد إنسان مفطور على استعداد نحو أفعال ثم لا يمكنه أن يفعل ضد تلك الأفعال. الفارابي يقرر، أن أي إنسان فطر على هيئة أو استعداد، نحو أفعال فضيلة أو رذيلة، فأنه قادر على أن يخالف ويفعل الفعل الكائن عن ضد ذلك الإستعداد. أن ذلك طبعاً يسهل عليه بالعادة والتكرير، حتى يتعود.
الإعتدال عند الفارابي فضيلة، وأن الأفعال التي هي خيرات – برأيه – هي الأفعال المعتدلة المتوسطة. أن الطرفين هما شر، لأن أحدهما أفراط والآخر نقص. يعطي الفارابي بعد ذلك امثلة للفضائل وأطرافها. فضيلة العفة مثلاً، هي متوسطة بين الشره وعدم الإحساس باللذة. السخاء متوسط بين التقتير والتبذير وهكذا، فأن التواضع متوسط بين التكبر وبين التخاسس. الكرم متوسط بين البذخ و بين البخل. الحياء متوسط بين الوقاحة وبين الحصر. التودد متوسط بين التمقت وبين التملق.
المعتدل والمتوسط يقال على نحوين، أحدهما متوسط في نفسه والآخر متوسط بالإضافة والقياس إلى غيره، فأنه يزيد وينقص باختلاف الأشياء التي تضاف إليها. أن المتوسط في الأغذية والأدوية، يكون متوسطاً معتدلاً، من بدن لبدن من وقت لآخر. الأفعال هي الآخرى تكون معتدلة، بحسب المكان والزمان، من إنسان لآخر ومن طائفة لآخرى.
الإنسان نفسه، يستطيع أن يستنبط المتوسط في الأفعال والأخلاق، كما يعرف المتوسط في تناول غذائه أو في طبيعة العمل في الصناعة التي يحترفها. الإنسان قادر على تمييز الإعتدال في الطعام كي يحفظ عليه صحته، كما أنه في العمل يقدر ويتحرى مقدار العمل ومقدار الراحة، كذلك في الأخلاق، هو قادر على إدراك الضار من النافع، وهو يميز بين السلوك الذي يؤدي به إلى الفضيلة عن الطريق الضار الذي يفضي إلى الرذيلة.
يعزز الفارابي رأيه، عندما يقرر بصراحة أن الإعتدال بالسيرة الإنسانية، فيما يخص سلوك الإنسان مع نفسه كفرد، أو في تعامله مع الآخرين كعضو في مجتمع. ينبغي على الإنسان، أن يضع السعادة نصب عينيه، ثم يقدر أفعاله بحسب الطريقة التي توصله إلى السعادة.
أما الفضيلة العقلية، فهناك فضيلة الجزء الناطق النظري، الذي فضيلته العلم والحكمة، وفضيلة الجزء الناطق الفكري، وفضيلته العقل العملي والتعقل والذهن وجودة الرأي وصواب الظن.
العقل النظري يحصل لنا بالطبع، لا ببحث ولابقياس وذلك أننا نعلم أن الكل أعظم من جزئه، وأن المقادير المساوية لمقدار واحد متساوية. أما العقل العملي، فهو قوة يحصل بها الإنسان مقدمات من تجارب الأمور ومن طول مشاهدة الأشياء المحسوسة، يستطيع بها أن يؤثر أو يتجنب كثيراً من الامور. التعقل هو القدرة على جودة الرؤية واستنباط الأشياء، التي هي أجود وأصلح ليحصل بها الإنسان على خير عظيم وغاية شريفة فاضلة.
يؤمن الفارابي بأن الخير في العالم هو الموجود وأن الشر غير موجود أصلاً. يضيف أبو نصر، أن الشر ضربان: أحدهما الشقاء المقابل للسعادة ، والثاني كل شيء شأنه أن يبلغ به الشقاء. كما أن هناك خيرين، أحدهما السعادة، وهي خير على أنها الغاية من غير أن يكون وراءها غاية تطلب بالسعادة. الخير الثاني كل ما نفع بوجه ما في بلوغ السعادة. المهم في كل هذا، أن الفارابي يرى أن الشرين إراديان، كما أن الخيرين المقابلين لهما، إراديان ايضاً.
يرد الفارابي على الذين يرون أن القوة الشهوانية والغضبية هما شر، كما انه لا يتفق مع الذين يرون أن الجزء النزوعي من النفس هو شر، أو الذين يرون أن الانفعالات النفسية، مثل الغيرة والقسوة والبخل و أشباه ذلك. الفارابي يرشد إلى الطريق السوي، حين يقول أن طريقة الاستعمال، إذا أدت إلى بما ينال به السعادة فهي خيرات، وإذا استعملت ما يؤدي إلى الشقاء فهي شرور.
يعالج الفارابي مشكلة الموت، فيقول أن الموت شيء طبيعي. بعد ذلك، ينصح الرجل الفاضل الا يجزع من الموت، بأن يعتقد أنه سيناله بالموت شر عظيم، أو سيفوته خير عظيم. عليه أن يؤمن أنه لا ينال بالموت شراً أصلاً، وأن الخير الذي كان قد حصل له وقت موته هو معه، ولا يفارقه بالموت.
مع ذلك، فأن على الرجل الفاضل ألا يستعجل الموت، بل ينبغي أن يحتال في البقاء ما أمكنه، ليزداد من فعل ما يسعد به، وأن لا بفقد أهل المدينة نفعه لهم بفضيلته. ليس للرجل الفاضل أن يجزع إذا حل به الموت كرهاً، لأن الذي يجزع من الموت أهل المدن الجاهلية والفساق. أما أهل المدن الجاهلية، فهم يجزعون لما يفوتهم لما يخلفون من لذات وأموال أما الفساق فيصيبهم الندم لما قدموه من حياتهم.
يخص الفارابي بلفتة من لفتاته، يخص المجاهد الفاضل، حين ينصحه ألا يتهور ويخاطر بنفسه، ولكن مع ذلك، عليه أن لا يفزع ولا يجزع، إذا ما حل الموت به، بعد هذا، ينبغي أن يخص المجاهد الذي قتل في الحرب، أن يمدح، لأنه ضحى بنفسه، من أجل أهل المدينة.
وهكذا فأن الإنسان العاقل، الذي يعقل إذا ما اجتمع له شيئان، أحدهما أن تكون له جودة تمييز لما ينبغي أن يؤثر أو يجتنب من الأفعال. الثاني أن يستعمل الأفضل من كل ما وقف عليه بجودة تمييزه. أما الإنسان المتعقل، فهو الذي يكون له جودة رؤية في استنباط ما ينبغي أن يفعل من أفعال الفضيلة.
أن العمل يكون فضيلة وصواباً، إذا عرف الإنسان الفضائل، التي هي فضائل بالحقيقة، وعوّد نفسه أفعال الفضائل، التي هي بالحقيقة فضائل، حتى صارت له هيئة من الهيئات وعرف مراتب الموجودات واجتنب ما ينبغي أن يجتنب.
أن هذه الحالة، لا تحصل ولا تكمل، إلا بعد الحنكة وكمال المعرفة بالبرهان واستكمال العلوم الطبيعية، وتبعها وما بعدها على ترتيب ونظام حتى يصير أخيراً إلى العلم بالسعادة، التي هي بالحقيقة سعادة، وهي التي تطلب لذاتها، ولا تطلب في وقت من الأوقات لغيرها.
أن المبادئ الطبيعية التي في الإنسان وفي العالم غير كافية في أن يصير الإنسان بها إلى الكمال،بل أن الإنسان محتاج إلى مبادئ عقلية، يسعى الإنسان بها نحو ذلك الكمال. يكون الإنسان حينها قد قارب البلوغ إلى المنزلة والدرجة من العلم النظري، التي تنال بها السعادة، ويبلغ به النظر من الجهتين جميعاً إلى أن تنتهي إلى موجود لا يمكن أن يكون له مبدأ أصلاً بل يكون هو الموجود الأول والمبدأ الأول لجميع الموجودات.
يعتقد الفارابي، أنه لا يكاد يوجد إنسان مفطوراً من اول أمره على الكمال، حتى يوجد فيه تفاوت أصلاً، وأن تكون سائر أفعاله وسيرته وأخلاقه تجري على العدل والإنصاف، من غير ميل إلى أحد الأطراف أو غلبة من بعض الأضداد على بعض. الفارابي يعتقد إذن أن الفطرة مصنوعة من متضادات، فأن كل فطرة إنسانية، إذا قلت المنافرة في عناصرها، كانت إلى الإعتدال أقرب، وكلما كثرت المنافرة كانت من الإعتدال بتنافر الطباع واعتدالها.
أن الاجتماع على الفضيلة لا يقع فيه تباين ولا تفاسد، لأن الغرض في الفضيلة واحد هو الخير، الذي يراد لنفسه لا لشيء آخر غيره. فإذا كانت الشهوة من الإثنين والقصد منهما أنما هو لذلك الغرض الذي هو الخير بعينه، فطريقهما إليه واحد ومحبتهما للشيء بعينه واحدة. أن التفاسد يقع باختلاف الشهوات وتباين الأغراض، فيكون حينئذ هو التصرف الذي لا اجتماع معه، لأن كل واحد غرضه غير غرض الآخر وطريقته غير طريقته.
الفارابي يرى أن الفلسفة مهمة في أن يتعلمها الإنسان، فيحصل على العلوم النظرية. مع ذلك فأن الفارابي يعتقد أن على الإنسان أن تكون أفعاله جميلة، إضافة إلى تعلمه للعلوم النظرية. الفارابي يفضل الإنسان الذي تكون أفعاله جميلة حتى لو لم يتعلم العلوم النظرية، على الذي تعلم العلوم النظرية وأفعاله غير جميلة. الفضيلة الكاملة إذن تكون في تعلم العلوم النظرية، تصحبها أفعال جميلة.
السعـــــادة
يعد الفارابي (259 – 339هـ) مؤسس الفلسفة الإسلامية، لأنه كتب في جميع فروع الفلسفة، إضافة إلى أنه قد اشتهر في كتاباته السياسية، ولاسيما كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة، الذي اشتهر به، وكان يعرف أنه صاحب كتاب المدينة الفاضلة. كما أنه يعد المعلم الثاني في تاريخ الفلسفة، بعد أرسطو 0 الفيلسوف اليوناني – الذي عرف بلقب المعلم الأول.
ينسب الفارابي إلى مدينة فاراب في تركستان، ولا يعرف شيئاً عن طفولته وشبابه، لكن المعروف عنه أنه غادر بلده وتنقل من مدينة إلى أخرى حتى وصل إلى بغداد فأتقن اللغة العربية، ثم درس الفلسفة على أبي بشر متي بن يونس وعلى الطبيب المنطقي يوحنا بن حيلان. لقد أفاد الفارابي من مكوثه في بغداد، لأنه درس فيها أمهات الكتب اليونانية، ولاسيما كتب أفلاطون وأرسطو، وصار رئيساً لمناقطة بغداد، واجتمع حوله كثير من طلاب الفلسفة، الذين برزوا في حقل الحكمة فيما بعد، مثل يحيى بن عدي وابي سليمان المنطقي، انتقل الفارابي فيما بعد إلى دمشق ثم سافر إلى مصر وعاد إلى الشام، واتصل بسيف الدولة الحمداني، وعاش تحت كنفه حتى مات.
الذي أود توضيحه في هذا المقام، أن الفارابي حتى لو ولد في مدينة بعيدة عن العاصمة بغداد، عاصمة الخلافة الإسلامية، إلا أن لسانه كان عربياً. ليس المهم العرق في هذا الشأن، لأن المهم هنا، أن ثقافته عربية إسلامية. لقد كتب كتبه ورسائله كلها باللغة العربية، إذا كان قد قضى طفولته في فاراب فأن صباه وشبابه وكهولته وشيخوخته، قضاها كلها في حواضر عربية متميزة، مثل بغداد ودمشق والقاهرة وحلب. أنه درس وناظر ودرس وكتب بلغة عربية سليمة. أكثر من هذا، فأنه إذا ولد في مدينة فاراب، فلا يعني هذا أنه غير عربي النسب. أن أباه كان قائد جيش، وقد يكون عربياً وصارت مهمته العسكرية في تلك الديار الإسلامية، والتي سكنها واستوطن فيها كثير من العرب الذين استقروا هناك.
المهم في الامر أنه قضى جل حياته في بغداد ودمشق وحلب. اساتذته كانوا من العلماء العرب المعروفين، تتلمذ عليهم واتقن اللغة العربية على أيديهم مثل أبي بكر السراج الذي قرأ عليه النحو، مما جعله يتمكن من اللغة العربية ويستعمل في كتاباته ألفاظاً ومصطلحات عربية في كتاباته الفلسفية والمنطقية وباقي صنوف الحكمة، تصعب جداً على من لا يتقن العربية إتقاناً تاماً، حتى انه بز جميع الفلاسفة في عصره، إذ شرح الفلسفة وكشف سرها وقرّب تناولها، وقد توصل إلى صنوف الإبداع في الفلسفة والمنطق.
ومن الجدير بالذكر أن أقول أن الفارابي الفيلسوف كان يرى أنه الله هو المالك لأعلى درجات الكمال الممتلئ بالحقيقة الازلية، المكتفي بذاته من دون تغيير ولا تبديل. الله هو العلي الأولى لكل الأشياء، وهو واحد فرد لا يتعدد. الفارابي كان يؤمن بالبعث وخلود النفوس، ويقول بالنعيم الأبدي والعذاب الأبدي وكان مؤمناً بالدين الإسلامي، كما ورد في كتاباته، ولاسيما في كتابه (المدينة الفاضلة). الفارابي كان ينصح الذي يريد أن ينخرط في درب الحكمة (الفلسفة) أن يكون صحيح المزاج، متأدباً بآداب الأخيار، قد تعلم القرآن وعلم الشرع، وأن يكون عفيفاً صدوقاً، معرضاً عن الفسق والفجور والغدر والخيانة والمكــر والحيلـة، كما أن عليه أن يكون مقبلاً على أداء الوظائف الشرعية، غير مخل بركن من أركان الشريعة، بل غير مخل بآداب من آداب السنة.
أن الفارابي تناول المشكلة الدينية في كتبه وتعليقاته وذهب إلى أن الدين والملة يتفقان في جوهرهما، لأن الدين يستدعي صلة الإنسان بالله، غير أن الملة تنسب إلى النبي مؤسس المجتمع الديني. أن الفارابي يعترف ويؤكد بحقيقة المعرفة النبوية وقيمتها، وهذا واضح في كتابيه (المدينة الفاضلة) وكتاب (الملة)، يذكر الفارابي في كتاب (الملة) أن الانبياء الكبار أصحاب الشرائع أولئك الذين لهم عقل منفعل موحد كالعقل الذي يتصف به الفيلسوف، وفي هذا العقل الفعال الموحد في عالم المدركات يكون الانبياء مؤسسي الاديان السماوية. أن الفارابي يؤكد في كتابه (عيون المسائل) أن الموجودات على ضربين: واجب الوجود وممكن الوجود، ثم أن الواجب الوجود على ضربين: واجب الوجود بذاته وهو الذي لا يحتاج في وجوده إلى علة خارجية وهو الله وحده، الذي يستمد وجوده من ذاته، ثم واجب الوجود بغيره وهو الممكن، إذا توفرت له أسباب الوجود من خارج ذاته. أن الله - في رأي الفارابي – في غاية البساطة والكمال والجمال والتجريد، لأنه مخلص من المادة، ولأنه عقل مطلق، أنه سعيد وسعادته في ذاته، وهي أبدية وكاملة.
الإنسان برأي الفارابي يصبو إلى الكمال، وأن الكمال لا يتحقق إلا بالتعاون الاجتماعي. الإنسان إذن بحاجة إلى المجتمع والتعاون. لأن هناك أشياء ومتطلبات لايستطيع أن يحققها وحده. لأن كل واحد من الجماعة يقوم بعمل معين. أن الاجتماعات برأي الفارابي على نوعين: الأول اجتماعات كاملة وهي ثلاثة عظمى ووسطى وصغرى. أن العظمى تتكون من المجتمع الإنساني، وأما الوسطى فتتكون من مجتمع الأمة، وأما الصغرى فمن مجتمع المدينة، الثاني الاجتماعات غير الكاملة وهي أربعة: مجتمع أهل القرية ومجتمع أهل المحلة ومجتمع أهل السكة ثم أصغر مجتمع هو مجتمع أهل المنزل. أن الخير الأفضل ينال في المدينة، أما المجتمعات الأدنى فتبقى ناقصة وخادمة لمجتمع المدينة، وتصبو إليه.
أن الخير عند الفارابي ينال بالاختيار والإرادة، كما أن الشر أيضا ينال بالاختيار والإرادة. أن أهل المدينة إذا اجتمعوا من اجل تحقيق الخير والسعادة كانت المدينة فاضلة، وإذا اجتمع أهلها على الشر كانت مدينة ضالة. أن الفارابي يرى أن على كل إنسان أن ينظر إلى نفسه ويتأمل أحوال غيره من الناس، فأنه سيجـد أن هنـاك مـن هو أعلـى مرتبة، وهناك من هو في مستـواه وهنـاك من هو أدنـى مرتبة. أن على الإنسان في هذه الحالات الثـلاث، أن يسعـى لينــال مرتبة الأرفعين، وعليه أن يحاول أن يفضل أكفائه الذين هم فــي مرتبته نفسها، أو الأدنى منه مرتبة، فعليه ألا ينحط إلى مرتبتهم.